إسلام ويب

الثقة في اللهللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هذه رسالة تحمل في طياتها المخرج الوحيد من الهم والغم والضيق، بل هي مفتاح السعادة في الدنيا والآخرة، وبدونها يعيش الناس في شقاء وبلاء، إنها الثقة بالله سبحانه وتعالى، وفي هذه الرسالة بسط الشيخ الحديث عن هذا الموضوع وأهميته مستدلاً بواقع المجتمع، ومشاكله، ومبيناً أن أساسها هو عدم الثقة بالله سبحانه وتعالى. فهاهي دعوة صادقة توجه إليك أخي المسلم لتعود إلى الله سبحانه وتعالى، وتثق بدين الله.

    1.   

    أهمية الثقة

    الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريكٌ في الملك وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62] عالم الغيب والشهادة، الذي استوى في علمه ما أسر العبد وما أظهر، الذي يعلم ما كان وما هو كائنٌ وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].

    أحمدك يا رب وأستعينك وأستغفرك وأستهديك، لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، جل ثناؤك، وعظم جاهك، ولا إله غيرك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، من توكل عليه كفاه، ومن اعتصم به نجاه، ومن فوض إليه الأمر هداه، وصدق الله إذ يقول: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر:36].

    وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا ومعلمنا وقدوتنا وأستاذنا محمد رسول الله، إمام المجاهدين، وقائد الغر المحجلين، صاحب المقام المحمود، وصاحب الحوض المورود، وصاحب اللواء المعقود، وصاحب الشفاعة العظمى في يومٍ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون، إلا من أتى الله بقلبٍ موحدٍ سليم.

    اللهم صلِّ وسلم وبارك عليك يا سيدي يا رسول الله، صلاةً وسلاماً يليقان بمقامك يا أمير الأنبياء، ويا سيد المرسلين، أشهد لك يا سيدي يا رسول الله ويشهد معي الموحدون أنك أديت الأمانة، وبلغت الرسالة، ونصحت الأمة، وكشفت الغمة، وعبدت ربك حتى لبيت داعيه، وجاهدت في سبيل ربك حتى أجبت مناديه، وعشت طوال أيامك ولياليك تمشي على شوك الأسى، وتخطو على جمر الكيد والعنت، تلتمس الطريق لهداية الضالين وإرشاد الحائرين، حتى علَّمت الجاهل يا سيدي، وقومت المعوج يا سيدي، وأمَّنت الخائف يا سيدي، وطمأنت القلق يا سيدي، ونشرت أضواء الحق والخير والإيمان والتوحيد كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار، فصلى اللهم وسلم وبارك عليك يا سيدي يا رسول الله، وجزاك الله عنا خير ما يجزي الله به نبياً عن أمته ورسولاً عن قومه.

    أما بعد:

    فيا أيها الأحباب! إن موضوعي اليوم مع حضراتكم يدور حول كلمةٍ واحدة، كلمة تتكون من خمسة أحرف فقط، هذه الكلمة هي مفتاح السعادة في الدنيا والآخرة، هذه الكلمة هي المخرج الوحيد للهم والغم والكرب والضيق الذي نعيش فيه في هذه الأيام، هذه الكلمة هي مفتاح السعادة في الدنيا والآخرة، وبدونها هأنتم ترون أننا نعيش في شقاءٍ ونعيش في قحطٍ وضيقٍ وبلاء.

    أتدرون ما هي هذه الكلمة؟

    كلمة بسيطةٌ في حروفها، قليلةٌ في تركيبها، عظيمةٌ في معانيها وفحواها، إنها: الثقة.

    ربما يعجب الكثير، ويقول في ذهنه في التو واللحظة: كيف يجعل خطبةً كاملة ننتظرها من أسبوعٍ لأسبوع عن كلمةٍ كهذه الكلمة ألا وهي كلمة: الثقة، ولكنكم بعد انتهاء الخطبة سترون أن الموضوع جد خطير؛ لأن الثقة -أيها الأحباب- تدور على ثلاثة أمور:

    أولاً: الثقة في الله.

    ثانياً: الثقة في منهج الله وهو: (القرآن).

    ثالثاً: الثقة فيمن بلَّغ عن الله وهو (ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم).

    أعتقد أن الأمر قد اتضح قليلاً، وأن الموضوع جد خطير.

    الثقة أمرٌ عظيمٌ وأمرٌ خطير؛ لأنها:

    أولاً: ثقة في الله الخالق، ثقةٌ في الله الرازق، ثقة في الله المانع، ثقة في الله الخافض، ثقة في الله المعطي، ثقة في الله الضار، ثقة في الله المانع.

    ثانياً: ثقة في منهجه، ثقةٌ في تشريعه، ثقة في كتابه.

    ثالثاً: ثقة فيمن بلغ عن ربه وهو ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    مشكلة المجتمع اليوم

    إن مشكلتنا اليوم ليست نقص في المياه ولا الكهرباء، وليست نقص في الثمرات، ولا في الأرزاق، وليست نقص في العلاج ولا في الإسكان ولا في البناء، وإنما مشكلتنا اليوم هي مشكلة عدم ثقتنا بالله جل وعلا، نحن اليوم لم نعد نثق بالله جل وعلا، إذا ما قلنا: أيها المسئول! لم لا تثق في الله، ولم لا تثق في كلام الله، ولم لا تثقُ في منهج الله، ولم لا تثقُ في شرع الله؟ وجدت أن عدم الثقة واضحةً جليةً وضوح الشمس في ضحاها، يردون عليك بمنتهى الوقاحة وبمنتهى التبجح الممقوت الصارخ، وهم يقولون لك: يا هؤلاء! يا من تنادون بمنهج الله! ويا من تريدون العودة إلى الله! ويا من تصرخون بالصلح مع الله! إذا فعلنا ذلك وأغلقنا (الكبريهات، والكزنوهات) ومنعنا الخمور، وقضينا على شبكات الدعارة، وقبضنا على مافيا المخدرات من علية القوم وسادات الناس، ومنعنا السياحة، فمن الذي يضمن لنا العملة الصعبة؟

    إن الذي يضمن لنا ولكم العملة الصعبة والرزق هو الذي خلق الخلق، هو من بيده الرزق، هو من بيده الأمر كله.

    فمشكلتنا -أيها الناس- وبلغوا هذا الكلام للجميع، وأنا أصرخ وأناشد المسئولين في هذا البلد، المسئولين عن هذا البلد الطيب: إن مشكلتنا الرئيسية أقسم بالله العظيم لا تكمن في نقص المياه، ولا تكمن في نقص الكهرباء، ولا تكمن في نقص الثمرات، وإنما مشكلتنا هي عدم الثقةٌ بالله الخالق.

    إننا نعيش في قحطٍ وضيقٍ وبلاء، نعيش في أزمات تلو الأزمات، ولكن زاد الطين بلة، هذه القرارات الأخيرة، التي خرجوا علينا بها، وملئوا مسامعنا بها على صفحات الجرائد وشاشات التلفزيون، وعبر موجات الراديو والإذاعات، هذه القرارات التي ترفع لأول مرة للمسئولين عن هذا البلد، ما هي هذه القرارات؟

    قراراتٌ خطيرة، تنذر بأن الأمر خطير، وبأن المشكلة ليست كلاماً، وإنما هي مشكلةٌ حقيقية، نقصٌ في المياه، ثم بعد ذلك نقصٌ في الكهرباء.

    نقص المياه يترتب عليه ماذا؟

    يترتب عليه نقصٌ في استصلاح الأراضي الزراعية، ويترتب عليه نقصٌ في الثمرات وزيادة في المشاكل.

    نقصٌ في الكهرباء.

    ونقص الكهرباء يترتب عليه ماذا؟

    تعطيل للصناعات، وتعطيل للمصانع، زيادة للمشاكل والأزمات، والأفواه تصرخ تريد أن تأكل وتريد أن تشرب، ولكن ما هي النتيجة، ما هي الحلول التي خرج علينا بها المسئولون عن هذا البلد، ما هي الحلول التي ذكّرونا بها للخروج من هذه الأزمات، وللخروج من هذه المشاكل؟

    أتدورن ما هي؟

    كل الحلول التي قرأناها على صفحات الجرائد، والتي سمعناها وشاهدناها أنهم يصرخون في الناس ويقولون: اربطوا على البطون الأحزمة، لا تسرفوا، لا إسراف في المياه ولا إسراف في الكهرباء، هذا أمرٌ طيب، هذا أمرٌ حث عليه الدين من قبل أن تذكرونا به، فلو كان في القلب ذرةٌ من الإيمان لسمعنا قول الله عز وجل، وهو يصف عباد الرحمن بقوله: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً [الفرقان:67].

    إذاً: الاعتدال ركنٌ من أركان الإيمان، وركنٌ من أركان الدين، ولكن القضية ليست قضية عدم إسراف، الحل لا يكمن في عدم الإسراف وحده، الحل لهذه المشكلة والخروج من هذه الأزمة لا يكمن في عدم الإسراف وحده، لماذا؟ لأن النتيجة بعد عدم الإسراف، نفد الماء، ونقصت الكهرباء، وعدنا نضرب كفاً على كف ننتظر الفرج من الله.

    إذاً: عدم الإفراط ليس هو الحل وحده، إن كان جزءاً من الحل فليس هو الحل كله.

    إذاً: ما هي النتيجة؟

    هل سمعنا مسئولاً واحداً يذكرنا بالصلح مع من بيده مفاتيح الماء؟! هل سمعنا مسئولاً واحداً يصرخ فينا بالرجوع إلى الله، حتى ممن ولاهم الله قيادة أمر الدين في هذا البلد؟ ما سمعنا مسئولاً يذكرنا بالصلح مع الله، ما سمعنا مسئولاً يذكرنا بالرجوع إلى الله، ما سمعنا مسئولاً يذكرنا بأن نرجع إلى من بيده مفاتيح الماء، إلى من بيده مفاتيح الدنيا والآخرة.

    1.   

    الدعوة إلى تأمل كلام الله

    استمعوا إلى الله أيها المسئولون، استمعوا إلى الله أيها المسلمون، ماذا يقول ربكم؟ ماذا يقول خالقكم؟ ماذا يقول رازقكم؟ يقول الله سبحانه وتعالى: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ [المؤمنون:18].

    الذي أنزل الماء هو الله، وصاحب الماء هو الله، بالله عليكم لقد وصل الشرق والغرب إلى أعلى درجات الترقي والتطور والحضارة، فهل سمعنا أن هناك قوةٌ شرقية، أو قوةٌ غربية تجرؤ على أن تدعي أنها تستطيع أن تصنع ذرة واحدةً من الماء، هل تستطيع قوة على تصنيع ذرة من ذرات الماء؟! أبداً.

    إذاً: المالك الحقيقي، والصانع الحقيقي لسبب الحياة الأول والأخير في هذه الحياة: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء:30] سبب هذا المصدر، ومسبب هذا المصدر هو من بيده الأمر كله، هو الله جل جلاله: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ [المؤمنون:18] اسمعوا أيها المسئولون! اسمعوا أيها المسلمون: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ [المؤمنون:18] سبحانك يا رب.

    يا من تقرءون القرآن ليل نهار، يا من تعقدون السرادقات، وتجلسون لسماع القرآن أين أنتم من كلام الله؟! وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ [المؤمنون:18] بقدرٍ معلوم، بقدر حاجتهم للماء، وبقدر طاعتهم، وبقدر قربهم، وبقدر شكرهم، وبقدر حربهم على منهج ربهم.

    وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ [المؤمنون:18] جعلناه في الأنهار، جعلناه في العيون، جعلناه في الينابيع، جعلناه في الأرض لتنتفعوا به، لتسقوا النبات، ولتسقوا الحيوانات، ولتشربوا عذباً فراتاً زلالاً.

    وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ [المؤمنون:18] أي: على ذهاب بهذا الماء لقادرون: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل:40].

    إذاً: الذي ينـزل الماء هو الله، والذي يرفع الماء هو الله، والذي يحول بين الناس هو الله: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ [المؤمنون:18].

    واستمعوا إلى الله جل وعلا وهو يقول في سورة الحجر: وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ [الحجر:22].

    انتبهوا للقرآن، بلغوا هذا الكلام لكل مسئول، أسمعوا هذا الكلام لكل مسئولٍ عن هذا البلد: وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ [الحجر:22] مهما بنيتم من سدٍ عالٍ، أو سدٍ منخفض، ابنوا ما شئتم من السدود، وابنوا ما شئتم من الحصون، ما أنتم له بخازنين إلا برحمتنا، ما أنتم له بخازنين إلا بأمرنا، ما أنتم له بخازنين إلا بقدرتنا، ما أنتم له بخازنين إلا بلطفنا: وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ [الحجر:22] انتبهوا للقرآن، انتبهوا لكلام ربكم: وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ [الحجر:22] إلا بأمر الله وإلا بإدارة الله وإلا بقدر الله جل وعلا.

    هلا شكرتم المنعم

    واستمعوا إلى الله جل وعلا وهو يقول: أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ [الواقعة:68] انتبه يا موحد، انتبه يا مسلم أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ [الواقعة:68-69] من الذي أنزل الماء؟ الله أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ [الواقعة:69-70].

    فهلا تشكرون المنعم! فهلا تعترفون للمنعم بالفضل والنعم! فهلا تشكرونه!! فهلا تتقونه!! فهلا تعبدونه!! فهلا توحدونه!! لا إله إلا الله.

    أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ [الواقعة:68-69].

    (من المزن): أي من السماء والسحاب.

    (جعلناه أجاجاً): جعلناه ملحاً لا تستطيعون شرابه ولا تنتفعون به، جعلناه مراً علقماً: لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ [الواقعة:70].

    واستمع إلى الله جل وعلا وهو يقول: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ [الملك:25-27].

    (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً)

    قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ [الملك:28-30] من؟ الله، الذي إن ذهب بالماء إلى أغوار الأرض وإلى قاع الأرض العميق لا تستطيعون أن تصلوا إليه، لا تستفيدون منه، ولا تنتفعون به.

    (قل أرأيتم) أخبروني إن أذهب الله هذا الماء، أو إن منع الله الماء من السماء، أو إن منع الله هذا الماء أن تصلوا إليه في أعماق الأرض: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً [الملك:30] أي: غائراً في باطن الأرض لا تصلون إليه، ولا تستفيدون منه، ولا تنتفعون به: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ [الملك:30] من غير الله يأتيكم بالماء؟ من غير الله يأتيكم بالرزق؟

    1.   

    أتعجبون من هذا البلاء؟!

    هذا هو كلام الله! هذا هو كلام ربكم أيها المسئولون! فهل تثقون في كلام الله؟! هل تثقون في أن الذي ينزل الماء من السماء هو الله؟! هل تثقون بأن الذي يستطيع أن يخرجنا من هذه الأزمة هو الله؟!

    إن كان الأمر كذلك فلم تخدعون الناس وتخدعون أنفسكم، إن كان الأمر كذلك فلم تحاربون الله ليل نهار؟! في بلادنا تصنع الخمور! في بلادنا تشرب الخمر! في بلادنا شبكاتٌ للدعارة والزنا! في بلادنا أبيح الربا! في بلادنا إعلامٌ عنيد يدمر الأخلاق والقيم! في بلادنا كل شيء، كل شيء يغضب الله، كل شيء أعلنا فيه الحرب على الله.

    في بلادنا غناءٌ ماجن ورقصٌ فاحش، ولا يتورعون على أن نقرأ على صفحات الجرائد ليل نهار إعلانات في الصفحات الأولى، إعلانات عارية على الصفحات الأولى من الجرائد، إعلانات عن ماذا؟ عن الكباريهات، والكازنوهات، مع سلطانة الرقص الشرقي، مع ملكة الرقص الشرقي، بدون حياء وبدون خجل، تنتظرون ماذا؟! ماذا تريدون بعد ذلك؟! ماذا تريدون بعد هذه الحرب الشعواء التي شنها الناس على الله؟! ماذا تنتظرون؟! أتعجبون من هذا القحط الذي نعيش فيه؟! أتعجبون من هذا البلاء الذي نعيش فيه؟! أتعجبون من هذا الضيق الذي نعيش فيه؟! إن الله عنده أكثر من هذا البلاء، وأكثر من هذا الضيق، وأكثر من هذا القحط إن لم نرجع إلى الله، وإن لم نصطلح مع الله، وإن لم نعرف قدرتنا: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279] ولن تستطيع قوةٌ على ظهر الأرض أن تتحمل حرب الله، وأن تتحمل حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أيها المسئولون! أيها المسلمون! إن أردتم أن نخرج من هذه الأزمة لا نقص في المياه، ولا نقص في الكهرباء، ولا نقص في الأموال، ولا نقص في الثمرات، فعودوا إلى رب الأرض والسماوات.

    هذا هو الداء وذاك هو الدواء، إن أردتم أن نخرج من هذه الأزمة فأعلنوا في الناس أن الصلح مع الله قد آن، أما آن لنا بعد كل هذا أن نرجع، ماذا ننتظر؟! ماذا ننتظر بعد كل هذا الهم والغم؟! أما آن لنا أن نفيق، أما آن لنا أن نصطلح مع الله، إذا أردتم ذلك فامنعوا الخمور، إذا أردتم ذلك فأغلقوا الكباريهات، إذا أردتم ذلك فنظفوا الإعلام، إذا أردتم ذلك فعودوا إلى الله وامنعوا هذه الإباحية، وامنعوا هذا السفور، وهذه العربدة تحت ستار التطور والتحرر والمدنية، إن أردتم ذلك فحاربوا وأمسكوا على أيدي مافيا المخدرات الذين يريدون لعقول وشباب المسلمين التحطيم والتدمير، وأنتم تعلمون أنهم من علية القوم وسادة الناس، إذا أردتم ذلك فهيا أعلنوا الصلح كله مع الله: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة:85]؟!

    لابد أن ننظف أنفسنا، ولابد أن ننظف أحكامنا، ولابد أن نرجع إلى ربنا إذا أردنا أن نخرج من هذا البلاء، إذا أردنا أن نخرج من هذا الضيق، إذا أردنا أن نخرج من هذا الشقاء، أفلا تثقون بالله؟!

    1.   

    الرجوع إلى الله وحده

    مشكلتنا عدم الثقة في كلام الله، الله سبحانه وتعالى هو وحده القادر على العطاء، هو وحده القادر على المنع، هو الذي يعطي، وهو الذي يمنع، وهو الخافض، وهو الرافع، وهو القابض، وهو الباسط، وهو بيده رزق كل شيء: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6] فلماذا لا نرجع إليه؟! ولماذا لم نصطلح مع الله تبارك وتعالى؟!

    أتذكر مشهداً في غاية الروعة والجمال، هذا هو سيدنا عمران بن حصين رضوان الله عليه، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم مبعوثاً من قريش، ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم لعله يستطيع أن يقنع النبي أن يرجع عن دينه ويرجع إلى دين آبائه، فقال له عمران : [يا محمد! إنك فينا حيث قد علمت، صادقاً أميناً متزناً رزيناً، فهلا هادنت قومك وتركت سب آلهتهم وتسفيه أحلامهم].

    فماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم؟! قال له: (يا عمران! من تعبد؟ -ما هي آلهتك؟- فقال عمران بن حصين: أعبد سبعةً من الآلهة، إلهٌ في السماء وستةٌ في الأرض، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: فأي إله تطلب لحاجتك يا عمران؟! -أي إن كنت في ضيق ٍوحاجة، تطلب من آلهة الأرض أم من إله السماء؟- قال: بل من إله السماء، قال رسول الله: فإذا كنت في مرض فممن تطلب؟ قال: من إله السماء، قال: فإذا كنت في شدة فممن تطلب؟ قال: من إله السماء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما دام إله السماء يعطيك ويكفيك ويرضيك فلمَ لا تقل لا إله إلا الله؟!) فلمَ تشرك معه غيره؟ فما لبث عمران إلا أن يذعن لهذه الحجة القوية، ولهذا البرهان الواضح الساطع ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.

    أيها الأحباب! لو عدنا إلى الله فإن الله صاحب العطاء! لو عدنا إلى الله فإن الله صاحب الرزق، لو عدنا إلى الله فإن الله عنده الكثير، استمعوا إلى الله جل وعلا وهو يقول في الحديث القدسي الجليل: (يا ابن آدم! لا تخشى من ذي سلطانٍ ما دام سلطاني باقٍ، وسلطاني لا ينفذ أبداً، يا ابن آدم! لا تخشى من ضيق الرزق فخزائني مملوءة وخزائني لا تنفذ أبداً، يا ابن آدم! لا تطلب غيري وأنا لك، فإن طلبتني وجدتني وإن فتني فتك، وإن فتك فقد فاتك الخير كله، يا ابن آدم! إن رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك وصرت عندي محموداً، وإن لم ترض بما قسمته لك، فوعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البرية، ثم لا يصيبك إلا ما قسمته لك، وصرت عندي مذموماً، يا ابن آدم! أنا لا أنسى من عصاني فكيف أنسى من أتى إلي تائباً؟ فوعزتي وجلالي لو أتيتني نهاراً قبلتك، ولو أتيتني ليلاً قبلتك، ولو تقربتَ مني شبراً تقربتُ منك ذراعاً، ولو تقربت مني ذراعاً تقربت منك باعاً، ولو أتيتني تمشي أتيتك مهرولاً، فمن أعظم مني جوداً وأنا الجواد الكريم).

    أيها الأحباب! لا مفر ولا مناط: أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ [النجم:57-58] أقسم بالله العظيم، أنه لن تكشف هذه الغموم، ولن تحل هذه المشاكل، ولن ترفع هذه الأزمات، إلا إذا اصطلحنا مع الله، وإلا إذا عدنا إلى الله، وإلا إذا رفعنا هذه الحرب عن منهج الله وعن شرع الله جل وعلا، وهأنتم مخيرون إن أردتم أن تخرجوا فاخرجوا، وإن أردتم أن تظلوا فيه هذا الهم والغم والضيق، وإن أردتم الكثير والكثير من الله، فالله عنده الكثير: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124].

    عيشةٌ كلها خراب، وعيشةٌ كلها قحط، وعيشةٌ كلها ضيق لمن أعرض عن منهج الله، ولمن أعرض عن ذكر الله، ولمن أعرض عن شرع الله، ولمن أعلن الحرب على الله جل وعلا.

    نعم. يقول ربنا في الحديث القدسي الصحيح (يا عباد! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيدٍ واحد، وسألوني لأعطيتُ كل واحدٍ مسألته من غير أن ينقص من ملكي شيئاً، إلا كما ينقص المخيط إذا دخل في البحر ثم خرج) الإبرة!! إبرة المخيط، لو أنزلتها البحر وأخرجتها أي مقدار نقص من البحر؟ لا شيء، فلو أن الخلق الإنس والجن جميع العباد وقفوا في وقتٍ واحد وسألوا الله لأعطاهم مسائلهم من غير أن ينقص ذلك من ملك الله شيئاً؛ لأن الله سبحانه وتعالى يملك خزائن السماوات والأرض..

    أسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر:18] يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (البر لا يبلى والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، افعل ما شئت كما تدين تدان) وهو القائل أيضاً: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له).

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    دعوة إلى التوبة إلى الله والصلح معه

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الرسالة، وبلغ الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، فصلى اللهم وسلم وبارك عليك يا سيدي يا رسول الله، وجزاك الله عنا خير ما يجزي الله به نبياً عن أمته ورسولاً عن قومه.

    أيها الأحباب! هيا بنا لنثق في كلام الله، ونثق في رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغ عن ربه، فإن مشكلتنا عدم الثقة بالله جل جلاله، يقول الله سبحانه، وأنا أُذكر المسئولين وأُذكر المسلمين في هذا البلد، ما هي نتيجة الصلح مع الله؟ وما هي نتيجة الرجوع إلى الله جل وعلا؟ يقول الله سبحانه وتعالى على لسان نبيه نوح: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً [نوح:10].

    ما هي النتيجة إذاً؟ ما هي النتيجة لو عدنا إلى الله من معاصينا؟ ما هي النتيجة لو تبنا إلى الله من ذنوبنا وتقصيرنا؟

    فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً [نوح:10-11].

    يا من تريدون الماء! ويا من تريدون المطر! هاهو العلاج، هاهو الدواء يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً [نوح:11-13].

    هذا هو كلام ربنا، فالقضية قضية عدم الثقة بكلام الله.

    لقد جربنا الشرق مرة، وجربنا الغرب مرة، واتخذنا جميع الخطط؛ خطةٌ خمسية، وخطةٌ سنوية، وخطةٌ شهرية، ولكن لا مفر من الصلح مع صاحب الأمر كله، لا مفر من الرجوع إلى الله، لابد أن نرجع: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً [نوح:1] ما هي النتيجة؟

    يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً [نوح:11] لأنه هو وحده بيده مفاتيح الماء، بيده مفاتيح الأرض والسماء: يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً [نوح:11-12]ولكنكم لا ترجون توقير الله، ولا ترجون أن تثقوا في الله، ولا تصدقون كلام الله، فأنتم ومصيركم.

    يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً [نوح:11] يا من تريدون المطر، ويامن تريدون الماء، ويا من تخافون من نقص المياه، ونقص الكهرباء، هاهنا في استغفار الله، هاهنا في الرجوع إلى الله، هاهنا في العودة إلى الله جل وعلا.

    ورُوي أن الحسن عليه رضوان الله جاءه رجلٌ يسأله ويشتكي له الفقر، فقال له الحسن: استغفر الله.

    وجاء رجلٌ ثانٍ إلى الحسن يشكو الجدب -أي: عدم نزول المطر- فقال له الحسن: استغفر الله.

    وجاء رجلٌ ثالث يقول للحسن: أنا رجلٌ صاحب أموال إلا أنني أريد البنين والأولاد، فقال له الحسن: استغفر الله.

    وجاء رجلٌ رابع يشكو للحسن قلة ريع الأرض وإنتاج الأرض، فقال له الحسن: استغفر الله.

    فتعجب الجميع من حوله، وقالوا له: ما هذا يا تقي الدين؟ إن رجلاً جاء وسألك واشتكى إليك الفقر، فقلت: استغفر الله، وجاء آخر يشكو إليك قلة ريع الأرض فقلت: استغفر الله، وجاء آخر يشكو إليك عدم نزول المطر فقلت: استغفر الله، وجاء رابع يشكو إليك عدم وجود البنين فقلتَ له: استغفر الله!! فقال لهم: هذا من كتاب الله جل وعلا ثم تلى عليهم قوله سبحانه: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً [نوح:10-13].

    يقول الله سبحانه: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف:96] يقول سبحانه: وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً [الجن:16] هذا كلام ربنا، فأين الثقة في كلام الله؟ إنها الثقة.

    إذاً: مشكلتنا عدم الثقة في الله، وعدم اليقين في كلام الله تبارك وتعالى.

    1.   

    ابن مسعود على فراش الموت

    أتذكر هذا المشهد لأختم به خطبة اليوم حينما دخل عثمان بن عفان على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهو نائمٌ على فراش الموت، فقال له عثمان بن عفان : [يا ابن مسعود! من أي شيء تشكو؟ قال له: أشكو ذنوبي، قال أي شيءٍ تخاف؟ قال: أخاف عذاب الله، قال: أي شيءٍ ترجو؟ قال: أرجو رحمة ربي، قال له عثمان: هل أستدعي لك الطبيب، فقال عبد الله: الطبيب لقيني، فقال عثمان: وماذا قال لك؟ فقال ابن مسعود: قال لي الطبيب: إني فعالٌ لما أريد، فقال عثمان : يا ابن مسعود ! هل أكتب لبناتك شيئاً من المال بعد موتك؟ قال: كلا يا أمير المؤمنين، قال: ولم؟ قال له: لأنني علمتُ بناتي سورة الواقعة، سمعتُ حبيبي رسول الله يقول: (من قرأ سورة الواقعة في يومه وقاه الله شر الفقر طول يومه] يقين في الله، وثقة في الله.

    إذاً مشكلتنا هي عدم الثقة في كلام الله؛ لأن الله يقول: وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً [الجن:16] إلا أننا نقول لربنا: لا يا رب الطريقة هاهنا، مرةً في الشرق ومرةً في الغرب، ومرةً مع العملات الصعبة، ولكن أقسم بالله العظيم ليس هذا هو الحل، أقسم بالله ليس هذا هو الحل.

    اللهم إني قد بلغت اللهم فاشهد، اللهم إني قد بلغت اللهم فاشهد، الحل هاهنا.. الحل هاهنا.. الحل هاهنا.. الفرج هاهنا.. الفرج هاهنا.. أن نرجع إلى الله وأن نعود إلى الله، وأن نصطلح مع الله، وأن نجدد البيعة مع الله، وأن ننفذ شرع الله وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً [الجن:16] .. وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف:96] .. وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ [الذريات:22-23] فما من دابةٍ في الأرض إلا على الله رزقها.

    فهيا ثقوا في الله، ثقوا في كلام الله، ثقوا في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وجربوا الله مرة، وجربوا شرع الله مرة، لقد جربتم كل شيء، فلم تعرضون عن منهج الله، ولم تعرضون عن تجربة شرع الله؟ ففي منهج الله العز كله، لماذا؟

    لأن الله هو الذي خلق، ولأن الله هو الذي قنن، ولأن الله هو الذي شرع، وصدق الله إذ يقول: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14].

    أسأل الله سبحانه أن يشرح صدورنا، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

    اللهم ارفع عنا هذا البلاء، اللهم ارفع عنا هذا البلاء، اللهم ارفع عنا هذا البلاء، اللهم ارفع عنا هذا الغم والهم، اللهم ارفع عنا هذا الضيق، اللهم ارفع عنا هذا الضيق، اللهم إن أردت بالناس فتنةً فاقبضنا إليك غير خزايا ولا مفتونين، ولا مفرطين ولا مضيعين، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ولا تعذبنا فأنت علينا قادر، لا تعذبنا فأنت علينا قادر، لا تعذبنا فأنت علينا قادر، اللهم الطف بنا يا لطيف، اللهم ارحمنا يا رحيم، اللهم تب علينا يا تواب، اللهم نج مصرنا من هذه الفتن، اللهم ارفع عن مصرنا هذه الابتلاءات، اللهم ارفع عن مصرنا هذه المحن، اللهم إن بـمصر عباداً ركعاً سجداً يبتغون فضلك ورضوانك، اللهم إن بـمصر شيوخاً ركعاً، وأطفالاً رضعاً، وبهائم ركعاً فارحمهم يا رب العالمين، اللهم ارفع عنا البلاء وارفع عنا الضيق، اللهم اجعل مصرنا سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، اللهم اجعل مصرنا سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.

    اللهم لا تحرمنا من نعمة الماء، اللهم لا تحرمنا من نعمة الماء، اللهم لا تحرمنا من نعمة الماء، اللهم لا تحرمنا من نعمة الماء واجعلنا أهلاً لشكر نعمك يا رب العالمين.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا، واغفر لنا عيوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا حاجةً هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين.

    عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، اذكروا الله العظيم يذكركم، واستغفروه يغفر لكم، واشكروه على نعمه يزدكم.

    وقبل أن أغادر هذا المنبر أذكركم بالتبرع لمسجد الإمام، عسى الله تبارك وتعالى أن يوفقنا للانتهاء من بنائه إن شاء الله جل وعلا، وأنفقوا ولا تخشوا من ذي العرش إقلالاً، وأعتذر لكم عن الدرس فإني على سفر، وأقم الصلاة.