إسلام ويب

الطريق إلى الهداية [1، 2]للشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أجل نعم الله على هذا الإنسان: نعمة الإيمان والهداية. ولذلك ينبغي للإنسان أن يحرص على الحصول عليها وأن يسعى في سبيل تحقيقها. وبالهداية يجد المسلم السعادة في حياته الدنيا ويعيش طمأنينة عجيبة. أما طريقها فسهل لمن سهله الله له: وهو بإعلان التوبة مما مضى، وعقد النية على الحرص على الأعمال الصالحة في المستقبل، وإحسان العمل في الزمن الحاضر.

    1.   

    فضل مجالس العلم وأهله

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    أيها الإخوة في الله: أولاً جزى الله القائمين على مدرسة تحفيظ القرآن الكريم في هذا المسجد خيراً، حينما هيأت هذا اللقاء، وأعادت للمسجد بعضاً من رسالته، فإن المسجد كان كل شيء في حياة المسلمين، وجزاكم الله خيراً حينما أجبتم الدعوة وجئتم لتشجعوا داعي الإيمان، ولتحضروا مجالس الذكر التي تحتاج إليها القلوب أكثر من حاجة الأرض إلى المطر، فإن غيث القلوب هو العلم، وغيث الأرض هو المطر، وأنتم ترون أن الأرض إذا حُبس عنها المطر أجدبت وأقحلت وتغير شكلها ولم تؤتي خيراً، وكذلك القلوب إذا حرمت من سماع العلم والذكر فإنها تجدب وتقصر وتقسو ولا يأتي منها خير.

    وترون الأرض إذا نزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، وكذلك قلوب أهل الإيمان إذا نزل عليها العلم -وأعني بالعلم هنا علم الكتاب والسنة: قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم- وسمعت الذكر والعلم الإيماني اهتزت كما تهتز الأرض، تهتز وتضطرب، وتخاف وتوجل وتشفق، ثم بعد هذه الحركة القلبية تزداد إيماناً، عبر الله عز وجل في الأرض المادية فقال: اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج:5] وقال في قلوب المؤمنين وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً [الأنفال:2] فتنبت القلوب حينما تسمع العلم من كل زوج بهيج من العمل الصالح، والبعد عما حرم الله.

    وما دام الأمر كذلك فإن من الضروري أن يحرص المسلم على حضور مجالس الذكر ومتابعتها، وأن يجعلها في صلب برنامجه اليومي، ولا يجعلها على الهامش بحيث إن تيسرت حضر وإن لم تتيسر لم يحضر، وإنما يجعلها شيئاً رئيسياً وضرورياً في حياته؛ لأنها غذاء لقلبه، والله تبارك وتعالى يقول: فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:22] ويقول: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ * الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ [الرعد:28-29].

    هذه مقدمة لبيان فضل هذه المجالس التي نسأل الله عز وجل أن يجعلها في ميزان الحسنات، وأن يجعل الجلوس فيها وسماع العلم وقوله خالصاً لوجه الكريم.

    1.   

    نعمة الهداية والإيمان وعظيم قدرهما

    إن نعمة الهداية والدين والالتزام، والسير على الصراط المستقيم، من أجلِّ نعم الله على العبد؛ لأنها نعمة ترافقك آثارها في هذه الحياة، وعند الموت، وفي القبر، وعلى الصراط، وفي أرض المحشر حتى تدخل الجنة ببركة نعمة الإيمان.

    إن الكفر والمعصية والنفاق والضلال مصيبة، ونكبة على الإنسان في هذه الدنيا وعند الموت، وفي القبر، وعلى الصراط وفي عرصات القيامة، ويوم يسحب على وجهه ويقذف على أم رأسه في النار، أعاذنا الله وإياكم من ذلك.

    والناس اليوم يتطاحنون، ويتناحرون، ويتسابقون في سبيل تحصيل المال، وكثرة العيال، وعلو المنصب والجاه، وهذه النعم: نعمة المال والأولاد والمنصب والجاه نِعمٌ لا تنفع في الآخرة يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89].. وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى [سبأ:37] لا يقربك مالك، ولا ولدك، ولا جاهك عند الله خطوة واحدة، إلا بمؤهلات الإيمان والعمل الصالح وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ [سبأ:37].

    الإيمان غذاء الروح وراحة البدن

    نعمة الإيمان هي النعمة التي ينبغي أن نحرص على الحصول عليها، وأن نَجِد السير في سبيل تحقيقها، وإذا حصلت فينبغي لنا أن نقبض عليها، وأن نعض عليها بالنواجذ حتى لا نحرمها؛ لأنها ترافقك في هذه الدنيا، فأنت في الدنيا بنعمة الإيمان تعيش حلاوة هذه الحياة؛ لأن هذه الدنيا لها طعم، ولذة هي لذة الإيمان، يقول ابن تيمية رحمه الله: (إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة)، ولما سجن رحمه الله في سجن القلعة في دمشق كان يقول لسجانه: (ما يصنع أعدائي بي، أنا جنتي وبستاني في صدري، سجني خلوة، وإخراجي من بلدي سياحة، وقتلي شهادة)، وكان ابن القيم رحمه الله يقول: (والله إنا كنا نزوره في السجن ولسنا مسجونين وقد جمعت علينا هموم الأرض فوالله ما إن نرى وجهه وهو بين الجدران وفي الحديد حتى يسرى عن قلوبنا).

    وهذا بسبب نعمة الإيمان التي يقول الله فيها: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ [آل عمران:139-140]ويقول: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ [النساء:104].

    فالمؤمن بإيمانه يعيش في سعادة ولو لم يمكن من في شيء من ملذات هذه الحياة، والله لو سكن الكوخ، وركب الحمار أو مشى على قدميه، ولبس الثياب البالية المقطعة، وأكل من خشن العيش ومعه الإيمان؛ فوالله إنه في سعادة أعظم من سعادة الملوك، يقول أحد السلف: لو يعلم أهل الجاه والسلطان ما نحن فيه من اللذة والسرور لجالدونا عليها بالسيوف، أما بغير نعمة الإيمان، فوالله لو سكن الإنسان أعظم عمارة، ولو امتطى أحدث موديلات السيارات، ونكح أجمل الزوجات، وتغذى بأشهى المأكولات، وامتلك الملايين من الريالات وهو ليس ذا إيمان فوالله ما يزداد إلا عذاباً وشقاء؛ لأنه بهذه الإمكانات المادية إنما يرفه عن جسده؛ لأن الإنسان مكون من عنصرين: عنصر مادي وعنصر روحي، فالعنصر المادي الجسد غذاؤه من الأرض، لكن العنصر الروحي غذاؤه من السماء، فإن لم يتكامل في غذاءيه بعنصريه المادي والروحي فإنه يعيش مشلولاً، مقسوماً لا تحصل له السعادة إلا بالتكامل في حياته في مطالب الروح والجسد.

    ولكن إذا سعُدت الروح حتى ولو لم تكتمل مطالب الجسد فإن الروح هي الراكب. يقول ابن القيم رحمه الله: الإنسان بدنه مركوب وروحه راكب، ودائماً القيمة للراكب. لو جاءك ضيف على دابة من وسائل الأولين وأدخلت حماره في المجلس، وأدخلت الصيف مكان الحمير ما ظنك بهذا؟ هل يعد هذا إكراماً؟! فيعيب عليك يقول: كيف تضعني هنا وتضع الحمار في المجلس، وإذا جاء العشاء قدمت العشاء للحمار وتركته بدون عشاء، وإذا جاء سألك قلت: والله ما أردت إلا إكرامك، أنا أعلم أن هذا الحمار هو الذي جاء بك، وهو الذي حملك وتعب حتى أوصلك عندي فأردت أن أكرمه؛ لأن إكرام الحمار إكرام لصاحبه، فيقول: صحيح، لكن الكرامة الكبيرة لي أنا، وأعط الحمار ما يستحق من الكرامة، أما أن تحرمني وتعطيه فهذا خطأ.

    وكذلك الناس الآن يكرمون المركوب ويتركون الراكب، يكرمون المركوب وهو الجسد بالغذاء الحسن، واللباس الجميل، والمسكن الجميل، والمركب المريح، وإذا أصيب بمرض سارعنا في علاجه، وإذا جاءه الحر أخذنا الملابس الخفيفة للتخفيف عنه، وإذا جاء البرد لبسنا الملابس الشتوية لمقاومته، لا نريد أن ينال هذا المركوب شيء، والراكب محروم من غذائه، مسجون ما أعطيناه من حقه شيئاً، ولذا عاشت أرواحنا في ضيق، وعاشت أجسادنا في سعة:

    يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته     أتعبت نفسك فيما فيه خسران

    أقبل على الروح واستكمل فضائلها     فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

    أما ترون حينما ينام الإنسان، إذا تعب الإنسان في عمله، أو سفره، أو مذاكرته؛ فإنه يحصل له إرهاق وتعب، ويشعر بانحطاط في قواه، ووهن في عضلاته وهو يريد أن يرتاح، فما الذي يحصل لو أراد الإنسان أن يرتاح هكذا بدون نوم؟ كلما نام جاء شخص وأيقظه، وهو مستلقٍ على السرير، يقول له: استرح لكن لا تنم؟

    أنت تريد أن ترتاح من العمل والتعب فخذ راحتك على السرير، ولكن إياك أن تنام، وكلما نام صب عليه الماء، ما رأيكم هل يرتاح هذا النائم؟! لا وإنما يرتاح إذا نام، لماذا؟ يقول العلماء: لأن الروح الراكب تنزل من المركوب، فيجد الجسد راحة من عدم ركوب الراكب، ولذا الإنسان إذا تعب طول يومه ثم نام ساعة أو نصف ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات، يقوم بعد النوم وهو نشيط كأنه ما عرف التعب، فما الذي حصل له؟ هل دخل في ورشة النوم؟! لا يوجد فيه ورشة، إنما الذي حصل أن الروح نزلت من هذا الجسد وبعدت في إجازة قصيرة لكنها سوف تعود، أما لو ذهبت ولم تعد فقد أصبح هذا موتاً، ولذا إذا أتيت إلى النائم بالرائحة عند أنفه يشمها فلا يشمها رغم أن حاسة الشم موجودة، وتأتي إليه بالأصوات الخفيفة عند أذنه فلا يسمعها، وتفتح عينه وتمرر أمامه أجساماً فلا يراها.

    أجل العين ليست هي التي ترى، والأذن ليست هي التي تسمع، والأنف ليس الذي يشم، ولو وضعت في فم النائم قطعة سكر ما أحس بها، تريد أن تنادي الذي يشم، ويسمع، ويرى ويتذوق أين هو؟ ليس موجوداً الآن، تريد أن تناديه؛ أيقظه وقل له: فلان.. فلان، فإذا استيقظ فأعطه الرائحة يشمها، وأعطه الشيء يراه، ما الذي كان غائباً؟ الروح، إذا ذهبت الروح نزل الراكب من على الجسد فيرتاح الإنسان، وإذا رجعت بقي، مثل الآن الذي يركب سيارته باستمرار ولا يتوقف لابد أن يريحها، والذي يركب حماره ويسافر من أرض إلى أرض دائماً وما ينزل من على حماره سيموت الحمار، وكذلك هذه الروح.

    لا سعادة تعدل سعادة الإيمان

    هذه الحياة كلها؛ لذتها وطعمها في حياة الروح، وإذا حُرِم الإنسان من غذاء الروح -الغذاء الإيماني- عاش في عذاب وشقاء، ولذا ترون البشرية اليوم في الشرق والغرب، في أوروبا وأمريكا بلغوا من التطور والتقدم والاكتشافات العلمية ما لا يصدقه العقل، أراحوا الجانب الجسدي لأبعد درجة، لدرجة أنه في أمريكا يقال: في المناطق الباردة ينامون وعليهم بطانيات كهربائية يضبط العيار عنده فيجعله مثل الخيمة الصغيرة، ويربط (الفيش) بالكهرباء وبعد ذاك عنده عيار يضبط به درجة الحرارة، كم يريد من الحرارة. عشرين .. ثلاثين، وينام طوال الليل على هذا، بالرغم من هذا التكييف الذي يحصل له، وبالرغم من أن كل شيء في الدنيا مهيأ إلا أنهم في عذاب، حتى إن أعلى دول العالم نسبة في الانتحار هي أعلى دولة نسبة في التقدم والرقي وهي الدول الإسكندنافية: الدنمارك والسويد والنرويج أعلى نسبة الانتحار فيها؛ لأنهم ما وجدوا السعادة ولا الراحة في كل ما حققوه لأنفسهم من الماديات، فلما لم يجدوا راحة بل وجدوا أنهم في ضيق تخلصوا من الحياة بالانتحار.

    يفكر أحدهم ويقول: أنا لماذا أعيش؟ فيقول: أنا أعيش من أجل أن أموت، فما دام أني أعيش من أجل أن أموت فأموت من الآن، لماذا أجلس سنة أو سنتين أو عشر وأنا آكل وأشرب وأصبح وأمسي حتى أموت، فيقفز قفزة إلى الموت ليتخلص من هذه الحياة، لكن الذي يقدم لك الراحة والطمأنينة، وينزع من قلبك القلق والاضطراب والحيرة، ويوجد في قلبك الاستقرار والأمان هو الإيمان، هو دين الله عز وجل، هي الهداية.

    ولا تسعد في هذه الدنيا إلا بالهداية؛ لأن من الناس من يتصور أن آثار الدين فقط في الآخرة، ولهذا يقول: الدين سيحرمني من لذات الدنيا، فأنا أتمتع فيها والآخرة بعد ذلك، وهذا خطأ، الدين آثاره معك في الدنيا قبل الآخرة، والكفر معك آثاره في الدنيا قبل الآخرة، الكفر يزرع في قلب الإنسان الخوف والقلق، والحيرة والضلال، والتيه وعدم الرضا، مهما شبع ومهما ولغ من الشهوات؛ لكنه لا يجد الراحة والطمأنينة .. إن كانت أموال فهي عليه وبال، يقول الله: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:55] إن كن زوجات وأولاد يقول الله عز وجل: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15] ليس بديلاً للإيمان شيءٌ في هذه الحياة، فلا يوجد في الدنيا بديل للإيمان لإسعاد الإنسان في هذه الحياة.

    1.   

    حال المؤمن والكافر في الحياة الأخروية

    عند الموت هناك الساعات الحرجة، وهناك يقال:

    ستعلمي حين ينجلي الغبار     أفرس تحتك أم حمار

    هناك تنكشف الأغطية يقول الله: فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22].

    عند لحظات الموت للإنسان المؤمن فإنه يتعرف على ثمرة الإيمان، ويحمد الله الذي هداه إلى الإيمان، وثبته بالإيمان بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وفي القبر يجيب، وجنانه ثابت، ولسانه طلق ويقول: ربي الله وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم، ويوم القيامة يُبعث أبيض الوجه يقرأ كتابه بيمينه، ويقول: هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ [الحاقة:19-20] ويمر على الصراط كالبرق الخاطف، ويوزن عمله فيرجح ميزانه، ثم يرد الحوض على النبي صلى الله عليه وسلم فيشرب شربة لا يظمأ بعدها أبداً، هذا الحوض كيزانه وأوانيه عددها كعدد نجوم السماء، وماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، من شرب منه شربة واحدة لم يظمأ بعدها أبداً.

    ثم بعد ذلك يدخل الجنة ويقال له: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف:70-71] في نعيم أبدي سرمدي، هذه كلها هي ثمرة الإيمان والعمل الصالح.

    أما الكفر مع المال، أو الملك، أو الجاه، والأولاد فهذه لا تنفع شيئاً، بل تكون على صاحبها وبالاً في الدنيا والقبر، وعند الموت لا ينفعك المال ولا الأولاد ولا الجاه، وفي القبر لا تدخل القبر بمالك أو بكرسيك أو وظيفتك أو ملابسك أو ببدلة رسمية أو بنجوم أو بأولاد أو بأحد معك: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام:94] ثم بعد ذلك يوم القيامة تأتي في السؤال فلا تعرف، من ربك ما دينك من نبيك؟ لأنك ما ثبت على الدين هنا فلا تثبت على الجواب هناك وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27].

    ويوم القيامة يقوم الإنسان فزعاً مذعوراً خائفاً؛ لأنه قد أمن الله في الدنيا فيخوفه الله يوم القيامة، فلا يجمع الله على عبده أمنين، ولا خوفين، من خاف الله في الدنيا أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] أما من أمن هنا فهناك الخوف الذي يقطِّع قلوبهم والعياذ بالله: خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ [المعارج:44] ذلة وخوف ومهانة يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [المعارج:43-44].

    ويأتون إلى الصراط كي يعبروا عليه فلا يمكنون من العبور؛ وأنهم لا يجدون وسائل نقل من العمل الصالح، وهذا ليس عنده شيء ولو كان هنا عنده ملايين، ولو عنده سيارة مرسيدس آخر موديل، وعمارة، ووظيفة، لكنه تركها وراءه وما أخذها معه إلى الآخرة، فيأتي على الصراط يريد مرسيدس، ولكن لا يمشي هناك إلا العمل وليس معه عمل، فماذا يحصل؟

    من أول خطوة يضعها على الصراط يسقط، فيهوي في النار -والعياذ بالله- وبعد ذلك يريد أن يأخذ كتابه بيمينه ويريد أن يأخذ الجنة حتى بالكذب، ويرى أهل الإيمان يأخذون كتبهم بأيمانهم فيمد يمينه فتضربه الملائكة بمطرقة من حديد على كتفه فتخر يمينه فليس له يمين، فلا يستطيع أن يأخذ إلا بالشمال، فإذا أخذ كتابه بشماله قال: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ [الحاقة:25-27] يقول: ليتني مت وما بعثت، ثم يتذكر ما الذي أضله وألهاه في الدنيا فيقول: مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ [الحاقة:28] كان يلهث وراء المال كالكلب لا يشبع من كثير ولا يقنع بقليل، مثل جهنم: هل من مزيد.

    وطالب الدنيا مثل شارب البحر، كلما ازداد شربه ازداد عطشه، يملأ بطنه فيزداد ويلتهب جوفه، وهكذا طالب الدنيا مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:28-29] أي: ذهب عني السلطان، وذهبت عني الوظيفة، وذهبت عني المنزلة والمنصب والجاه، ويسترحم ولكن لا يرحم يقول الله: خُذُوهُ هذا الكذاب هذا الفاجر خُذُوهُ فَغُلُّوهُ [الحاقة:30] والغل هو وضع القيد في الرقبة مع اليدين والقدمين، توضع يديه مع قدميه في رقبته في غل واحد ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:31-32] اسلكوه: تدخل السلسلة من فمه وتخرج من دبره، ينظم فيها كما تنظم الخرزة في المسبحة، لماذا؟ قال: إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ [الحاقة:33-37] أعاذنا الله وإياكم من ذلك، ويأتي يريد أن يزن أعماله وليس معه شيء، ما عمل إلا السوء -والعياذ بالله- فيرجح ميزانه بالسيئات.

    وبعد ذلك يرد الحوض فتطرده الملائكة من بعيد، ما له طريق إلى الحوض، ثم يكردس في النار، أعاذنا الله وإياكم من النار كما قال الله عز وجل: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر:71-72].

    هذه آثار نعمة الإيمان، فهل هناك أعظم من هذه النعمة؟ لا والله، والله إن الأحرى والأجدر بالعاقل ألا يشتغل عن الآخرة وأن يجعل همه في كيف يحصِّل نعمة الإيمان، ثم كيف يثبت عليها.

    1.   

    كيفية تحصيل نعمة الإيمان

    أما كيفية تحصيل هذه النعمة؛ فسبيلها سهل، وطريقها يسير، كما يقول ابن القيم : هلمَّ لتدخل على الله من أقرب الطرق وأوسع الأبواب؛ لأن من الناس من يريد الهداية ولكن الشيطان يضخمها عليه، ويقول له: أنت لا تستطيع أن تهتدي، والدين ثقيل وكبير جداً، ولا مانع من أن تتدين لكن لا تأخذ الدين بعروقه -كما يقولون- وإنما خذ ورقة من رأس الدين، وعندها هل سيكون معك دين؟

    إذا أردت أن تزرع شجرة في بستانك فماذا يتطلب الأمر منك؟

    أن تأخذ (الشتلة) بعروقها، لكن لو جئت تأخذ من رأس الشجرة ورقة وتغرسها في البستان، فهل تغرس لك شجرة؟ لا. لابد أن يؤخذ الدين بكليته، والله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة:208] لا يوجد دخول جزئي أو نصفي، أو فيما أريد وأترك ما لا أريد فلا آخذ من الدين، إلا الذي يوافقني، لا. لابد أن تأخذ الدين جملة واحدة؛ لأن التشليح في الدين لا يصلح، هل تأخذ سيارة ناقصة، لو جئت تشتري سيارة، وجئت تنظر إلى الإطارات وإذا بالإطار فيه ثلاثة مسامير والرابع ليس موجوداً فيعتبر هذا عيباً فيها، فلن تشتريها، وإذا اشتريتها تذهب بها على أن تكمل النقص، لا تريد أن تمشي في سيارتك وهي تنقص مسماراً واحداً، لكن من الناس من يريد ديناً؛ لكن ليس معه من الدين إلا ما يعادل مسماراً واحداً، بعض الناس ما معه من الدين إلا (البوري)، يعني: معه إسلام لكن ليس فيه شيء، لو نظرنا إلى شخص ركّب له في رأسه (بوري) ووضع له (حجاراً) ويمشي في الشارع ويضرب (بوري) نقول: ما هذا؟ يقول: سيارة أما تنظرون إليها؟ نقول: والله هذا مهبول وليس معه عقل، ومن الناس من ليس معه من الدين إلا المساحات، أو العيون.

    الهداية لا تعني العصمة من المعاصي

    نحن لا ندعي أن صاحب الدين كامل لا يعصي الله عز وجل، لا. فالعصمة للأنبياء، والعاصم هو الله، لكن نعني أنك تضع نفسك وتخضع كل حياتك لدين الله، عينك تخضعها للدين فلا تنظر بها إلى الحرام، وإذا نظرت مرة تستغفر وتتوب، أما أن تخصص عينيك للشر وللشيطان وأنت تصلي في المسجد فهذا حرام، لكن من يوم تخرج من صلاة العصر إلى المغرب وأنت في المعارض والأسواق تتتبع أعراض المسلمين، وتتلصص على محارمهم، وتملأ عينيك من الحرام وتقول: يا شيخ! أنا أصلي والحمد لله!

    نعم. صليت ولكنك ما اتقيت الله في هذه العين، والله يقول: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30].

    أنت تخضع عينيك لدين الله ولكن لست بمعصوم، فقد تقع منك زلة و(قد) هنا لما يستقبل من الزمان على التقليل، وقد يقع منك شيء، فإذا وقع شيء تقول: أستغفر الله وأتوب إليه، ولذا شرع الاستغفار وشرعت التوبة، وبيّن الله أنه غفور رحيم، ولا يكون كذلك إلا لمن يخطئون ويذنبون؛ لأن هذه صفة من صفات الله، قال عز وجل: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].

    معنى الدخول الكلي في الدين أنك تقول: يا رب أنا عبدك وأنت خالقي وسيدي ومولاي وإلهي، وأنا عبدك خاضع بين يديك، أخضع كل حياتي لأمرك، فعيني لا أنظر بها إلا ما تريد، وهذا معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يرويه عن ربه عز وجل قال: (يقول الله تبارك وتعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بعمل أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به) إذا أحبك الله أصبحت عبداً ربانياً، لا تسمع إلا ما يحبه الله (كنت سمعه الذي يسمع به) هل تسمع شيئاً يغضب الله؟ لا. لماذا؟ لأن أذنك هذه ربانية.

    (وبصره الذي يبصر به) تصبح عينك هذه عيناً ربانية مهتدية؛ لأنها تبصر بالله، هل يمكن أن تبصر حراماً؟ لا.

    (ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته، ولا بد له منه)

    لا بد من الدخول الكلي بكل جوارحك، بسمعك، وبصرك، ولسانك، وبطنك، وفرجك، وقدمك، ويدك، تخضع نفسك لله، وتمشي في الخط، هذا معنى الاستسلام لله، الإسلام هو: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك والبراءة من أهله؛ هذا معنى الإسلام.

    فرح الله بتوبة العبد

    يقول ابن القيم: هيا إلى الدخول على مولاك، فإنه أشد فرحاً بعودتك من رجل فرت عليه ثم وجدها كما جاء في الحديث: (كان في فلاة ومعه راحلته، وعليها زاده ومتاعه، فضلت عنه ولم يجدها، فبحث عنها حتى أيس منها، فنام تحت ظل شجرة ينتظر الموت فردها الله عليه، فلما أفاق وإذا بها واقفه عند رأسه عليها متاعه وزاده وماؤه فقال من شدة الفرح...) لأنه كاد أن يموت حقيقة، إذا ما رجعت لمات، لكن كان في رجوعها حياة له، فكأنه قد حكم عليه بالموت والإعدام والله أعتقه.

    ما رأيك في هذا الإنسان؟ إنسان حكم عليه بالقصاص وأخرج إلى السوق في ساعة الإعدام، ونزل من السيارة، ورأى (العساكر) مصطفة، ورأى الجموع محتشدة، وهو موثق بالقيود يساق إلى ساحة الإعدام، ووضع في القيد وقرأ عليه الحكم، وقبل إطلاق الرصاص عليه أو ضرب رأسه بالسيف قال له صاحب الدم: فكوه، هو معتوق لوجه الله، ما رأيكم في فرحة هذا الإنسان؟ هل يمكن أن تقاس؟ لو أخذنا شريحة من قلبه وحللناها كيف سيكون وضعه؟ وكيف هي نفسيته؟ هل في الدنيا أسعد منه وأعظم حالة منه في تلك اللحظات؟ لا. فهذا الرجل لا يوجد في الدنيا أعظم حالة منه لما كان سيموت، ويوم استيقظ وإذا بالراحلة موجودة عند رأسه فقام وقال: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من فرحة هذا الرجل براحلته) لا إله إلا الله ما أعظم حلم الله، وما أعظم عفوه ورحمته! يفرح بك ربك إذا رجعت إليه أعظم من فرحة هذا الرجل الذي كاد أن يموت، أي فرح هذا، وأي نعمة هذه من الله عز وجل.

    كيفية إصلاح الأزمنة الثلاثة بالعمل الصالح

    أنت يا إنسان! بين ثلاثة أوقات -أنا وأنت وكل كائن على وجه الأرض بين ثلاثة أزمنة- زمن مضى، وزمن مستقبل، وزمن حاضر، هل هناك غير هذه الأوقات الثلاثة؟

    قال: أما الماضي كله فتصلحه بالاستغفار والتوبة، وهذا عمل قلبيٌ ولا تعب فيه، فلو أن الله كلفنا بأن أي ذنب عملته لابد أن تكفر عنه، وأي صلاة تركتها لابد أن تقضيها، وأي صوم ما صمته لابد أن تصومه، وكل كلمة قلتها تجازى عليها، لكن من رحمة الله تبارك وتعالى أنك إذا عملت أي عمل، أو أسأت أي سيئة، أو قصرت أي تقصير في الماضي ثم تبت فإن الله يغفر الذنوب جميعاً، يقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الفرقان:68]قتل وإراقة دم وَلا يَزْنُونَ [الفرقان:68] زنا وفاحشة وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان:68-70] الماضي تستغفر الله فيه، وتتوب إلى الله من الذنوب والله يغفرها ويقلبها حسنات، هذا فضل أم ليس بفضل؟ أتعبٌ أن تقول: أستغفر الله؟ أم مشقة أن تقول: أتوب إلى الله مما عملت؟

    لا والله ليس فيه تعب ولا مشقة، هذا الماضي كله.

    والمستقبل: قال: والمستقبل تصلحه بالنية الحسنة؛ بأن تعزم على ألا تعصي الله، وهل في هذا تعب أن تعزم وتنوي بأنك لن تعمل سيئة؟ ليس فيه تعب، عمل قلبي ليس فيه مشقة عليك، ماذا بقي؟ ما دام ذهب الماضي، وذهب المستقبل ما بقي إلا الحاضر، ما هو الحاضر؟

    لحظتك هذه التي أنت فيها يقول:

    ما مضى فات والمؤمل غيب     ولك الساعة التي أنت فيها

    الساعة التي أنت فيها الآن اجتهد فيها ألا تعصي الله، وأن لا تضيع أمر الله فقط، هل في هذا تعب؟ لا والله ليس فيه تعب، يقول معاذ بن جبل -والحديث في سنن الترمذي وسنن أبي داود وهو حديث صحيح- قال: (أصبحت في سفر وناقتي بجوار ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت يا رسول الله! أخبرني عن عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار؟ قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج بيت الله الحرام ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم قال له: ألا أدلك على أبواب الخير؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم قرأ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:16-17]ثم قال: يا معاذ ! ألا أدلك على مِلاك ذلك كله -ألا أدلك على السور الذي يجمع لك أركان الإسلام، وعموده وذروة سنامه ورأسه، ويجمع لك أبواب الخير كلها- قلت: بلى يا رسول الله! قال: كف عليك هذا وأخذ بلسان نفسه، قال: قلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم).

    إن طريق الهداية سهلة جداً، ويسيرة على من يسرها الله عليه، وهي أنك تعلن التوبة والاستغفار من ذنوبك وخطاياك التي قد اقترفتها في الماضي مهما كثرت؛ لأنها ليست كثيرة على الله، يقول سبحانه: قُلْ يَا عِبَادِيَ [الزمر:53]، يقول الواحدي رحمه الله كما في تفسير ابن كثير: إن هذه أرجى آية في كتاب الله، أولاً: قال للرسول صلى الله عليه وسلم: (قل: يا عبادي)، و(عبادي) هنا عبارة فيها تلطف وتشويق أنه: يا مذنبين ما زلتم عبادي، يا مسرفين في الذنوب ما زلتم عبادي.

    (قل: يا عبادي) يدعوهم الله، وبعد ذلك يصفهم أنهم الذين أسرفوا أي: أكثروا من الذنوب والخطايا والمعاصي: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر:53] (إن) هنا حرف توكيد ونصب، فأكد ربنا تبارك وتعالى مغفرة الذنوب بهذا المؤكد، ثم أكد بتوكيد لفظي أخير قال: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر:53] أي: مهما كثرت، ثم قال تذييلاً مناسباً: إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] أي: فلا تستغربوا يا أهل الذنوب، ويا أهل الآثام، ويا أهل الإسراف؛ لا تستغربوا أن الله يغفر الذنوب؛ لأنه هو الغفور الرحيم، فمهما كثرت الخطايا والذنوب والمعاصي من زنا أو من خمور أو لواط أو شرك أو عقوق أو فجور أو أي شيء من الذنوب فإن الله يغفرها كلها: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82].. نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر:49-50].

    فعليك أن تتوب إلى الله تبارك وتعالى مما كان في الماضي، ولا يوجد في الدنيا من يقول: أنا لا أستطيع أن أستغفر، أو لا أستطيع أن أقول: أستغفر الله العظيم وأتوب إليه؛ إلا رجل محروم شقي ليس فيه خير، هذا الذي لا يستغفر ولا يتوب إلى الله، هذا لا يريد الله، ولا يحب الله، ولا الجنة، نقول له: الماضي كله بذنوبه يذهب، بل يبدل الله سيئاتهم حسنات، إذا كان عليك مليون سيئة يجعلها الله مليون حسنة، أي فضل هذا -أيها الإخوة- وأي كرم؟

    لو أن عندك شخص أسأت إليه، كأن سرقت عليه ألف ريال -مثلاً- وبعد ذلك اعترفت في يوم من الأيام وأتيت عنده وقلت: يا أخي أنا كنت في يوم من الأيام في دكانك وسرقت عليك ألف ريال، والآن أشعر بصحوة في ضميري وأخاف من لقاء ربي، ولذا أنا أعترف لك بأن عندي ألف ريال، فأنا جئت بهذه الألف لك، وأنا أريدك أن تعفو عني، إذا كان كريماً جداً فسيقول لك: سامحك الله، وفلوسنا رجعت والحمد لله، وإذا كان كريماً وأعز قليلاً فسيقول لك: جزاك الله خير وسامحك الله، والله أنا لا أعلم عن هذه الألف، لكن ما دام أن فيك خيراً وجئت من أجل صحوة الضمير فالألف لك سامحك الله، لكن هل هناك شخص في الدنيا يعطيك الألف ويقول: هذه ألف أخرى من عندي جائزة؟! لكن أكرم الأكرمين تبارك وتعالى يغفر الذنوب جميعاً ويبدلها كلها حسنات، فليس هناك شخص يأتي ويقول: لا أستطيع أن أستغفر، بل تستطيع أن تستغفر إذا كنت تريد الهداية.

    والمستقبل: لا يوجد شخص يستطيع أن يقول: لا أستطيع أن أنوي الخير، لماذا؟ قل: إن شاء الله ما أسرق، ولا أزني، ولا أترك فريضة، ولا أعق والدي، أسأل الله أن يعينني، وبهذا تكون قد أصلحت الماضي والمستقبل.

    بقي معك الحاضر فاجتهد فيه، إذا خرجت من المسجد ورأيت امرأة فغض بصرك؛ لأن الله يراك، إذا دخلت البيت وسمعت أغنية فأغلقها؛ لأن الله يسمعك في هذه اللحظة ويراك، أو عُرض عليك حرام فلا تأكله؛ لأن الله عز وجل يعلم حالك، فإذا أذن المؤذن فقم إلى المسجد ولا تنم؛ لأن الله يراك، فإذا ظللت على ذلك يوماً ثم يومين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة.. فستشعر في أول الطريق بنوع من الوحشة والضيق؛ لأنك تتعود على أمر لم تتعوده، لكن دائماً كل الطريق تسير في أولها يكون ففيها صعوبة أليس كذلك؟

    الطفل الصغير إذا بدأ يمشي كيف يمشي؟ أيجري مباشرة أم كيف يفعل به أهله؟ يوقفونه أول شيء، وينظرون أنه أتى بشيء من الدنيا، وبعد ذلك يأتي أبوه يقول: تعال فيأتيه يخطو الأولى، لكن لا يستطيع أن يأخذ رجله، فيمد له أبوه أصبعه يمسكها وينقل الخطوة الثانية بعد مشقة، هذا أول يوم، وثاني يوم ينقل الثانية، وبعد أسبوع يمشي، وبعد شهر يمكن يخرب البيت كله، وتقول أمه: اربطوه برجله، وهي من قبل كانت تقول: يا رب تمشيه يا رب تسيره، لكن إذا مشى أشاهد بعض الأمهات تربطه بحبل تقول: مؤذٍ.

    1.   

    كيف تتعامل مع الشهوات بعد التوبة

    يا من تريد أن تسير في طريق الإيمان أول ما تدخل في قضية الإيمان تشعر بأنك تريد أن تسقط، كلما تسمع أغنيه تريد توقف عندها، كلما تشاهد امرأة تريد أن تلتفت؛ لكن لا تلتفت، ولا تسمع، ولا تنم عن الفريضة، لا تعق والدك، لا تعص أمك، لا تحب إخوان السوء، لا تحتقر إخوان الخير، لا تمل من مجالس الخير، اقرأ القرآن، أحب في الله وأبغض في الله، أسبوع أو أسبوعين أو ثلاثة أو أربعة، وكلما ثبتَّ قويت، وكلما سرت في الطريق قويت حتى تسير في الطريق ولا أحد يسبقك، وبعد ذلك لا تشعر في الدنيا بلذة إلا بطريق الإيمان.

    من الناس من لو تأخر عن الصلاة لشعر بأن قلبه فارغ، لا يستطيع العيش بدون صلاة، تجده طول الليل نائماً متعباً ولكن ما إن تأتي صلاة الفجر -وليس عنده ساعة ولا يسمع المؤذن- وقبل الأذان بساعة وإذا به جالس، من الذي أجلسه؟ الله تبارك وتعالى، كما يقول ابن القيم قي كتابه الجواب الكافي، يقول: إن الطاعات تولد أمثالها، وإن المعاصي تولد أمثالها، فالطاعة تولد طاعة حتى تصبح الطاعات هيئات راسخة، وملكات ثابته يمارسها الإنسان بدون عناء، تصبح الصلاة في حق المؤمن غذاء لا يستطيع أن يعيش بدونها.

    بعض الشباب الذين هداهم الله إلى الإيمان إذا سمع نغمة موسيقية يضطرب وكأنها صعقة كهربائية، رغم أنه شاب، وبعض الشباب الآخرين الذين يحبون الأغاني إذا سمعها قام يرقص، وذاك كأنه مسه جني وشرد منها، لماذا ذاك يخاف من الأغنية وهذا يحبها؟

    هذا يخاف من الله، وجاهد نفسه حتى كرهها الله إليه؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً [الحجرات:7-8] فإذا كره الله إليك الكفر والفسق والعصيان، إذا رأيت امرأة كأنك ترى جنياً أو شيطاناً فتغض بصرك، ليس لأنك ملك من الملائكة، أو لأنه لا توجد عندك شهوة الجنس، بل ربما لديك شهوة هي أضعاف شهوة ذاك، لكن الله عز وجل كره إليك الكفر، وكره إليك الفسوق والعصيان، وحبب إليك الإيمان وزينه في قلبك فأنت راشد فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً [الحجرات:8].. أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [الحجرات:7].

    أما الآخر الذي ما كرّه الله إليه الكفر والفسوق العصيان، إذا شاهد امرأة ولو أنها ليست بجميلة نظر إليها ولم يغض بصره؛ لأنه قد زين الشيطان في قلبه المعاصي، وكره إليه الطاعات، أي: أن الشيطان يتولى الإنسان فيزين له الكفر ويحبب إليه المعاصي والإيمان ويكرّه إليه الطاعات، فكن عبداً لله عز وجل وسر في الطريق وأبشر؛ فإن الله تبارك وتعالى يقول في الحديث القدسي: (يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم) ويقول: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد:17].

    وطبعاً إذا أردت الهداية فلا بد أن تسلك سبيلها.

    ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها     إن السفينة لا تجري على اليبس

    إن في الكون أسباباً وسنناً، ومن سنن الله في الكون: أن الله عز وجل يرزق الهداية لمن أرادها (فاستهدوني أهدكم).

    اطلب من الله عز وجل هداية يهديك، لكن إذا أعرض العبد عن الله قال الله: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:5].. انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [التوبة:127] الهارب من الله لا يرده الله، والمقبل على الله لا يرده الله، بل إذا تقربت إليه شبراً تقرب إليك ذراعاً، وإذا تقربت إليه ذراعاً تقرب إليك باعاً، وإذا أتيته تمشي أتاك هرولة، وكان الله إليك بكل خير أسرع.

    1.   

    كيفية الحصول على الهداية

    عرفنا الآن طريق الهداية فكيف نهتدي؟

    تجديد النية بالعمل الصالح

    نهتدي عن طريق إصلاح الماضي بالاستغفار، وإصلاح المستقبل بالعزم على عدم المعاصي، وإصلاح الحاضر بالاجتهاد، فلا تعلم -يا أخي- متى تموت، ربما تموت الليلة وقد جددت النية، يقال: إن شخصاً من الإخوة في مصر كانوا جماعة في مسجد ولهم جار، وهذا الجار لا يصلي لا في المسجد ولا في البيت، وهو حشاش وطوال ليله في القهوة، أي: عربيد، دخل اثنان من الجماعة أو ثلاثة المسجد فقالوا: جارنا فلان لا يصلي، أين هو؟ قالوا: جالس في القهوة بعد العصر، فذهبوا إليه وهو جالس يلعب (الكتشينة) يسمونها الورقة وشخص أمامه، فواحد منهم دق عليه الماسة، قال: ماذا تريد؟ قال: أريدك لو تكرمت، قال: تفضل استريح، طلبوا (شاي) وشربوا معه، قالوا: نريد منك هذه الليلة أن تحضر في هذا المسجد المجاور، قال: لماذا أحضر؟ قال: هناك عالم سيلقي خطبة، وهذه الخطبة أسأل الله أن ينفعك بها، فجرد هذه الليلة لله عز وجل، فالله عز وجل فتح قلبه لهذا الكلام، ليس فيه موعظة بليغة، ولكن الإخلاص يدخل الكلام القلوب، فقال الرجل: أنا أجرب، يقول: نجرب، وأنه سيذهب يقول: جاء المغرب ونزل وأولئك ينتظرونه في القهوة، فأخذوه بيده وذهبوا به إلى المسجد وقالوا: أنت متوضئ؟ قال: وما متوضئ؟ (لا يعرف يتوضأ).

    قالوا: تتوضأ للصلاة.. ألا تعرف تتوضأ؟ قال: لا أعرف، قالوا: تعال، وأدخلوه مكان الوضوء وتوضئوا أمامه وتوضأ مثلهم ودخل وصلى، وبعد أن سمع القرآن في صلاة المغرب ثم في الموعظة إلى العشاء وبعد صلاة العشاء، أمسك هؤلاء وهو خارج من المسجد قال: يا جماعة! أنا والله كنت في ضلال، وأنا أريد أن أصلي الفجر معكم في المسجد لكن كيف أستيقظ؟ قالوا: نحن نوقظك -لأنهم جيران- وندق عليك، قال: بالله عليكم ما تأتون إلى المسجد إلا وأنا الأول ولو كسرتم الباب علي تكسيراً.. أنا نومي ثقيل، لكن لا تمشوا إلا وقد استيقظت، قالوا: حسناً، وذهبوا معه إلى الباب وودعوه ودخل بيته.

    دخل بيته في ساعة مبكرة على غير العادة، لم يكن يأتي بيته إلا وقد نامت زوجته، فلما دخل عليها بعد العشاء استغربت ماذا حصل لماذا أتيت في هذه الساعة؟ قال: نحن كنا مع ربنا هذه الليلة، قالت: الحمد لله الذي هداك، ماذا بك؟ قال: صليت المغرب والعشاء وسأذهب أصلي الفجر، فوالله ما أترك ولا صلاة، قالت: ومن يوقظك في الفجر؟ قال: الجيران، قالت: أنا أسمع الأذان وأوقظك، فجاء في الصباح في صلاة الفجر وأرادت أن توقظه فوجدته قد مات في فراشه، جلست توقظه وإذا به ميت فشعرت بالخوف، وإذا بالباب يطرق من قبل أولئك الإخوة الذين يريدون أن يصلي معهم، فتحت الباب قالوا: فلان أيقظيه ليصلي، قالت: الرجل ميت، دخلوا فوجدوه ميتاً، حملوه وغسلوه؛ أخرجوه إلى المسجد وصلوا عليه، ودفن وختم له إن شاء الله بحسن الخاتمة.

    فلا تدري -يا أخي- ربما أنك تموت هذه الليلة فتب من الآن، ماذا تخسر لو تبت؟! تخسر ترك الصلاة، والأغاني، واللعن والسب والشتم، هذه ليست خسارة، بل تركها مكسب، إنك تكسب كل شيء مهم ولا تخسر شيئاً، وإنك بالمعاصي تخسر كل شيء ولا تكسب شيئاً مهماً، فمن الآن تب ولا تسوف ولا تجازف ولا تماطل، فإن المجازفة والمماطلة والتسويف أعظم خسارة، وكما ورد في الأثر: [أن أكثر صياح أهل النار وهم في النار يقولون: واهاً لمسوف]، يعني الذي يقول: (سوف.. سوف) وأنت لا تعلم متى تموت؟ لو عندك علم بذلك فليس عندنا مانع، لكن يمكن تموت الآن، فكيف تؤخر التوبة وأنت ليس عندك علم متى تموت، إن هذا من نقص العقل.

    فهذه طريق الهداية وكيفية الحصول عليها، عن طريق:

    الاستغفار من الماضي، والعزم على عدم ممارسة الذنب في المستقبل، وإصلاح الحاضر بالاجتهاد وبالسير في طريق الله، وبالمحافظة على طاعة الله والبعد عن معصية الله، ويلزم هذا كله الدعاء والمجاهدة: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

    الأخذ بسنن الله في الكون

    رتب الله تبارك وتعالى لنا في الأرض أسباباً نتعلم منها أنه لا يكون في هذه الدنيا شيء إلا بجهاد وتعب، لو أردت قرص عيش من الفرن ما أتاك القرص يمشي ولكن أنت تمشي إليه، ولو رجعت من السوق أو المسجد ودخلت بيتك، وبيتك يبعد عشرة كيلو عن المسجد أو السوق، أو قرية من القرى، ولما دخلت قالت زوجتك: نسيت أن أقول لك: ائت بكبريت، ماذا تعمل؟ تقول (حاضر) وتشغل السيارة وترجع إلى السوق وتأتي بالكبريت يمكن العلبة بكاملها قيمتها قرش، وفيها خمسين عوداً، لكنك تعود من أجلها، ليس هناك شيء في الدنيا يأتي إلا بتعب، هل يمكن لشخص أن يحصل على وظيفة وهو ما درس، أما الذي يدرس ويتعب -مثلاً- ست سنوات ابتدائي، وثلاث سنوات متوسط، وثلاث سنوات ثانوي، وأربع سنوات جامعة، وبعد ذلك -مثلاً- ماجستير أو دكتوراه يتعب حقيقة ويعاني ويسهر، لكن يتعب قليلاً ويستريح طول عمره، يذهب إلى منصب ووظيفة والناس كلهم يحترمونه، لكن شخص آخر درس إلى خامس ابتدائي أو سادس وقال: أنا آخذ وظيفة على قدري؛ وذهب يتوظف عسكري أو فراش أو عامل، يقعد ذليلاً إلى أن يموت، وذاك ينهره كل وقت انهض.. امش.. هات.. اصعد.. لماذا تأخرت.. ما الذي أتى بك؟ أنا أشاهد بعض الضباط ممن تخرج من الثانوية وجلس ثلاث سنوات في الكلية وبعد ذلك صار ملازماً، وذلك الذي توظف رقيباً من حين يراه يقول: هذه تعاسة؛ لكن هذا تعب ثلاث سنوات وسيرتاح طول حياته، هذا في مقام الدنيا وإلا قد لا يستريح في الآخرة، يمكن يكون ملازماً فاجراً قليل دين فلا يستريح ولو استراح في الدنيا فإنه يصير ملازماً في النار -والعياذ بالله- لكن نعني الملازم الطيب الذي يلازم دين الله في الدنيا والآخرة، هذا خير له في الدنيا والآخرة.

    فنقول للناس: إنه ليس هناك شيء في الدنيا يحصل إلا بتعب، صاحب الدكان هل يأتيه المشتري وهو جالس في البيت؟! أبداً.. لا يأتيه إلا إذا ذهب صاحب الدكان يفتح الدكان، ويجلس ينشر البضاعة ويلمعها، لكن لو قعد في البيت وأغلق الدكان وقال: اللهم اجلب لي الزبائن كلهم واجمعهم لي يا رب، وبعد ذلك آخذهم كلهم وأبيع لهم في ساعة وأرجع أنام، هل يأتون؟ بعض الناس يقول: أنا لا أستطيع أن أفتح اثنتي عشرة ساعة، أجلس أرقبهم، لا. أريدهم كلهم يرتصون عند الباب، وأبيع لهم كلهم، وأرجع لأنام وأرتاح، أيحصل هذا لتاجر من التجار؟ أبداً لا يحصل هذا.

    والمزارع إذا أراد أن يزرع وجاء إلى المزرعة ونظر إليها مقحلة وليس فيها شيء، وقام يدعو: اللهم أنزل لي حراثة من السماء، وركب لي على البئر ماطوراً يا رب العالمين، وازرعها لي كلها بدون عمال وبدون شيء، هذا دعاء الكذابين، ما ينزل رب العالمين حراثة من السماء، لماذا؟ لأن لله سنناً في الكون لا يلغيها من أجل هذا الضعيف البليد الكسلان، وإلا فالله قادر أن ينزل؛ لكن الله يقول: وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً [الأحزاب:62] سنن الله جارية رغم أنف الكسلان، تريد مزرعة اذهب واحرث بنفسك؛ لأن الله أعطاك رجلاً وقدماً ويداً وقوة وعقلاً، وبعد ذلك ازرع، وشغل المكينة واسقها ماء، وقل: اللهم يا رب أنبتها؛ لأن الإنبات ليس لك، الإنبات لله: أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [الواقعة:64] الله هو الذي يزرع، وأنت تأخذ بالأسباب وتترك الباقي على الله عز وجل.

    وكذلك من يريد ولداً! أبصر الناس عندهم أطفال يملئون البيت سروراً وحبوراً وقال: أنا أريد أولاداً .. أريد بنتاً أو ولداً لأدخل البيت وأنبسط معهم وأمزح معهم، قالوا له: تزوج، قال: مشاكل الزواج من يوم تزوجت بهذه المرأة وهي تشغلني .. أين ذهبت؟ لماذا تسمر؟ لماذا تأتي؟ وهذا الزنبيل، وهذه المقاضي، وأحضر لي كسوة، وأخرجني لأهلي وللتمشية، هذه شغلة أنا لا أريدها، أنا أريد ولداً مباشرة، اللهم أنزل لي ولداً، ما رأيكم؟ هل يأتيه هذا الكسلان ولد؟ لا يأتيه ولد إلا إذا تزوج وتعب، الزواج لا يأتي بسهولة، يبقى يفكر: أين الزوجة؟ وبعد ذلك يختار ذات الدين، ثم بعد ذلك يعمل وساطات، ويرسل مراسيل، ويظهر لساناً عذباً وكأنه من الملائكة فلا أحسن منه، كما يقولون: على لسان الخطاب عسل، وبعد ذلك يدفع المهر، ثم يفعل الحفلات والولائم ويأخذ المرأة، وبعد ذلك يجلس مدة ثم تحمل المرأة وترتفع بطنها ويذهب بها كل أسبوع إلى المستشفى، وبعد ذلك ولادة، ثم يكبر الولد، ولا يأتي مباشرة يتكلم ويمشي، بل يريد له رضاعة، وحفائظ، ولفافات، وناموسية، أشياء كثيرة، وبعد سنة أو سنتين يمشي الولد، وتبدأ تحب البيت الذي فيه الولد، هذا بعد تعب شديد، هذه هي الدنيا.

    السعي وراء الهداية وطلبها

    بعضنا يريد الهداية وهو لا يسلك مسالكها، يقول: اللهم اهدني فيمن هديت، ولكنه لا يقوم إلى الصلاة، يقول: اللهم اهدني يا رب العالمين وأنا قاعد على الأغاني، أريد أم كلثوم، أنبسط مع طلال مداح ومحمد عبده الشيطاني، اللهم اهدني يا رب العالمين، أنت لا تريد الهداية، ولو كنت تريدها لأغلقت الأغاني، الله أعطاك يداً مثلما تعرف تحركها على الأغاني حركها على القرآن، وأعطاك قدماً مثلما تحملك إلى القهوة تحملك إلى المسجد، وأعطاك عيوناً مثلما تنظر بها إلى المجلات العارية والمسلسلات انظر بها إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    لماذا تشغل نفسك بالشيطان وتقول: اللهم اهدني فيمن هديت؟ لماذا لا تشغل نفسك بطاعة الله وتقول: اللهم اهدني فيمن هديت؟ تكون هناك صادقاً مثل الذي يزرع الزرع ويقول: اللهم أنبت لنا الزرع؛ ما رأيكم في شخص جاء على مزرعته ورشها بترولاً وقال: اللهم أنبت لنا الزرع، ما رأيكم أينبت له الزرع وهو يسقيها البترول؟ لا. فكيف الله يهديك وأنت تسقي قلبك بنزيناً يحرق إيمانك وهو الغناء، لا يجتمع حب الغناء وحب القرآن في قلب عبد مؤمن، والله إنه أخطر على الإنسان من كل خطير، ومن أراد المزيد في حكم الغناء فليقرأ كتاب إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، كيف أن الغناء محرم من أربعة وعشرين وجهاً شرعياً، والناس اليوم مفتونين بالأغاني، ما تمر سيارة إلا وفيها أغاني، وما تشتري من عند خباز إلا والأغاني فوق رأسك، حتى رأيتهم وهم يصلحون سقف البيت والمسجل معلق عند رءوسهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، كأننا أمة الغناء ولم نكن يوماً ما أمة القرآن.

    فهذه طريق الهداية، هل فيها صعوبة يا إخوان؟ والله ليس فيه صعوبة، إلا واحد يقول: لا أريد، الذي لا يريد فعلى ما يريد، ولن نحزن عليه، الله يقول: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل:127] ويقول: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف:6] ويقول: فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا [لقمان:23].. مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ [الروم:44].. وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً [فاطر:39] فلا تخف على شخص رفض أن تهديه وأنت تحب له الخير ولا تحزن عليه، لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقطع قلبه أسفاً وندماً وحزناً على أمته، قال الله عز وجل: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ [الكهف:6] أي: مهلك نفسك عَلَى آثَارِهِمْ [الكهف:6] لا. وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:127-128].

    1.   

    وقفة مع من يريد الشفاعة يوم القيامة

    أذكر لكم حديثاً بالمناسبة، والحديث في صحيح مسلم ، يقول عليه الصلاة والسلام: (من سمع المؤذن فقال: مثلما يقول ثم سأل الله لي الوسيلة وجبت له شفاعتي يوم القيامة) وما أحوج المسلم والمؤمن إلى شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الأنبياء والرسل من نوح إلى وعيسى وهم أولو العزم يطلب منهم يوم القيامة الشفاعة فلا يستطيعون التقدم لها وكل منهم يقول: نفسي نفسي! وهم أنبياء، كعب الأحبار يقول له عمر : [يا كعب ذكرنا بشيء من الآخرة، قال: يا أمير المؤمنين اعمل عمل وجل -أي عمل خائف- فو الذي نفسي بيده! إن جهنم يوم القيامة لتزفر زفرة ما يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا يخر على ركبتيه جاثياً، ثم قال: والذي نفسي بيده! لو جئت يوم القيامة ومعك عمل سبعين نبياً إلى جانب عملك ما ظننت أنك تنجو] فيوم القيامة يجعل الولدان شيباً، فهو مهول.

    مثل لنفسك أيها المغرور     يوم القيامة والسماء تمور

    قد كورت شمس النهار وأدنيت     حتى على رأس العباد تسير

    وإذا الجبال تقلعت بأصولها     ورأيتها مثل السحاب تسير

    وإذا البحار تأججت نيرانها ورأيتها مثل الحميم تفور

    وإذا الوحوش لدى القيامة أحضرت     فتقول للأملاك أين نسير؟

    فيقال سيروا تشهدون فضائحاً     وعجائباً قد أحضرت وأمور

    وإذا الجنين بأمه متعلقٌ     يخشى الحساب وقلبه مذعور

    هذا بلا ذنب يخاف لهوله     كيف المقيم على الذنوب دهور

    فما أشد خوف الإنسان يوم القيامة، وما أحوجه إلى شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنها تجب لمن قال هذا الدعاء عقب كل أذان، ووالله إنه لسهل، ومع عظمه أكثر الناس مفرطون فيه، دائماً الشيء الثمين الغالي الشيطان يثقله على النفس، مثل: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، ونهايته تقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، هذه في صحيح مسلم : (أن من قالها عقب كل صلاة، غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر) فلا يقولها إلا القليل، وعقب كل صلاة بشرط أن يعدها عداً مثلما يعد الذهب، لكن من الناس من لا يقولها إلا بالتخمين، بدون عد وهذا تفريط، أين التسبيح؟! بينما إذا كان يعد الراتب، يقول: واحد اثنين، ثلاثة ويفحصها لعل أن ورقتين تلاصقتا؛ لأنها فلوس، ولو شخص سلم عليك وأنت تعد لا ترد السلام عليه، ولو أشغلك تقول له: اسكت يا أخي! دعنا نعد الفلوس، وإذا كانت مضبوطة تقول: وعليك السلام، ماذا عندك؟ لكن التسبيح سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (سبحان الله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض) ويقول: (كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) وكان سليمان عليه السلام في يوم من الأيام يسير على بساط الريح، فحجب الريح ضوء الشمس عن مزارع في قرية من القرى فتلفت الفلاح وإذا هو يرى الريح تمشي تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ [ص:36] فقال: سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً كبيراً، فسمعه سليمان فنزل، وقال: ماذا تقول؟ قال: أقول: سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً كبيراً، قال: والذي نفسي بيده إن الكلمة التي قلتها أعظم مما أوتي آل داود.

    يقول عليه الصلاة والسلام: (لأن أقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس) كم طلعت عليه الشمس؟ تصوروا، نأخذ الكلام هكذا، أبها هذه لحالها، ما هي أبها، لو قال شخص: سبح ونعطيك عمارة من عمارات أبها لجلس يسبح عشرين سنة من أجل أن يعطوه عمارة، فكيف مما طلعت عليه الشمس وغربت؟

    الجزيرة العربية كلها وليس المملكة العربية السعودية ، وما هي المملكة ؟ هي جزء بسيط في الجنوب الغربي من قارة آسيا ، وما آسيا بالنسبة للأرض كلها؟ وما الأرض كلها بالنسبة للكرة الأرضية؟ الكرة الأرضية اليابس منها خُمسان، والماء ثلاثة أخماس، واليابس ست قارات، آسيا وأوروبا وأفريقيا وأستراليا وأمريكا الجنوبية وأمريكا الشمالية .

    وما الأرض بالنسبة لبقية العوالم؟ آخر إحصائية قرأتها يقولون: إن الشمس حجمها أكبر من حجم الأرض مليون ومائتين ألف مرة، وآخر إحصائية يقولون: إنه اكتشفت الآن كواسارات، ليس مجرات ولا مجموعات (كواسارات) اكتشفت بواسطة (التلسكوب الراديوي) ليس الإلكتروني، أو البصري؟ لا. عبر الموجات، يعني يرصد الأشياء بترددات وبذبذبات الصوت، اكتشفت هذه (الكواسارات)، يقولون: إن الأرض كلها بالنسبة لها كقبضة رمل على شاطئ البحر.

    وهذه كلها من مخلوقات الله تعالى، لا إله إلا الله! (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) أحب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مما طلعت عليه الشمس وغربت.

    1.   

    الأسئلة

    .

    عقوبة المستهزئ بأحكام الله وسنن رسوله صلى الله عليه وسلم

    السؤال: ما عقوبة المستهزئ بأحكام الله، وبسنن الرسول صلى الله عليه وسلم، وبأهل الدين؟

    الجواب: الدين له حصانة صانها الإسلام، وحذر من النيل من أهل الدين، واعتبره كفراً، يقول الله عز وجل في سورة التوبة: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ [التوبة:65] وهذه نزلت في المنافقين، كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، فجلسوا تحت شجرة، وقام واحد منهم -كذاب منافق- يريدهم أن يضحكوا، وإلا فهو يعرف أنه كذاب، قال: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً وأجبن عند اللقاء! يعني بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، -عليه من الله ما يستحق- وهو يعرف أنهم أعف الناس بطوناً وأشجع الناس عند اللقاء، قد لصقت بطونهم بظهورهم من الجوع، لكنهم أسود الشرى.

    يقول علي : [كنا إذا حمي الوطيس اتقينا بظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم] وفي يوم حنين يوم كشف ظهر المسلمين، ما تراجع الرسول، بل ركب بغلته وقال: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب)

    هنا قال الله: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا [التوبة:26] وليلة من الليالي، يقول علي: [أفزعنا أمر في المدينة، قام منه الرجال وجفل منه النساء، وبكى منه الأولاد، وخاف الناس -صوت غريب- فخرجنا بسيوفنا جهة الصوت، فما هالنا إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم راجع من عنده قال: لم تراعوا]. فاطمأننا أنه لا يوجد شيء، قد ذهب وأتى بالخبر صلوات الله وسلامه عليه، وهذا الكذاب المنافق يقول: إنهم أجبن عند اللقاء.

    وقال: إنهم أرغب بطوناً -أي: يأكلون كثيراً- وكان صلى الله عليه وسلم يواصل الصيام الليلة والليلتين والثلاث والأربع، ولما أراد الصحابة أن يواصلوا، قال: (لا تواصلوا، فإني أبيت يطعمني ربي ويسقيني).

    خرج أبو بكر وعمر يوماً، وكل منهم يتلوى من الجوع ليس عنده شيء، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم كشفوا عن بطونهم وإذا بكل واحد قد ربط على بطنه حجراً؛ لأن البطن -هي المعدة- إذا فرغت من الطعام صارت فيها حرارة، تطلب طعاماً، فماذا يحصل؟ لا يوجد شيء، يضطر الواحد منهم أن يضع شيئاً من أجل أن يلتصق بطنها بظهرها فتسكت، ويربطون على بطونهم الحجارة، فلما كشفوا عن بطونهم كشف صلى الله عليه وسلم عن بطنه وإذا بحجرين، فما كان شهوانياً، ولا بطونياً صلوات الله وسلامه عليه، وهذا الكذاب يقول: هؤلاء أرغب بطوناً، فواحد من المؤمنين سمعه، قال: كذبت يا عدو الله والله إنك لمنافق، والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقام يخبر الرسول، وأما أولئك الذين ضحكوا فأصابهم شيء من العذاب، فوجد الوحي قد نزل، وقد سبق الرجل، قال: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66].

    فالله أثبت لهم إيماناً ثم نفى عنهم هذا الإيمان، وأثبت لهم الكفر بعد ذلك لهذا السبب، ومن يضحك من الأئمة، أو المؤذنين، أو الدعاة، أو الخطباء، أو القضاة، أو أهل العلم، أو أي شيء في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، كما يضحك باللحية أو بالثوب، أو بأي شيء من معالم الدين، هذا كفر مخرجٌ من دين الله.

    يقول راوي الحديث: (كأني به - هذا الرجل- وهو متعلق بنسعة ناقة النبي صلى الله عليه وسلم والحجارة تنكب رجليه وهو يقول: يا رسول الله! والله ما أعنيها، إنما كنت أقطع بها حديث الركب - أريد أقطع الطريق بالكلام هذا- يا رسول الله أأدخل النار وأنت بين أظهرنا، يا رسول الله.. فكلما قال له شيئاً قال: أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66]).

    فحذار -يا أخي المسلم- انتبه! فهناك حصانة إسلامية لأهل الإيمان، لا تسخر من عالم، ولا قاضٍ، ولا شاب متدين، ولا إمام، ولا خطيب، ولا مؤذن، ولا من أي شيء فيه دين الله؛ لأن من ضحك من شيء في دين الله فقد استهزأ بالله، ومن استهزأ بالله كفر، ويوم القيامة يؤخذ المستهزئون فيدخلون في النار، أجارنا الله وإياكم من النار، ثم تفتح أبواب النار على مصاريعها، وتناديهم الملائكة تقول لهم: اخرجوا، هذه أبواب النار مفتوحة، جاءكم عفو فاخرجوا فيأتون مسرعين تتقطع قلوبهم، فيخرجون من النار، فإذا وصل أولهم الباب قفل الأبواب عليهم، فيرجعون بخيبة وبحسرة وندامة، ما ندم بها الأولون والآخرون، فيقولون: ما بكم؟ قالوا: إن الله يستهزئ بكم كما كنتم تستهزئون بعباده.

    يقول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ [المطففين:29] إذا مر المؤمن قالوا: جاءك (المطوع)، وأنت ماذا؟ عاصٍ؟ جاءك صاحب اللحية، وأنت ماذا؟ (كوع) تسبني بلحيتي الذي خلقني ربي بها، أنا أسبك (بكوعك) هذا الذي حلقته، كما قال أحد الإخوة: التقى شاب مسلم متدين ذو لحية بشخص ليس معه لحية، وهذا المسكين صابر ما أراد أن يرد عليه، احترمه لكن ذاك (ملقوف).

    قال: لماذا أنت تربي لحيتك، (أنكر عليه تربية اللحية).

    قال: وأنت لماذا تحلق لحيتك؟ بنفس المنطق.

    قال الحليق: أنا حر.

    وقال صاحب اللحية: وأنا لست عبداً، وأنا كذلك حر.

    قال: الشعر يحلق بأماكن ويترك بأماكن .

    قال: ماذا تعني؟

    قال: الشعر يترك في الرأس ويحلق في أماكن ثانية.

    قال: أنا أحب أن تكون لحيتي مثل رأسي وأنت تحب أن تكون لحيتك مثل شيء آخر تعرفه أنت، فسكت.

    فلا يحوز أن تستهزئ بصاحب لحية، قال الله: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ [المطففين:30-31] أي: يتفكهون، كأن الله شبه أعراض المؤمنين بالفاكهة للعصاة، يأكلون من رمان المؤمنين وأعراضهم، ويتفكهون بهم: وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ [المطففين:32]. قال الله: وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ [المطففين:33] ليسوا مسئولين عنهم فَالْيَوْمَ [المطففين:34] انقلبت المسألة اليوم، ورجعت الأمور على موازينها فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين:34].

    إذا غاروا عند أبواب النار ثم قفلت، قالت الملائكة: إن الله يضحك عليكم وأهل الجنة ينظرون، يقولون: انظروا، لكن ضحك الآخرة غير ضحك الدنيا: هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين:36] نعم. جازاهم الله على فعلهم.

    فلا -يا أخي المسلم- انتبه على نفسك، لا تضحك من شيء، فبعض الناس يقول فكاهات في بعض الآيات، تكون آيات قرآنية فيحرفونها ويقدمونها ويؤخرونها، هذا كفر، وبعضهم يأتي بفكاهات على الأحاديث، والأئمة، والمؤذنين، يقول: أريكم كيف الإمام الفلاني يصلي؟ وأريكم كيف أذان ذاك، ثم يضحكون كلهم، هذا لا يجوز في الشرع.

    نصيحة للآباء بسرعة تزويج البنات

    السؤال: بم تنصح الآباء حينما يريدوا أن يقرروا تزويج بناتهم؟ وما هي المعايير الشرعية لاختيار الزوج الصالح؟

    الجواب: أولاً: أنصح الآباء أن يسارعوا في تزويج بناتهم؛ لأن البنت كالثمرة تقطف عندما تنضج، وإذا تركتها مكانها إلى أن تسقط فسدت، من الذي سوف يأخذها من الأرض؟ ما تأخذها إلا دابة أو قطة أو كلب، فلا أحد يأتي قاصداً التقاطها من تحت، يقول: لا والله سوف آخذ شيئاً ما زال في مكانه، لكن إذا سقطت خربت، متى تعنس البنت؟

    إذا تجاوزت سن الشباب، تتزوج بنت من تسع سنوات، إلى خمسة وعشرين، وبعدها تبدأ في العد التنازلي، تصل إلى الثلاثين وتنتهي فترة الزواج ثم تعنس، هل يأتي شخص عمره خمس عشرة سنة أو عشرين يأخذ امرأة عمرها ثلاثين مثل أمه؟ لا. بل يأخذ امرأة في مثل سنه أو أقل منه، فلا يتزوجها أحد لكبر سنها، فأنت سارع بتزويج ابنتك؛ لأنك تلبي احتياجها الفطري؛ ولأنه ورد في بعض الآثار أن من لم يزوج ابنته، أو عضل ابنته أنه يوم القيامة يشرب من حيضها الذي كانت تحيضه في الدنيا.

    والحيض عند المرأة دليل على أنها قابلة للإنجاب وللزواج، وهذه كل شهر تحيض وهم يحبسونها من أجل أنها موظفة، وكلما جاء من يخطبها قال: لا والله، إنها موظفة، فإذا جاء شخص قبيح وفيه عيب قال: جاءنا فلان ما رأيك؟ قالت: لا أريده، فإذا جاء من يصلح لها، لا يخبرها حتى لا توافق؛ لأنها تستلم كل شهر ستة أو سبعة أو ثمانية آلاف، يريد أن يكمل العمارة أو يشتري السيارة، أو يصلح المزرعة، أو يحفر البئر من ظهر الضعيفة وهي مربوطة في غرفتها، وهو كل ليلة مع أمها.

    هذا لا يجوز في الشرع، فزوج بنتك بأول نصيب يأتيك، وإذا لم يأتك نصيب فابحث أنت، فالرجل الشهم والكريم هو الذي يريد أن يعيش مستور العرض، مأمون الجانب، كما صنع عمر رضي الله عنه، عمر أراد أن يزوج حفصة رضي الله عنها فعرضها على عثمان ، فاعتذر، ثم عرضها على أبي بكر فسكت لأنه قد سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يعرض بها ويوري، فعلم أن له بها حاجة، ثم أبدله الله عز وجل بخير منهما، رسول الله، زوجه الله بـحفصة ، فكانت أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، عرضها عليه وقبل، فهذه سنة عمرية.

    تأتي إلى رجل وتقول: أنا أحبك في الله، وعندي بنت تصلح لك، ومن غلاها عندي عرضتها عليك، وما هي رخيصة عندي، لو أنها رخيصة لتركتها في البيت وأريدك أن تكون زوجاً لها.

    ما هي معاييرك التي تتحراها في الزوج؟

    الدين (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه -وفي رواية: وأمانته- فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير).

    الدين والخلق؛ لأن بعض الناس عنده دين لكن ما عنده أخلاق، يصلي لكن خلقه سيئ، هذا ما يصلح، وبعض الناس عنده خلق مثل العسل لكن لا يصلي، الله أكبر عليه وعلى خلقه، لكن المتكامل الذي خلقه طيب، وعبادته طيبة، خواف من الله، وقاف عند حدود الله، فابحث عنه، ولو جاز في الشرع أن تمهره أنت لكان، لكن لا يجوز المهر إلا من الزوج وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء:34] فاظفر بصاحب الدين، وابحث عنه، وإذا أتاك فلا ترده، إنك إن تفعل ورددته تكن فتنة في الأرض وفساد كبير.

    ولا تغال -يا أخي- في المهور، ولا المظاهر، ولا الاحتفالات التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي تتعب الزوج وتتعب المزوج، وأهل البيت ونهايتها لا شيء، بعضهم يخرج وهو مريض، ويتعب نفسه شهراً في نصب الخيام، والكراسي، مثلما وقع في الطائف، أخذوا البنت وهربوا بها وهو آخذ بالكراسي، لماذا المشكلة على نفسك، زوج بنتك بزواج إسلامي بسيط ما فيه كلفة ولا تعقيد، ولا خيام، ولا ضجة، فإن الزواج ستر.

    قل لزوج ابنتك أو رحمك: تعال أنت وأبوك واثنان أو ثلاثة أو خمسة أو عشرة أو عشرين من جماعتك (الله يحييكم)، ويدخلون إلى بيتك، تذبح لهم ذبيحتين أو ثلاثاً أو ما يكفيهم بالضبط، واركبوا في السيارة وانتهى الموضوع، أما أن تقيم الدنيا وتقعدها وتتعب نفسك ورعيلك بهذه المظاهر التي ما أنزل الله بها من سلطان، هذا والله ما هو براحة في الدنيا وليس عليه أجر في الآخرة، إنما هو عذاب في الدنيا وقد يعاقب عليه الإنسان يوم القيامة.

    أما ما ينفق من الأموال للمطبلين هؤلاء فهو سحت وحرام؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بإعلان النكاح والضرب عليه بالدف، والدف غير الزلفة، الدف: إطار مثل المنخل عليه جلد تضرب به أمة (قينة)، تضربه ضربات متواليات.

    ولا ترفع الحرة صوتها ولو بالذكر، وإذا أخطأ الإمام وفي المسجد نساء، قال: (سبح الرجل وصفقت المرأة)، لا تقول سبحان الله، هناك وهم في المسجد بين يدي الله، خاشعين خاضعين، إذا قالت واحدة سبحان الله، الشيطان قال: اسمعوا الصوت، وفتنهم، لا تسبح، فكيف بالتي تغني، يقول: إن هذا من السنة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالدف)؛ لكن لا يوجد صوت، فصوت المرأة عورة فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً [الأحزاب:32] المرأة عورة ولسانها فتنة:

    يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة     والأذن تعشق قبل العين أحياناً

    من النساء من صوتها مثل المزمار ولو كانت عفريتة، لو رأيتها هربت منها، لكن صوتها يخذلك.

    والأذن تعشق، أما ترى أنك إذا رفعت السماعة واتصلت على أحد زملائك أو جيرانك أو أقاربك ثم ردت عليك زوجته وصوتها جميل أنها فتنة، فأغلق التلفون ولا تطول معها الكلام، وأوص زوجتك أو أختك أن لا ترد إلا بأقصر عبارة، وإذا استطعت أن لا ترد هي فحسن؛ لأن الأذن تعشق قبل العين أحياناً.

    فما يدفع لهؤلاء المطبلات ثمانية آلف وبعضهم يقول: عشرة آلف، وبعضهم محجوز من شهور، عشرة ألف -يا أخي- تبني بها مسجداً، أو ترسلها للمجاهدين الأفغان، أو لإخوانك المساكين في السودان، أو لـبنجلادش ، تنقذ بها أسراً، لا تنفقها في سبيل الشيطان -والعياذ بالله- وكذلك هؤلاء الشعراء والمنشدون يعطونهم ألفين أو ثلاثة، كل هذه -والعياذ بالله- ما أنزل الله بها من سلطان.

    شروط التوبة الصحيحة

    السؤال: ما هي شروط التوبة الصحيحة إلى الله؟

    الجواب: شروط التوبة كما بينها العلماء ثلاثة:

    أولاً: الإقلاع عن الذنب.

    ثانياً: الندم على ما فات منك.

    ثالثاً: العزم على عدم العودة إليه.

    وهناك شرط رابع يضاف إليها إذا كان الذنب متعلقاً بحق آدمي يمكن إظهاره مثل الدين، إذا أخذت عليه مالاً ترجعه إليه، أما إذا كان في إظهار ذلك الحق مفسدة فلا، مثل أن يقع الإنسان مع زوجة أحد في معصية ثم تاب فلا يذهب إليه ويقول: إني تبت وأنا كنت فعلت مع ابنتك أو مع أختك، لا؛ لأن هذه تثير فتنة ومشكلة ولكن يستغفر الله، ولعل الله أن يتوب عليه.

    التوازن في الاهتمام بالرقائق والمناهج العلمية والتربوية

    السؤال: ما يلاحظ على بعض الشباب الملتزمين في هذه المنطقة هو الاهتمام بالرقائق فقط، دون الاهتمام بالمناهج التربوية، مثل كثير من أشرطة الدعاة المشهورين، وكذلك يعتمد البعض على العاطفة عند متابعة الكتب والتسجيلات، وقد يتلقى معلومات من طرق غير صحيحة، فنرجو منكم النصيحة؟

    الجواب: المناهج التربوية والعلم المؤصل على قواعد شرعية ضرورية لبناء حياة الإنسان الديني، لأن الرقائق مثل الملح في الطعام، والرقائق سماع المواعظ، والأحاديث التي فيها رقائق، والأبيات الشعرية، والقصص، هذه تحلي القلوب وتجليها وتصفيها، وتحببها إلى الدين، ولهذا صلى الله عليه وسلم كان يهتم بهذا الجانب، لكن لا بد من أسس يبني فيها الإنسان هدايته، ويتعلم فيها أصول دينه، يتعلم العقيدة، وأركان الإسلام، والإيمان كلها، وأدلة الإيمان بالله، وبالرسل، وبالكتب، وبالملائكة، وبالبعث بعد الموت، وبالقدر، وبالحوض، وبالصراط، وبالميزان، وبكل القضايا الإيمانية، ثم يتعلم بعد ذلك قضايا العبادات كيف يعبد الله، ولا مانع من أن يأخذ من هذه الرقائق مع التأكد على مصادرها، وأنها صحيحة إذا كانت متعلقة بأحكام شرعية، وإذا لم تكن بأحكام شرعية تحرم حلالاً أو تحلل حراماً فلا مانع من سوقها؛ لأنها ترقق القلوب ولا يترتب عليها شيء إن شاء الله.

    حكم من مات وعليه صوم

    السؤال: لي والدة توفيت وعليها صوم أربعة أيام من رمضان الماضي، وذلك بسبب مرض الكبد، فماذا أفعل وفقكم الله؟

    الجواب: إذا أفطرت من رمضان بعذر شرعي وهو المرض، ثم استمر بها المرض حتى ماتت فلا قضاء عليها؛ لأنها لم تتمكن من القضاء، أما إذا أفطرت ثم عوفيت بعد رمضان وتمكنت من القضاء ولكنها لم تقضي، فإن هناك خلاف بين أهل العلم، فمنهم من يقول: عليها أن تصوم وهو ما يرجحه الجمهور، ومنهم من يقول: لا تصوم إلا إذا كان صوم كفارة أو نذر أوجبته على نفسها، وهو ما يرجحه الإمام أحمد في مسنده وابن قدامة في المغني ، ومن أراد المزيد فليراجع المسألة.

    فإذا كانت أمه استمر بها المرض حتى ماتت فليس عليها قضاء، لأنه ما أوجب عليها فهو يجب مع القدرة، والله يقول: وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:185] وليس هناك أيام أخر، فإذا ماتت ليس عليها شيء إن شاء الله.

    حكم دخول الحمو على زوجة أخيه التي ربته

    السؤال: يقول: توفيت والدتي وأنا في الثالثة من عمري، فقامت زوجة أخي بتربيتي، وقد بلغت الآن من السن خمسة وعشرين سنة، فهل يجوز لي الجلوس والتحدث معها مع العلم بأنها تعتبرني كأحد أولادها، وهي تقول لي كذلك؟

    الجواب: نحن نقول لك -يا أخي المسلم-: زوجة أخيك ليست محرماً لك، ولست بمحرم لها، وعليك أن لا تدخل عليها، ولا تجلس معها، ولا تكشف عليها، وأن تعلمها أنه لا يجوز لها أن تكشف لك حتى وإن ربتك، إلا إذا كنت قد رضعت من لبنها فإنها تكون أمك من الرضاع، أما بغير ذلك فإن الربيب من الولد لا يحرم، ربائب الرجل يعني الزوج الذي عنده زوجة وعنده بنت من زوجته التي دخل بها: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء:23] هذه تحرم عليك بنتها؛ لأن أمها قد دخلت بها.

    أما إذا كان بنت زوجتك ولا تدخل بها، ولكن عقدت عليها فإن البنت لا تحرم عليك، ولا تسمى ربيبة إلا بالدخول.

    حكم حلق اللحية

    السؤال: بعض الناس يقول: إن إعفاء اللحية سنة، والسنة يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها فنقول: إذاً حلق اللحية ليس محرماً ما حكم الشرع في ذلك؟

    الجواب: الناس يخلطون في مسألة السنة المنهجية، وبين السنة العبادية، السنة التكليفية التي هي قسم من أقسام الحكم التكليفي، ففي الشرع الأقسام التكليفية خمسة، واجب ومحرم ومسنون ومكروه ومباح.

    فالواجب هو: ما طلب الشرع من المكلف فعله طلباً جازماً كالصلاة.

    المحرم هو: ما طلب الشرع من المكلف تركه طلباً جازماً مثل الزنا.

    المسنون هو: ما طلب الشرع من المكلف فعله طلباً غير جازم مثل السواك.

    المكروه هو: ما طلب الشرع من المكلف تركه طلباً غير جازم مثل أكل الثوم والبصل.

    المباح هو: ما خير الله المكلف بين فعله وتركه، مثل أن تأكل أو تشرب أو تقوم، أو تلبس لباساً جميلاً، هذه مباحات.

    نأتي إلى اللحية، ما حكم اللحية؟ فهل نضعها من السنة، أي: المسنون؟ لا. هذه سنة من سنن المنهج؛ لأن الدين كله ماذا نسميه؟ سنة، الرسول يقول: (من رغب عن سنتي) أي ماذا؟ عن منهجي، وطريقي، وديني، ويقول: (عليكم بسنتي) أي: بمنهجي وبطريقي، ما هي سنته: أهي السنة العبادية في التكليف الشرعي؟ لا. السنة في المنهج، نأتي إلى اللحية نضعها على واحدة من هذه الخمس، فنرى أنها واجب، لماذا؟ لأن الشرع طلب من المكلف فعلها طلباً جازماً ولم يقم على الصرف إلى الاستحباب قرينة، فقد ورد أكثر من عشرة آحاديث: (قصوا الشوارب) (أعفوا اللحى) (أكرموا اللحى) (أرخوا اللحى) (خالفوا المجوس) (خالفوا المشركين) وفي حديث الرجلين اللذين جاءا من اليمن وقد أرسلهما كسرى، فلما رآهما النبي صلى الله عليه وسلم وقد أطالا شواربهما، وحلقا لحاهما قال: (من أمركما بهذا؟ قالا: ربنا -أي: كسرى- قال: أما أنا فقد أمرني ربي بإعفاء لحيتي وقص شاربي).

    فهو أنكر عليهم، وهذه قرينة تؤيد أن الفعل المأمور به للواجب إلا أن تأتي قرينة تصرفه إلى الاستحباب، وأيضاً لم يؤثر أنه صلى الله عليه وسلم حلق لحيته، ولا أحد من أصحابه، فدل الأمر بإبقائها على الوجوب، وعلى هذا يقول أهل العلم: إن حلقها محرم وإبقاؤها واجب، وحالقها آثم، وعليه أن يتقي الله، ماذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الأوامر: (أرخوا اللحى) (أكرموا اللحى) (خالفوا المجوس) (قصوا الشوارب) (اعفوا اللحى) هذه أوامر، وتقول: لا والله إنها سنة ما يدريك، وها نحن نقول لك إنها واجب.

    حكم تخفيف اللحية

    السؤال: الذي يخفف اللحية ما حكمه؟

    الجواب: لم يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخذ من لحيته شيئاً، ونقل البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا أحل من نسكه قبض لحيته، ثم قص ما زاد عليها، ويقول أهل العلم: إن فعل الصحابي إذا عارض قول النبي صلى الله عليه وسلم لم يعمل به، ولكن نقول للناس الآن: هبوا أنا لنا لحية ونضع إصبعاً فقط -لأن أطول لحية هي لحية الشيخ الأفغاني أنا جعلته يمسكها، وقبض عليها فما زادت إلا قليلاً- أين القبضة، والآن عند بعض الناس لحيته واحد (سم) ويقول معي لحية وكل يوم يقصرها، لا. اترك لحيتك كما خلقها الله تبارك وتعالى؛ لأن لحيتك أوجدها الله، والله يقول: لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين:4] فلحيتك جميلة، وهيبة لك وجمال.

    حكم الاستمناء باليد

    السؤال: تبت من أحد الذنوب وهو نكاح اليد، ثم عدت إليه مرة أخرى وأنا على هذا الحال أتوب ولا أقصد العودة، وأعود فما الحل؟

    الجواب: نقول لك: تب إلى الله الآن ولكن لا تلعب -يا أخي- لأن التائب من الذنب والعائد إليه كالمستهزئ بربه، تب إلى الله واعتصم به، وإذا جاءك الشيطان في لحظات يريد منك أن تمارس هذه العادة، فاقرأ القرآن واذكر الله واخرج من البيت، لا تنفرد بالشيطان حتى ينفرد بك فيوقعك في هذه الجريمة؛ لأنها -والعياذ بالله- محرمة كما نص أهل العلم عليها، وقد سألني أحد الإخوة قبل أسبوع، يقول: ما الأفضل الزنا أو نكاح اليد، فقلت له: لا مفاضلة في الحرام، ما هو الأفضل لحمة الميتة أو مرقتها، كلها ميتة، سواء مرقة أو لحمة، وهذا نكاح اليد أو زنا، كله حرام، الزنا محرم بالأدلة الشرعية، ونكاح اليد محرم بالأدلة الشرعية.

    وعليك بالصوم إن كنت لم تستطع النكاح، وبعد ذلك ابحث عن الزواج، والحمد لله مجتمعنا الآن مجتمع متماسك، وما في أب من فضل الله يذهب له ولده ويقول: يا أبي أنا رجل الآن أريدك أن تزوجني، ما أظن أباً في الدنيا يقول: لا أزوجك، بل لو يستلف أو يبيع قطعة من بلاده أو السيارة، لازم يزوج ولده، لكن أكثر الشباب ترك الزواج وعزف عنه، وجالس على يديه -والعياذ بالله- ولا يريد أن يخسر شيئاً.

    حكم من يرتد ثم يسلم

    السؤال: عندما يلتزم الإنسان ثم يرتد عن دين الله تعالى هل يحبط عمله؟

    الجواب: اختلف أهل العلم في ذلك، وذكر ابن القيم رحمه الله أنه إذا خرج وارتد عن دين الله طبع على قلبه، ولكن بعض أهل العلم قال: إذا تاب توبة صالحة صادقة، رده الله إلى منزلته التي كان عليها وزيادة إن شاء الله، المهم يتوب إلى الله.

    حكم إمامة المدخن لغيره

    السؤال: هل تجوز الصلاة للمدخن؟

    الجواب: كيف؟ يعني : لا يصلي، الدخان معصية، ولا يكفر، وعليه أن يصلي، ولكن أظنه يعني هل يجوز أن يكون إماماً أظن السؤال هكذا، المدخن لا ينبغي له أن يؤم الناس إلا إذا كان الذي بعده كلهم مثله، فزكاة الأرض منها، فيؤمهم واحد منهم.

    أما إذا كان يوجد شخص غير مدخن فلا ينبغي للمدخن أن يؤم؛ لأن الإمامة شفاعة: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، وإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سناً) والفسق هذا قدح في عدالة الإمام، فلا ينبغي له أن يؤم الناس، وعليه أن يتوب إلى الله من الدخان.

    وقت قيام الليل

    السؤال: هل تجوز صلاة القيام قبل النوم؟

    الجواب: صلاة قيام الليل يقول الله عز وجل فيها: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً [المزمل:6] قال العلماء: ناشئة الليل هي التي ينشئها الرجل بعد نوم، أي: بعد ما يقوم من نومه، وأفضل الصلاة ما كانت بعد النوم، ولكن إذا كان الإنسان يخشى أنه إذا نام لا يقوم، وصلى العشاء -مثلاً- في المسجد، وأخر الوتر إلى أن ينام الساعة عشرة ونصف أو إحدى عشرة، ثم قام من الليل ركعتين أو أربعاً، ثم أوتر ونام، فهو من القائمين إن شاء الله، ولكن الذي يقوم بعد النوم أفضل؛ لأنه يجاهد نفسه، وجاء في الحديث: (يعجب الله من رجل يعالج نفسه وهو نائم حتى يقوم ليصلي) أجره لا شك أعظم.

    القرآن والسنة الصحيحة لا يخالفان الإثباتات العلمية

    السؤال: بعد أن تطرقت للأرض والشمس أريد أن أعرف موقف المسلمين ومشايخنا من دوران الأرض، وقد سمعت أن بعضهم لا يؤيد ذلك، فما رأيك فيما أثبته العلم والأقمار الصناعية؟

    الجواب: نقول -يا أخي- إن هذا من فضلة القول والحديث؛ لأن الله لن يسألنا يوم القيامة: لماذا لم تؤمنوا بأن الأرض تدور؟ يسألنا الله عز وجل: مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص:65] هذا السؤال فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:92-93]. الله يسألك عن هذا ولا يسألك عن الأرض تدور أو لا.

    إنما الذي ثبت والذي هو حقيقة ثابتة للعيان بالأقمار الصناعية وبالتصوير الصناعي أن الأرض كروية وأنها تدور، وقد أثبت القرآن في مفاهيمه وفي مضامينه أنها تدور؛ لأن الله تعالى يقول: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس:38-40].

    عندما تدور الأرض وأنت لا تشعر بها طبيعي، أنت الآن عندما تكون راكب في السيارة، والسيارة تمشي، هل معنى هذا أن تنتقل من كرسيك إلى كرسي آخر، الطائرة تسير بسرعة ثمانمائة ميل في الساعة وأنت على الكرسي وما تحس بها، فدوران الأرض وعدم الإحساس بها لا يعني أنها ما تدور، ومادام ثبت بالعلم فليس في الدين ما يعارض ذلك، وعلماؤنا ومشايخنا يثبتون ذلك؛ لأنه لا يتعارض مع نص شرعي من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا لا يراد من الإنسان أن يدخل نفسه في هذه المعاني حتى يكذب الله ورسوله، خمس من الغيب استأثر الله بعملها، وما عداها فالله يقول: قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [يونس:101].

    أمر الله البشر أن يسيروا في الأرض، وينظروا، ويتأملوا في خلق الله: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ [العنكبوت:20] فإذا توصلنا بواسطة العلم التجريبي إلى حقيقة من حقائق القوم وأثبتها العلم، فلا يمكن أن يختلف القرآن مع حقيقة علمية؛ لأن صانع الكون ومنزل القرآن هو الله أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14].

    قاعدة في مخالفة أهل الكتاب وغيرهم

    السؤال: إن أحد المدرسين يقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (خالفوا اليهود والنصارى، قصوا الشوارب واعفوا اللحى) يقول: فالآن اليهود والنصارى يعفون اللحى فنحن نخالفهم فنحلقها؟

    الجواب: الله أكبر! يا هذا الفقيه! أعطيكم قاعدة من أجل أن تسيروا عليها، نحن أمة الإسلام أصل والأمم كلها لها تبع، ما رأيكم الآن إذا اليهود والنصارى يصدقون، ماذا نفعل نحن؟ نكذب من أجل أن نخالفهم، ماذا؟ إذا صدق اليهود والنصارى في مواعيدهم أنخلف الوعد؟ أنا سأخلف الميعاد معك، وإذا جئت تسألني لماذا تخلف الميعاد؟ قلت: لأن اليهود والنصارى يصدقون في مواعيدهم والرسول قال: (خالفوا اليهود والمشركين) فأنا أكذب، ما رأيكم في هذا الكلام؟ هذا مجنون صاحبه، نحن أصلاً عندنا دين، ما جاءنا من الله نعمل به، وبعد ذلك إذا اليهود والنصارى أخذوا صفة من صفاتنا فلا ينبغي أن نتركها من أجل أن نخالفهم.

    نحن نعمل بديننا كأمر تلقيناه من الله، ونصدق في المعاملات، فإذا اليهود والنصارى صدقوا في المعاملات فهي صفة كمال نفخر بها أن اقتبسها اليهود والنصارى منا، نحن لا نخلف المواعيد، فإذا اليهود والنصارى لا يخلفون المواعيد، نحن نقول: صفة كمال في اليهود، أخذوها منا، لا نغش في البيع والشراء، وإذا هم لا يغشون لا نغش نحن حتى نخالفهم، ولكن نتمسك نحن بعدم الغش ونقول صفة كمال كانت فينا واقتبسها اليهود منا، كذلك إذا اليهود والنصارى أطلقوا لحاهم وأصبحوا باللحى، لا نحلق لحانا ونقول: صفة كمال فينا، وشيء من ديننا، وهو إطلاق اللحى، وهم اقتبسوه منا؛ لأننا نحن أصل وهم فرع، نحن أصل وهم تبع لنا، أما أن نكون تبعاً، إذا حلقوا اللحى خليناها وإذا خلوها نحلقها، نصير نحن الذيل لهم، هذه القاعدة مفهومة -يا إخوان- بارك الله فيكم ووفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.

    خلود الكافرين في النار

    السؤال: هل هذا قول صحيح: أن الكافرين يعذبون بنار جهنم، ثم يرحمهم الله، ويدخلهم الجنة؟

    الجواب: لا. الله يقول: وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة:167] الذين يخرجون من النار بعد أن يمحصهم الله هم أهل التوحيد، الذين ماتوا وهم يوحدون الله عز وجل ولا يشركوا به شيئاً، ولكنهم كانوا ملمين بشيء من الذنوب والآثام والمعاصي، هؤلاء في الدار الآخرة تحت مشيئة الله، إن شاء غفر لهم وأدخلهم الجنة بدون عذاب في النار ببركة توحيد الله، وإن شاء عذبهم في النار بقدر أعمالهم السيئة؛ لكن خاتمتهم إلى الجنة؛ لأنه كما جاء في الحديث (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) أي من توحيد.

    أما الكافر فهو خالد فيها، يقول الله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [البينة:6-7] نسأل الله من فضله جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً [البينة:8] الأولى ليس فيها أبداً، الأبدية في سورة الأحزاب يقول الله عز وجل، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً [الأحزاب:64-65] وفي سورة البقرة (آية 167) ذكر الأبدية، وقد بوب ابن القيم رحمه الله في كتاب له عظيم اسمه حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح في آخر الكتاب تكلم بكلام عظيم حول الجدل القائم بين أبدية النار وبين فنائها، ورجح هو فيما رجح، أنها تفنى؛ ولكن مذهب أهل السنة والجماعة أنها أبدية، وأنها لا تفنى، بالأدلة الشرعية، منها قول الله عز وجل (وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ [البقرة:167].

    ومنها قوله عز وجل: وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [المائدة:37] ومنها أن الله أخبر أن أهل النار لو خرجوا من النار لعادوا إلى الدنيا وكفروا، قال: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام:28] لأن نية الكفر متجددة في نفوسهم؛ فالله عز وجل جدد لهم العذاب وأبقاه أبد الآبدين: لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً * لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً [النبأ:23-24] نعوذ بالله وإياكم من النار.

    حكم إمامة المسبل ثيابه

    السؤال: هل تصح الصلاة خلف المسبل؟

    الجواب: نعم الصلاة صحيحة ولكن المسبل آثم، والمسبل: هو الذي يرخي ثوبه أو (بشته) أو سرواله، أو بنطلونه، أو إزاره، وقد ورد فيها حديث، ومن أراد أن يراجع ذلك ففي رياض الصالحين، فسيجد عشرة أحاديث كلها صحيحة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب عظيم، المسبل إزاره، والمنان في عطائه، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) ومنها قوله عليه الصلاة والسلام (ما أسفل من الكعبين ففي النار) ويعجبني أحد المشايخ يقول: إن شخصاً مر على شخص يسحب ثيابه في الأرض، فأمسكه بيده وسلم عليه وقال له: النار في أرجلك، ذاك مسكين خاف يحسب أن فيها ناراً، وإذا هو يرى قال: أين النار؟ قال: النار في ثيابك؟ قال: ليس هناك نار، قال: بلى. الرسول صلى الله عليه وسلم أليس بصادق؟ قال: نعم. قال: يقول الرسول: (ما أسفل من الكعبين ففي النار) والله أنت بما أسفل من الكعبين ثوبك في النار لكن ما تحس به الآن، تحس به إذا مت ودخلت القبر، أحرق الله ما تحت كعبيك، فالرجل رأساً ارتعد وذهب وقص ثوبه مباشرة.

    أزرة المسلم إلى نصف الساق، فإن أرخاه إلى الكعب فما تحت الكعب ففي النار، وحديث خزيمة الأسدي رضي الله عنه وقد قال عليه الصلاة والسلام (نعم خزيمة الأسدي لولا طول جمته وإسبال إزاره، فلما سمع عمد إلى جمته فقصها، وإلى إزاره فقطعه) وقال عليه الصلاة والسلام: (إن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل).

    وقد قال العلماء: إن هذا خرج مخرج التهديد، وإلا فإن الصلاة في الدنيا مقبولة ولكن تحت نظر الله يوم القيامة، يقبلها أو يردها، لكن في الدنيا يسقط عنك سيف الإسلام، وأما سيف الآخرة فلا يسقطه عنك إلا اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فنقول للذي ثوبه مسبل: عليك أن تقص ثوبك، وقد رأى عمر وهو مطعون شاباً يمشي وهو مسبل إزاره قال: [ارفع ثوبك؛ فإنه أتقى لربك، وأنقى وأبقى لثوبك] انظروا إلى الذي ثوبه طويل أول ما يتسخ من عند أرجله؛ لأنه يسحبه، ترى شكله قبيح والعياذ بالله.

    لكن الثوب المرتفع نظيف وطيب، وإذا صلى تجوز الصلاة خلفه، لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (صلوا خلف كل بر وفاجر، فإن أحسن فله ولكم، وإن أساء فعليه ولكم) أي: تصح الصلاة خلف المسلم حتى ولو كان فاسقاً أو فيه معصية، لكنه يأثم ، والله أعلم.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.