إسلام ويب

مداخل الشيطان [2،1]للشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الشيطان هو عدو الإنسان الأول منذ خلق الله آدم عليه السلام، وقد جعل هذا العدو مهمته في هذه الحياة إغواء بني آدم بشتى الطرق والوسائل؛ ليعرض عن الله ويتنكب طريق النجاة. وقد اتبع الشيطان في سبيل تحقيق هذه الغاية وسائل متعددة، ومداخل مختلفة، وهذه المداخل هي التي تناولتها هذه المادة في معرض التحذير منها.

    1.   

    النعمة الحقيقية

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله هذه الوجوه الطيبة، وجمعنا الله وإياكم في الدنيا على طاعته وفي الآخرة في دار كرامته ومستقر رحمته، اللهم آمين.

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.

    وبعد:

    أولاً: أشكر شباب هذه البلدة المباركة، الذين وفقهم الله وهداهم إلى الصراط المستقيم، وأدركوا المسئولية الملقاة على عاتقهم تجاه ذويهم وأهليهم، فبادروا إلى مثل هذه الندوات الإيمانية، والجلسات العلمية التي تحيي القلوب، وتبارك النفوس، وترضي الله تبارك وتعالى، وهذا من توفيق الله عز وجل لهم ولأهل هذه المنطقة الذين أحسبهم صالحين يستحقون مثل هذا الخير وهذا الفضل، فإن النعمة الكبرى على الناس ليست نعمة الأكل والشرب، ولا نعمة المال والوظائف، والسيارات، هذه نعم لكنها نعم تزول، إن النعمة الكبرى هي نعمة الإيمان، نعمة الدين، فمن أوتي الدين فقد أنعم الله عليه بأعظم نعمة على وجه الأرض، يقول الله عز وجل: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3] أي: ديني، ويقول عز وجل: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ [الفتح:1-2] أي: دينه، فليس بمنعم على من يتقلب في النعم المادية وهو عدو لله عز وجل، ليس بُمنعم عليه من يتوعده الله بأن يسجنه في نار جهنم إذا مات وهو على طريق الشيطان، هذا ليس في نعمة، ولهذا يقول الله عز وجل للرسول صلى الله عليه وسلم: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ [التوبة:55] لا تتصور أن من عنده مال وأولاد وبيوت ومساكن ومؤسسات ومزارع ولكنه بعيد عن الله، وعدو لله؛ هاجرٌ لكتاب الله .. هاجرٌ لبيوت الله .. قاطعٌ لرحمه .. عاقٌ لوالديه والعياذ بالله .. سبَّاب .. شتَّام .. مغتاب .. نمام .. شاهد زور .. حالف فجور .. عدو لله.. لا تجده في موقع إلا وهو في الشر، وعنده ثراء ونعمة ولكنها ملغمة بسم، متى تنفجر؟ يوم أن يموت، وإذا بها تقطعه قطعة قطعة في جهنم، فيتمنى أنه ما عرف هذه النعم، يقول الله تعالى: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:55].

    فالنعمة الحقيقية -أيها الإخوة في الله- في مثل هذه المجالس، ووالله! للحظة يقضيها الإنسان في هذه الندوات، وساعة يقضيها في هذه الأماكن خير من الدنيا وما عليها وسوف يموت، وسوف يجد يوم القيامة الساعات والدقائق مسجلة، إما في ديوان الحسنات وإما في ديوان السيئات، ويتمنى أنه قضى كل حياته في مثل هذه المجالس، فهنيئاً لكم، وبارك الله فيكم، وبارك الله في شبابكم، ونطلب منكم المزيد، ونطلب منكم العون والتأييد، والدعم والجلوس معهم؛ لأنهم إذا وجدوا الإقبال ووجدوا الانصباب والانكباب على العلم استطاعوا أن يذهبوا إلى العلماء، وإلى الدعاة، وأن يجلبوهم لكم، فهم أطباء القلوب.

    لكن إذا رأوا الإعراض، فيأتي الداعية أو العالم ولا يجد أحداً .. من يكلم؟! يقول: كفى..الله المستعان! وهنا تحصل النكبة، ويحصل الدمار والإعراض عن الله، ومن أعرض عنه الله عز وجل دمره الله في الدنيا والآخرة، ومن أقبل على الله بقلبه وقالبه، فإن الله عز وجل يبارك له في حياته وماله، ورزقه وأولاده، وزوجاته .. وفي كل شئونه.

    حال المقبل على الدنيا المعرض عن الآخرة

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أصبح والدنيا همه) ككثير من الناس، ينسى الموت وينسى الآخرة، وكأنه لن يموت؛ قلبه مفتوح على مصراعيه للدنيا والعياذ بالله، (من أصبح والدنيا همه، فرق الله عليه شمله) فالعمل الواحد يصبح مائة عمل، أي: بدل أن يجمعها ربي يفرقها، ولا تتجمع في أي حالة من الأحوال (فرق الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه) ولا يرى إلا الفقر ولو كان معه عشرون مليوناً، فالملايين في البنك لكن الفقر أمام عينيه، فكلما تلفت إذا بالفقر بين عينيه والعياذ بالله! فيطرد ولا يلحق، مثل شارب البحر: كلما ازداد شربه ازداد عطشه والعياذ بالله، حتى لو أتيت تسأله وهو ثري وغني وفي خير، كيف أنت؟ كيف الأمور؟ قال: والله! الأمور صعبة هذه الأيام، الأمور تعبانة، والميزانية متدهورة، والسيولة النقدية غير متوفرة، والأزمات قائمة، والعياذ بالله! كأنه لا يملك ريالاً .. لماذا؟! الفقر بين عينيه؛ الأموال وراء ظهره والفقر بين عينيه، فلا يرى إلا الفقر، فقير حتى على نفسه، فقير حتى على أولاده، وجماعته، ما منه خير والعياذ بالله! (جعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له)؛ المكتوب له لا بد أن يأتي ولا يحول دونه أحد.

    ثم يقول عليه الصلاة والسلام: (ومن أصبح والآخرة همه)؛ أصبح وهو يفكر في يوم الآخرة: يفكر في القبر وضغطته، واللحد وظلمته، والصراط وحِدَّته، والموقف وشدته .. يفكر في عمله .. يفكر في صلاته .. وقراءته للقرآن، ورضا والديه عليه؛ هل أصبحا يدعوان له أم يدعوان عليه .. يفكر في رحمه؛ هل أصبحت رحمه راضية عنه فهي تدعو له؛ كلما ذكرته قالت: مدَّ الله في أجله، الله يوفقه، الله يوسع له في رزقه، أم أنها تقطعه وهو يقطعها وهي تدعو عليه؛ تقول: الله يقطعه كما قطعني، ألهب الله عظامه .. فكثير من الناس موجه ظهره إلى الدنيا .. بل قامت العداوة بينه وبين جميع أقاربه وأرحامه من أجل الدنيا، والعياذ بالله! وتسبب في نكبة نفسه بلعنة الله وسخطه في الدنيا والآخرة .. فيفكر المؤمن في هذا .. وبعد ذلك يصحح الغلطات، كلما رأى في نفسه قصوراً أو خللاً تاب واستغفر ورجع وأصلح حاله مع الله عز وجل.

    (ومن أصبح والآخرة همه جمع الله له شمله) أي: يسر الله أموره، كلما أراد شيئاً إذا به يتيسر؛ إن جاء ليراجع تسهلت، وإن جاء ليشتري اتسعت، وإذا أراد أي شيء إذا به ميسر؛ يرى اليسر في كل طريق؛ لأن الله يسر له الموقف (جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه) وليس فقره بين عينيه؛ غناه في قلبه ولو كان فقيراً تجده غنياً، لو لم يكن عنده شيء، كيف أنت؟ قال: الحمد لله؛ في ألف نعمة، أبشرك،.. آمنين .. سالمين .. آكلين .. شاربين .. راكبين .. ساكنين .. مستورين، من هو الذي في مثل نعمتنا في هذا الزمان، كيف كنا نتمنى قبل خمسين سنة، لو أتينا بالآباء والأجداد وقلنا لهم: تمنوا النعم كلها، لانتهت بهم الأماني دون أن يبلغوا ما نحن فيه من النعم، من كان يحلم أننا نعيش فيما نحن فيه اليوم، تغير كل شيء في حياتنا: تغيرت المساكن، والملابس، والمآكل والمشارب والمراكب والأواني، وتغير كل شيء .. هل بقي شي من الماضي في بيوتنا الآن؟ ما بقي شيء، أين هي؟ في المتاحف والآثار، إذا دخلت الآثار، يقولون: هذه آثار الماضي، وما هي؟ الملحف والنطع، والجاعد، والجلة، والفنجان الحيسي، والبرمة، والقدر ذاك، كل هذه آثار، آثار من؟ قال: هذه من العصور القديمة، وما عرف أنها من قبل ثلاثين سنة.

    أبي وأبوك وجدي وجدك عاشوا عليها وغير الله حالتنا كلها؛ تدخل على الرجل الآن في بيته فتجد المفارش والملابس والأشياء التي لم يحلم بها، يقول الواحد منا: أنا في الدنيا أم في الجنة؟ كان الناس في الماضي إذا جاء مطر وجاءت السيول، يخافون من المطر في الليل؛ لأنهم يخشون من (الغادي) من يستطيع أن يصعد ليسد تسرب الماء من السقف في الليل، فيتجمعون ويضعون الأواني تحت هذا (الغادي) كأس هنا، وتحت ذاك صحن، وتحت ذاك قدر، وتحت ذاك فنجال، وتبدأ النواقيط، طن .. طن .. تسمعها مثل الموسيقى طوال الليل، وأحياناً لا يبقى في البيت مكان، فيتجمعون في زاوية أو في ركن أو في (الريشة)، ويضعون عليهم (نطعاً) أو ملحفاً حتى لا يأتيهم (الغادي).

    واليوم .. من هو الذي لا يفرح بالمطر في الليل؟ وبيوتنا مسلح، لو يهطل بالليل والنهار لا نشعر به.

    وسياراتنا .. وجميع نعمنا، هذه نعم! فإذا أصبح الإنسان فيها آمناً وشعر بنعمة الله، وقيل له: كيف أنت؟ قال: الحمد لله، أنا في نعمة ما بعدها نعمة، قال عليه الصلاة والسلام: (وجعل غناه في قلبه).

    توفر الدروس الوعظية نعمة وحجة

    فأنتم أيها الإخوة! في جميع النعم؛ النعم المادية، والنعم الدينية؛ المادية هي ما تعرفون، والدينية هي هذه الندوة، هذه الجلسة، لا يوجد في كل قرى عسير وشهران وقحطان مثل هذا الدرس، ففي المدن نعم؛ في أبها والخميس، لكن البلدان الأخرى لا يوجد، ويسر الله لكم من أبنائكم من يأتون ويطلبون من العلماء، ووالله لقد خجلت كثيراً من كثرة إلحاحهم عليّ حتى خفت من الله، وأنا لا أرفض المجيء لأني مستغن عن الله؛ ولكن لأني مشغول ومرتبط كثيراً، حتى إن صوتي انقطع في بعض الظروف، ولكن من خجلي من هؤلاء الشباب وهم يأتون، كأنه يطلبني صدقة! يلح عليّ يقول: اتق الله، اتق الله، لابد أن تأتي .. فأخجل وآتي، وأقول: بارك الله في هؤلاء الشباب، وجزاهم الله عنا وعنكم وعن الإسلام خيراً، ونسأل الله أن يزيدهم؛ لأنهم نور، هؤلاء أنوار في قريتكم، والنور ما يسير بعده إلا النور.

    لكن ما ظنكم لو أن هؤلاء الشباب في المخدرات، أو في الزنا والخمور واللواط وفي الشرور، وجلبوا عليكم الشر والفساد، وأصبح الواحد في المجلس إذا جلس لا يريد أن يقال له: يا أبا فلان، لماذا؟ لأن فلاناً في السجن والمخدرات أو خمار، أو زاني، أو قليل دين، والآن كثير منكم يفرح إذا كان في المجلس، وقالوا: يا أبا فلان، قال: نعم. لماذا؟ لأن ولده كان على المنبر يخطب، ويدعو إلى الله، يبشر بدين الله، ما من هداية تحصل على يد هذا الولد إلا وكما هي في ديوان ولده فهي في ديوان أبيه مثله، لماذا؟ لأنه سبب فيه وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم:39] قال العلماء: إن الولد من سعي أبيه، وإن جميع حسنات الولد مثلها لأبيه إذا رباه على الدين، فلتفرحوا بهذا الخير، ولتؤيدوهم وتناصروهم وتأتون، ماذا يوجد من المغرب إلى العشاء؟ ماذا نعمل في البيوت إذا لم نأت؟ بعض الناس يقول: أقعد من المغرب إلى العشاء؟! وأين تذهب، إذا لم تجلس هنا أين تذهب؟ ما الذي يشغلك؟ لقد أراحك الله يا أخي!

    كان الناس في الماضي فعلاً لا يدخلون بيوتهم بعد المغرب إلا وقد تكسروا؛ الذي يرعى من وقت شروق الشمس إلى غروبها، أو على البئر من شروق الشمس إلى غروبها، أو يقطع أو يحطب، والآن ماذا معك من شغل؟ نائم من وقت شروق الشمس إلى غروبها، وإذا كنت موظفاً تأتيك النقود من الدولة وأنت جالس على كرسي، إذا تعبت وقعت وانصرفت. بعض الناس يقول: متعب، من ماذا؟! قال: من التوقيع، أو من كتابة معاملة، ويلف الورق ويضعها فوق بعضها، وبعضهم ريحه الله بأولاد صالحين وموظفين وليس عنده وظيفة فيأتونه بالخيرات وهو راقد، لا يرعى ولا يعمر ولا أي شيء؛ بل جالس، لماذا لا تستغل هذه النعمة؟ وإذا رأيت أنه يوجد درس مثل هذا الدرس وكان حتى في القرية الثانية فاذهب إليه، فكيف وقد جاء الله به إليك وأنت تترك ولا تأتي، هذا إعراض يا إخواني! الذي لا يأتي إلى مجالس الذكر خصوصاً مجلس الذكر في القرية فهو معرض، يجب أن تخصص هذا اليوم؛ ليلة الأحد من كل أسبوع لله، لا تعزم فيها ولا تنعزم، ولا تسافر فيها، ولو أن أحداً عزمك فقل له: معزوم، عند من؟ عند رب العزة والجلال، عند رب السماوات والأرض.

    إذا أردت أن تعزم أحداً، لا والله! إن كنتم ستأتون فلتأتوا بعد العشاء؛ لأن عندنا ندوة، وإذا ربطت نفسك ببيت الله وبالذكر خلال حياتك -كل أسبوع تأتي هنا لتسمع- فاعلم بأن هذه حياة قلبك بإذن الله، لكن إذا أعرضت عن الله: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا [طه:124-126] أتتك آيتنا إلى قريتك، وجئناك بالعلماء من كل وادٍ ومن كل مدينة، شرفوهم طلابكم ثم تركتم المجيء، ما ظنكم لو جاء أمر في ليلة الإثنين أن من حضر الندوة يصرف له بعدها مائة ريال، هل أحد يترك ولا يأتي؟! والله إنهم سيأتون من العصر، والذي لا يستطيع فسيأتي بالعصا، كل يدق الثاني: أنا الأول ..أنا الأول .. لماذا؟ لأن الصرف بالصف الأول؛ مائة ريال.

    لكن ليس فيها مائة ريال، هل تدرون ماذا يوجد في هذه الجلسة؟ أعطيكم حديثاً في البخاري ، يقول عليه الصلاة والسلام: (إن لله ملائكة سيارة -أي: متجولة، تطوف حلق الذكر، أي: مهمتها البحث عن أماكن الذكر- فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله -مثل جلستكم هذه- حفوهم إلى عنان السماء، ثم يصعدون إلى الله عز وجل فيسألهم الله وهو أعلم: كيف وجدتم عبادي؟ قالوا: وجدناهم يذكرونك ويسبحونك ويهللونك ويحمدونك، فيقول الله: ما وجدتموهم يسألونني؟ قالوا: يسألونك الجنة) نسأل الله وإياكم الجنة، والآن، ماذا تريدون في هذا المجلس؟ ما تريدون إلا رضا الله، من الذي قادكم بالعصا، أو أخذكم بالقوة، ومن الذي سيعطيكم نقوداً بعد هذه الجلسة؟ ما جئتم إلا لله، وعملكم بإذن الله خالص لوجه الله، ترجون رحمة الله وتخشون عذابه، كل منكم يقول: اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار. (فيقول الله: وهل رأوا الجنة؟ قالوا: لا، ما رأوها، قال: كيف لو رأوها؟ قالوا: لكانوا لها أشد طلباً وفيها رغبة، فقال الله: فما وجدتموهم يستعيذون بي، قالوا: وجدناهم يستعيذون بك من النار، فيقول الله: وهل رأوها؟ -هل رأوا النار وما فيها من الأغلال والأنكال والسلاسل والحميم والسموم واليحموم- هل رأوا ما بها من العذاب؟ قالوا: لا، قال: فكيف لو رأوها؟ قالوا: لازدادوا منها هرباً ولها خوفاً، قال الله عز وجل: أشهدكم أني قد غفرت لهم) اللهم إني أسألك من فضلك في هذه الساعة أن تغفر لنا ذنوبنا وذنوب آبائنا وأمهاتنا، وإخواننا وأخواتنا، وجميع المسلمين.

    يا إخواني: إن الله لا يعجزه شيء؛ الله كريم وفضله عظيم .. الله عز وجل يقول في الحديث القدسي: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فطلبوني فأعطيت كل واحد مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) إذا أدخلت الإبرة في البحر وأخرجتها كم ينقص البحر؟ أينقص شيء؟ هل يدري البحر أنك أخرجت الإبرة؟ اذهب من طرفه وانظر ما نقص هذا البحر .. إن خزائن رحمة الله واسعة! فنحن إذا طلبنا الله عز وجل في مجلس يقول الله عز وجل -والحديث في صحيح البخاري : (أشهدكم أني قد غفرت لهم، قال أحد الملائكة: رب! فيهم فلان بن فلان كثير الذنوب والمعاصي -ليس منهم؛ ليس من الصالحين والذاكرين لله- ولكن مر لحاجة فجلس، عرض قلبه لذكر الله- قال: رب! فيهم عبدك الفلاني ليس منهم، ولكن أتى لحاجة فجلس، قال الله عز وجل: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) حتى هذا الذي ليس من أهل الذكر، لكن لما لان قلبه لذكر الله وجلس غفر الله له، فهنيئاً لكم، وأرجو الله تبارك وتعالى أن يوفقكم للمحافظة والمداومة وأن يوفق شبابكم للمداومة ولو لم يجلس معهم أحد، ليس ضرورياً أن يمتلئ المسجد، حتى لا يقول أحد: ما جاء أحد، اجلس ولو لم يجلس معك إلا الأربعة العمدان هذه، اجلس واذكر الله في هذه الليلة، لو لم تكونوا إلا أربعة أو خمسة من الشباب، افتحوا كتاب رياض الصالحين ، وتفسير ابن كثير ، وصحيح البخاري ، أو اقرءوا من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكتب الفقه الإسلامي، تعلموا أمور دينكم ليلة في الأسبوع من بعد المغرب إلى العشاء، هذه ساعة تضيع على أكثر الناس، وكثير من الناس يضيعها في غير مصلحة؛ إما في كلام، أو علوم، أو جلسة، أو منادمة مع المرأة، أو عشاء، أو مشاهدة ما لا يرضي الله، أو سماع شيء مما لا يرضي الله .. لكن ساعة تقضيها في بيت من بيوت الله، وتخرج وقد غفر الله ذنبك، ورفع درجتك، وأعلى منزلتك خير لك من الدنيا وما فيها، هذه مقدمة.

    1.   

    الشيطان .. مكره وخطواته

    أما موضوع المحاضرة فهو بعنوان: (مداخل الشيطان) نعوذ بالله جميعاً من الشيطان.

    الشيطان العدو اللدود لهذا الإنسان، والعداوة قديمة قدم التاريخ، ضاربة في جذور الزمن، فمنذ بدء الخليقة حصلت العداوة بين الشيطان وبين أبينا آدم، وهي معركة ضارية، قامت وستستمر إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وهناك تنتهي، فريق في الجنة وفريق في السعير، هذه العداوة بدأت بدافع الحقد والحسد والاستكبار والإباء، وهي من أمراض إبليس. لما خلق الله آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، اعتبر إبليس هذا تكريماً أكثر من اللازم، ونظر إلى عنصره ومادة تكوينه فوجد بعقله المقلوب أنه أحسن حالاً من آدم، فرفض السجود، قال الله عز وجل حينما قال للملائكة: إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [ص:71-72] قال الله: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [ص:73].

    امتثال الملائكة لأمر الله

    إن الملائكة لا تعصي الله؛ الملائكة الغلاظ الشداد لا يعصون الله ما أمرهم، يقول عليه الصلاة والسلام والحديث في صحيح الجامع : (أذن لي أن أتحدث عن ملك من حملة العرش ما بين شحمة أذنه وعاتقه مسيرة سبعمائة عام) هذه رقبته، يا أيها الإنسان! وتعصي ربك، وهذا من حملة العرش: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة:17] رقبته مسيرة سبعمائة عام، وفي بعض ألفاظ الحديث: (خفق الطير) أي: سرعة الطير، لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ [التحريم:6] وإسرافيل؛ نافخ الصور، يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم الصور، وأصغى ليتاً) أي: أنصت بأذنيه لأمر الله، رجلاه تحت تخوم الأرض السابعة، وركبتاه في السماء السابعة، ورقبته ملوية تحت العرش، والعرش على كاهله.

    جبريل عليه السلام له ستمائة جناح، لما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (فرد اثنين من أجنحته فسد ما بين الخافقين) ما بين المشرق والمغرب، اثنين! وكم بقي؟ خمسمائة وثمانية وتسعون جناحاً، أرسل الله جبريل مع الملائكة على قوم لوط، الذين كانوا يعملون باللوطية، وهو أن يأتي الذكر الذكر، وهذه معصية ما عملها أحد من العالمين إلا قوم لوط ومن سار على شاكلتهم، حتى الحمير والكلاب والقردة والخنازير لا تعملها؛ ما رأينا كلباً يركب كلباً، ولا حماراً يركب حماراً، ولا خنزيراً يركب خنزيراً، لكن سمعنا أن هناك من البشر من هو ألعن من الخنازير والكلاب والقردة والحمير، يركب الرجل الرجل، فعذب الله هذه الأمة بأن أرسل عليهم جبريل، قال: فغرس جناحه إلى أن بلغ تخوم الأرض ثم قلبها عليهم وكانوا أربع مدن، في كل مدينة أربعمائة ألف نسمة، وما هو بقليل، أربعمائة ألف نسمة؛ نصف مليون إلا قليلاً، قال: ثم حملهم على جناحه، جبالهم وزروعهم وثمارهم ودوابهم وبيوتهم وذكورهم وإناثهم، كلهم سواء، إلى أن سمعت الملائكة في السماء عواء الكلاب ونواء القطط! رفعهم إلى السماء، ثم قلبها عليهم، قال الله عز وجل: فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:82-83] هذا جبريل، ملك من الملائكة، وهذا خلقه وهذا شأنه وهذا تكوين الله لخلقته، يطيعه ولا يعصيه.

    وكذلك كل الملائكة، قال الله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ [ص:74] ولهذا فالعاصي قدوته إبليس، أتريد أن تكون كإبليس؟ أتريد أن تكون شيطاناً رجيماً ولا تكون من الملائكة؟ تخلَّق بأخلاق الملائكة وأطع الله ولا تعصه، فلا يعصي الله إلا إبليس ومن سار على دربه واتبع طريقته من ذريته؛ أعوان الشياطين -والعياذ بالله- فهم الذين يعصون الله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [ص:74].

    خطوات الشيطان في إخراج آدم من الجنة

    لما سأله الله تعالى: لماذا لا تسجد يا إبليس؟ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ص:76] وهذا خطأ، فإنه كان يتصور أن النار أفضل من الطين، وهذا خطأ، إذ الطين أفضل من النار؛ لأن النار وسيلة إحراق وتدمير، والطين وسيلة حياة وتعمير، إذ كيف تخرج حياة الناس كلها إلا من الطين؛ الثمار، والفواكه، والخيرات .. كلها من الطين، فغير صحيح أن النار أفضل من الطين، قال الله عز وجل بعدها: فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ [ص:77-78].نعم. لعنه الله، وطرده .. وقال لآدم وهو في الجنة: يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ [طـه:117] بين الله له، كشف الله له الأمر: إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى [طـه:117] انتبه! اجلس في الجنة، لا تطع عدوك إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى [طـه:118-119] نعيم في نعيم، وبعد ذلك: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة:35] هذه الشجرة يقول عنها المفسرون: إن جميع ثمار الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كانت كافية لكل مطامع آدم، لكن هذه الشجرة؛ لأن كل من أكل من ثمار الجنة يخرج منه مسك؛ العرق ريحته ريحة المسك إلا هذه الشجرة، من أكل منها يخرج منه أذى، وما في الجنة مكان للأذى، فالله حرمها عليه وقال: لا تأكل من هذه الشجرة، وجاء الشيطان إلى آدم ليخرجه من الجنة، بعد أن بين الله له عداوته وقال: إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ [طه:117] انتبه. لا تطعه.

    وجاء إليه بالمكر والحيلة، وقال له: يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى [طـه:120] وهذه الشجرة في الحقيقة هي شجرة الخروج؛ الذي يأكلها يخرج من الجنة، لكن جاءه بغير الموضوع وقال له: (شجرة الخلد) أي: الذي يأكلها يصير خالداً في الجنة، وهذه هي لغة الشيطان وأعوانه، وكثير من الشباب الآن يقع في حبائل الشر والفتن والجرائم عن طريق المكر؛ يأتي واحد ويقول: تريد أن تذهب إلى خارج البلد وتذهب عنك الهموم وترى مصر وأنت هنا؟ قال: نعم. قال: دخن واحدة فقط، فتبدأ السقطة بدخانة .. تريد أن ترتاح وتذهب منك المشاكل؟ تريد أن تذاكر الدروس وأنت منبسط؟ قال: نعم، قال: خذ حبة من المخدرات، فيبدأ الانزلاق بأول حبة .. تريد أن ينشرح صدرك؟ ابحث فقط عن فتاة تتكلم معها في التلفون، أو ترسل لها رسالة، أو تقابلها في مكان، أو أي شيء. حتى يورطه في جريمة الزنا والعياذ بالله، من أين هذه الأفكار؟ من الشيطان، كما أضل آدم يريد أن يضل أبناءه إلى يوم القيامة، فجاء إلى أبينا آدم وقال له: هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى [طـه:120] لأن آدم كما يقول المفسرون: ليس من أهل الجنة في الأصالة، أهل الجنة بالأصالة هم الملائكة، أما آدم هو من أهل الجنة بالتبعية، أي: أصله من الأرض وجاء به الله عز وجل، فهو ليس من أهل الجنة بالأصالة؛ فهو خائف، ودائماً الغريب الذي يقيم في أرض طيبة .. أرض أمن .. أرض خيرات .. وهو ليس من أهل هذه الأرض، يخاف أن يخرج منها، فهو يريد أن يحصل على إقامة دائمة، لا يخرج منها، من أجل ما في هذه الجنة، فجاءه إبليس من هذا الجانب وقال له: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف:20] يقول: إذا أكلتما من هذه الشجرة سوف تصبحان من الملائكة، وتصبحان من الخالدين في الجنة، ثم قال: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:21] حلف لهم بالله إنه لهم ناصح وهو كذاب، ولهذا لا تصدق الذي ينصحك بالباطل ولو حلف لك، لا تصدقه، فإن الشيطان قد حلف لأبينا آدم، وأخرجه من الجنة وهو كذاب، قال الله تعالى: فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ [الأعراف:22] أي: دلاهما بكيد ومكر فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ [الأعراف:22] بمجرد أن أكل الشجرة أبونا آدم بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا [الأعراف:22].

    أوجد الله لهما مخارج لهذا الأذى وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف:22] بدءوا يتسترون وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ * قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23] قال الله عز وجل: قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [طـه:123] أخرج الله آدم، وأخرج الله إبليس، أخرجهم إلى الأرض اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً [طه:123] يا آدم ويا إبليس كلكم بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [طه:123] انتبه، لا تتخذ الشيطان صديقاً لك وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً [النساء:119].

    سمعتم الآية: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [طـه:123] يقول ابن عباس: [تكفل الله لمن اتبع القرآن والسنة ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة] لكن من أعرض عن الدين والقرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي [طه:124] يتولاه الشيطان رأساً فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طـه:124-127].

    عداوة الشيطان وحزبه للإسلام

    بين الله عز وجل عداوة الشيطان لنا وقال: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:6] هل في الدنيا أحد يريد أن ينصح عدوه بخير؟ لا أحد أبداً، فعدوك لا يمكن أبداً أن يأمرك بخير، أو يدلك على خير، عدوك عدوك؛ الآن اليهود أليسوا أعداء العرب؟ إسرائيل عدوة العرب الآن، وعدوة المسلمين الأولى، هل يمكن أن نثق في إسرائيل؟ هل يمكن أن تعطينا شيئاً فيه خير؟ لا، لماذا؟ لأنها عدوة، فإذا وثقنا فيها وصدقناها وأخذنا صادراتها، وتعاملنا معها، هل يمكن أن تدلنا على خير؟ لا. كثير من الناس الآن يقول الله تعالى لهم: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً [فاطر:6] لكن اتخذوه ولياً، وصادقوه، وصادقوا جماعته وربعه، يرقص وهو في الجيب!

    وكثير من الناس أبغض شيء عنده بيت الله، يداوم كل يوم ولكن لا يدخل إلى المسجد إلا يوم الجمعة، يستمع الأغاني في الصباح والمساء وفي السيارة والمكتب .. وفي كل مكان، ولا يمكن أن يفتح المصحف إلا في رمضان، أو يوم الجمعة إن كان نشيطاً، هذا عدو لله ولي للشيطان؛ لأن القرآن كلام الله، والأغاني كلام الشياطين، وكثير من الناس الآن كرسيه محجوز في القهوة، كل ليلة وهو يخرج من بيته، يترك زوجته وأولاده، وأين تذهب؟ قال: أذهب أعمّر، ماذا تعمر؟ يعمر شيشة وهو يدمر ولا يعمر -والعياذ بالله- يدمر نفسه وأخلاقه وماله، يخرج ويترك زوجته وأولاده ويأتي ليقرقر، كما يقول أحد الإخوة، يقول: إن المقاهي مساجد الشيطان، وبعد ذلك المؤذنون فيها هم المغنون، وما دخلت أبداً ولا سمعت عن قهوة إلا وفيها سماعات ومسجلة وأشرطة وأغاني، هل سمعتم مقهى قرآن أو موعظة؟ هل دخل أحد مقهى وسمع فيها شريطاً للشيخ ابن باز أو للشيخ محمد بن عثيمين أو للشيخ عائض القرني ؟ لا. ليس فيها إلا أشرطة الشياطين والمغنين، وبعد ذلك المرجانة -أي: الشيشة- مجالس إبليس! وكل واحد عند رأسه مرجانة وفي رأس المرجانة نار، النار هي نار الشيطان؛ لأنه مخلوق من النار، ولا تتزين شيشته إلا بالنار، يقرقرون ويكبرون للشيطان .. فإذا انتهى مسحها وأعطاها لزميله، وخرج بريحته الكريهة، إذا مررت من عنده تكاد تتقيأ من ريحة فمه والعياذ بالله! ورجع إلى بيته بريحته .. هذا عبد للشيطان، يقول الله عز وجل: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً [الكهف:50] بئس أن تستبدل ربك بالشيطان الرجيم، بئس للظالمين بدلا، ربك الذي خلقك ورزقك وغذاك ورباك وسترك وهداك ووفقك، تتركه وتأخذ عدوك الذي أخرجك وطردك ولعنك ويريد أن يوصلك جهنم، أتطيعه؟! أين عقلك أيها الإنسان؟!

    الشيطان وتخويفه للإنسان بالفقر

    وبعد ذلك يسير كثير من الناس في ركاب الشيطان، كيف؟ بعض الناس يقول: كيف يدخل الواحد في ركاب الشيطان؟ نقول له: إن الله قد بين ذلك في القرآن، يقول الله تعالى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:268].

    كل أمر تجده في نفسك رغبة في الشر فاعلم أنه من الشيطان، وكل أمر تجده في نفسك تقاعساً عن الخير فاعلم أنه من الشيطان؛ فإذا جئت لتخرج من جيبك نقوداً لتتصدق بها، اعتراك نوع البخل فمن هو الذي أمرك بهذا؟ الشيطان؛ لأنه يعدك الفقر، يقول: اغلق الشنطة!! تخرج منها خمسة أو عشرة!! فيغلق الشنطة، لكن قيمة الدخان! إذا جئت لتشتري دخاناً، يقول الشيطان لك: اشترِ هذا. ريال الدخان مخلوف، يقول إبليس: الذي يقع في يد الشيطان مخلوف، ولو جاءك فقير في صباح يوم من الأيام وطرقت عليك الباب امرأة وقالت المرأة: انقطعت بي السبل، ولم أجد بلاغاً إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رزقك أن تعطيني خمسة ريالات لآخذ لأولادي شيئاً، أبونا ميت وأنا في حالة من الفقر، أريد بريال خبزاً وبريالين جبناً وبريالين طحينية، أفطر أولادي، أسألك بالله الذي رزقك! ربما يحن قلبك عليها وتقول: تفضلي هذه خمسة ريالات، ثم في اليوم الثاني جاءت، ودقت الباب: قالت: أسألك بالله، خمسة ريالات ثانية، فستقول لها: أنت جئت بالأمس؟ نعم جئت بالأمس، ما معي إلا الله ثم أنت، قال: طيب إن شاء الله، وإذا جاءت اليوم الثالث: هل تعطيها؟ ستغلق الباب، وإذا دقت الجرس تقول للمرأة: انظري فإن كانت تلك فاطرديها، أنا حكومة هنا كل يوم خمسة ريالات؟! وإذا خرجت عليها رأيتها وأصرت إلا أن تدق الباب فربما تأخذها بالعصا، وتقول: أعطيناك خمسة وثاني مرة خمسة وكل يوم خمسة خمسة، مائة وخمسين في الشهر، والله لا أفتح لك الباب، فلو أعطيتها خمسة، ففي الشهر ماذا يكون رصيدك عند الله يوم القيامة، ورد في الحديث: (إن الصدقة لتقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير، وإن الله ليربي لأحدكم صدقته كما يربي أحدكم فلوه) ويأتي الرجل يوم القيامة فيجد حسنات كأمثال الجبال، يقول: يا رب! من أين هذه؟ ليس عندي شيء، قال: هذه صدقاتك رباها الله عز وجل وضاعفها لأن الله تعالى يقول: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة:276] .. وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سـبأ:39].

    خمسة ريالات قدرت عليها، وفي اليوم الثالث تطردها، لكن أربعة ريالات قيمة الدخان؟ هل جاءك الشيطان وثبطك عن شراء الدخان؟ وبعضهم يستلفها، ولو يجعل أولاده يموتون جوعاً، وبعض الرجال ليس عنده أو عند أولاده نقود ويشتري دخاناً، لماذا؟ لأنه حق الشيطان، لمن يدعها؟ هذه مسواك إبليس؛ لأن الشيطان مخلوق من النار أليس كذلك؟ ومسواكه من أين؟ من النار، ولهذا أبى الشيطان إلا أن يمسوك أتباعه وأصحابه بمسواكه، إن مسواك النبي صلى الله عليه وسلم ثمنه ريال، يكفيك من يوم الجمعة إلى الجمعة، وقد يستمر معك جمعتين، وبعد ذلك (مطهرة للفم، مرضاة للرب)، يقول عليه الصلاة والسلام: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) والحديث في الصحيحين ، ويقول الإمام الصنعاني في كتابه سبل السلام : يا عجباً لأمة تضيع سنة يقول فيها نبيها أكثر من مائة حديث.

    ورد في فضل السواك أكثر من مائة حديث، وجاء الشيطان عند أهل الدخان وأقنعهم بمسواك آخر من النار، ما هو؟ من الدخان، وبعد ذلك كم؟ هذا يكفيك عشرة أيام، أو خمسة عشر يوماً بريال، ومرضاة للرب ومطهرة للفم، ومن أعظم شيء يتقرب به العبد إلى الله، فجاء الشيطان إلى الناس، وأقنعهم بترك السواك، وأخذ سواكاً آخر لكن من مادة الشيطان، من خلق وتكوين وتركيب الشيطان، وبعد ذلك كم؟ مسواك يكفي في الأسبوع؟ لا. في اليوم عشرون مسواكاً (باكت) وبعد ذلك من مسواك إلى مسواك، وبعضهم أربعين مسواكاً.

    وهذا المسواك يطيب فم الإنسان أم يخبثه؟ يخبثه، فلو مررت من عند شارب الدخان وشممت رائحة فمه كأنك تشم رائحة بيارة والعياذ بالله، حتى إن من الرجال من يعذب امرأته؛ مدخن ويريد أن يسلم على امرأته وهي تتمنى أن تسلم عليه، لكن إذا قرب منها جاءت الريحة إليها، فغمضت، أو قبلته قبلة واحدة بسرعة ولفت، لماذا؟ لأنها لا تريد أن تشم رائحته والعياذ بالله!

    لقد أكرم الله الإنسان بفتحة طاهرة عليا وهي الفم، فجاء الشيطان وحول الفتحة العليا إلى رائحة كريهة والعياذ بالله، حتى إن بعض المدخنين إذا كان في إدارة حكومية أو محكمة أو مع رجال فيهم خير، ويريد أن يدخن لا يعرف أين يدخن، ممنوع التدخين في الدوائر الحكومية، فأين يدخن؟ في الحمام؛ فتجتمع له رائحتان فينبسط! والله لو أنه ليس في الدخان إلا هذا، هل سمعتم أن واحداً يستطيع أن يأكل سندويتشاً في الحمام؟ يستطيع أن يشرب شاياً في الحمام؟ لماذا؟ لأنه ليس مكانها .. لا تطيب لي نفس أن آكل في الحمام حتى ولو كنت في حد الموت.

    لكن يقدر أن يشرب الواحد الدخان في الحمام، لماذا؟ لأنه المكان الصحيح للدخان، لكن يشربه في المسجد، يشربه بين يدي العلماء؟ لا يقدر؛ لأنه خبيث، ولذا يا إخواني! نقول لشارب الدخان: اتق الله في نفسك، اتق الله، راجع نفسك من الآن وقرر، إذا كنت رجلاً وشهماً وصاحب إرادة قوية قرر من الآن التوبة، لتكون طيباً، لأن الله تعالى يقول: وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ [النور:26].

    هل الدخان طيب أم خبيث؟ خبيث، والذي يدخن كذلك، لأن الله تعالى يقول: وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ [النور:26] هل ترضى أن يقال لك خبيث يا شارب الدخان؟ لماذا تقبل الخبيث؟ لماذا تضعه في فمك؟ لماذا تشربه؟ لماذا تنفخه؟ لماذا تضعه في جيبك؟ لماذا تشتريه؟ لماذا تبيعه؟ لماذا تروجه؟ إنه خبيث، وقد حرم الله الخبيث وقال: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157].

    أقسام العمل من حيث الخير والشر

    كثير من الناس سار في ركاب الشيطان، وأطاع الشيطان وترك الله عز وجل، وطبيعي أن من عاش مع الشيطان أهلكه الله في الدنيا والآخرة، ثم يموتون كلهم، أولياء الله وأولياء الشيطان، ويقابلون ربهم على ضوء الأعمال التي سلكوها، والأعمال عملان:

    عمل صالح، وعمل سيئ.

    العمل الصالح: ما أمر الله به، وما أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم.

    والعمل السيئ: ما أمر الشيطان به؛ لأن الله تعالى يقول: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ [البقرة:268] كل سوء وكل شر هو من الشيطان الرجيم، وتجد حساباتك عند الموت، ويقدم لك كشف الحساب، يقال لك: هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثـية:29].هذا كتابك، اقرأ كتابك، اقرأ ملفك، هذه درجاتك وعلاماتك التي كنت عملتها في الدنيا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً * مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء:14-15].ويقوم الناس من قبورهم بعد أن يكون أهل الإيمان وعباد الرحمن، ليسوا عباد الشيطان والشهوات، بل عباد الله الذين نزعوا أيديهم من الشيطان وسلموا أنفسهم لله؛ سلموا أعينهم لله فلا ينظرون بها إلى حرام، وسلموا آذانهم لله فلا يستمعون بها إلى حرام، وسلموا ألسنتهم لله فلا يتكلمون بها في غيبة أو نميمة أو لعن أو سب أو شتم أو شهادة زور أو يمين فجور أو حرام، وسلموا أيديهم لله فلا يمدونها إلا إلى ما أحبه الله، وسلموا أرجلهم إلى الله فلا تحملهم ولا يسيرون عليها خطوة واحدة إلا فيما يرضي الله، وسلموا فروجهم فلا يمكن أن يطئوا بها إلا فيما أباح الله، وسلموا بطونهم فلا يمكن أن ينزل بها لقمة إلا مما أحل الله عز وجل ... هؤلاء هم عباد الرحمن؛ رضخوا لله، وأذعنوا لشريعة الله، هؤلاء يوم القيامة يموتون ويقال لهم عند الموت: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30].

    وفي القبر يثبتهم الله، يقول الله تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [إبراهيم:27] ويحول القبر إلى روضة من رياض الجنة، وتأتيهم أعمالهم على أحسن عمل، أنا عملك الصالح حفظتني حفظك الله، ويوم القيامة يبعثون من قبورهم لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62].

    يمرون على الصراط كالبرق الخاطف، يأخذون كتبهم بأيمانهم، هذه شهادتك: ناجح، يردون الحوض فيشربون شربة واحدة، من شرب منه شربة واحد لم يظمأ بعدها أبداً، يوزنون وإذا بهم موازينهم راجحة ثقيلة، عمل صالح وتقوى، وخوف من الله ورجاء .. ودعوة .. وبر .. وقرآن.

    لكن ذلك ماذا عنده: دخان، وأغان، وحلق لحية، ومشعاب، وكذب، ومسجل، ويا ليل ويا عين .. هذه رجولته، وإذا خرج لعنه الله وطرده على أساس هذا العمل، والعياذ بالله!

    فالمؤمن له ميزان وله ثقل عند الله، وبعد ذلك يدخل الجنة، يقال لهم: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف:70-71].

    أما أتباع الشيطان، عبيد إبليس؛ لأن الله تبارك وتعالى سماهم عبيداً للشيطان؛ لأن العبودية ليست سجوداً وركوعاً، بل العبودية طاعة، فإذا أطعت الله فأنت عبد الله، وإذا أطعت الشيطان فأنت عبد الشيطان، ولهذا فهؤلاء يعيشون في الدنيا على طاعة الشيطان.

    حرص الشيطان ومقابلته لأوامر الله بأوامره

    واعلموا أيها الإخوة! أنه ما من أمر لله إلا ويقابله أمر للشيطان، فمن وقع في أمر الله فهو عبد الله، ومن ترك أمر الله وقع في أمر الشيطان شاء أم أبى؛ أمر الله بالصلاة والشيطان أمر بالنوم، فإذا كنت مع الله فإنك تقوم لتصلي، وإذا كنت مع الشيطان راقداً على الفراش في صلاة الفجر، هذا ميزانك؛ أمر بالصلاة في ذلك الوقت والشيطان أمر بالنوم في ذلك الوقت، أنت مع من؟ الله أمر بالقرآن، والشيطان أمر بالأغاني، أنت مع من؟ الله أمر بالنظر إلى الحلال، والشيطان أمر بالنظر إلى الحرام، أنت مع من؟ الله أمر بأكل الحلال، والشيطان أمر بأكل الحرام، الله أمر بالبيع والشيطان أمر بالربا، أين أنت؟ الله أمر بالعسل والطيبات والشيطان أمر بالدخان والخبائث والخمر والمخدرات، أين أنت؟ لا يمكن أن تقع بأمر لله عز وجل إلا وأنت متحرر من أمر الشيطان، ولا يمكن أن تقع في أمر من الشيطان إلا وأنت متحرر من أوامر الله، شئت أم أبيت، وقد يقول واحد من الناس: أنا لا أطيع الله ولا أطيع الشيطان، معقول؟! أنت لابد أن تنظر، وليس هناك شخص لا ينظر، لكن هناك من ينظر فيما يحبه الله ويرضاه، وآخر يتلفت إلى النساء، هذا عبد للشيطان، ولابد أن تسمع، فهناك من يسمع القرآن وآخر يسمع الأغاني، لا يوجد أحد يقول: لا والله، أنا لن أتلفت وسأغلق عيني. ولا أسمع، فسوف أسد مسامعي، ولا آكل ولا أشرب، ولا أقوم ولا أجلس، ولا أخرج ولا أجلس، من هذا؟ هذا الميت الذي مات، هذا نذهب به إلى القبر.

    أما الحي فلابد أن يسمع ويتلفت، وينظر ويتكلم، ولكن إما بما يرضي الله فهو عبد الله، أو بما يرضي الشيطان فهو عبد للشيطان.

    وهؤلاء الذين يعيشون في الدنيا على هذا الوضع هم عند الموت خبثاء، جاء في الحديث تقول لهم الملائكة: (يا أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب) اخرجي الآن للحساب، كنت خبيثة ومفلوتة، والآن اخرجي للحساب، إلى سخط من الله وغضب، وفي القبر يسأل: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ يقول: هاه، هاه، هاه، لا أدري؛ لأن الله يضله، يقول: وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27].

    وبعد ذلك يأتي عمله على أخس صورة، عمله دخان، وقطع لرحمه، وعقوق لوالديه، وإساءة لجيرانه وجماعته ومشاكله وتحريشه، وغيبته ونميمته، وإفساده، مثل قطة أبو عريش ، فقد أحرقت أبو عريش بذيلها، احترق ذيلها في عشة وخرجت وذهبت إلى العشة الثانية وخرجت وأحرقت الثالثة، حتى أحرقت مدينة.

    وكذلك من الناس من دوره مثل دور قطة أبو عريش، يحرق القرية كلها بلسانه، يأتي عند فلان، ويقول: هاه سمعت ماذا قال فلان؟ قال: والله يقول: فيك وفيك، وأعطى وأخذ منه كلاماً، وراح عند ذاك حتى يفسد، يشعل النار والفتنة بين الجماعة والعياذ بالله.

    1.   

    العاصي وحاله يوم القيامة

    فالإنسان العاصي يوم يموت ويجد عمله يأتي عمله على أشوه صورة، وعلى أخس شكل، يقول له: (أنا عملك السيئ ضيعتني ضيعك الله) وبعد ذلك يبيت في قبره إلى يوم القيامة على العذاب، ثم إذا بعث من في القبور وخرج من قبره وإذا به يرى النكبات، لا إله إلا الله!! يقول الله عز وجل: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [المعارج:43-44] خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ [القمر:7-8] يوم صعب والله.

    يوم عبوس قمطرير هوله     فيه تشيب مفارق الولدان

    مثل لنفسك أيها المغرور     يوم القيامة والسماء تمور

    الله أكبر! ما أعظم الأحداث، يخرج الإنسان وهو خائف وجل ليس عنده شيء، مفلس ما عنده عمل، وبعد ذلك يأتي على الصراط فيسقط، فيأتي ليأخذ كتبه في اليمين فتضرب يمينه على كتبه فتسقط يمينه، ما معه يمين، فيأخذها بشماله -رغماً عنه- لأن الله تعالى يقول: وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ [الحج:21] ليس الأمر على ما يريده المرء، وبعد ذلك يأتي ليوزن عمله، فيخف ميزانه .. ليس عنده شيء، قال الله تعالى: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً [الكهف:105] وما هو وزن تارك الصلاة وما معه من قيمة؟ ليس له وزن في الدنيا حتى يكون له وزن في الآخرة، فالذي ليس له وزن هنا ليس له وزن عند الله تبارك وتعالى.

    وبعد ذلك يأتي ليشرب من الحوض فيطرد، يطرد كما يطرد الكلب! يذاد عنه، تطرده الملائكة، تقول: ما شربت من سنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ ما شربت دينه، ما عشت عليه حتى تشرب من هديه، وتشرب من حوضه صلى الله عليه وسلم، وبعد ذلك يسحب على وجهه إلى النار، قال الله عز وجل: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً [الإسراء:97]؛ أصم أعمى أبكم، يسحب على وجهه! وأعز شيء فيك يا رجل وجهك، لأن تسحب على ظهرك وعلى رجليك وعلى ركبتيك وعلى كل عضو أهون من أن توضع على وجهك فيسحب وجهك على الطين والحجارة! هذا أسوء منظر أهل النار، يقول الله تعالى: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً [الإسراء:97]؛ لأنه كان أعمى هنا عن الدين، كانت عيونه مفتحة لكن في الحرام، لا يستريح إلا إذا جلس مع النساء؛ يتكلم، ويأخذ ويعطي، مسرور، لكن بعد هذا السرور لعنة، يقول: (يا آكل الشحمة تخرجها شيئاً آخر) لا تنشرح نفسك بالمعصية الآن، خف من ربك الآن حتى يعوضك الله في الجنة، قد تجد معاناة؛ كون الإنسان لا يجلس مع النساء ولا يستمع الأغاني، ويتمسك بدين الله، قد يكون في ذلك نوع من المعاناة والصعوبة، لكنها لا تعدل شيئاً بالنسبة لمعاناة الآخرة، وبعد ذلك إذا جلست مع النساء في الدنيا بالحرام، وتفكهت معهن، أضعت على نفسك نعيماً عظيماً في الجنة، بينما إذا غضضت بصرك عن النساء هنا، يعطيك الله في الجنة نعيماً ليس بعده نعيم، من ضمنها اثنتان وسبعون حورية، يقول فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لو أشرفت إحداهن -من حوريات أهل الجنة على الأرض- لآمن من على ظهرها بالله الواحد الديان) كلهم يقولون: لا إله إلا الله! ما هذا الجمال! نصيفها -شيلتها- على رأسها خير من الدنيا وما عليها، لو أنها في المشرق وواحد في المغرب لشم ريحها؛ رائحتها وهي في المغرب تشمها وأنت في المشرق، بعض النساء رائحتها إذا شممتها تنفر منها من شدة الرائحة العفنة والعياذ بالله!

    فمن ابتعد عن دين الله ليس له قيمة، وليس له وزن عند الله عز وجل، كان أعمى عن دين الله عز وجل فيحشره الله أعمى أصم، قال تعالى: عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً [الإسراء:97] أبكم عن الدين لا يقول كلمة خير، كلامه كله غيبة ونميمة وسب وشتم واستهزاء وسخرية، فلان كذا .. وفلان كذا .. فهل أنت الذي خلقته؟ من عاب الصنعة فقد عاب الصانع، لو أن أحداً يفصل نفسه لكان فصل على أحسن مقاس، لكن ربي هو الصانع، فلان الأسود، فلان الأبيض، فلان المتين، فلان الضعيف، فلان الأعور، فيقطع لحوم المسلمين، يأكل من لحومهم، ولكن يأكل دماً يوم القيامة، والعياذ بالله! لسانه أبكم عن ذكر الله، يغني .. يضرب: يا ليل، يا ليالي، في كل سمرة هو الأول، ولكن في كل ندوة لا تراه، أبكم عن الحق، والدين، والقرآن، لسانه يشتغل في الباطل، قال الله عز وجل: عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً [الإسراء:97] أصم عن دين الله، لكن منفتح على كل شر: مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ [الإسراء:97] أي: كلما انطفأت وتنازلت: زِدْنَاهُمْ سَعِيراً [الإسراء:97]. نعوذ بالله من ذلك!

    ويصلون في النار، والنار -أجارنا الله وإياكم من النار- حرها شديد، وقعرها بعيد، وعذابها أكيد، وطعام أهلها الزقوم، وشرابها المهل والقيح والدم والصديد، أمانيهم فيها الهلاك، وما لهم منها فكاك، قد شدت أقدامهم إلى النواصي، واسودت وجوههم من ظلمات المعاصي ينادون من شعابها بكياً من ترادف عذابها: يا مالك! قد أثقلنا الحديد، يا مالك! قد نضجت منا الجلود، يا مالك! قد تقطعت منا الكبود، يا مالك! العدم والله خير من هذا الوجود، يا مالك! أخرجنا منها فإنا لا نعود.

    يقولون: أطلقنا نرجع نعمل عملاً صالحاً من أجل أن نتوب، قال الله عز وجل : اخْسَئوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:108] لا خروج أبداً من النار، لماذا؟ قال: إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً [المؤمنون:110] كثير من العصاة يضحكون على المتدينين، فلان مطوع، ماذا تكون أنت يا أبا السيجارة، اضحك على نفسك، ابك على نفسك، يا ضال، يا منحرف، يا عبد الشيطان! تضحك على عباد الله وأهل القرآن، والدعوة، والصلاة، والدين، والعفة، والشهامة، والمروءة، والطهارة، وأنت على الزنا والغناء وعلى قلة الدين، لا إله إلا الله! فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ [المؤمنون:110-111] نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الفائزين.

    في تلك اللحظات وهو في النار، يتدبرون ويتفكرون في هذا العذاب العظيم الذي ما بعده عذاب، ويعيدون شريط الذكرى، لماذا نحن هنا؟ من الذي ورطنا هنا؟ فيجلس بعضهم مع بعض، ويقولون: الشيطان .. الشيطان. إنك لو جئت في درس على مجموعة من السجناء في السجن، وقلت لكل واحد: تعال، ما الذي أتى بك إلى هنا؟ من الذي ورطك في القتل؟ ماذا سوف يقول؟ يقول: الشيطان، وأنت ما الذي ورطك في الزنا؟ قال: الشيطان، وأنت ما الذي ورطك في السرقة؟ قال: الشيطان، كل واحد يقول: الشيطان ورطهم وتركهم في السجن.

    كثير من الناس ورطهم الشيطان وكأنهم ليسوا مسئولين، لكن إن لم يتوبوا فسوف يسجنون في سجن ما منه خروج، وهو سجن جهنم، وإذا جئت في يوم من الأيام تقول: ما الذي أتى بك في النار؟ قال: الشيطان، الشيطان أتى بي هنا، أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي [الفرقان:29] يقول الله عز وجل: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ [الفرقان:27] يأكل من هنا إلى هنا، إنك إذا اشتريت سلعة بخمسة في السوق ووجدتها في دكان آخر بريال، ماذا يصير في قلبك؟ الندم، أم لا؟ وهي بريال، لكن أخذتها بخمسة من دكان، تقول: الله! كيف هذا الكلام، بخمسة وهي بريال، كنت سآخذ خمس حبات، لماذا آخذها؟ أين عقلي؟ أين تفكيري؟ لماذا لا أبحث في السوق؟ وتبقى في قلبك نقطة وحرقة لا تنساها.

    فإذا جئت يوم القيامة وقد اشترى أهل الإيمان الجنة وأنت شريت النار، قال الله عز وجل: ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ [التغابن:9] غبن يقطع القلوب، وقد ورد في الحديث: (إن أهل النار يؤخذون إلى أن يؤتى بهم إلى الجنة، فتفتح الجنة على مصارعها، فيقال لهم: هذه الجنة، قالوا: نعم، قالوا: هذه قد أعدها الله لكم لو أنكم أطعتم الله ورسوله) فيرون شيئاً لا يتصوره العقل، (ولكن لما عصيتم الله ورسوله بدلكم الله بدار ثانية فيؤخذون فيرجعون بحسرة وندامة ما رجع بها الأولون والآخرون) قال تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً [الفرقان:27-29]. ويعيدون شريط الذاكرة .. إلى أن سبب نكبتهم في هذه النار هو الشيطان، فيلعنون الشيطان، ويتبرءون من الشيطان، لكن لا ينفع!

    أحد الناس جئته في السجن وأنا ألقي درساً عليهم وبينت لهم في جريمة القتل، ولما خرجنا أمسكني رجل مسن، قال: يا شيخ! أين هذا الكلام قبل أن آتي إلى هنا؟ قلت: ما قضيتك؟ قال: القتل، أنا أنتظر السيف في الغداة والعشي، يقول: والله لو أني سمعت هذا الكلام ما دخلت السجن، يضربني أو يذبحني، لكن لا أدري! الشيطان ورطني في مسائله، لكن لا أدري كيف أرقعها الآن؟ أحييه من الموت؟ لا. ليست إلا موت رقبتي. وما يدري ما عليه عند الله يوم القيامة، من الذي ورطه في هذا؟ الشيطان، فالشيطان يورط كثيراً من الناس في مثل هذه الأعمال، ثم يورطهم حتى يدخلوا النار، فإذا دخلوا النار وهم في تفكير، يخبر الله عز وجل أن الشيطان يجمعهم؛ لأنهم عبيده، كما قال الله عز وجل وهو يقررهم يوم القيامة في النار، يقول تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:60-65]. في تلك اللحظات يجمعهم الشيطان كلهم، وينصب له منبراً من نار، ويقف عليه؛ ويبدأ يتكلم، وذكر الله الخطبة في سورة إبراهيم، يقول الله عز وجل: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [إبراهيم:22] هذه خطبته في النار، الله أكبر ما أعظمها!!

    يقول العلماء: إن هذه أعظم على أهل النار من كل عذاب؛ لأن العذاب في النار على شقين: عذاب مادي، وعذاب معنوي، وهذا من العذاب المعنوي، إن الشيطان يورطهم ثم يقول لهم: (إن الله وعدكم وعد الحق) على لسان رسله (ووعدتكم فأخلفتكم) أضللتكم (وما كان لي عليكم من سلطان) والله ما أخذتكم بكتاب ولا بعصا ولا بحبل، من هو الآن الذي أخذه الشيطان بحبل في رقبته (إلا أن دعوتكم) ووسوست لك ألا تصلي وأطعتني، وسوست لك أن تزني فأطعت.. ووسوست لك أن تسكر فأطعت .. وسوست لك فقط وسوسة إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [إبراهيم:22].

    وأدخل الجنة عباد الله، عباد الرحمن الذين ما ساروا مع الشيطان؟ بل تمردوا عليه، وتحرروا من عبوديته، رجال يخافون الله، رجال عندهم عقول، يقولون: تخرجنا يا إبليس من الجنة ونطيعك يا عدو الله؟ لا والله، نحن عباد الله، نحن مع الله بالليل والنهار، مع الله بالسر والجهار، مع الله بالمسجد وفي البيت، مع الله في المكتب وفي السوق، مع الله في كل تصرف، مع الله في أبصارنا، وأسماعنا، وألسنتنا، مع الله في كل تصرفاتنا، لماذا؟ لأننا عباد الله، قال الله عز وجل: وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ [إبراهيم:23] -نسأل الله من فضله- هذه النهاية.

    ينقسم الناس قسمين: فأهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار؛ بسبب طاعتهم للشيطان، وأولئك بسبب طاعتهم للرحمن.

    1.   

    مداخل الشيطان

    ولكن ما هي مداخل الشيطان؟ وهذا موضوع المحاضرة.

    مداخل الشيطان كثيرة، نذكر منها فقط مدخلين رئيسين، بوابتين كبيرتين، يدخل الشيطان منها إلى قلوب كثير من أهل النار، وما أضل الشيطان الناس إلا من هذين البابين، يقول ابن القيم رحمه الله: ما أهلك البشر إلا شبهة أورثت شكاً في دين الله، أو شهوة أورثت تقديم الهوى على محبة الله.

    هذان البابان: شبهات، وشهوات.

    مدخل الشبهات

    ما هي الشبهات؟

    ما يلقيه الشيطان في عقل الإنسان من الأفكار الخبيثة: شبهة الكفر، شبهة وجود الله أو عدمه، شبهة أن الرسول صادق أو غير صادق؟! شبهة هل هذا الدين حق، أو ليس بحق؟ شبهة هل في القبر عذاب أم لا؟ شبهة هل في الآخرة نار وجنة أم لا يوجد؟

    من يورد هذه الأفكار؟ الشيطان، قال الله تعالى: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً [النساء:120].

    شبهة حب الزنا وتزيينه، شبهة حب الربا وأنه أحسن شيء لتنمية الأموال، وتكثير الأرصدة في البنوك، شبهة الاعتداء والعدوان، هذه اسمها شبهات، ترد على الإنسان.

    ومحاربتها عن طريق تعميق قضايا الإيمان في النفس البشرية، وقطع دابر الشيطان بالقطع اليقيني وبالجزم الإيماني على أن كل حقائق الإيمان حق، لا يخالطك فيها شك، تزول الجبال ولا تزول عقيدتك في الله عز وجل، وأدلة هذا مبثوثة في الكون كله:

    ففي كل شيء له آية     تدل على أنه الواحد

    ويقول الله تبارك وتعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [محمد:10] .. أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ [ق:6] والكون مبثوث فيه جميع الآيات الكونية التي تدلك على الله تبارك وتعالى، بل السماء والأرض، والليل والنهار، والشجر، والجبال، والدواب والأنهار، والثمار، كل هذه إذا تفكرت فيها تجد أن آثار القدرة الإلهية فيها، تدلك على الله الذي لا إله إلا هو، يقول الشاعر:

    تأمل في نبات الأرض وانظر     إلى آثار ما صنع المليك

    عيون من لجين شاهدات     بأن الله ليس له شريك

    وفي كل شيء له آية     تدل على أنه الواحد

    تبارك وتعالى، فحينما تتأمل وتتفكر تقطع الطريق على الشيطان وتقول: لا إله إلا الله، الله حق والشيطان يخسأ، قاتله الله، تفكر في نفسك أنت يا أخي، وفي خلقك وتركيبك وفي خلياتك وجزئياتك، وفي أكبر شيء فيك، في كل جزئية منك آية تدل على الله، وسوف أتكلم معكم فقط عن جزئية أو جزئيتين من خلقك أيها الإنسان أولها: القلب.

    القلب: مضخة أوجدها الله في الجسم، وهي مضخة حساسة ولها أهمية كبيرة، بحيث تشتغل مدى الحياة، وإذا توقفت لحظة ما الذي سوف يحصل؟ يموت الإنسان، إذا توقف القلب لحظة واحدة يموت الإنسان، يسمونها جلطة، أو السكتة القلبية، أي: سكت القلب فمات الإنسان، هذه العضلة يقول العلماء: تضخ في كل دقيقة ثمانين ضخة، هي عضلة، هذه الضخة ماذا تصنع؟ ترسل الدماء، مثل المكينة؛ تسحب الدم وتذهب به إلى العروق والجسد، وإذا توقفت هذه المضخة فإن الإنسان يموت مباشرة، فهي تضخ ثمانين ضخة في كل دقيقة، أي: في اليوم الواحد أكثر من مائة ألف ضخة، وفي عشرة أيام مليون ضخة، وفي شهر ثلاثة ملايين ضخة، وفي عشرة أشهر ثلاثين مليون ضخة، وفي عشر سنوات ثلاثمائة مليون ضخة، وأي جهاز وأي مكينة تقوم بهذا العمل ولا تخرب ولا تتوقف؟! لا إله إلا الله! من الذي يجري لها صيانة؟ من يزيتها؟ من يعرف عنها شيئاً؟ لا إله إلا الله! هذه المضخة العظيمة، التي هي آية من آيات الله تبارك وتعالى، تضخ بعضلة لا إرادية، أي: عضلة أوتماتيكية من عند رب العالمين، فما لك فيها علاقة أنت، لكن عضلة يدك بعضلة إرادية، هذه عضلة وهذه عضلة، عندما تريد أن قبض يديك تقبضها، أو تمد عضلة رجلك تقوم وتقعد.. وبكل عضلاتك، لكن قلبك بعضلة تشتغل بدون إرادة منك؛ لأنها لو توقفت لتوقفت حياتك، فالله خلقها عضلة أوتماتيكية، فما ظنكم لو أن عضلة القلب إرادية، بحيث من أراد أن يعيش يحرك عضلة قلبه، والذي لا يريد أن يعيش يوقف عضلة قلبه ويموت، هل كان أحد سوف يشتغل بغير قلبه؟ لا أحد يعمل عملاً إلا وقلبه ينبض حتى لا يموت؛ لأنه إذا وقف مات، وبالتالي كيف يعيش الإنسان؟ كيف يعمر؟ كيف يبني؟ كيف يشتغل؟ كيف يكتب؟ كيف .. يعمل أي شيء، بل كيف ينام؟ إذا جاء لينام يدعو امرأته، يقول: تعالي، أنا سوف أنام قليلاً، ضعي يدك على قلبي ويدك الثانية على قلبك، لكن لا تغفلي، سوف نموت كلنا، فيرقد له ساعة وبعد ذلك إذا أرادت أن تنام قامت ترمحه برجلها، قم شغِّل قلبي وقلبك، أريد أن أرقد ساعة، لكنك نائم وقلبك يعمل -يا أخي- ثمان ساعات وقلبك يشتغل! وزوجتك راقدة وقلبها يعمل، وأبناؤك راقدون وقلوبهم تعمل! من الذي شغل هذه العضلة؟! لا إله إلا الله!

    وبعد ذلك من أسرار الخلق أن الله جعل في كل آدمي من الأعضاء النافعة اثنين اثنين، والأعضاء الضارة واحداً واحداً، إلا القلب عضلة نافعة وهو واحد، فيوجد سر؛ العين منها اثنتان، لماذا؟ لأنها نافعة، فقد يصاب الإنسان بمرض بعينه أو عور أو ألم أو إصابة، فيكون معه عين ثانية، أليس كذلك؟ وكثير من الناس الآن عيونهم مفتحة لكن لا يرى إلا بعين واحدة، وواحدة فيها ماء، وكثير من الناس تصيبهم حوادث وتعمى عيونهم، فإذا تعطلت واحدة إذا بالثانية تعمل.

    وهناك أذنان، حتى إذا أصيبت واحدة بالصمم إذا بالثانية تعمل، وكثير من الناس لا يسمعون إلا بأذن، لماذا؟ انخرقت الطبلة؛ ما رأيكم لو كان له أذن واحدة؟ كانت مصيبة.

    وبعد ذلك جعل الله عز وجل يدين، تنقطع واحدة وإذا بالثانية شغالة، وجعل الله رجلين، وجعل الله كليتين، والناس الآن يعيشون بكلية واحدة، فترى أنه لا يشتغل الآن عندك إلا واحدة، تشتغل الاثنتين لكن بالتناوب، لكن إذا ذهبت واحدة تقوم واحدة مدى الحياة بالعمل، فأعطاك الله صفايتين، لماذا؟ من أجل ألا تخرب واحدة فتموت فوراً، وإذا بالثانية تعمل، أو تتبرع لأحد أقربائك فتعطيه كليتك، من ركب هذه الكلية؟! لا إله إلا الله! وهناك رئتان، إذا خربت واحدة إذا بالثانية شغالة، لكن الأشياء الضارة، واحدة واحدة، عضلة اللسان واحدة، وفرج واحد، ما رأيك لو أن معك لسانين، واحداً هنا وواحداً هنا، أنت الآن ما نجحت مع لسان، ما أمسكته، أفسدت الدنيا بلسانك، ولا نجحت في الدنيا بفرج واحد، ولو كان معك فرجان، كان ذلك هماً عليك كبيراً، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فجعل الله لك من النافع اثنين ومن الضار واحداً إلا القلب جعله واحد وهو نافع، لماذا؟ قال الله عز وجل: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب:4] لماذا؟ لو أن معك قلبين، والقلب هو مركز الإحساس، لكان قلب يريد أن يرقد، وقلب يريد أن يذهب للعمل، وقلب يحب فلاناً، وقلب يكرهه، وقلب يريد أرزاً وقلب يريد عصيدة ومرقاً، وقلب يريد أن يواصل الدراسة، وقلب يقول: لا والله، لا أواصل، فمن تطيع منهم الآن؟ فهذا لا يصلح، إنه لا يصلح إلا قلب واحد: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب:4].

    هذه آية من آيات الله، في كل جزئية منك!

    ورأسك، من رقبتك إلى فوق، تجد أن الله أجرى في هذا الرأس أربعة أنهار: نهر في العين مالح، ونهر في الأذن مر، ونهر في الفم عذب، ونهر في الأنف مخاطي مالح، من الذي أفرز الأنهار هذه كلها والمادة كلها واحدة، مالح في عينك، لماذا؟ لأن عينك شحمة، لو لم يكن فيها مادة مالحة لتعفنت ودودت وظهر الدود من عينك، ومر في أذنك، لأن أذنك مجرى للسمع، فلو ما جعل الله هذه المادة الصمغية المرة موجودة لقمت في الصباح ومسمعك مليء بالبراغيث أو بالقمل، ودخلت في رأسك، فمن الذي سوف يخرجها من رأسك؟ لكن الله جعل هذه المادة السامة المرة، بمجرد وأنت نائم تأتي الحشرات إلى مسمعك، ثم تهرب ولا تدخل مسمعك .. من الذي قام في يوم من الأيام وقال: والله في مسمعي حشرات؟ لا تستطيع أن تدخل؛ لأنه يوجد مادة ضدها.

    وفمك جعل الله فيه اللعاب، اللعاب حلو ومذاقه طيب، لماذا؟ من أجل أن تهضم به الطعام وتمضغه، وتقطع وتكسر وبعد ذلك تنزل!

    وجعل الله المادة المخاطية في أنفك، لماذا؟ لتمتص وتحجز الأتربة والغبار الذي يدخل رأسك، ولو كنت الآن في المزرعة من الصباح إلى الظهر ثم جئت تتوضأ وتستنثر، أما تلاحظ أنه يخرج من الاستنثار تراب؟ أين كان هذا التراب؟ لقد أمسكته الأغشية التي في الأنف، ولولاها لدخلت إلى رأسك ودخل غداً مثلها وتتكون في رأسك كوم طين .. من يخرجها من رأسك؟

    وما ظنك لو أن الله تبارك وتعالى جعل المادة التي في أذنك تفرز من فمك، فكيف تأكل؟! أو جعل الله المادة التي في أنفك تخرج من فمك؛ المخاط، كيف تصنع؟! أو جعل الله المادة الملحية تخرج من فمك، كيف تصنع؟ لكن من عَلَّم العين أن تفرز مادة ملحية؟ من علم الأذن أن تفرز مادة صمغية مرة؟ إنه الله الذي لا إله إلا هو.

    لا إله إلا الله نقولها ونقطع بها دابر الشيطان ونرد الشيطان، هذا في إيمانك في الله.

    أما في إيمانك برسول الله صلى الله عليه وسلم، فتؤمن به إيماناً جازماً ليس فيه شك؛ لأنه الصادق المصدوق، بعثه الله بالهدى ودين الحق، وأيده بالمعجزات الخالدات، أعظم معجزة على وجه الأرض القرآن، يقول الله تعالى فيه: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ [العنكبوت:51] ثم أيده الله بمعجزات كثيرة، قال العلماء: إنها أكثر من ألف معجزة، كلها أدلة قائمة وبراهين على أنه نبي، منها: أذكر لكم أمثلة بسيطة وليس هذا مقام الحصر ولكنه مثال، وإلا فمعجزات النبي صلى الله عليه وسلم ما ورد في السنة من الأحاديث الكثيرة، منها: حنين الجدع.

    كان صلى الله عليه وسلم يخطب على جذع من نخل، وجاءت امرأة من بني النجار، وأمرت علامها فصنع له منبراً من ثلاث درجات، فلما جاء يوم الجمعة، صعد المنبر وترك الجذع، فبدأ الجذع يحن عليه كما تحن الناقة على فصيلها حتى سمع الصحابة كلهم حنين الجذع، فقطع الخطبة ونزل من المنبر، وجاء إلى الجذع، وضمه على صدره وجعل يسكته كما تسكت الأم طفلها حتى سكت، صلوات الله وسلامه عليه.

    منها: إيمان الضب؛ فقد كان رجل من بني سليم يكره النبي صلى الله عليه وسلم كراهية شديدة. يقول: دخلت مكة فإذا الناس مجتمعون على الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول: فشققت الصفوف حتى وصلت إليه، ثم قلت له: والله إنك لأبغض من على ظهر الأرض عندي، ولولا قومك لقتلتك، يقول: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا نبي! لو أن أحداً غيره لتقلب وجهه وقام ليضارب، فلما تبسم قال له: أسلم، قال: أسلم أنا؟ يقول: لا أقبل أن أنظر في وجهك، وتريدني أن أسلم؟! والله لا أسلم حتى لو أسلم هذا الضب، والضب في جيبه، قال الرسول: أين الضب؟ قال: هو ذا، قال: أخرجه، فلما خرج، قال الرسول: يا ضب من أنا؟ قال: أنت رسول الله. اللهم صل وسلم على رسول الله، قال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.

    عكة أم سليم رضي الله عنها، وأم سليم امرأة من الأنصار دخلت بيتها فرأت عكة من السمن معلقة وعلمت أن الرسول ما في بيته شيء، فأعطتها بنتها، قالت: اذهبي بها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فأخذتها البنت وذهبت بها إلى الرسول، فقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: صبوا العكة، وبعد ذلك أرجعتها وعلقتها في المسمار وما فيها شيء، ولما دخلت أم سليم وإذا العكة ممتلئة إلى فمها، قالت للبنت: أعطيت العكة للرسول صلى الله عليه وسلم؟ قالت: نعم. قالت: العكة ممتلئة، قالت: والله أني أرسلتها، فذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: يا رسول الله! أوصلك شيء من عندنا؟ ليست مصدقة أنها ذهبت بالعكة؛ لأن العكة ممتلئة، قال: نعم، وصلتني وصلك الله رضاه، قالت: يا رسول الله! وجدتها ممتلئة، قال: (أما يسرك أن يطعمك الله كما أطعمتِ نبيه) اللهم صل وسلم على رسول الله.

    يقول أبو هريرة : خرجت معه يوماً من الأيام لقضاء الحاجة، وكان يستتر بعيداً، ما كان يقضي حاجته قريباً، يذهب إلى مكان بعيد؛ لأنه حيي صلوات الله وسلامه عليه، يقول: فأتينا على مكان ولم يجد شيئاً يستتر به، فنظر في طرف الوادي وإذا به يرى شجرتين بعيدتين، يقول: فدعاهما، فجاءتا تشق الأرض شقاً حتى وقفت عنده، يقول: فاستتر بهما وقضى حاجته، فلما انتهى أشار إليهما، يقول: فما أخطأت مكانهما، ورجعت كل واحدة إلى مكانها الأول. صلوات الله وسلامه عليه.

    نبع الماء بين يديه في غزوة الحديبية ، وفي غزوة الأحزاب أطعم ألفاً وخمسمائة من عشاء جابر ، مد شعير وقطعة من لحم، لقد بلغ الجوع مبلغه، وكانوا يكدون ويضربون في الخندق حول المدينة ، وهم ألف وخسمائة رجل، والحديث صحيح في البخاري ومسلم ، يقول جابر رضي الله عنه: فلما رأيت الجوع وآثار التعب والإرهاق على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ذهبت إلى البيت، فقلت: أعندك طعام، قالت: عندي مد من شعير وقليل من اللحم، قال: اطبخيه، وأنا سوف أعلم الرسول صلى الله عليه وسلم، فجاء إلى الرسول وقال: يا رسول الله! عندنا غداء لك ولبعض الصحابة، أي: يكفي خمسة أو ستة، قال: اطبخوا لكن لا تغرفوا حتى آتي، فلما وقفوا، قال للصحابة كلهم: الغداء في بيت جابر ، ألف وخمسمائة رجل! يقول جابر : فلما قاله انقطع ظهري؛ من يعشي هؤلاء ويغديهم كلهم؟! يقول: جئت إلى المرأة فأخبرتها، لكن نساءهم نساء مؤمنات، قالت: أخبرت الرسول بالقدر الذي عندنا؟ قال: نعم، قالت: لا حرج ما دام وقد عرف بالذي عندنا، لو أنها واحدة من نسائنا لهربت من البيت، تقول: فشلتني، وتخرج وتقول: والله ما أحضر لقمة، من يغديهم هؤلاء كلهم! لكنها مؤمنة؛ رضيت بالله عز وجل، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم وبدأ يأخذ من القدر ومن الخبز، ويدخلون الصحابة عشرة عشرة؛ لأن البيت ضيق، وكلما دخل عشرة شبعوا ... إلى آخر عشرة، والقدر كما هو ما نقص. هذا نبي صلوات الله وسلامه عليه!

    ولقد سبح الحصى بين يديه، وسبح الطعام بين يديه وهو يأكل، حتى سمع الصحابة تسبيح الطعام يبن يديه صلوات الله وسلامه عليه.

    انشق القمر وهم في مكة عند الكعبة، قالوا: والله لا نؤمن لك يا محمد حتى تشق القمر نصفين، فالتفت إلى السماء ودعا الله، فانشق القمر نصفين: نصف وراء جبل أبي قبيس ونصف وراء الجبل الثاني، ويوم رأوها ماذا قال الكفرة؟ قالوا: ساحر، قاتلهم الله!

    قال الله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ [القمر:1-5] يقول: حكمة بالغة ودين قوي، لكن لا تنفع النذر لهؤلاء الكفرة، قال تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [القمر:6] واتركهم، ولهذا فالذي يعصي ويتمرد اتركه، ودعه، فالله وراءه، والله لا يمنعه من الله أحد، ولو عيي أو شاب أو قوي .. لكن الله أقوى وأقدر منه، وسوف يثيبه رب العالمين، قال الله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ * خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ [القمر:6-8].

    وكثير من قصصه التي لا أستطيع أن أقصها ؛ لأن الوقت ضيق، ولكن كنت أود أن أتكلم على الأقل عن عشرين أو ثلاثين معجزة من معجزاته صلى الله عليه وسلم، من أجل أن ندعم قضية الإيمان به صلوات الله وسلامه عليه، وأنه رسول من عند الله: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4].

    أما إيمانك بالجنة والنار، فعليك أن تؤمن بها؛ لأنه قد أخبر بها الصادق المصدوق الذي لا يتكلم بكلمة إلا حق، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ [الزخرف:44] صلوات الله وسلامه عليه، هذا هو الباب الأول، باب الشبهات، أقطعها بالجزم واليقين على صدق الله وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أن كل ما ورد في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حق وصدق.

    إذا جاء حديث صحيح أو جاءت آية من كلام الله، فسلّم به، من كان يخبر النبي صلى الله عليه وسلم غير الوحي؟ واسمعوا الحديث، قال صلى الله عليه وسلم: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم ليرفعه؛ فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء) حديث في البخاري ومسلم، وقف شراح الحديث في الماضي إزاء هذا الحديث موقف العجب وقالوا: الله ورسوله أعلم، ما ندري ما هو المراد؟ كيف يكون في الذباب دواء والذباب كله داء؛ لأنه ينقل الحشرات، ويأتي على الفضلات، ويأتي على القذارات، كيف يكون فيه دواء وداء؟ من علّم النبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذا الزمان اكتشف حقيقة أن في أحد جناحيه دواء وفي الآخر داء، كيف والعملية والتجربة أجريت في جامعة الملك عبد العزيز في جدة ، أجراها مجموعة من العلماء والدكاترة ومعهم الشيخ عبد المجيد الزنداني، جاءوا بإناء ووضعوا فيه ماء معقماً من كل الجراثيم لدرجة متناهية، والإناء مغلق، ومحكوم، وجاءوا بذباب في ملقاط، وغمسوه في العلبة هذه، وقام الذباب يدور، وبعد ذلك سقط على أحد أجنحته، وحينما سقط لقطوه بالملقاط، وأخذوا عينة من الماء وحللولها، ووجدوها مملوءة بالجراثيم والمكروبات، وبعد ذلك جاءوا بالذباب وردوه وغمسوه، ثم رفعوه، ثم أخذوا عينة من الماء، فوجدوا جميع المكروبات والجراثيم قد ماتت كلها. فصلوات الله وسلامه على رسول الله، أين اكتشف هذا؟ في جامعة فيها مركز بحث علمي، على أيدي دكاترة، حللوا وصنعوا وبعد ذلك صمموا هذا الجهاز سنين، من علم النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يكتب حتى بيده؟ قال الله تعالى: وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [العنكبوت:48] ما يكتب .. وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت:48].

    النبي الأمي، الذي لا يقرأ ولا يكتب، يعلم الناس بهذه الأسرار! هل كان هذا من عنده؟ بل هو من عند الله تبارك وتعالى.

    مراحل تكوين الجنين في البطن .. فقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الجنين يجلس في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، وأربعين يوماً علقة، وأربعين يوماً مضغة، كم صارت؟ مائة وعشرين يوماً، يعني: أربعة أشهر، وبعدها في أول يوم من الشهر الخامس ينزل الملك، وينفخ فيه الروح، ويأمر بكتب أجره وأجله ورزقه وشقي أو سعيد، وبعد ذلك تبدأ مراحل النمو.

    وفي العصر الحديث؛ علم الأجنة، القائم في الجامعات المشهورة في العالم، يقررون أنها بالدقيقة، أربعين يوماً بالدقيقة هو نطفة، وبعدها يتحول إلى علقة، ثم إلى مضغة، ثم بعد ذلك ينشئ الله خلقاً آخر تبارك الله أحسن الخالقين!

    مدخل الشهوات

    هذا الباب الأول؛ باب الشبهات.

    الباب الثاني وهو باب عظيم، ويقع كثير من الناس فيه؛ يقودهم الشيطان إلى النار عن طريق باب الشهوات، وفيه خمسة مسارات:

    - الشهوة الأولى: شهوة الفرج.

    وأكثر ما يدخل الناس النار الفرج والفم، ويتم هذا عن طريق الزنا ودواعيه وأسبابه، وهذه الشهوة استطاع الشيطان أن يستغلها أسوأ استغلال؛ لأن الله عز وجل ركبها في الإنسان؛ شهوة الجنس وحُب النساء غريزة، خلق الله الإنسان وركبها فيه، لماذا؟ ليبقى الجنس البشري، حتى يكون عند الرجل ميل إلى المرأة، وعند المرأة ميل إلى الرجل، فيلتقيان عند نقطة شرعية اسمها الزواج، ويحصل من هذا اللقاء ذرية، وبالتالي يستمر النسل البشري، وتعمر الأرض بعبادة الله.

    لكن لو أن الله خلق الرجل لا يريد المرأة، وخلق المرأة لا تريد الرجل، وعاش الرجل لوحده، والمرأة لوحدها، ومات وماتت، ماذا بقي؟!

    تفنى الأرض .. أليس كذلك؟ وجعل الله هذا الميل من أجل عمارة الأرض لمن يعيش فيها، ولكن جاء الشيطان ودمر الإنسانية عن طريق استغلال شهوة الميل عند الرجل وعند المرأة عن طريق اللقاء في غير النقطة الشرعية؛ في غير الزواج، عن طريق الزنا، فحصل بالزنا الدمار والوبال والشر المستطير والعياذ بالله، والله حرمه، وحرم كل دواعيه، قال الله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32] ما قال: لا تزنوا، بل قال: لا تقربوا، كل ما يوصل إلى الزنا، فهو حرام.

    ما هو أول ما يوصل إلى الزنا؟

    أول نافذة: النظر، هل يزني أحد دون أن يرى؟ الذي يغض بصره هل يزني؟ لا يزني؛ لأنه يغض بصره أصلاً، لكن أول شيء في طريق الزنا هو النظر، يقول الشاعر:

    كل الحوادث مبدؤها من النظر     ومعظم النار من مستصغر الشرر

    يضر خاطره ما سر ناظره     لا مرحباً بسرور عاد بالضرر

    والمرء ما دام ذا عين يقلبها     في أعين الغيد موقوف على الخطر

    ولهذا أمر الله بسد هذه النافذة وقال: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30].

    وأمر النساء أيضاً بنفس الأمر وقال: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ [النور:31] إلى آخر الآيات.

    فهنا الأمر بغض البصر، وأنت مأمور يا عبد الله! بغض بصرك؛ لأنك يوم أن تتمادى في النظر إلى الحرام، تقع في الشرور حتى تصل والعياذ بالله إلى الزنا، يقول أحدهم:

    نظرة..فخطرة..فسلام..     فكلام..فموعد..فلقاء..

    فزنا..فجهنم.

    بدأت بالنظر وانتهت بالنار، لا حول ولا قوة إلا بالله! وكما يقال: نافذة يأتيك منها ريح، سدها واسترح. هذه النافذة يأتيك منها ريح الزنا إذا فتحتها على النساء، سدها وغطها واسترح، وإذا غطيتها أرحت قلبك وأرضيت ربك، وأيضاً أحببت زوجتك؛ لأن الذي يتلفت في النساء يكره امرأته؛ لأنه يرى موديلات وأشكالاً عجيبة وغريبة؛ يذهب إلى زوجته يتفحصها، وإذا لم يجد الذي في النساء كلها، يكرهها، فإذا دخل لا يسلم عليها، قال: (الله أكبر عليك يا ذي الجنية) قالت: (وأنت الله أكبر عليك يا ذا العفريت)؛ لأنها رأت أحسن من بعلها، فيكرهها وتكرهه ويتضاربون وتصير المشاكل، لكن الذي يغض بصره، ولا يرى غيرها، إذا دخلت قال: ما هذه الجميلة! ولو كانت غير جميلة؛ لكن لأنه ما رأى غيرها، يقول: هذه ملكة جمال العالم .. ما رأى غيرها! وكذلك المرأة التي لا ترى إلا بعلها من يوم أن تراه تقول: ما شاء الله، الله يوفقك يا فلان، لماذا؟ لأنها ما رأت غيره، لكن إذا كانت مختلطة ومشتركة، وكل واحد يتلفت، يرى هذه عيناها جميلتان، وتلك أنفها جميل، وتلك فمها أجمل، وتلك خدودها فاتنة، وجبينها كذا وتلك خصرها كذا، ويتلفت في امرأته فقد تكون عيناها جميلة، لكن أنفها ليس جميلاً، أو قامتها غير جذابة، من أين تجمع لك واحدة مفصلة فيها حسن جميع نساء العالمين؟ ليس هناك واحدة كاملة، الذي يريد كاملة ففي الجنة، الكاملة هي الحورية ونساء الجنة.

    أما نساء الدنيا فلابد من النقص، وأنت تتلفت في النساء، ولذا فالذي يتلفت في النساء، يكره زوجته، وبالتالي تسوء عشرته، ويغضب ربه، ويطمس بصيرته، ويعمي الله قلبه عن الدين في الدنيا والآخرة.

    لا يمكن أن يفتح الله قلبك وأنت تنظر في النساء.

    أحد الشباب قال لي: كيف أتوجه للدين؟ قلت: غض بصرك فقط، أعظم شيء، قال: كيف أغض؟ قلت: إذا دعاك الشيطان إلى النظر فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هذه شهوة الزنا عن طريق النظر، هذه باب إلى الحرام، وعن طريق الاختلاط والتبرج والمجالس المشتركة .. وهذه والحمد لله بدأت تتلاشى في مجتمعاتنا المسلمة والحمد لله.

    كان الناس في الماضي يختلطون ويجلسون، لكن اليوم سمعنا أن كثيراً من المؤمنين وقفوا وهداهم الله، وقالوا: إلى متى ونحن ضالون؟ إلى متى ونحن مع الشيطان؟ قد أخطأنا كثيراً، تبنا إلى الله، وفرضوا الحجاب والحمد لله.

    إن البادرة الآن تأتي من النساء أكثر من الرجال، يتصل بي تلفونياً المئات من النساء، يقلن: بعلي يريد أن أكشف على أخيه، أو أكشف على ولد عمه، أأطيعه أم لا. أقول: لا تطيعيه، قالت: يقول: سيطلقني، قلت: يطلقك، طلاقك وتدخلين إلى الجنة خير من أن تجلسي معه ويذهب بك إلى النار، لا يجوز أن تطيعيه؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإني لأعجب كثيراً والله من رجل يأمر زوجته بالتبرج، هي صالحة ومتدينة، يقول: لا. تلفتي في الجماعة كلهم، أعوذ بالله من الدياثة، هذه جزء من الدياثة، إن الله جعل المرأة خاصة بك، من أجل ألا ترى غيرها ولا ترى غيرك، تستأنس بها وتستأنس بك، وتسكن إليها وتسكن إليك.

    فالتبرج والاختلاط والتكشف والمجالس المشتركة، هذه مما حرمه الله في دين الله عز وجل؛ لأنه يؤدي إلى الزنا؛ ولأن البيوت النظيفة دائماً هي التي لا يوجد فيها أبداً اختلاطات، وقد يقول بعض الناس: ما عندنا زنا ونحن نتبرج، صحيح، ليس عندك زنا كبير، لكن عندك الزنا الأصغر؛ لأن زنا العينين النظر، وزنا اللسان الكلام، وزنا الأذن السماع، وزنا اليد البطش والغمزة والدقة، وزنا الأرجل المشي في ظلام الليل، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه، هذه هي، تريد أن تجلس إلى أن تقع في الكبيرة؟! بعض الناس يقعد ويقعد إلى أن يقع فيها، وهو يمشي في طريق الزنا خطوة خطوة والعياذ بالله! بل سدها من أول خطوة، وحجب أهلك، وحجب زوجتك، وحجب أخواتك، وحجب أمك، وارض بما أمرك الله به؛ لأن الله عز وجل شرع القرآن وشرع الحجاب في القرآن.

    الأمر بالصلاة في القرآن، لكن أين التفصيل؟ هل في القرآن صلاة ظهر وعصر ومغرب، وأربع ركعات وثلاث ركعات، لا توجد، ولكن توجد في السنة النبوية، والزكاة أمرها في القرآن وتفصيل الأنصبة في السنة، والحج أمره في القرآن والتفصيل في السنة، والصيام أمره في القرآن والتفصيل في السنة، لكن الحجاب أمره في القرآن، والتفصيل في القرآن! في سورة النور يقول الله عز وجل: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ [النور:31] والبعل في الشريعة واحد. إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ [النور:31] والأب في الشرع واحد، لكن بعض البنات تسلم على الشيبان كلهم: أبي محمد، وأبي علي، وأبي عبد الله، وأبي زعطان، وأبي فلتان، وتسلم على رأسه ويسلم على رأسها، وبعض كبار السن يحب هذا السلام، ولو كان مسناً ولكن ما زال في قلبه (أخضر) والعياذ بالله! ويدخل على البنات ويقول: تعرفين أني كالأب، والله أنت أبوها وأنت تنظر إليها.. لا حول ولا قوة إلا بالله! أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ [النور:31] أبو بعلها أي: عمها؛ لأنه لا يجوز أن ينكحها بعد ولده.أَوْ أَبْنَائِهِنَّ [النور:31] ولدها. أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ [النور:31] ولد بعلها من غيرها وهي عمته، لأنه لا يجوز له أن يتزوجها بعد أبيه. أَوْ إِخْوَانِهِنَّ [النور:31] أخوها من النسب أو من الرضاع. أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ [النور:31] أولاد أخيها وهي عمتهم. أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ [النور:31] أختها وهي خالتهم، يكفي إلى هنا، يبقى كثير من الأقارب؛ باقي ابن العم، وابن الخال. وخال الزوج، وعم الزوج بالنسبة للمرأة.

    وعندما سألوا الرسول قالوا: يا رسول الله! أرأيت الحمو؟ القريب الذي ما جاء أمر به، قال: (الحمو الموت، الحمو الموت، الحمو الموت) ونحن اليوم نحجب عن البعيد، ونكشف على الموت، هذا المتدين الملتزم أما المفلوت فهو يكشف على الموت وغيره، لكن من الناس من عنده دين وعنده غيره، لكنه يقول: والله لا أقدر أن أحجب امرأتي عن أخي. سبحان الله! وبعض الإخوان يغضب إذا حجب أخوه زوجته عليه، إذا جاء ليحجب زوجته قال: الله! تشك فيّ وأنا أخوك، وهل معنى الحجاب أنه شك؟ لا يا أخي، أنا لا أشك فيك، لكني أطيع الله عز وجل، ولا أشك في امرأتي، لو أني أشك في امرأتي ما أبقيتها في بيتي، ولو أشك فيك يا أخي ما آخيتك، ولكن أطيع الله وأمتثل أمر الله في الحجاب، أترون الذي يقول: أنا لا أحجب امرأتي على أخي؛ لأني لا أشك فيها، مثله مثل شخص جاء رمضان وبعد ذلك أكل في الظهر حتى شبع، ويوم قلنا له: ما لك؟ قال: يا جماعة الخير اتركوني، أنا والله أطيع الله ورسوله، وأحب الصوم، لكن لماذا أعذب نفسي؟! أتغدى الآن .. والصوم في القلوب! ما رأيكم فيه؟ هذا مثل الذي يقول: الحجاب في القلوب، وآخر قيل له: صل، قال: الصلاة هذه تعب؛ أقوم أصلي .. وبرد .. وطلعة .. ونزلة .. والله إني لأحب الله ورسوله ولو لم أصل! ما رأيكم فيه .. صادق أم كذاب؟ فكذلك آية الحجاب مثل آية الصلاة وآية الصوم.

    والذي يقول: لا والله. إن الحجاب في القلوب وإن قلبي طاهر؛ ولكن لن أحجب عائلتي، لماذا تؤمن بآيات القرآن في الصلاة والصوم ولا تؤمن بآية الحجاب؟!!

    يقول الله تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة:85] أي: تفصلون الدين على ما تريدون؛ تأخذ الذي تريده وتترك الذي لا تريده، بل خذ الدين كله أو دعه كله، فالله غني عنك!

    أما أن تأخذ وترد وتفصل .. فهذا لا يصلح، قال الله عز وجل: فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:85].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة:208] وما عليك من قول الناس إن أطعت الله، هل إذا أطعت الله أمر معيب، أو مسبة لك أن تكون طائعاً؟ صحيح أن المجرمين والشياطين وأتباع إبليس يضحكون عليك، يقولون: والله إن هذا حجب امرأته، بل بعض الإخوان يغضب كما قلت، ويقول: والله لا أدخل بيته وهو يحجب امرأته عليّ، عجيب! لست أخي إلا من أجل المرأة، تريد أن تنظر وجهها وأنا أخوك وأنت أخي، ويوم أن حجبتها قطعتني، إذاً أخوتك ليست في الله، ولا في النسب، أخوتك في المرأة، إن كشفتها لك فأنت أخي، وإن حجبتها عنك قطعتني! قطعك الله، أنت أخي وأنا أخوك في المرأة؟! والله لست أخي في هذا، المرأة هي خاصة لي؛ لو مات جاز له أن يتزوجها، أليس كذلك؟ بل بعض الإخوان يفرح، يقول: مصائب قوم عند قوم فوائد، خاصة إذا كانت المرأة جميلة، ومات الأخ في حادث..! ومكث أسبوع أو ثلاثة وانتهت الأربعة الأشهر .. وأخذها، وقال: من أجل العيال. ليس من أجل العيال، بل من أجل المرأة! لو أن المرأة قبيحة والله لا تمسي ليلة في بيتك.

    فهنا يا إخواني! شهوة التبرج والاختلاط والتكشف نريد أن نقضي عليها بإذن الله، وما ذلك على المؤمنين ببعيد، وهذا أمر سهل جداً، يخبرني أحد مشايخ القبائل في عسير حين زرتهم في قراهم أكثر من عشرين قرية، وبعد ذلك صارت الندوة في مثل هذا الموقف، ثم خرجوا وأمسكوا شيخ القبيلة، وقالوا: يا جماعة! الكلام الذي سمعتموه حق أم باطل، قالوا: حق، قال: ماذا بعد الحق؟ قالوا: الضلال، قال: أنتم من أهل الضلال أو من أهل الحق؟ قالوا: نحن مع الحق، قال: لماذا لا نلتزم به؟ إن كان كلامه من رأسه فليقعد، وإن كان كلامه من كلام الله وكلام الرسول ما قال إلا حقاً، قالوا: صدقت، قال: أنتم معي؟ قالوا: معك، قال: نتعاهد على أن نحجب نساءنا، فتعاهدوا كلهم على تحجيب نسائهم كلهم، وقالوا: الذي ما يحجب زوجته ليس منا، وإن مات لا نقبره، ولا نزوره إذا مرض، ولا يركب معنا في سيارة إذا لقيناه، ولا نبيع عليه من دكان، ولا نعينه على دراسته .. مقطوع! ليس منا ولسنا منه.

    قالوا: حسناً. والتزموا كلهم من فضل الله، يقول لي شيخ القبيلة بعد أسبوع: إن رجلاً منهم (شاب) ذهب إلى بيته وأخبر زوجته بما حصل، فغضبت وثارت، قالت: الله! تدخل العيب فيّ، أنا بنت فلان .. إنها تريد الخروج وتريد أن ترى الرجال، لا تريد أن تكون خاصة لزوجها؛ لأن المؤمنة إذا سمعت الحجاب قالت: الله يوفقك، وجزاك الله خيراً، أكره شيء عندي أن أبقى بدون حجاب أمام الرجال.

    أما التي ليست مؤمنة، تقول: لماذا؟ عجيب! ما عرفت إلا الآن؟ تحجبني بعد أن شاب رأسي، نام الأولاد وبرد العشاء لتأتينا بالعلم، والله لا أتحجب! هنا الاختبار، إما أن يصير رجلاً صدقاً تقول: والله لابد أن تتحجبي رغماً عنك، أو مسكين .. يهتز ويقول: صادقة؛ لأن الدين في القلوب، المطاوعة هؤلاء خبلان؛ ما معهم عمل، فابقي كما أنت، لماذا؟ لأنه مسكين عبد لامرأته، الله أمر والمرأة أمرت، أمر الله بالحجاب والمرأة أمرت بالتبرج، فأطاع أمر المرأة فهو عنده أهم من أمر الله، يخشاها ولا يخشى الله، يخاف أن يغضبها ولا يخاف أن يغضب الله .. ويوم القيامة تقوده بلحيته إلى النار، وتقول: أنصف لي من هذا الظالم يا رب، قال: لم أظلمها، قال: لا، ما أمرتها بطاعتي.

    فهذا رجل لكنه رجل ليس كالأول، دخل بيته وعلّم امرأته فلما قالت: والله لا أتحجب (لو يصير الذي يصير) قال: والله لا تقعدي في بيتي لحظة إلا بالحجاب، قالت: سوف أذهب إلى أهلي، قال: اذهبي، فقامت وهي تتجاهل أمره؛ تأخذ حقائبها من على الدواليب، وتأخذ قوارير العطر، وتأخذ وتأخذ .. تظن أنه سوف يهتز، لكن رأسه لا يهتز وليس الأمر عنده لعباً، ويوم أن انتهت قال: تريدين أن آخذ حقائبك؟ أنا سوف آخذ معكِ، فأخذها إلى الباب، ويوم أن وضعها عند الباب، لم يتأثر أبداً! والله لو تبقى أعزب مدى الحياة؛ زوجتي تريد التبرج وتحب الرجال، والله إنها شيطانة رجيمة! وسأبقى أعزب إلى يوم القيامة .. أطبخ أنا بنفسي وأخبز أو أبحث عن أخرى خير منها، وأما هي فتأكل عرضي، وتجلس مع الرجال، وتقعد تتفرج معهم، وتقول: أنا أريد أن أنظر إلى الوجوه التي هي أنظف من وجهك، وأحسن من وجهك، هذا كلامها، لا تقوله بلسانها، ولكن تقوله بفعلها.

    فالرجل هذه شهم وبطل، ورجل ليس كالرجال، ماذا فعل؟ أخذها إلى الباب ولما خرجت ومعه ولدان منها، أمسك أولاده وقال: أما أولادي فعندي، وكلٌ لأهله، وخرجت وهم في القرية، يقول: جلس اليوم الأول والثاني، والثالث .. وذهب وأتى بأمه، وجلسوا في البيت، يقول: وإذا أنا بعد صلاة العشاء بطارق يطرق الباب، من؟ فنظر من النافذة، قالت: فلانة، قال: لم أتصور الأمر! فليس هناك امرأة تعود لحالها .. ما تعود إلا بحبال ورجال (ووجيه) لكن الله ردها يوم أن اطلع على قلبه، من .. فلانة؟ قالت: زوجتك أم أولادك، قال: ماذا تريدين؟ قالت: أريد أولادي، قال: والحجاب -وقد تحجبت- قالت: على الرأس والعين، حاضر، قال: حسناً، فتح الباب لها، وقبل أن تدخل قال: الحجاب، قالت: سأتحجب، فدخلت وحضنت أولادها، وبعد ذلك جلسا للعشاء، قال: ماذا حصل؟ قالت: لقد خرجت من البيت وما في نيتي أن أعود إليك أبداً، وما إن دخلت بيت أهلي إلا وفتح الله في قلبي لك مثل الباب، تقول: فما عرفت في الدنيا إلا أنت، ولا رأيت من الجهات إلا جهتك، وإذا جئت لأنام لا يأتيني النوم؛ لأني لا أراك بجانبي؛ لأني أحلم بك في كل لحظة، وآتي لآكل، تقول: فأرى يد أبي وأخي وأمي فما أريد أيديهم إلا يدك لتأكل معي في السفرة.

    تقول: وأدعو أبي فأقول: يا فلان -باسمك- فيقولون: فلان في بيته، لماذا لم تقعدي عنده، لماذا جئت إلى هنا؟ تقول: جلس اليوم الأول والثاني والثالث، وإذا بي أكاد أن أموت جوعاً؛ لا آكل ولا أنام، ولا أهلي سوف يردوني، ولا أنت سوف تأخذني، ففكرت وقلت: سوف أعود، فقال: الآن حياك الله أنتِ على رأسي، يقول: والآن -من فضل الله- الأمور كلها طيبة.

    فهذا الأمر سهل جداً ونستطيع أن ننفذه كلنا بإذن الله، قولوا: إن شاء الله؛ لأن الله أمركم بهذا، يقول الله عز وجل بعد هذه الآيات: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31].

    فمن الذي يرضى أن يخرج نفسه من دائرة المؤمنين؟! يقول: لا. أنا لست من المؤمنين، أنا من شكل آخر، من الذي يقولها فلا يحجب امرأته؟ فيستمر، ويكشف، ولا يريد من التكشف إلا غضب الله وسخطه في الدنيا والآخرة، لكن حجِّب تجد العفة وتجد الشرف والطهارة، وتجد أيضاً راحة القلب؛ لأن أكثر المشاكل الآن بين الأسر بأسباب التبرج، لكن يوم أن ينعزل الرجال عن النساء، وتصير الأسر نظيفة، تسير الحياة مستقيمة بإذن الله عز وجل، فهذه شهوة التبرج.

    وهناك شهوة المكالمات التلفونية؛ وهي من أخطر الأشياء على الناس .. وشهوة قراءة الصحف والمجلات العارية والرخيصة .. وشهوة قراءة القصص الغرامية .. وشهوة النظر في الأفلام والمسلسلات الهابطة .. وشهوة سماع الأغاني الرخيصة .. هذه كلها تقيض وتحرض وتشعل شهوة الزنا في نفس الإنسان، فاقطعها كلها، ولا تسمع إلا ما يحبه الله تبارك وتعالى ويرضاه.

    - الشهوة الثانية: شهوة البطن؛ عن طريق أكل الحرام، من الربا، أو الرشوة، أو الغش، أو الكذب أو الخداع، أو الزور، أو العدوان .. من ملأ بطنه بشيء من الحرام، فإن الله لا يدخل هذا الجسد الجنة: (كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به) وإذا كنت مزارعاً وتذهب ببضاعتك إلى السوق، لا تضع الطيب من فوق والفاسد من أسفل، وقل للعامل وأنت وأهلك: اعزلوا البضاعة والخضرة أو الفاكهة نصفين، فالفاسد أرموه، والذي هو صالح ضعوه لوحده، والممتاز الخالص اجعلوه لوحده، ثم انزل السوق والممتاز هذا بمائة، وذاك بعشرين، يأتيك أبو عشرين -المشتري الضعيف- وينظر ما سيأكله، ويأتيك الذي عنده نقود ينظر ما يشتري، لكن تضع الفاسد مع الطيب، وتغطيه بالطيب، وتغش الناس وتحلف اليمين، لكنها يمين خائنة، يمين والعياذ بالله غشاشة، وإذا أتى المشتري يصبها في البيت إذا به يرى الغش! لماذا انقطع المطر يا إخواني! لماذا حرمنا بركة الثمار؟ تعرفون أنتم بلادكم وأشجاركم، كانت الشجرة الواحدة تغني، واليوم البستان كله لا يثمر إلا تنكة أو تنكتين بأسباب الغش -والعياذ بالله- كن صادقاً حتى لا تأكل إلا حلالاً.

    وقد أعجبني والله رجل من هذه البلاد، أعرفه، قابلته في السوق -في سوق الثلاثاء- أيام الخريف، أيام الفرسك، وأنا أتحاشاه من أجل أن لا أحرجه؛ لأنه سوف يقول: خذ، وأنا لا آخذ، لأني في السوق.

    أما في البستان فسوف آخذ، وهو صديق، ولكن لما رآني تعرض لي وقال: والله لتأتين، قلت: حسناً، لكن والله لا آخذ إلا بمال ما دام أنك هنا، لكن إذا كنت في البستان فسوف آخذ بدون مقابل، قلت له: كم، قال: هذه ثلاثة أشكال، هذا بخمسين -زنابيل صغار- من هذه السود، وهذا بثلاثين، وذاك بعشرة، وإذا بي أفكر .. وفعلاً جزاه الله خيراً، وبارك الله له في رزقه، أعان الفقير الذي لا يشتري إلا بعشرة؛ لأن الفقير لا يشتري بخمسين، يريد الفرسكة ولو كان فيها بعض العطب، سوف يقطعها بالسكين ويأكل الباقي، وراعى الوسط وما يشتري، وراعى الغني الذي لا يريد فيها أي خلل، نقوده وافية، فبارك الله له في رزقه.

    فأنت وشهوة البطن هذه، لا تأكل إلا حلالاً، من مالك ومن كسبك، وأيضاً لا تأكل إلا حلالاً ولا تشرب الدخان، ولا الجراك، ولا الشمة، ولا الخبائث هذه، فأنت طيب والله طيب والجنة دار الطيبين، والخبائث خبائث، ولا يأتيها إلا الخبيث، والشيطان خبيث، والنار دار الخبيثين والعياذ بالله!

    - الشهوة الثالثة: شهوة التملك والسيطرة وحب الإثراء والمال، هذه شهوة من الشيطان، يأتي المرء فيقول: تبقى فقيراً إلى أن تموت، كن رجلاً، كن سبعاً من السباع، انظر فلاناً، وانظر فلاناً .. فتجمع لحمك بالحرام .. إلى مسامعك، ويذهب بك إلى جنهم، فلا تكن ثرياً بالحرام.

    بعض الناس يفعل له مؤسسة وهمية، يأخذ عشرين عاملاً، وليس معه حتى ريال، ثم يركب له لوحة، ويطبع أوراقاً وختماً، ويطلقهم في المجتمع، يقول: اذهبوا، وكل شهر هاتوا: خمسمائة، وإذا ما أتيتم لي بخمسمائة آخر كل شهر فسوف أسفركم وأعطيكم خروجاً نهائياً، وآخر الشهر وهو نائم على الكرسي -فاشل- يأتيه عشرة آلاف، من خمسمائة خمسمائة، من أين أتت هذه؟ حرام يا أخي، (كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه) بأي حق تأكل مال أخيك المسلم، أما تدري أن العامل إذا ما لقي خمسمائة ريال، أين يذهب؟ يسرق! أليس كذلك؟ نعم. يسرقون من أجل أن يأتي بخمسمائة؛ لأنه يهدده ويقول: إما أن تأتي بخمسمائة وإلا طردتك وسفرتك، وهو لا يريد أن يسافر .. مسكين! لأنه ما جاء البلد هذا إلا وقد باع بقرته، أو باع حلي امرأته، أو باع أرضيته ليهرب من الفقر الذي يعيش فيه، وجاء هنا ليعمل، لا يا أخي. إذا أردت عمالاً وأتيت بهم فالبراتب، وأنت صاحب العمل: (كل المسلم على المسلم حرام) وأي ريال يأتيك من هذا الطريق فهو حرام، وقد أفتى بذلك هيئة كبار العلماء في فتوى صريحة أن هذا حرام ولا يجوز، يجوز أن تأتي بعمال لكن بشرط أن يكون عاملاً مسلماً، من بلد إسلامي، وتشغله بنفسك وبالراتب الذي بينك وبينه من بلدك، وتشرف على شغلك أنت، وتعطيه راتبه في نهاية كل شهر. وبعض الناس يثري وعنده عمال ولا يعطيهم الراتب إلا بعد أربعة أو خمسة أشهر، وهو يأكل رواتبهم، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (أعطوا العامل أجره قبل أن يجف عرقه) لا يجوز لك أن تأخذ رواتب هؤلاء المساكين.

    وبعض الناس يحب السيطرة والتملك والإثراء؛ يشتري سيارة بنز، ويركب فيها تلفوناً، ويضع مكتباً، ولكن من الحرام! هذا ينفجر ولكن إلى جهنم والعياذ بالله.

    - الشهوة الرابعة: شهوة الإيذاء والانتقام، وهذه يتخلق بها أمثال الشياطين ممن يؤذي المسلمين عن طريق التحريش، والغيبة، والنميمة، والهزل، والسخرية .. لماذا؟ ماذا تستفيد منه، ماذا تستفيد من أكل لحوم الناس وإيذاء عباد الله؟ إن الله سينتقم منك، (من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) الله يحاربك يا أخي، لا تؤذ أحداً، اتق الله في نفسك، وإذا أحد أخطأ في حقك فسامحه، اتق الله واربح مع الله، أما أن تعقد مشكلة، فإن هذا من عمل الشيطان والعياذ بالله.

    - الشهوة الخامسة: الخامس: شهوة اللهو واللعب؛ مِن الناس مَن حياته كلها لعب ولهو، يحب الطرب، والأغاني، والدردشة، والرقصة، والورق، والبلوت، والكيرم، والعومة .. وضيع حياته كلها -والعياذ بالله-، ويوم القيامة يضيع عليه وقته وعمره، وينادي في النار كما جاء في الحديث: (إن أكثر صياح النار واه أف ....).

    هذه الشهوات الخمس وغيرها كثير، لكن اختم بها.

    1.   

    حالات الاستعاذة من الشيطان

    وأقول لكم في النهاية، ما الحل بالنسبة للإنسان الذي يريد ألا يقع في حبائل الشيطان؟

    الحل: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، كيف؟ تستعيذ بالله في ثلاث حالات:

    - الحالة الأولى: عند ورود أمر الله عليك؛ إذا كنت نائماً وسمعت المؤذن يؤذن في أذان الفجر، فهناك: أمر بأن تصلي، وأمر آخر من الشيطان بأن ترقد.

    أما يجد الإنسان نوعاً من هذا؟ كلنا نجد رغبة في النوم والكسل والتثاقل .. من الذي يثقلك ويكسلك؟ الشيطان، والذي يدعوك هو الله، من تطيع؟ الله، قال الله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف:200] قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، واقفز كالحصان، واذهب توضأ؛ لأنه جاء في الحديث: (إن الشيطان يعقد على ناصية ابن آدم إذا نام ثلاث عقد: فإذا قام وذكر الله انحلت عقدة، وإذا توضأ انحلت الثانية، وإذا صلى انحلت الثالثة، فأصبح طيب النفس نشيطاً، أما إذا رقد بال الشيطان في أذنيه وقال: نم، عليك ليل طويل) ويحدثني أحد الإخوة، يقول: عنده ولد فأيقظه وأخذه من الفراش (ودفدفه) إلى أن دخل الحمام، ويوم صلى وسلموا، تلفت يميناً ما رآه، وتلفت شمالاً ما رآه، وتلفت في الصفوف التي خلفه ما رآه، قال: عجيب، أقومه إلى الحمام ولا يأتي، فرجع الرجل وهو يشتعل غضباً والمشعاب في يده، قال: والله لأغلقن عليه وأضربه حتى يموت! هذا الرجل بطل، ما يضع البطانية عليه، ويقول: أرقد. الله يطول عمرك ويبارك فيك، خاصة إذا معه راتب، ما يريد أن يكسر خاطره، لكن يُغضب الله، ما يريد أن يغضب ولده، ويقول: أكسر خاطره ويذهب ويتركني!

    دعه يذهب ويخليك؛ لأن الذي يرزقك هو الله من قبل، هو الذي يلقي الرزق عليك، أتتخذه ولياً من دون الله، والله ما في حياته بركة، ولا في راتبه بركة، والله إنه يقودك إلى جهنم، أخرجه وتبرأ منه ولو تأكل الطين، والله إنه أفضل من أن تأكل من راتب هذا العدو لله، القاطع للصلاة، الهاجر لبيوت الله عز وجل، فالرجل دخل عليه بالصميل ويوم أن جاء إلى الفراش يبحث عنه وإذا به غير موجود في الفراش، وتلفت من الشباك لينظر السيارة فلعله صلى في مسجد آخر، وإذا بالسيارة واقفة! ليس بالمسجد أو بالفراش .. أين هو؟ تلفت وتلفت، وإذا به يرى نوراً من تحت الباب في الحمام، فاقترب ليسمع شيئاً فلم يجد حركة، دق باب الحمام ودق وإذا به ينتبه قال: نعم نعم، ففتح الباب، قال: ما بك؟ قال: رقدت فوق الكرسي، لا إله إلا الله! مسكين، ما استعاذ بالله من الشيطان الرجيم. في بيت الشيطان راح يصلي لإبليس، نعم؛ لأن الحمامات بيوت الشياطين والعياذ بالله.

    استعذ بالله كلما ورد أمر لله، فلو علمت أن هناك ندوة في مسجد في ليلة جمعة وبعد ذلك أردت أن تأتي، وبعد ذلك أتاك شعور .. تقول: برد، قد طبخت المرأة العشاء، من أجل أن نتعشى قبل العشاء ونرقد بعد العشاء، والعيال مسرورون .. لا، تعال. هذا من الشيطان، تعال اجلس، كلما أمرك الله بأمر ووجدت فيه مانعاً من الأمر فهذا من الشيطان، اذهب واستعذ بالله.

    الحالة الثانية: عند ورود نهي، إذا عرضت عليك معصية؛ مررت بالشارع ورأيت امرأة متبرجة، فنظرت إليها، هذا من الشيطان .. غض بصرك، إذا لم يتركك الشيطان فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا سمعت أغنية وأنت تبحث عن الأخبار أو تقلب الراديو فأغلقها وقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وكلما ورد عليك نهي من الله فاستعذ بالله.

    الحالة الثالثة: عند الغضب؛ لأن الغضب من الشيطان، أما ترون أن الإنسان إذا غضب كيف يتغير؛ أول شي ينتفض؛ لأن الشيطان اشتغل في عروقه، ثانياً: تخرج عروقه وقرينته تتحرك؛ الأوداج الكبار هذه، وبعد ذلك تبرز عيونه، وبعد ذلك تنتصب العروق في جبينه، وبعد ذلك تتصرف تصرفات خبل، إذا صورت تلك الحركات ورآها بعد ذلك تقول: انظر، قال: الله أكبر على إبليس، ما هو أنا، وفعلاً ما هو أنت بل الشيطان.

    أما ترى الذي يطلق زوجته وهو غضبان، ثم يندم إذا تذكر بعد ذلك، يذهب يطرق أبواب القضاء والعلماء، من واد إلى واد ومن أرض إلى أرض، يريد فتوى، يقتل هو غضبان ثم يندم، يضرب أولاده ويلاعنهم، ويخاصم جيرانه وهو غضبان.

    أخبرني أحد الإخوة اليوم في العمل، يقول: حضرت قصة؛ لأنه سمع شريطاً فيه من هذا الكلام، يقول: قصة والله أنا حضرتها بنفسي بين رجلين في قرية من القرى، رجل كبير السن ورجل شاب، يقول: وعندنا أن الشباب يحترمون الشيبان؛ في الماضي ما كان يستطيع الشاب أن يفتح فمه على شايب، لكن في قلة الدين وغمرة الدنيا أصبح لسان الشاب -والعياذ بالله- على كتفه؛ يسب الشيبان ولا يقدر كبيراً ولا يقدر أبداً شيبة، يقول: فجلس في المجلس، يقول: حضرت معهم وإذا بالشاب هذا منفلت بلسانه ومتعنت، يعطي الشايب هذا، أنت يا شيبة، يا.. يا..، يقول: لما رأيت الرجل بلغ منه الغضب، قمت إليه، وقلت له: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال: لم يرض أن يتعوذ بالله من الشيطان، وبدأ يسب ويشتم، فما عرفت ماذا أفعل، وذاك الشايب بدأ يتكلم، فذهبت إلى الشايب فقلت: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقال الشايب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فبرد وسكت، ورجعت إلى ذاك: قل: أعوذ بالله، قل أعوذ بالله.. لم يقل، لكن يقول: كررتها عليه، حتى قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يقول: فلما قالها جلس، ويوم أن جلس قال: جزاكم الله خيراً، يقول: وهدأ وصلح والحمد لله. فعليك إذا جاءك الغضب أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.

    أما ترى الإنسان الآن إذا غضب، ثم قلت له: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لا يقولها؛ لأن الشيطان معه في تلك اللحظات، ولو قالها لبرد، ولذهب الشيطان: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف:200] والله تعالى يقول: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون:97-98].

    أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يحمينا وإياكم من همزات الشيطان، وأن يحفظنا وإياكم من السوء والشرور والفساد والإعراض عن الله تبارك وتعالى، وأستسمحكم العذر في الإطالة عليكم، أشير إشارة إلى أسئلة وردت هنا فقط.

    1.   

    الأسئلة

    فضل الإنفاق في سبيل الله

    السؤال: يوجد في المسجد مندوب هيئة الإغاثة الإسلامية فنرجو التنويه بفضل الإنفاق في سبيل الله، وإغاثة إخواننا المسلمين الفقراء في مشارق الأرض ومغاربها، الذين يموتون جوعاً ويموتون من البرد ويحتاجون إلى قيمة الغذاء والدواء والكساء في أفغانستان وفي فلسطين وفي أفريقيا ؟

    الجواب: نعم. نحن في نعمة من الله، ومن المفترض علينا إذا أردنا أن نحفظ هذه النعمة أن نخرج منها، تريدون أن تبقى النعم؟ ما يبقيها إلا طاعة الله، فلنخرج من حقنا، قد كنا فقراء فأغنانا الله، وكنا عالة فأعطانا الله عز وجل، فنريد إن شاء الله أن يقوم الأخ الكريم المندوب معه كرتون عند الباب، وأخرج من جيبك، ولا تخرج من المسجد إلا بشيء، ولا تعمد إلى الدنيا ولا تأخذ خمسة أو عشرة، خذ أعلى شيء، لماذا؟ من تعطي؟ تعطي العرب؟ تعطي نفسك؟ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ [البقرة:272] .. وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ [الأنفال:60] أنت تضع المائة أو الخمسين، والله إنك تربح، والحديث صحيح تقول عائشة وقد ذبحوا ذبيحة قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (هل بقي منها شيء؟ قالت: ذهب كلها إلا كتفها -أنفقوها كلها إلا الكتف- قال: لا. قولي: بقي كلها إلا كتفها) الذي ذهب هو الباقي والذي عندنا هو التالف، يقول الله تعالى: مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل:96].

    عاقبة عقوق الوالدين وقطيعة الرحم

    السؤال: يقول: ما عاقبة عقوق الوالدين وقطيعة الأرحام؟

    الجواب: عقوق الوالدين حرام، ومن عق والديه عقه أولاده، ويزيدون له قليلاً؛ لأنها كبيرة من كبائر الذنوب، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر -والحديث في الصحيحين- فقال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين) ويقول الله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [الإسراء:23] ويقول تبارك وتعالى : أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ [لقمان:14] ويقول: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [النساء:36] إذاً ما هو العقوق؟ العقوق أن تقول لهم: أف، وأن ترفع صوتك عليهم، وتخالف أمرهم، وتتمرد عليهم، لو يقولون: دق مخ ساقك هنا، قل: حاضر، يقولون: قم نصف الليل، قل: حاضر، تعرفون الرجل الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين، جاء من المرعى -كان طوال يومه يرعى- وجاء وإذا بأبيه وأمه قد رقدوا، وحلب لهم وجلس بالقدح على رءوسهم وامرأته وأولاده يتضورون جوعاً عنده، قال: والله لا تشربون حتى يشرب أبي وأمي، والله لا أقومهم حتى يقوموا، فما قاموا حتى أتى الفجر، وهو واقف! طوال اليوم يرعى ثم يقف طوال الليل بالقدح، أين هذا يا إخواني؟ بعض الأولاد ليس فيه خير لا لنفسه ولا لأبيه والعياذ بالله.

    وأما الأرحام فكذلك؛ فإن قطيعة الرحم مما يقطع الله به الرزق، والله عز وجل يقول: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22-23] فالذين يقطعون أرحامهم عليهم من الله اللعنة، وأيضاً يصم الله آذانهم ويعمي أبصارهم، لماذا؟ لا يرون الحق؛ عندما تقول له: أختك -قريبتك- قطعتها، قال: ما أدري عنها، ليست مني، إنها ذهبت مع بعلها وتركتني، إنها إنها .. هذا أصم، ما يسمع كلام الله، وأعمى الله بصيرته، فهذا والعياذ بالله (من قطع رحمه قطعه الله و) (لا يدخل الجنة قاطع رحم) (ليس الواصل بالمكافئ، الواصل الذي إذا قطعته رحمه وصلها) والحديث صحيح في مسلم، قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: (إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأعطيهم ويحرمونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، قال: إن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل).

    صل ولو أنك قد أخطأت، يا رجل (السماح رباح) إلى متى وأنت غضبان، وأختك غضبانة، أو قريبك أو جارك.

    والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.