إسلام ويب

فضل الإيمان وآثارهللشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ضرورات الحياة المتفق عليها بين البشر ثلاث، وهي: الهواء والماء والغذاء، ولكن ضرورة الإيمان والدين تطغي على ذلك كله، فهي الباعثة على الأمن والسعادة في الدنيا قبل الآخرة، ولهذا الإيمان ثمار وآثار في الدنيا والآخرة تظهر على من التزمه وحققه. في ظلال هذه الأفكار والأطروحات كان موضوع الشيخ في هذه المادة، إضافة إلى الكلام عن نظرية داروين الحيوانية وكيف استغل اليهود هذه النظرية وطوروها من أجل خدمة أفكارهم وتحقيق أهدافهم.

    1.   

    الضرورات المادية في حياة البشر

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    أيها الإخوة في الله: هناك في حياة البشر ضرورات لا بد من توفرها، ولا يستطيع إنسان أن يعيش حياةً سعيدةً إلا بتوفر تلك الضرورات، وهذه الضرورات كثيرة في حياة الناس، ولضغط الحياة المادية وانعدام المقاومة لدى الإنسان في هذا الزمان؛ أصبحت معظم الأشياء ضرورية لدرجة أنه إذا انتهت أية مادة من مواد الأسرة فإن البيت يشعر بنقص، وبعدم قدرة على التكيف مع الوضع الجديد، إذ لا بد من توفير هذه الأشياء ولو في أبسط صورها، مثلاً: لو تنتهي من البيت حفاظات الأولاد لقامت مشكلة في البيت، تصيح المرأة بأعلى صوتها، وتقيم الرجل من مضجعه، وتوقظه من نومه، وتأمره بأن يذهب إلى السوق لشراء حفائظ الأولاد، وكأن القيامة قد قامت.

    رغم أن الناس منذ آدم إلى قبل عشر سنوات لا يعرفون حفاظات الأولاد، وما ظهرت إلا منذ الأيام القريبة، لكن انهزامية الناس أمام ضغط هذه الأشياء جعلت كل شيء ضروري، لكن الضروري حقيقةً ثلاثة أشياء:

    أولاً: الهواء.

    ثانياً: الماء.

    ثالثاً: الغذاء.

    فقط هذه؛ لأن على هذه الثلاثة مدار حياة البشر، إذ لا يستطيع الإنسان أن يعيش بغير الهواء لحظة واحدة، ولا أن يعيش بغير الماء فترة معينة، ولا بغير الغذاء فترةً أطول، لكن بغير هذه الثلاث يمكن أن يعيش الإنسان، بل يمكن أن يعيش بدون كساء، فيستر عورته بأوراق الشجر، وينام في الكهوف، ويستظل بالأشجار، ويسير على قدميه حافياً، فإذا وُجد الماء والهواء والغذاء وجدت الحياة، وإذا انعدمت هذه الثلاثة الضرورية انعدمت الحياة.

    لكن هل الإيمان والتدين والالتزام ضروريٌ للبشر كضرورة هذه الأشياء الثلاث؟ هل الإيمان -تنبه لهذا السؤال- والدين والعيش على منهج ضروري للإنسان كضرورة هذه الأشياء الثلاث، بحيث إذا لم يتوفر الإيمان في حياة الإنسان مع هذه الثلاث تصبح الحياة غير ممكنة؟!

    قبل الإجابة على هذا السؤال يجب أن نناقش الموضوع بعقلية وبمنطق.

    هذه الضرورات الثلاث من أين نتجت حتى أصبح الإنسان لا يمكن أن يعيش بدونها؟

    الضرورة الأولى: الهواء

    الهواء يحيط بالإنسان من كل جانب، ويسير معه في كل مكان، تدخل المسجد تجد الهواء أمامك، تركب السيارة تجد الهواء في انتظارك، تخرج إلى الشارع تجد الهواء يلامسك، تركب في الطائرة تجد الهواء معك، تدخل في غرفة النوم كذلك هو معك، وتدخل دورة المياه والهواء معك، أينما دخلت والهواء يحيط بك من كل جانب، لماذا؟ لأنك لا تستطيع أن تعيش بغير الهواء، فجعل الله الهواء معك في كل مكان، ولو أنه انحبس عنك لحظة واحدة لمت! بينما هذا الهواء تحصل عليه بالمجان.

    هل سمعتم أحداً يقول: أعطني كيلو هواء؟

    ما ظنكم لو أن الهواء الذي يعيش الناس عليه يشترى بمال، لو حصل هذا لمات أكثر البشر الذين ليس لديهم مال، أو كان من معه هواء يحمله في قربة أو برميل فوق ظهره، وما عمله إلا مراقبة العيار متى ينتهي الهواء، لكن الله جعل الذي هو أغلى شيء في الوجود مجاناً، وهذه نعمة من الله عز وجل، وما سمعنا إنساناً يبيع الهواء أو يشتري الهواء، طبعاً لا تحتجون عليّ بهواء الإطارات الذي عند البنشر، فتقولون لي: نشتري هواء ونعبأه بثمن، لا. حتى هواء الإطارات مجاناً، فأنت عندما تقف عند صاحب بنشر، فتعاير الهواء وتزيد وتنقص لا تعطيه إلا ريالاً، وإذا أعطيته ريالاً قال لك: استحِ على وجهك، هذا هواء كيف نبيع الهواء؟

    وأذكر مرة من المرات في بداية حياتي أني اشتريت سيارة، وما كنت أعرف شيئاً عن السيارات، كنت أعرف فقط أقود، وفي يوم من الأيام حصل في سقف السيارة أن انحلت بعض (الصواميل) وما رأيتها؛ لأنها مغطاة من الداخل باللباس، فاشتكيت إلى أحد السائقين القدامى، فقلت له: يا أخي! عندي قعقعة في سقف السيارة ولا أدري ما سببها؟

    فقال لي: هل غيرت الهواء؟

    قلت: هواء ماذا؟

    قال: هواء الإطارات.

    قلت: لا والله ما غيرته.

    قال: من متى لم تغيره؟

    قلت: السيارة معي منذ سنة.

    قال: قل: لا إله إلا الله! سنة كاملة وما غيرت الهواء!! والزيت كذلك ما غيرته؟

    قلت: لا. الزيت كل (2000كم)أغيره.

    قال: جيد، الحمد لله تداركتها، لكن لا بد لك من تغيير الهواء.

    يقولون: إن الهواء يخزن داخل الإطار، وعندما يدور الإطار باستمرار يفسد الهواء، فيحصل قعقعة في السيارة، فأخذت كلام الرجل على محمله، وذهبت إلى صاحب البنشر وأوقفت سيارتي وقلت له: غيَّر الهواء؟ فنظر الرجل إلي نظرة استغراب وقال: ماذا بك؟

    قلت: غيَّر الهواء.

    قال: هواء ماذا؟

    قلت: هواء الإطارات.

    قال: أنت مجنون أم عاقل؟!

    قلت: أنت المجنون، غيّر الهواء فقط، فتركني وأدبر عني، وأنا من بالغ الاعتداد بنفسي ذهبت إلى الإطارات وفككت الإبر وفرغت الهواء كله على الأرض، وبعد ذلك أتيت (باللي) وعبأت الهواء وأرجعت الإبر وسلمته النقود، أعطيته ريالاً، فأخذه؛ لأنه قال: مجنون، نأخذ الريال من مجنون ولا نتركه له.

    وبعد ذلك مشيت بالسيارة في أول تجربة وإذا بالقعقعة هي هي، فذهبت إلى الرجل، فقلت: يا أخيّ غيرت الهواء وما ذهبت القعقعة، قال: وغيرته!! قلت: نعم. فجلس يضحك عليّ ويضحك معه من حوله.

    الشاهد في الموضوع أن الهواء أغلى ما في الوجود، ومع هذا لا يباع ولا يشترى وإنما هو مجاناً، ولو كان الهواء يباع لمات كثير من البشر؛ لأن على الهواء مدار حياة البشر، ولا يستطيع البشر أن يستغنوا عنه لحظة واحدة، فجعله الله مجاناً، وجعله في كل مكان وفوق كل أرض، وتحت كل سماء، وفي أي مكان في الدنيا لا تدخل إلا والهواء معك يحيط بك من كل جانب، هذه ضرورة واحدة.

    الضرورة الثانية: الماء

    الماء عليه مدار الحياة، يقول الله عز وجل: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء:30].

    ولكن ضرورة الإنسان للماء أقل من ضرورة الإنسان للهواء، إذ يستطيع الإنسان أن يعيش بغير ماء أسبوعاً كاملاً، وفي المناطق الباردة يعيش أسبوعين، لكنه لا يستطيع أن يعيش لحظة واحدة بغير هواء، ولذا لم يجعل الله الماء مُلابساً للإنسان يخرخر فوق رأسه أينما دخل وأينما خرج، ولو جعل الله الماء في هذا الوضع لمات البشر، ولكن الله جعل الماء ينزل من السماء بِقَدر، يقول الله عز وجل: يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ [الشورى:27].

    وإذا نزل هذا القَدْر من السماء على الأرض لا يجعله الله راسياً، فلو أنه شكل بحيرات ومستنقعات في الأرض لفسدت الحياة ولنمت الجراثيم، ولَـجلبت العلل والأمراض، لا. إنما يفتح الله الأرض لهذا الماء فيسكن في بطنها، لا يسكن في أعماقها وإنما قريباً من السطح، ولو جعل الله الأرض تمتص هذا الماء، لذهب إلى أغوار الأرض البعيدة ولحُرم منه الناس ولم يستفد منه أحد، ومات كل من على ظهر الأرض، ولكن الله عز وجل جعل الأرض تمتصه حتى لا تفسد الحياة بوجود الماء على ظهرها، فتمتصه ويختزنه الله عز وجل للناس في الطبقة العليا من الأرض، يقول الله عز وجل: فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ [المؤمنون:18] ويقول: وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ [الحجر:22].

    والماء لديه قدرة عظيمة على اختراق الأشياء، فإذا وجد مثل خرق الإبرة في أي إناء فإن الماء يخرج منه، لكن من الذي حفظ لك أيها الإنسان داخل الأرض بين الشقوق والشعاب والحفر والحجارة، فتجده موجوداً لا ينقص؟! أنت تأخذ وهو يزيد من عند الله تبارك وتعالى، هذه نعمة من نعم الله عز وجل.

    فجعل الله الماء موجوداً، لكن الحصول عليه يكون بمشقة، تحفر بئراً، أو تذهب إلى البحر فتجري تكريراً لمياه البحار، وبعد ذلك تأخذ منها الماء العذب وتترك الماء المالح، المهم أنه موجود لكنه بجهد، وليس بغالٍ، فالماء من أرخص وأكثر الأشياء في الأرض، بل إن ثلاثة أخماس الأرض ماء، وخُمسين من الأرض يابس، مع ما في بطن اليابس من المياه الغزيرة التي نحن من فضل الله في هذه البلاد نعيش عليها، ليس عندنا أنهاراً، ولكن جميع حياتنا الزراعية قائمة على مياه الأرض الباطنة، التي امتصت من مئات السنين من الأمطار التي تنزل إلى الأرض، ثم تسير على شكل وديان تمتصها الأرض وتحتفظ بها، إلى أن جاء الإنسان واستطاع بفضل الله عز وجل أن يصل إلى أعماق الأرض ويسحب هذه المياه، ويحول هذه الصحاري إلى مزارع وبساتين وجنان، وهذه كلها من نعم الله على الإنسان.

    الضرورة الثالثة: الغذاء

    الغذاء أقل ضرورة من الماء، إذ بإمكان الإنسان أن يصبر على الغذاء فترة أطول من فترة صبره علىالماء، فللإنسان قدرة على أن يعيش شهرين بدون غذاء ولا يموت، لكنه لا يستطيع أن يصبر فترة طويلة عن الماء مثل الغذاء، ولذا جعل الله الغذاء موجوداً في الأرض بمشقة أكبر من مشقة الماء، عن طريق حرث الأرض، ثم سقيها وبذرها ثم انتظار الثمر حتى يظهر، ثم حصده، ثم طحنه وخبزه وأكله، فلا يُأكل هذا القرص حتى يُتعب عليه كثيراً، ولكنه موجود.

    هذه الضرورات الثلاث هي ضرورات البشر.

    1.   

    ضرورة الإيمان والدين للبشر

    الضرورة الرابعة التي سنتحدث عنها ونسأل أنفسنا عنها، وهل هي ضرورية مثل الهواء والماء والغذاء أم لا، هي: ضرورة الإيمان والدين، فهل هي ضرورة حقاً؟

    بالعاطفة كل شخص منا سيقول: نعم. الدين ضروري مثل الهواء والغذاء والماء، لكننا حينما نضع الإنسان على محك العلم والتجربة نجد أنه ليس عنده علم يثبت له أن الإيمان والدين ضروريٌ للإنسان كضرورة الغذاء والهواء والماء، بدليل أن معظم البشر الآن في الأرض يعيشون بلا دينٍ وبلا إيمانٍ، ولا يشعرون بأن الإيمان والدين ضروريٌ لهم.

    وحتى نجيب إجابةً علمية دقيقة على هذا السؤال يجب أن نسأل أولاً: ما هو الإنسان؟ وما هي مادته وأصل تكونيه؟

    مادة البشر المكونة لأصلهم

    سوف نتعرف على هذه الضروريات من خلال التكوين، وإذا أردنا أن نسأل عن الإنسان، فإن أعظم من يجيبنا على أسئلتنا هو خالق هذا الإنسان، وهو الله عز وجل: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14].

    من الذي خلق الإنسان؟ إنه الله، فهو أعلم بأسرار الإنسان وبمادته، وبما يصلحه ويفسده، وأعلم بما هو ضروري له، وبما ليس ضرورياً له، فالذي يتحدث عن الصنعة صانعها، والله عز وجل هو خالق الإنسان، ولم يقل أحد في الدنيا بأنه هو الذي خلق الإنسان، والله سألهم في القرآن وقال لهم: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ [الطور:35-36] فهم لم يُخْلقوا من غير شيء وليسوا هم الخالقين، ولم يخلقوا السماوات والأرض، فتعين أن يكون لهم خالق وهو الله تبارك وتعالى، يقول عز وجل: هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإنسان:1-2].

    فالذي خلق الإنسان هو الله عز وجل، ولذا نسأل ربنا تبارك وتعالى: مم خلق الإنسان؟ وما هي مادة تركيبه؟

    وقد أخبرنا الله في القرآن الكريم أن الإنسان مخلوقٌ من عنصرين، ومركبٌ من مادتين: عنصر طيني أرضي، وعنصر روحي سماوي، يقول عز وجل: إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ [ص:71] هذا العنصر الأول: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [ص:72] فأخبر الله عز وجل الملائكة أنه سوف يخلق بشراً من طين، ولهذا لما حللوا عناصر الطين، وحللوا عناصر الذرة من الإنسان، وجدوا أن الإنسان يتكون من ستة عشر عنصراًً هي الموجودة في الطين.

    فمجموعك أيها الإنسان من ستة عشر عنصراً: فيك الحديد، والماغنسيوم، والملح، والماء، وكل شيء موجود في خلية الطين التي أنت مكون منها. هذا العنصر الأول.

    إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ [ص:71-72] وجاء العنصر الثاني المهم؛ لأن العلماء يقولون: إن الله ما أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم بعد خلق عنصره الطيني، بل أمرهم بالسجود له بعد نفخ الروح فيه، لماذا؟ لأنه كلمه بالروح.

    : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [ص:72] فالسجود جاء بالأمر من الله عز وجل للملائكة أن تسجد لآدم بعد نفخ الروح فيه، لماذا؟ قال العلماء: لأن الروح هي الكريمة في الإنسان، بدليل أن الإنسان إذا مات وخرجت منه روحه فإنه لا يبقى لجسده قيمة أبداً، رغم أن العين موجودة والأذن، والرئة والجهاز التنفسي والهضمي والتناسلي والهيكل العظمي .. وكل الأجهزة موجودة، لكن لما خرجت الروح لم يبق لكل هذا قيمة، فمن يشتري هذا الجسد بريال واحد؟ لا أحد يشتريه، بل يتخلص الناس منه في أقرب فرصة، حتى إن أحب الناس إلى هذا الجسد يتولى سرعة تجهيزه، ويدق على الناس ويقول: لا نريده أن يبيت إلا في قبره، فلا يريده أن يبات معه ليلة واحدة.

    وإذا مات الناس في عمليات زرع الأعضاء، فإنهم يأخذون القلب من الإنسان الميت ويزرعونه في إنسان لم تخرج الروح من قلبه فيعيش هذا الإنسان، فلماذا وقف القلب في هذا الجسد وعمل في الجسد الثاني؟ لماذا لم يظل عاملاً مادام أنه سليم؟ لماذا لم يستمر في عمله؟ لأن الحياة ليست في الجسد وإنما في الروح، وما دام أن الروح قد خرجت فإن القلب يتوقف، فينقل القلب من جسدٍ قد ذهبت منه الروح إلى جسدٍ لا تزال الروح فيه فيعمل هذا القلب.

    وعملية زرع الكلى -أيضاً- وهي: أن تأخذ الكلية من مريض قد مات وتوضع في جسد آخر حي فتعمل؛ لأن هناك مشغلاً لها وهي الروح، فالحياة ليست في الكلى ولا القلب، ولا الرئة ولا جميع أجزاء الجسد، بل هي في الروح، والله تبارك وتعالى يقول: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ص:72] فالروح بمنزلة الراكب، والجسد بمنزلة المطية أو المركوب، ودائماً الكرامة والشرف للراكب لا للمطية،وما نفعله الآن هو تكريم المركوب والمطية وتركنا الراكب عند الباب.

    فلو أنك نزلت ضيفاً على مطيتك إلى أحد إخوانك أو أرحامك، وبدلاً من أن يدخلك إلى المجلس ذهب بك إلى الاصطبل التابع للمواشي، وأدخل المطية في المجلس وأعطاها القهوة والطيب والعشاء، بينما أرسل لك أنت بكرتون من العلف، ولم يضئ لك الإصطبل، ولم يجهز لك الفراش، ثم بقيت إلى نصف الليل وأنت تنتظر فقلت له: ما بك يا أخي؟! قال: المطية وضعناها في المجلس! فهل تغضب أم ترضى؟ بالطبع تغضب وتقول: يا أخي! المطية أحضرها مكاني، وأنا ضعني في المجلس.

    فنحن الآن عكسنا الآية، نكرم الجسد الذي هو المطية، فالثوب الجيد، والعمارة الجيدة، والأكل الجيد، والعلاج، وكل شيء حسن للمطية، بينما الروح التي فيها الحياة مقتولة عند كثير من الناس، تعطى السم الأحمر الزعاف، وتتغذى على أسوأ الأغذية، وتسمع أسوأ ما يمكن أن يُسمع، وتقرأ أسوأ ما يمكن أن يُقرأ، تقرأ المجلات والقصص والخزعبلات، وتشاهد الأفلام، وتنظر إلى الجنس والخرافات، أي: تعيش على أرذل ما يمكن أن يُعاش عليه!

    فتعيش الروح مقتولة والجسد منعم، فلو اشتريت صندوق برتقال ووجدت فيه حبة فاسدة أو معطوبة، فإنك ترمي الصندوق كله، لماذا؟ تقول: طعام فاسد لا نستطيع أن نأكله، ولو اشتريت علبة لبن منتهٍ تاريخها فإنك ترميها، وأي شيء يسبب لك ألم في جسدك فإنك لا تتناوله، حسناً! وروحك إذا كان طعامها فاسداً؟ لا تجد أحداً يسأل عن صحة الطعام، هل هو سليم مائة بالمائة أم لا، بل يتعمد معظم الناس إلى شراء الأطعمة الفاسدة لعلل أرواحهم وقلوبهم، فيعيش أكثر الناس -والعياذ بالله- مريضاً في قلبه، لماذا؟

    لما يتناوله من الطعام الفاسد؛ لأن صحة الأجسام والأرواح إنما تبنى على الغذاء الذي يقدم لها، فإذا كان الغذاء صحيحاً سليماً صحت الأجساد، وإذا كان غذاء الأرواح سليماً صحت الأرواح.

    فالناس الآن مهتمين بجانب الغذاء الجسدي على حساب غذاء الروح.

    فأنت أيها الإنسان! إن أردت أن تعيش حياةً سعيدةً، فأنت مطالب بأن تكون لك حياتين: حياة لجسدك، وحياة لروحك، حتى تكون إنساناً سوياً، فلو أنك عشت حياة روحية بدون جسد فلست إنساناً، ولو أنك عشت حياة جسدية مادية بدون روح فلست إنساناً.

    إذاً من الإنسان؟

    حاجة البشر للدين والإيمان

    الإنسان الذي خلقه الله مكون من عنصرين: نفخة من الروح، وقبضة من التراب، هذا هو الإنسان، ويجب عليه إن أراد أن يعيش إنسانيته في أكمل صورها، وأعلى درجاتها أن يلبي لكل عنصرٍ متطلباته، ومتطلبات الجسد معروفة وهي: الغذاء الذي نأكله، والهواء الذي نشمه، والماء الذي نشربه، أما حياة ومتطلبات الروح ما هي؟ أهي غذاء؟ هل يمكن لشخص أن يأكل برتقالة أو تفاحة لروحه، أو أن يضع روحه على سرير، أو تحت مكيف، أو يتمشى بها في سيارة، أو يُسكنها في عمارة؟!! لا. غذاء الروح من أصل الروح، لذلك لما كان الجسد من الأرض كان غذاؤه منها، فالماء يخرج من الطين، والهواء يخرج من الأرض، والغذاء يخرج من الطين.

    كذلك الروح لما كانت عنصرها سماوي كان لها غذاء سماوي، ألا وهو الإيمان، فالدين هو غذاء الروح، فإذا أردت أن تعيش حياةً متكاملة لجسدك ولروحك لزمك أن تعطي جسدك غذاءه، وهو: الهواء والماء والغذاء، وأن تعطي لروحك غذاءها وهو الإيمان.

    أيصبح بعد ذلك الإيمان ضرورياً أم غير ضروري أيها الإخوة؟! ضروري لا شك، لا بد مثلما أنك توفر الماء والغذاء والهواء لجسدك أن توفر الإيمان لروحك؛ لتحيا حياةً كاملة تكون بها إنساناً، فالله قد أخبرك أنك إنسان، وأنه خلقك بطريقة تختلف فيها عن جميع المخلوقات: خلقك بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلم أباك آدم الأسماء كلها، وبعد ذلك أنزل إليك كتباً، وأرسل إليك رسلاً، ودعاك إلى الجنة وطاعته، وحذرك من النار ومعصيته.

    فأنت مخلوق مخاطب بشكل خاص من بين سائر المخلوقات، وجميع المخلوقات مسخرة لك، يقول الله: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ [الجاثية:13] فجميع ما في السماوات والأرض كله مسخر لخدمتك، ليس هناك ذرة في الكون إلا ولك مصلحة فيها أيها الإنسان علمتها أو لم تعلمها، وأنت لمن؟ لله.

    فإذا احتقرت أيها الإنسان نفسك ولم تعرف من أنت، فإنه يصعب عليك أن تعرف هل الإيمان ضروري أم غير ضروري، والذين عرفوا الإنسان من هذا المنطلق ومن هذه الزاوية بعد علمهم بكتاب الله وسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عرفوا أنه لا يمكن أن يعيش إنساناً سوياً إلا بتأمين غذائه وتكميل حياته؛ حياة الجسد وحياة الروح، فحرصوا على توفير متطلبات الجسد، ومتطلبات الروح، والذي يوفر متطلبات جانب على حساب آخر فقد أخطأ ولا شك.

    فلو أنك خرجت من دوامك أو مدرستك الساعة الثانية والنصف، ودخلت على زوجتك وقلت لها: أنا جائعٌ سأموت جوعاً، عجلي بالغداء، فقالت: لا يوجد لدينا غداء اليوم، ولكن اقرأ هذا الحديث وتغدى به، أو اسمع هذا الشريط وسوف تشبع، هل يمكن لقراءة الحديث أو سماع الشريط أو قراءة آية أن تشبعك، لا. فالحديث والشريط والآية والقرآن غذاء لروحك، أما بطنك فلا يسدها إلا الأكل ولا يسدها الكلام، فلا بد من غذاء لجسدك غير غذاء روحك، وكذلك الذي يكون قلبه ميت، وروحه منهارة ومنهزمة، فيقول: سأنعِّم روحي بتمشية إلى أوروبا أو بفسحة إلى بلاد الشرق، أو بأكلة، أو بتمشية على شاطئ البحر، أو بنومة على السرير في مكان جميل هذا كله لجسده، أما الروح فستبقى في عذاب حتى يقدم لها غذاءها الحقيقي، ألا وهو الإيمان بالله عز وجل، والخضوع لشريعة الله، والتمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    نفع الإيمان لأهله

    إن الذين عرفوا الإنسان بهذا المفهوم قالوا: إن الإيمان ضروريٌ للإنسان .. بل هو أعظم من ضرورة الغذاء والماء والهواء، إذ أن الإنسان إذا عاش على الإيمان والدين وحيت ودبت الحياة في قلبه وروحه، ثم فُقد الهواء أو الغذاء في مجاعة -مثلاً- أو الماء ومات الإنسان وهو مؤمن فإنه يدخل الجنة، لكن إذا عاش على الهواء والغذاء والماء وجميع متطلبات الدنيا وليس عنده إيمان، وانتهت أيامه ومات فإنه يذهب إلى النار.

    إذاً: ضرورة الإيمان لا نستطيع أن نجعلها في مصف هذه الضرورات، أي: من الظلم وعدم الإنصاف أن نقول: إن الإيمان ضروري للإنسان كالهواء، لا. بل ضروري للإنسان أعظم من ضرورة الهواء؛ لأنك بغير الهواء تموت وتنتهي، وإذا لم يكن لديك إيمان حال الموت فإنك تدخل النار، يقول الشاعر:

    ولو أنا إذا متنا تركنا     لكان الموت راحة كل حي

    ولكنا إذا متنا بعثنا     ونسأل بعده عن كل شيء

    وأهل النار الذين تمتعوا في الدنيا بأجسادهم، وكانوا في ملك، وسلطان، وأبهة، وأموال، ورغد من العيش، عندما يدخلون النار يتمنون العودة، ويقولون كما قال الله: يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ [الحاقة:27] ثم يتذكر ما الذي أشغله عن حياة قلبه، وإذ به ملكه وماله، فيقول: مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:28-29].

    كان مهتماً بملكه وماله عن روحه، فروحه في عذاب وبعد عن الله، لا يعرف لله مسجداً، ولا يقرأ لله كتاباً، ولا يقيم لأوامر الله وزناً، بل مهمل لهذا الجانب في حياته، فلما أفلس وكتبت أمامه الحسابات، ورأى أنه ليس لديه شيء ينفعه من مالٍ ولا ملك قال: مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:28-29] فيقول الله للملائكة: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:30-32] وكأن سائلاً يقول: لِمَ يا ربِّ؟ قال: إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ [الحاقة:33]. أي: لم يكن عنده الغذاء الإيماني، والذي هو الضرورة الأهم! نعم. كان عنده ملك وأموال وأولاد وجاه، وكان عنده عافية وصحة، كان عنده كل ما في الدنيا، لكن لم يكن عنده إيمان، فهل نفعته هذه الأموال؟ هل حالت أو دفعت عنه هذه المنزلة؟ لا. فهل الإيمان ضروري كضرورة الماء والغذاء والهواء أم لا؟ نعم. بل أهم.

    1.   

    ثمار الإيمان وآثاره في الحياة الدنيا

    دائماً الضروريات، والأهميات تأتي من آثار الشيء، فما هو أثر الإيمان على الإنسان المؤمن حتى نقول: إن الإيمان ضروري؟

    الأمن والاطمئنان والسعادة

    قلنا: إن الهواء ضروري؛ لأن أثره واضح، ولذا تجد الناس الآن يرجفون خوفاً من الكيماوي، والمزدوج، والخردل، رغم أن الحياة ليست بيد الكيماوي، فالذي يحيي ويميت هو الله. ولكن عندما يذهب الإيمان من قلوب الناس فسوف يتصورون أن الذي يحيي ويميت هو صدام، وأنه إذا أطلق الصواريخ ووصلتنا فسوف نموت، وهذا معتقد كثير من البشر، مسكين صدام هذا، من هو؟ هل هو إله في الكون؟ لا. بل ذرة وحشرة من حشرات الدنيا، لا يملك في الكون مثقال ذرة.

    من الذي بيده مقاليد الأمور؟ من الذي يحيي ويميت؟ من الذي يقيم الحروب ويطفؤها؟ إنه الله الذي لا إله إلا هو، فإذا علقنا قلوبنا بالله عن طريق الإيمان به والخضوع لشريعته، والتوكل والاعتماد عليه، والعلم بأنه المعطي المانع النافع، وأنه الضار المحيي المميت، وأنه يعطي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، إذا اعتقدنا هذه العقيدة في قلوبنا، فوالله لو وقفت كل الدنيا أمامنا لن نخاف إلا من الله: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ [آل عمران:173-174] لماذا؟ لوجود الإيمان.

    أما المنافق الذي ليس عنده إيمان: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ [المنافقون:4].. لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا [آل عمران:156] وقال الله: لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ [آل عمران:154] ويقول: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ [النساء:78].

    تحويل المصائب إلى نِعم

    تأتي الضرورة للشيء من آثار الشيء، فنحن نحتاج إلى الهواء ونقول: ضروري لأن عليه مدار الحياة، ونحتاج إلى الماء؛ لأن عليه مدار الحياة، ونحتاج إلى الغذاء؛ لأن عليه مدار الحياة، لكن الإيمان ليس مدار الحياة الدنيا فقط، بل عليه مدار السعادة في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فهو أعظم ضرورة من الهواء والغذاء والماء، كيف؟

    أولاً: لأن الإنسان في هذه الدنيا لا يخلو من حالتين: إما نعماء أو ضراء.

    وبغير الإيمان في النعماء يكفر وفي الضراء يضجر، فإذا أصابته نعمة بطر وتكبر وطغى، ولم ير إلا نفسه، وظن أن الناس كلهم غير موجودين إلا هو، وإذا أصابته ضراء في غير الإيمان يضجر، ويسخط، ويضعف، ويتلاشى، وتظلم الدنيا في وجهه، حتى إن بعضهم يموت داخل نفسه مما عليه من المصيبة، يموت وتكفهر الدنيا في وجهه، ويعيش حياةً لا يمكن أن يعيشها بشر، لماذا؟ لعدم وجود الإيمان، لكن إذا وجد الإيمان في القلب فالنعماء تتحول إلى نعمة، والضراء تتحول إلى منحة، فالنعماء إذا جاءت للمؤمن سخرها في طاعة الله، واستعان بها على ما يحبه الله ويرضاه، ولم يبطر ولم يكفر ولم يفجر ولم يتعاظم ولم يستكبر، وإنما استعان بكل ما آتاه الله عز وجل من نعم في طاعة الله، فتصبح النعمة له منحة؛ لأن الله يقول: وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ [آل عمران:145].

    وإذا أصيب المؤمن بمصيبة ونظر إليها وإلى حجمها وضخامتها، ثم تذكر أن الله عز وجل إنما يبتليه ليرفع درجته، ويعلي منزلته ويثيبه عليها صبراً لها، وتلقاها بصدرٍ رحب وفرح بها، يقول تبارك وتعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة:155] من هم (الصابرين)؟ إنهم أهل الإيمان الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:156-157].

    تجد المؤمن عندما يموت ولده ويتذكر أن الله أعد له في الجنة قصراً سماه (بيت الحمد) فيقول: الحمد لله، ويحمد الله من قلبه، وتكون هذه الكلمة على قلبه مثل الثلج .. النار تضطرم في سويداء قلبه حزناً على ولده، لكنه يتذكر القصر الذي أعده الله له في الجنة، فيقول: الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون، إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى: (إذا قبضت الملائكة روح عبدٍ مؤمن، قال الله لملائكته: قبضتم فلذة كبده؟ قالوا: نعم. فيقول الله: ماذا صنع؟ فيقولون: حمدك واسترجع -قال: الحمد لله، وإنا لله وإنا إليه راجعون- فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد).

    ومن كان له بيت في الجنة لا يدخل النار. فهذه بشرى، فمن له بيت في الجنة لا يدخل النار إلا إذا كان الخراب منك أنت، بنيت بيتاً لكنك رفضت أن تدخله، وذهبت إلى الدار الأخرى، فإذا بنيت بيتاً في الجنة بأن صبرت على مصيبة فقد ولدك، أو بنيت لله مسجداً، وقد جاء في الحديث: (من بنى لله مسجداً بنى الله له قصراً في الجنة) فأنت عملت بأعمال الدين حتى أدخلك الله الجنة، ثم أنت تخالف وتضع الموانع والعوائق والمنغصات، وتحول بينك وبين دخول الجنة، فالسبب والخلف جاء منك وليس من الله عز وجل.

    فالإيمان ضرورته تأتي من أنه يحوِّل لك النعمة إلى نعمة، والمصيبة إلى نعمة، فتعيش -أيها الإنسان- في نعمة طوال حياتك، فإذا كنت فقيراً وأنت مؤمن تقول: الحمد لله الذي زوى عني الدنيا، والله لا أريدها، كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (والله لو أردت الدنيا لسارت الجبال معي ذهباً وفضة، ولكن أريد أن أشبع يوماً وأجوع آخر) فإذا شبعت أو جعتَ حمدت الله عز وجل، فالفقر بالإيمان يصير نعمة، فإذا كان الفقير مؤمناً فلا تراه إلا متفرغاً لطاعة الله، تالياً لكتاب الله، عامراً لبيوت الله، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، محباً في الله، يزور إخوانه في الله، يقوم الليل، يصوم أكثر الدهر.. فهذا الفقر كان سبباً في دخوله الجنة. فهو نعمة.

    لكن إذا كان الفقير ليس عنده إيمان -والعياذ بالله- فهو مثل فقير اليهود. لا دين له ولا دنيا!

    أولاً: يتقطع قلبه وتذهب نفسه حسرات عندما يرى سيارة تعرض، أو عمارة تقوم، أو أرضية تُشترى، أو دكاناً يُباع، فيعترض على قضاء الله وقدره: لماذا الله أعطى هذا؟ ولماذا لا أكون مثلهم؟ فلان لديه سيارة وأنا ليس لدي سوى رجلين، ومعه عمارة وأنا أسكن في كوخ، فيتقطع قلبه، وبعد ذلك يملأ وقته بمعصية الله، تجده في المقاهي وبين المخدرات؛ لأنه ليس عنده شيء، وتجده -والعياذ بالله- في الأسواق وعلى الأرصفة، والأفلام، والسفر إلى الخارج بالباطل، لماذا؟ لأنه فقير فاجر -والعياذ بالله- لكن لو أنه مؤمن لكان فقره هذا سبب نجاته من عذاب الله.

    تكفير الخطايا بالصبر على البلاء

    إذا مرض الإنسان وهو مؤمن تذكر أن هذا المرض ابتلاء من الله عز وجل؛ وفي الحديث: (إن من الذنوب ذنوباً لا تكفرها الصلاة، ولا الصيام، ولا يكفرها إلا طول البلاء) ... (وأشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه، كلما كان في دينه صلابة زيد في بلائه) فالله عز وجل لا يظلم الناس مثقال ذرة.

    الآن ترى بعض الكفار مثل الحمار، متعافٍ في عضلاته، وتجد بعض المؤمنين نحيلاً، مريضاً، يسعل وعنده ربو، ... هل لأن الله يحب هذا الكافر أعطاه العافية، ولأنه لا يحب المؤمن أعطاه المرض؟ لا. ولكن ليرفع الله درجة المؤمن بمرضه فيُكَفِّر عنه خطيئته، حتى يصل إلى الله عز وجل ولا خطيئة له.

    فالمؤمن قد يسير على الأرض قبل الموت ولا خطيئة له بأسباب البلايا، حتى قال عليه الصلاة والسلام: (حتى الشوكة يشاكها الرجل في الإسلام يثاب عليها) عندما نزل قول الله عز وجل: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ [الزلزلة:7-8].قال أبو بكر رضي الله عنه: (يا رسول الله! أعلى مثاقيل الذر نحاسب؟ قال: يا أبا بكر ! ألست تحزن؟ ألست تمرض؟ قال: نعم. قال: يكفر الله بها ذنبوك).

    إذا عملت من الذنوب شيئاً فإن الله يكفر عنك هذه الذنوب بما ينالك فإذا مرضت وأتتك حمى، وأتاك ألم أو حصل لك أي ألم في أي جارحة من جسمك، وتذكرت أن الذي أمرضك هو الله تبارك وتعالى، وأن الله ما أراد بهذا المرض إزعاجك أو تعذيبك، وإنما أراد تطهيرك، ورفع درجتك، وتكفير خطيئتك فتحمد الله، تقول: الحمد لله. حتى إن بعض المرضى الآن يحمد الله أكثر من المتعافين، فإذا سألت المتعافي فقلت له: كيف حالك؟ قال لك: طيب، وتسأل المريض: كيف أنت؟ فيقول لك وهو مريض: الحمد لله، لماذا؟ لأن الإيمان جعله هكذا، لكن إذا كان مريضاً ولم يكن عنده إيمان -والعياذ بالله- انتابه السخط، وأتاه الوهن، وأتته الهموم من كل جانب، وتصور الموت في كل طريق، تجده يقرأ جميع الصفحات الطبية، ويشتري جميع الأدوية ويقول: هذا يفيد كذا، وهذا يضر كذا، وأنا ذهبت إلى المستشفى الفلاني، وأنا مرضت ... ويعيش طوال حياته في أوهام، لماذا؟ لأنه ليس عنده إيمان، أما الذي عنده إيمان فإنه لا يفكر أبداً في هذه الأشياء؛ لأنه يعرف أن المرض لا يميت، وأن الذي يميت هو الله، والذي يعافي هو الله، ليس المرض والعافية، وأن الطبيب يكتب الدواء، بينما لا يستطيع أن يعالج نفسه.

    أما ترون الأطباء يمرضون ويدخلون المستشفيات ويموتون، إذاً لماذا لا يمنع الطبيب نفسه من المرض؟

    قل للطبيب تخطفته يد الردى     يا شافي الأمراض من أرداك

    قل للمريض شوفي وعوفي بعدما     عجزت فنون الطب من عافاك

    يا أيها الإنسان مهلاً ما الـ     ـذي بالله جل جلاله أغراك

    أفإن هداك بعلمه لعجيبة     تزور عنه وينثني عطفاك

    ذقت الهوى مراً ولم أذق الـ     ـهوى يا رب حلواً قبل أن أهواك

    دنياي غرتني وعفوك غرني     ما حيلتي في هذه أو ذاك

    فإذا وجد الإيمان والإنسان مريض، كان هذا المرض نعمة، وإذا عدم الإيمان والإنسان مريض، كان هذا المرض نقمة -والعياذ بالله- فالإيمان ضروري؛ لأنه يحوِّل جميع المحن والأمراض والفقر والمصائب إلى نعم، ويحوِّل جميع النعم إلى العافية.

    إذاً: عندما يكون الإنسان متعافياً ولديه جسد قوي، وعضلات قوية، وعنده إيمان، فإنه يستخدم هذه القوة العضلية في طاعة الله، فلا تراه إلا ماشياً إلى المساجد، أو مجاهداً في سبيل الله، أو سائراً في طريق الخير، فيستعين بهذه القوة في طاعة الله؛ لأن جسد مبني على إيمان، أما إذا كان لديه جسد قوي وعضلات قوية ولكنه فاجر، فإنه يعتدي بهذه القوة على حرمات الله، ويستخدمها في معصية الله، تراه يعتدي بها على أولياء الله، ويؤذي بها عباد الله، فأصبحت العافية في حقه سبباً لعذابه في الدنيا، ونكاله -والعياذ بالله- في الدار الآخرة.

    فهذه ضرورة الإيمان في الدنيا قبل الآخرة.

    من ثمار الإيمان: تحديد الاتجاه والمسار في الحياة الدنيا

    أيضاً ضرورة الإيمان في الدنيا تأتي من أنه يحدد مسارك أيها المكلف، ويرسم اتجاهك، ويجعل لك خط بداية ونهاية، ويجعل لك أيضاً خطة عمل في الدنيا، فما هو عملك؟ طاعة الله، وبعدك عن معصية الله، أين أذهب اليوم؟ أذهب إلى عملي، ومن العمل إلى بيتي، ومن البيت إلى المسجد، ومن المسجد إلى السوق لشراء أغراضي، هناك عمل آخر بعد ذلك؟ نعم. زيارة رحم، أو أخ في الله، أو والدين، عمل خير، حضور مجلس علم، المهم مصلحة في الدين أو الدنيا، فإن لم يكن هناك مصلحة في دين أو في دنيا أجلس في بيتي، هذه خطة عمل المؤمن، من الذي رسمها لك؟ إيمانك بالله، لكن بغير الإيمان والدين لا يكون عند الإنسان خطة عمل، فلا يدري أين يتجه، ترمي به الرياح في كل اتجاه، وتخطفه الشياطين في كل مكان، وبعد ذلك يمشي مُكباً على وجهه، لا يدري إلى أين يتجه ولا إلى أين يذهب، يقول الله عز وجل: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الملك:22].

    فإذا سار الإنسان على غير هدى واتجاه وقع، وما أكثر من يقع في متاهات هذه الحياة وظلماتها وفتنتها ومشاكلها، يقتل نفساً بغير حق بسبب عدم إيمانه وخوفه من الله، رفقة سوء أخذوه إلى مكان وحصلت هناك مشكلة فقتل -والعياذ بالله- ويزني فيقع في جريمة ليس بعدها جريمة: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً [الإسراء:32] بسبب قرناء السوء، وعدم وجود الإيمان الحاجز له عن معصية الله، يرابي، يسرق، يبيع المخدرات أو يروجها أو يتعاطها أو يهربها، يفتك بأعراض المسلمين، يعمل الجرائم، لماذا؟ لأنه ليس عنده إيمان يحجزه، ولو كان عنده إيمان ما فعل هذه الجرائم.

    ولذا لو أجريت إحصائية، أو زرت أماكن السجون الإصلاحية ووجدت مجموعة من البشر قابعون في السجون، لوجدت أن كل واحد منهم ما جره إلى هذا المكان إلا ضعف إيمانه، وعدم خوفه من الله عز وجل، تقول له: ما الذي أتى بك إلى هنا؟ قال: الشيطان، والشيطان إنما سلطانه على أوليائه؛ لأن الله يقول: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا [النحل:99].

    إذا أردت أن يعافيك الله من الشيطان، تسربل بسربال الإيمان، وتسلح بسلاح الإيمان، لن يكون له عليك سلطان أبداً: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل:99-100].

    إذا أمسكت أول واحد منهم وقلت له: ما قضيتك؟ قال: قاتل، لماذا قتلت يا أخي؟! قال: الشيطان.

    ثم إلى آخر: ماذا عندك؟ قال: مخدرات، لماذا؟ قال: الشيطان، ثم إلى الثالث: ماذا عندك؟ قال: سرقت وسيقطعون يدي، لماذا تسرق يا أخي! ألم يكن هناك مجال للعمل؟ قال: الشيطان.

    من هذا الشيطان؟

    الشيطان هو القوة الخفية التي هجمت على النفس البشرية ومزقتها وشتتها في غياب الإيمان، فلو وجد الإيمان والدين والخوف من الله والمراقبة لله، لكان هذا الرجل القاتل في بيته مع زوجته وأولاده، ولكان هذا المدمن الذي يتناول المخدرات وهذا السارق في بيته، ولعاش كل واحد منهم عيشةً آمنة مطمئنة ملؤها الهدوء والاستقرار والأمن والأمان بسبب الإيمان: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82].

    نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقنا الأمن الكامل في قلوبنا بالإيمان المطمئن الذي يطمئننا على ديننا، فهذه ثمرة من ثمار الإيمان، أنه يحدد اتجاهك في الحياة، فتبقى متجهاً دائماً إلى الطريق المستقيم؛ لأن لديك إيمان، يقول الله: يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ [الحديد:12] ويقول: وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى:52].

    فالقرآن والسنّة والإيمان نور يهدي الله به أهل الإيمان في هذه الدنيا، حتى يخرجوا منها وهم سالمون: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89].

    لكن بغير الإيمان -والعياذ بالله- من الذي يحكم تصرفاتك؟ ويحدد اتجاهاتك؟ ويضبط أعمالك؟ لا شيء. تغدو وتروح في كل اتجاه، وإذا وقعت تقول: يا ليتني ما عملت.

    وهنا أذكر لكم قصة عن شاب مسكين قُتل في السوق، أزيح رأسه من على جثته بسبب قرناء السوء، وقصة هذا الرجل: أنه كان نائماً في فراشه وقد لبس ثوب نومه، وإذا بطارق يطرق الباب، فترفع أمه سماعة هاتف الباب وتقول: من؟ فيقول: فلان، قالت: من تريد؟ قال: أريد فلاناً أنا زميله، فقالت له: قد نام، قال: أيقظيه، قالت: لا نقدر أن نوقظه، قد رقد -هذا في الساعة الثانية عشرة ليلاً، من الذي يأتي يطلب الناس في نصف الليل؟!- قال: أيقظيه فلدي أمر ضروري جداً.

    فقالت الأم: إنا لله وإنا إليه راجعون، وطرقت الباب عليه، يا فلان! قال: نعم. قالت: فلان على الباب يريدك في أمر ضروري، فقام كالحصان، ولو أنها أيقظته للصلاة أو ليحضر لهم لبناً من السوق أو ليأتي لهم بأي غرض ما استيقظ، بل لو أن أمه مرضت وستموت ودعوه أن يذهب بأمه إلى المستشفى ما استيقظ، لكن لما دعاه زميل السوء قفز كالحصان.

    قال: أنا فلان، قال: ما تريد؟ قال: أريدك في أمر ضروري، البس وخذ مسدسك وتعال، فدخل غرفته ولبس ثوبه وأخذ مسدسه وخرج، وقال: أنا الليلة لدي موعد مع صيد.

    فهم يصطادون لكن يصطادون محارم الله، فبئس الصيد وبئس الصياد! فلو أنك تصطاد أعداء الله مثلما يفعل إخوانك الذين يصطادون الكفار في أفغانستان .. هناك شباب في أفغانستان من هذه الديار، كل ليلة يصطادون رأساً أو رأسين من أهل الكفر، هؤلاء هم الصيادون، الذين يصيدون أعداء الله من الكفار والشيوعيين، لكن هذا يصيد محارم الله، يصيد أعراض المسلمين.

    قال: عندي صيد مواعدها وأريدك أن تحميني، أي: تحرسني إذا دخلت، قال: أبشر، فخرج معه وسارا في الطريق إلى أن وصلا إلى البيت المراد غزوه واصطياد ما فيه، فقال له: اجلس عند هذه الشجرة حتى تسمع مني صوتاً، أو تسمع أي صوت فتناديني.

    ثم دخل الآخر إلى البيت وتسلق السور، ولما دخل وأصبح بداخل البيت أحس به صاحب البيت، فحمل سلاحه وطارده، فلما رآه هرب واستطاع أن يفلت منه، ثم فتح صاحب البيت الباب فلم يجد سوى الحامي -الراقد في فراشه- فلما رآه انهال عليه ضرباً، فلم يجد ذاك فرصة في الدفاع عن نفسه إلا بالمسدس، فأخرج مسدسه وقتله .. قتل زوج هذه المرأة الخبيثة، وطبعاً حضر رجال الأمن وأمسكوا هذا الرجل وسلاحه يشهد عليه، فلا تزال حرارة الطلقة موجودة في السلاح، فأُخذ إلى السجن واعترف، وأتى بالقصة كاملة، ثم أتوا بصاحبه هذا، وحققوا معه، فقال: أبداً لا أعرفه ولا يعرفني، ولا أتيته ولا آتاني، ويشهد الشهود أني في القرية الفلانية من المغرب إلى الفجر، وفعلاً أتى له بشهود من أهل القرية يشهدون أنه ما خرج من القرية ولا فارقها، فلم يَثبت عليه شيء، وثبت القصاص على هذا، وأخرج إلى السوق ليقتل.

    شاب في مقتبل أيامه، في العشرين من عمره، ما الذي قتله أيها الإخوة؟! الشيطان عندما انعدم إيمانه بالله، فلو أنه مؤمن وعنده إيمان والتزام ودعاه هذا الرجل إلى مثل هذه الجريمة، فقال له: اتق الله يا عبد الله! خف من الله! أكان يأتيه شيء من هذا؟

    فالإيمان يضبطك ويحميك من أن تقتل، أو تسرق، أو تزني، أو ترابي، أو تعتدي وتهرب، ولذا تعيش آمناً طوال حياتك، متنقلاً في مصالحك من مسجدك إلى عملك إلى بيتك، إلى ما يحبه الله ويرضاه، لكن بغير الإيمان لا تدري أين تضع قدمك، مرة في الطين، ومرة في الوحل، ومرة في الأشواك، ومرة في المسامير، ومرة في النار، فلا تضعها في الصواب أبداً. إذاً: من الذي يقودك في هذا؟ الشيطان، لأنك بغير إيمان أعمى، وتصوروا شخصاً أعمى يقوده عدوه، أين يذهب به؟ أعمى وعدوه يقوده، هل يذهب به إلى بيته أم يذهب به إلى الحفرة؟ حتى لو أنه أراد أن يمشي في الطريق الصحيح، لقال له: إلى شمال من أجل أن يقع.

    فالإنسان الأعمى هو الذي ليس عنده دين، فهل تتصور أن يقوده الشيطان إلى خير؟ لكن يا أخي الكريم! افتح عينيك على طريقك، وابصر بالإيمان، يقول الله تبارك وتعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122] هل يستوي هذا الذي له نور يمشي به في الناس، ليس راقداً ولا نائماً، يمشي بنوره، وبإيمانه، ويتحرك في الحياة بهذا الإيمان: كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122] فالمؤمن معه نور يمشي به، فإذا حضره الزنا قال: إني أخاف الله رب العالمين.

    إذا حضره الربا قال: لا. (لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه) إذا حضرته المخدرات قال: لا. السيف بتار، لا تصلح لنا هذه المخدرات.. إذا حضره العقوق قال: أبداً، لماذا؟ لأن عنده إيمان، ولكن بغير الإيمان والدين يقوده الشيطان ويضع خطواته في كل مصيبة، ثم يتخلى عنه، فلا يفارقه إلى أن يدخله النار.

    فإذا أدخله جهنم والعياذ بالله قال له: كما قال الله عز وجل في سورة النحل: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم:22].

    1.   

    آثار الإيمان في الآخرة

    آثار الإيمان في الآخرة معروفة لديكم، ومنها:

    أولاً: التثبيت عند الموت

    عند الموت يثبتك الله عز وجل بالإيمان ويلهمك حجتك، تقول: لا إله إلا الله، ومن كان آخر كلامه من الدنيا (لا إله إلا الله) دخل لجنة، أتريد أن تخرج من الدنيا وأنت تقول: لا إله إلا الله أم لا؟ والله عار عليك وعيب، وسفه وحماقة أن يقال لك عند الموت: قل: لا إله إلا الله فلا تستطيع أن تقولها، إذاً ليتك ما عشت ستين أو سبعين سنة! ستين سنة وأنت تعيش على المعاصي، شخص مدمن للدخان قالوا له: قل: لا إله إلا الله، قال: أعطوني دخاناً، قالوا: قل: لا إله إلا الله، قال: هذا دخان حار، أعطوني دخاناً غيره؟ قالوا: قل: لا إله إلا الله سوف تموت، قال: والله لا أقولها، أنا بريء منها. لأنه من لم يعش إلا على الدخان فمات على الدخان.

    وآخر كان يبيع ويشتري في حراج السيارات، لما قالوا له: قل: لا إله إلا الله، قال: سكر في ماء، خربان تربان، كومة حديد، حتى مات عليها، وليس بيع العقارات والسيارات حرام، لكنهم كانوا يبيعون وليس عندهم إيمان بالله، ولا خوف من الله، يبيعون ويكذبون، ويغشون ويدجلون، حتى إن بيع أكثرهم في هذه السيارات حرام، تكون السيارة له ولرفيقه فيأتي ويضعها في استلام الأول، فيضعون السيارة تحت الميكرفون وهي تساوي عشرة آلاف ريال، فيفتتحون المزاد بثمانية آلاف ريال، ثم يتلفتون، يعرف بعضهم بعضاً، فإن كان هناك في المزاد غريب أغرقوه إلى أذنيه فيها، وكيسوه وربطوه ورموا به في البحر، وإن كان الذي يزيد على بعض هم فقط، رفض صاحب السيارة أن يبيعها، يقال: هذه بكم؟ يقول: بثمانية آلاف، فيقول ذاك: ثمانية ونصف، ويقول الآخر: تسعة، وآخر عشرة، وهي تساوي العشرة، وهو يريد أن يبيع لكن يعرف أن الذي يزاود فيها رفيقه وأنه لا يريدها، فيقول: لا لا. ردوها هناك. من أجل أن يأتي لها مغفل جديد، ما جاء هذه المرة شخص مغفل يريد سيارة.

    أما إذا رأوا مسكيناً يريد سيارة، قاموا فزودوا خمسين فزود ذلك خمسمائة، قالوا: تسعة آلاف وخمسين، قال: وخمسمائة، قالوا: خمسين. قال: عشرة آلاف، قالوا: خمسين. قال: أحد عشر ألفاً، فيورطوه ويقولون: بارك الله لك.

    هذا حرام، لأنه نجش والنجش محرم في الشرع؛ لأنك تزيد في السلعة ولا ترغب في شرائها، وإنما تريد من زيادة السلعة أن تعطي صاحبها مالاً، وهذا حرام، فالذي يعيش على هذا الوضع -والعياذ بالله- لما جاءه الموت قالوا له: قل: لا إله إلا الله، قال: أربعمائة وخمسين، وخمسين يزيدها، قالوا: قل: لا إله إلا الله، قال: سكر في ماء، كومة حديد.

    والآخر الذي يبيع العقار قالوا له: قل لا إله إلا الله، قال: على شارعين! ومات على شارعين، شارع جهة النار وشارع جهة لظى -والعياذ بالله- لماذا؟ لأنه عاش على المنكرات، لكن يوم أن تعيش على الإيمان وعلى لا إله إلا الله، يقولون لك: قل: لا إله إلا الله، تقول: لا إله إلا الله، بل تقولها من غير أن يقولها لك أحد.

    وقد حضرت يا إخواني! جنازة شخص كان يعيش في غيبوبة حوالي سبعة أيام، لا يعرف شيئاً من الدنيا حتى الصلاة لا يصلي، وكان لا يعرف من حوله، فوالله الذي لا إله إلا هو أنه حينما جاءته المنية وأنا جالس عند رأسه، وإذا بيده مبسوطة، يرد يده ويرفعها ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله -وهو أحد أقاربي- فما ظننت أنه مات. (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) من الذي يعطيك هذه الكلمة يا أخي؟! تعطيك إياها الشهادة.. المنزلة.. الملك.. المال.. الجاه.. المنصب؟ من يثبتك هنا في تلك اللحظات، يوم تزيغ الأفهام وتضل الألباب: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27].

    ثانياً: التثبيت داخل القبر وعند الفزع وعلى الصراط

    في القبر والحفرة المظلمة يثبتك الله عز وجل بالإيمان، فتلهم حجتك إذا سئلت الأسئلة الرهيبة: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ هناك يجيب عنك الإيمان ويقول: ربي الله، ديني الإسلام، ونبيِّ محمد صلى الله عليه وسلم.

    ثم يوم تقوم من قبرك، وأنت فزع مرهوب، ليس فزع حرب، لا. بل فزع يوم القيامة، فزع تشيب منه مفارق الولدان: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:1-2].. يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً [المزمل:17] الصغار تشيب رءوسهم، وأنت تقوم في ذلك اليوم آمناً لا خوف عليك ولا تحزن.

    ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ [الزخرف:70] لماذا؟ بإيمانك: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الطور:19].

    وبعد ذلك تمر على الصراط كالبرق الخاطف، وتشرب من حوض النبي شربة لا تظمأ بعدها أبداً، ويوزن عملك فترجح موازينك، ثم تأخذ كتابك بيمينك، ثم تعلنه على الخلائق وتقول: هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ [الحاقة:19] انظروا أنا عملي صحيح، أنا تعبت، أنا غضيت بصري وجاهدت، أنا صنت سمعي وتعبت، أنا حجزت نفسي عن الحرام، كان الناس ينظرون وأنا لا أنظر، وأحتسب ذلك عند الله، كان الناس يذهبون ويسكرون ويزنون وأنا لا أذهب وأحتسب ذلك عند الله، والآن نجحت في الامتحان، انظروا شهادتي! هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ [الحاقة:19-20] قال الله: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ [الحاقة:21] -نسأل الله من فضله- فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ [الحاقة:22-24] ليس بما لعبتم، ولا غفلتم، ولا جمعتم، ولا توظفتم، ولكن: بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:24].

    هذه الأيام الخالية نملؤها الآن إما بالعمل الصالح أو بالعمل السيئ، وسيجد كل إنسان ما عمل: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:30] وبعد ذلك تدخل الجنة يا عبد الله! يا صاحب الإيمان! فيقال لك فيها: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:70-72]. في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، تسمع خطاب الرحمن، وتنظر إلى وجه الرحمن، وتتغذى من غذاء الجنة، ويأتيك من نعيمها: وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ [الواقعة:18-20] .. لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ [الواقعة:33]، ومن كل ما لذ وطاب، خالدين فيها مادامت السماوات والأرض كل ذلك بسبب الإيمان، فهل الإيمان ضروري أم لا؟

    هل هناك أحد عنده شك؟ نعم والله، الإيمان ضروري أيها الإخوة!

    لا سعادة إلا بالإيمان بالله

    يتقرر الآن في أذهاننا وعقولنا وقلوبنا ويخالط دماءنا ويسيل في عروقنا عقيدةً ثابتةً جازمةً، تتحول الجبال، وتزول من أماكنها ولا تتحول هي، وهي: أنه لا سعادة ولا حياة ولا إمكانية للإنسان في هذه الدنيا إلا بالإيمان.

    إذا الإيمان ضاع فلا أمن     ولا دنيا لمن لم يحي دينا

    ومن رضي الحياة بغير دين     فقد جعل الفناء لها قرينا

    هذه الأبيات قالها شاعر الإسلام محمد إقبال وهو يقول أيضاً في قصائده:

    أرى الإيمان أدركه ذبول     ولم تعد العزائم في اشتعال

    وجلجلة الأذان بكل أرضٍ     ولكن أين صوت من بلال

    منابركم علت في كل حي     ومسجدكم من العباد خالي

    رحمه الله ورضي الله عنه.

    لنعرف أيها الإخوة! أنه لا سعادة لنا إلا بالإيمان بالله، والعمل بشريعة الله، والسير على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم لنسعد في الدنيا والآخرة، أما بغير ذلك فإنه الشقاء، والعذاب، والدمار، والنار، وفناء في الدنيا والآخرة.

    أما في الدنيا، فالقلق والاضطراب والضياع -والعياذ بالله- والله مهما تمتع الإنسان بكل نعيم في الدنيا فإنه في عذاب، يقول الله: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طه:124] فإذا أعرضت عن دين الله وعن ذكره، فإن لك معيشة ضنكاً، والله لو سكنت في أعظم عمارة، وكنت في أعلى درجة فإنك في معيشة ضنكاً لماذا؟ لأنك أعرضت عن دين الله.

    أما المؤمن: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]. بالمال تطمئن الجيوب، وبالأكل تطمئن البطون، وبالزوجات تطمئن الفروج، وبالملابس وبالسيارات تطمئن الأجساد، لكن القلوب لا تطمئن إلا بالإيمان فقط، بذكر الله، وبدين الله.. أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ * الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ [الرعد:28-29] (طوبى) قيل: الجنة، وقيل: الدنيا، و(حسن مآب) : الجنة. أسأل الله الذي لا إله إلا هو ألا يحرمنا وإياكم من ذلك.

    الذين نظروا إلى الإنسان وعرفوا أنه مخلوق من هذين العنصرين، قالوا: الإيمان ضروري؛ لأنه غذاء لروحه، وكما قلنا: إن الهواء والماء والغذاء غذاء لجسده، فلا بد من غذاء للروح ليعيش الإنسان.

    1.   

    إبطال نظرية داروين في تطور مراحل الإنسان

    هناك من البشر من تحدث عن الإنسان وهو لا يعرفه، والذي يتحدث عن الشيء وهو لا يعرفه سيكون حديثه خطأ، وأحكامه غير صائبة؛ لأن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، ومادام تصورهم عن الإنسان خاطئ فستكون أحكامهم أيضاً خاطئة، يقول الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف:51] فيوم أن خلق الله الإنسان (آدم) ما كان أحد يراه في ذلك اليوم إلا الملائكة، ولا يوجد أحد من البشر حتى يرى كيف تمت الخلقة، ولكنَّ الله خلقه وهو أخبر به؛ لأنه خلقه من طين، وسواه ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته ... إلى بقية السلسلة من الخلق، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، وهاهو النسل يتكرر، ويتم أمامنا في كل لحظة ووقت وحين إلى يوم القيامة.

    لكن هناك من البشر -كما قلت لكم- من تحدث عن هذا الإنسان من منطق لا يعرفه الإنسان وقالوا: إن الإنسان -طبعاً من غير علم- نظرية.

    فهذا طبيب نصراني مسيحي اسمه داروين ألف كتاباً اسمه أصل الأنواع وتحدث فيه عن أصل الإنسان وقال: إن الإنسان في بداية خلقه كان خلية، وهذه الخلية مرت بمراحل كثيرة عبر ملايين السنين من الارتقاءات، فكان خلية ثم قطعة من النبات، ثم صار هذا النبات على شكل حيوان، ثم حيوان فقاري، ثم قرد، ثم إنسان، فيقول: إن أصل الإنسان قرد.

    يا داروين! من قال لك هذه النظرية؟ من أين جاءت؟

    قال: هذه تجارب، وكلام وأفكار.

    حسناً! مادام أن الإنسان تطور عبر المراحل من مرحلة إلى مرحلة لماذا استقر عند مرحلة الإنسان؟

    لماذا لم يكن بعد ذلك شيئاً جديداً مادام أن القضية تطور، فالذي يتطور يتطور دائماً؟ فقال: سيصبح شيئاً آخر.

    متى؟

    قال: سوف يتحول بعد خمسة آلاف مليون سنة إلى فأر.

    يقول: هذا الإنسان الموجود سيصبح بعد خمسة آلاف مليون سنة فأراً. حسناً والقرود الباقية الآن لماذا ما صارت إنساناً؟ ولماذا بقيت على حالها؟ لم يتحول ولا قرد من القرود الباقية إلى إنسان، من قال لك هذا الكلام؟

    ولكنه قالها وخرجت هذه الفكرة منه.

    استغلال اليهود لنظرية داروين

    لقد وافقت نظرية داروين هوىً عند اليهود، فاليهود مقرر هذا في كتبهم المحرفة -مثل التلمود - ومكتوب عندهم: إن الله عز وجل خلق الخلق ليكونوا حميراً لبني إسرائيل، وإن الله خلق الناس حميراً على شكل بشر ليستعملهم اليهود بدون أن يتقززوا منهم، وأنهم هم في حقيقتهم حمير ليسوا آدميين، فيسمون أنفسهم شعب الله المختار، ويقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، ويقولون: ليس علينا في الأميين سبيل، أي: الأمم الأخرى.

    فهذه نظرية اليهود: أنهم هم المفضلون وأن بقية الشعوب إنما هي حميرٌ لهم، ولكن الشعوب لم تقبل هذا الكلام منهم، ولم ترض أن تصير حميراً لليهود، فقامت ضدهم وحاربتهم واضطهدتهم وشردتهم: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ [البقرة:61] أي: في كل مكان وفي كل زمان، إلى أن جاءت هذه النظرية فتلقفوها تلقف الملهوف، وقالوا: هذه مؤصلة، وهذه التي تجعل الناس كلهم حميراً لنا؛ لأنها تجعل من الإنسان قرداً ومادام أصله قرداً -يعني: حيوان- والقرد قريب من الحمار فعلينا أن نقبل هذه النظرية، ولكن الناس رفضوا هذا؛ لأن الذي يرفض أن يكون حماراً أو قرداً إنما هو المؤمن الذي عنده رسالة دين، ويعرف أن الله عز وجل إنما خلقه إنساناً، ولكن حينما لا يكون مؤمناً ويرضى أن يكون حيواناً يسهل تطبيق نظريات اليهود عليه.

    فقام ثلاثة من اليهود: ماركس وفرويد، ودوركايم، كان ماركس هذا عالم اقتصادي، وفرويد عالم نفسي، ودوركايم عالم اجتماعي، وكلهم يهود، قاموا وتخطفوا هذه النظرية -نظرية داروين - التي تقول بحيوانية الإنسان، وأن الإنسان ليس مخلوقاً من التراب، وليس منفوخاً فيه من روح الله، وإنما هو في الأصل حيوان مثل القرد، وقد نظرنا إلى الحيوانات فرأينا الحيوانات تعيش بغير دين، والقرود والحمير والكلاب والخنازير تعيش بغير دين، ومادام أن الإنسان واحد من هذه القطعان والحيوانات، فلم نميزه بدين من بين هذه الحيوانات؟ فيمكن أن يعيش الإنسان بغير دين، لماذا؟ لأن أصله حيوان مثل الحيوانات.

    فنادوا بهذه النظرية -بحيوانية الإنسان- وقالوا: إن البشر لا يقبلون أن يقال لهم: أنتم حيوانات وإنما غيروا المسمى، فقالوا: تحرير الإنسان، تطوير الإنسان، وهذه الشعارات يصفعون بها الشخص على وجهه، ويقولون: هذه الصفعة ما هي شيء، هذه تلميع لوجهك، وهي في الحقيقة صفعة.

    فيأتون إلى المرأة ويقولون لها: اخرجي، تحرري، ثوري، اعملي.. وهم في الحقيقة لا يريدون أن يحرروها وإنما ليدمروها، يقتلون عفتها، ينتهكون شرفها، يمسحون قذاراتهم فيها، يستخدمونها، يمتهنونها ويلعبون على عقلها، ويقولون: تحرير المرأة، تحريرها مم؟ من الفضيلة، والعفة، والشهادة، وأن تكون ربة بيت، وملكة في بيتها، لتكون عارضة أزياء، وسكرتيرة في المكتب، ومضيفة في الطائرة، وممتهنة في كل وظيفة -والعياذ بالله- ثم يخدعونها بهذه الشعارات.

    وخدعوا الرجل كما خدعوا المرأة، فقالوا للبشر في أوروبا : إن هذا الدين هو الذي يقيدنا، ولا بد أن نرفض الدين من أجل التحرر والتطور، أي: نرجع إلى حيوانات، فهم في الحقيقة لا يحررون الإنسان ولكنهم يحمِّرونه، يجعلونه حماراً وحيواناً.

    النظريات الثلاث المطورة لنظرية داروين

    النظرية الأولى: النظرية المادية الجدلية لـماركس والمثالية الشيوعية التي قال فيها: إن الحياة في الدنيا ليست محكومة بالدين، ولا بالمبادئ، ولا بالأخلاق، وإنما محكومة بالمادة، حتى نادى في كلمته المشهورة وقال: لا إله والحياة مادة -قاتله الله- ومنّى الشعوب بأماني، وقال: إن الشعوب أو المجتمعات تمر بخمس مراحل: الشيوعية الأولى، ثم الرق، ثم الإقطاع، ثم الرأسمالية، ثم الشيوعية المثالية، وقال: إن الشيوعية المثالية ستصل فيها الشعوب إلى درجة من الكمال والرفاهية، لدرجة أنه وضع قاعدة، فقال: ابذل ما تستطيع من الجهد واحصل على ما تريد من الأجر. يقول: ابذل ما تستطيع، نصف ساعة أو ساعتين جهد يوم كامل -الذي تقدر عليه- وخذ من الأجر ما تشاء، اخرج إلى الأسواق املأ سيارتك من البرتقال إلى أن تشبع، خذ من التفاح والموز إلى أن تشبع، ليس هناك من يقول لك: ممنوع، كل شيء موجود، لماذا؟ هذه الحياة المثالية، وهذا المجتمع المثالي لـأفلاطون ، الذي كان يتحدث به.

    فجاء ماركس ليقول للبشر: إن هذا سيكون في ظل الشيوعية ، فقامت الشعوب المسكينة الموجودة في أوروبا تتلهف إلى هذه الأماني، ووقعت تحت وطأة الحديد والنار، وخلال سبعين سنة من المعاناة والتحريف، والإلغاء والحذف، والزيادة في النظام الشيوعي، وصلت الشعوب الاشتراكية والشيوعية إلى ما وصلت إليه من المجاعة والمهانة حتى أعلنت الشيوعية إفلاسها في عالم التطبيق والواقع وسقطت.

    والآن لا توجد شيوعية إلا عند بعض العرب الشيوعيين، ضيعوا الروس، وأصبحوا روساً أعظم من الروس، مسكين لا هو بالسماء مع الله، ولا بالأرض مع الشيوعيون، إنما ضائع من هنا ومن هنا، لا حول ولا قوة إلا بالله! هذه نظرية ماركس المادية الجدلية.

    النظرية الثالثة: وهي لليهودي الخبيث فرويد، وهو عالم نفسي قال: ليست الأديان التي تحكم الشعوب ولا الأخلاق، ولا المبادئ، ولا القيم، وإنما يحكمها الجنس، فقد كان رجلاً جنسياً من رأسه إلى قدمه، يقطر جنساً وقذارة -والعياذ بالله- ويريد أن يفسر الناس كلهم مثله، فقال: إن الطفل يرضع من ثدي أمه بدافع الجنس، ويمص إصبعه وهو صغير بدافع الجنس، وإذا بكى وهو مستلقٍ على ظهره حرك قدميه بدافع الجنس، وإذا بلغ عمره سنة فإنه يريد أن يمارس الجنس مع أمه، فيرى أبوه يزاحمه، يقول: فتنشأ عنده عقدة الكبت الجنسي. انظر إلى هذا الكبت وهذه العقد التي جاءت من عند فرويد، عندما يرون الشخص المتدين يقولون: هذا معقد، يقول الشخص: ولدي بدأ يصلي، لا أريده يتعقد، أريده أن يكون مرحاً منفلتاً، يعني: يريده أن يكون ليس فيه خير.

    ثم يواصل هذا الخبيث: فتنشأ عنده وعمره سنة عقدة الكبت الجنسي، ثم تكبر هذه العقدة عنده إلى أن يصير عمره ثلاث سنوات، فيريد أن يمارس الجنس مع أمه، فيرى أباه يأتي بالمقاضي من السوق، فتنشأ عنده عقدة الضمير. يقول: ضميره يؤنبه كيف تنافس أبوك على أمك وهو الذي يغذيك ويكسيك ويأتي لك باللعب والحلاوة، يقول: فيترك هذا الشيء، ثم إذا كبر فإن الأديان والنظم والمبادئ تقول له: أمك وأختك وأخوك وابنتك، ولكن في الحقيقة ليس هناك أم ولا أخت ولا أخ يمكن أن ينزو على أمه أو بنته أو أخته، فقال له العقلاء: لم هذا؟ فقال: أجريت تجربة في قطيع من قطعان الحيوانات -وهو البقر- يقول: فرأيت وتابعت حياة عجل خرج من بقرة، يقول: فراقبت مراحل تطوره، إلى أن أصبح ثوراً، فقام وضرب أبوه بقرنه في بطنه فقتله ونزى على أمه، يقول: والبشر كذلك مثل البقر.

    ومن قال لك إننا بقر؟ الله أكبر عليك! نحن البشر معنا كتاب، وعقول، وإيمان، وعندنا رسالات، تريد أن تجعلنا مثل البقر في الحظائر! هذا الخبيث -قاتله الله- تلقت أوروبا نظريته هذه وقالوا: نعم صدق فرويد، لأنها وافقت هوىً عندهم وهو الجنس، فأباحوا العملية الجنسية في أوروبا، ولكن هل حققت لهم الإباحية الجنسية سعادة؟ لا. دمَّرهم الله بالجنس، وسلط الله عليهم الجندي المعروف بالإيدز، وهذا جندي لا يرى بالعين المجردة، فيروس لا يرى إلا بالمجهر، سلطه الله على أوروبا وأمريكا فدمَّرهم تدميراً، حتى نادى وزير الصحة ورئيس مجلس الصليب الأحمر السويدي قائلاً: -و السويد من أعظم دول أوروبا إباحية- إن علينا أن نعيد النظر في علاقاتنا الجنسية بحيث يصبح لكل رجل امرأة واحدة -يعني: الإسلام- يقول: لا نريد إباحية؛ لأن الإباحية دمرت المجتمعات.

    النظرية الثالثة للخبيث الثالث دوركايم وهو عالم اجتماعي، فقال بنظرية العقل الجمعي، وأن الإنسان لا تسيره الأخلاق ولا الدين ولا القيم، وإنما تسيره الظواهر الاجتماعية، والعقل الجمعي أي: مجموع ما يتعارف عليه الناس، وقال: إني نظرت إلى قطيع الغنم وهي تمشي في الطريق فيتقدمها أحدها لميزات فيه، أي: يتقدم القطيع تيس أو خروف، وبعد ذلك يلف يميناً وكل الغنم وراءه، فإذا لف شمالاً تلف وراءه .. كلها تمشي وراءه. ويقول: ونظرت إلى قطعان الحمام في السماء تسير ويتقدمها طائر منهم، فإذا لف يساراً، كلها تلف وراءه دون أن تسأله، ونظرت إلى قطعان تسير في الأرض وأمامها ثور نشيط، يمشون كلهم وراءه، يقول: فالبشر كذلك هم قطعان حيوانية، وأي واحد يقودهم يمشون وراءه، ليس في هذا شيء.

    لكن من قال لـدور كايم: إن البشر بقر أو غنم أو حمير!

    فهم يريدون بهذه الأفكار تقرير حيوانية الإنسان ليمتطوا ظهور الناس، ولكن فشلت كل هذه النظريات.

    ماركس سقط في الميدان وأفلس، وفرويد سلط الله عليه الإيدز فقطَّع ظهره وظهر الزناة من أمثاله، ودوركايم سقط في الميدان، وعاشت المجتمعات الأوروبية في عذابٍ وشقاء ليس بعده عذاب؛ لأنها تمردت على أحكام الله عز وجل وصورت الإنسان على أنه حيوان.

    ونحن نقول لهم: لا والله، إن هذا الإنسان إنسان يقول الله فيه: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [الإسراء:70] كرمه الله بالرسالة والدين والإيمان: وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً [الإسراء:70].

    فالتفضل والتكريم للإنسان هو بهذا الدين: وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [الحج:18] فمن أكرمه الله بالدين فقد أكرمه، ومن أهانه بغير الإيمان والدين فما له من مكرم.

    أسأل الله الذي لا إله إلا هو في هذه اللحظة المباركة أن يرزقنا الإيمان، اللهم ارزقنا الإيمان، اللهم ارزقنا الإيمان وزينه في قلوبنا، وحبب إلينا الطاعات يا رب العالمين، وبغض إلينا الكفر والفسوق والمعاصي واجعلنا من الراشدين يا أرحم الراحمين، اللهم اكشف الغمة عن المسلمين، اللهم احقن دماء المسلمين، واحم أعراض المسلمين، واحفظ حدود المسلمين، واحفظ مقدسات المسلمين، اللهم أهلك من في هلاكه صلاحٌ للإسلام والمسلمين، اللهم أنزل بأسك الشديد، وعذابك الأكيد على كل طاغية وجبار وفي مقدمتهم طاغية العراق، اللهم إنه لا يعجزك' فأرنا فيه عجائب قدرتك، واحفظ علينا أمننا وإيماننا واستقرارنا ومقدساتنا وديننا، وأصلح ولاة أمورنا، ووفقهم لما تحبه وترضاه، إنك ولي ذلك والقادر عليه.

    والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    .

    حقيقة توبة محمد عبده

    السؤال: أولاً: كثير من السائلين يخبر أنه يحبك في الله عز وجل ، وثانياً: كثر السؤال عن توبة محمد عبده، ويُذكر أنك التقيت به في مكة فما قولك تجاه هذا السؤال؟

    الجواب: أولاً: أقول لمن يقول أنه يحبني في الله: أحبك الله، وأسأل الله عز وجل أن يجمعنا جميعاً في ظل عرشه وفي دار كرامته ببركة حبه.

    أما مسألة توبة محمد عبده أو غيره من المسلمين، فنحن ندعو الله عز وجل لكل مسلم، ولكل عاص أن يتوب وأن يرجع إلى الله، ونرجو الله عز وجل لأنفسنا أيضاً قبلهم أن نثبت وأن نكون على ما يحبه الله ويرضاه، وليس بغريب أن يتوب هو أو غيره؛ لأن الحق أحق أن يتبع، وللباطل جولة ويزهق، والفطرة البشرية الموجودة في نفس المسلم تدعوه باستمرار، وتهتف به في كل حين إلى أن يعود إلى الله، مهما حاول أن يغطي هذه الفطرة أو يتجاهلها، إلا أن الصارخ والهاتف والمنادي من داخل القلب يشعره ويدعوه ويقول له: الحياة ليست هكذا، الصواب ليس هكذا، فهناك النفس اللوامة التي تلوم الإنسان وتريد أن ترجع به إلى الحق الصحيح، ونسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يتوب على الأخ محمد عبده، وعلى جميع المسلمين وعلى جميع العصاة من المغنين وغيرهم.

    أما قضية توبته وهل تاب فأنا لا أدري، وإنما كانت هناك محاضرة في مسجد السعادة بـجدة، ودعيت لحضور المحاضرة وكنت مسافراً إلى أبها فدعيت لتناول طعام الغداء عند إمام المسجد وأخبرني أنه سيكون من ضمن المدعوين محمد عبده وشخص آخر تاب إلى الله اسمه عدنان أكبر، أما هذا فصحيح أنه تائب ونسأل الله أن يتوب عليه، فجلسنا جلسة بعد الغداء لمدة نصف ساعة فقط، تحدثنا في قضايا الإيمان، وهذه الحياة الدنيا، وما ينبغي للإنسان أن يكون فيه من التوبة والرجعة إلى الله، وكان معي في هذا المجلس الشيخ أبو بكر الجزائري حفظه الله وبعض الإخوة في الله، وكانت الاستجابة طيبة من قبل الأخوين محمد وعدنان، ثم خرجت من هناك دون أن يتكلم الأخ بشيء من الاستعداد أو أنه ترك الفن أو اعتزله كما يقولون، وإنما مجرد أحاديث إيمانية تدل على أن الرجل متوجه إلى الخير، نسأل الله أن يأخذ بيده إلى الخير هو وكل مسلم، فهذا الذي حصل.

    نصيحة ودعاء لمن أقبل على الله وتاب

    السؤال: هذا المجلس المبارك يضم كثيراً من الشباب الذين تابوا إلى الله في الأيام الماضية القريبة، فهل من كلمة إيمانية ونصيحة ربانية لهؤلاء الشباب؟

    الجواب: أولاً أهنئهم بالتوبة والرجعة إلى الله، فإنهم الآن بدأت فيهم الحياة؛ لأن الناس موتى حتى يتوبوا إلى الله، والإنسان غير المستقيم وغير المؤمن ميت: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ [الأنعام:122] أي:كان ميتاً بالكفر والمعاصي فأحييناه بالإيمان والدين: وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122].

    ويقول الله: وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [فاطر:19-23].

    فأهنئهم بهذه الحياة وأسأل الله عز وجل كما أحياهم أن يثبتهم؛ لأن العبرة ليست بالحياة فقط، فعندما يولد لك ولد ثم يموت فإنك لا تفرح به، فلو أن شخصاً بشرك فقال لك: أبشرك بولدٍ لكنه مات، لقلت: ليتك ما بشرتني.

    المهم الاستمرارية، فإن تبت فاثبت؛ لأن العبرة بالخاتمة والنهايات، فلا بد من الثبات على دين الله عز وجل حتى نلقاه، ولا ندري متى ينقل الإنسان إلى الحياة الأخرى، فالغيب المغيب عنا وهو الموت يقتضي منا أن نكون دائماً على أهبة الاستعداد بالتوبة، حتى إذا فاجأنا الموت في لحظة فإذا بنا مستعدين؛ ألسنا كلنا عرضة للموت، هل هناك شخص منا يقول: لا أنا لن أموت؟ أبداً.

    في مجلس من المجالس كان هناك شباب جلوس في أبها، وكانوا يتحدثون في قضايا الإيمان والموت والآخرة، وكان هناك أحد الشباب -هو طالب في كلية الطب- يقول لهم: يا جماعة لابد أن نثبت على دين الله، لا ندري متى نموت يا إخواني! والله ما نضمن أنفسنا ولو ليلة واحدة، فأحد الشباب يقول -وقد تاب إلى الله-: تخوفنا بالموت، كلنا شباب وعمرنا ثماني عشرة، وست عشرة، وعشرون سنة، متى نموت؟ ممكن نموت بعد ذلك، لا نموت هذه الليلة، وبعدما انتهوا من الجلسة وذهبوا، وذهب هذا الولد الأخ الطيب الصالح وركب سيارته ومات في تلك الليلة، والله ما بات إلا في قبره رحمة الله تعالى عليه، وكان موته سبباً لهداية البقية الباقية.

    فنقول لإخواننا: مادام الإنسان لا يعرف متى يموت فالمفروض أن يكون دائماً على أهبة الاستعداد، فأوصيهم ونفسي بالثبات على دين الله.

    وهناك أشياء تثبتهم على الإيمان، وأهم شيء من مثبتات الإيمان: كثرة تلاوة القرآن الكريم؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول في القرآن الكريم: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً [الفرقان:32] قال الله: كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً [الفرقان:32].

    هل سمعتم أن شخصاً لازم القرآن وحافظ على تلاوته بالليل والنهار وأضله الله؟ أبداً. لا يضل الله إلا هاجر القرآن الكريم، فداوم على تلاوة القرآن أيها الشاب مع تفسيره، وقراءة سير الأنبياء والصحابة؛ لأن القصص القرآني والنبوي من العوامل المثبتة على دين الله، قال الله عز وجل: وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود:120].

    فهذه التثبيتات تأتي عن طريق قراءة السير، والمداومة على طاعة الله، وترك معصية الله، إذا داومت على الصلوات الخمس في المسجد، وعلى الأذكار الصباحية والمسائية، ومجالس العلم، وصيام النافلة والفريضة، والحج والعمرة فإن هذا يرسي قدمك، وكلما عملت طاعة رسخت أكثر، وكلما عملت طاعة تقوَّت مثل الشجرة التي تعمدها، وكذلك إذا تركت المعاصي فإنك تثبت، والعكس صحيح فلو أنك تساهلت في الطاعات وزدت في المعاصي لتزعزعت.

    فالشيطان يشد العاصي كل يوم حتى لا يبقى له جذر فيتركه يهوي في النار -والعياذ بالله- فتثبَّت بالإيمان، يقول الله عز وجل: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً [النساء:66] وافعل ما وعظك الله به، واترك ما نهاك الله عنه.

    ومن أعظم ما يثبتك: الإخوة الصالحين والرفقة الطيبة؛ لأن الطريق طويلة، والعقبة كئود، والسفر بعيد، والزاد قليل، ولا بد من رفيق يعينك على طاعة الله، فتعرف عليه من مجالس الذكر ومن أماكن الإيمان، من بيوت الله عز وجل، وابتعد بعد ذلك عن قرناء السوء، فإن قرين السوء هو الذي يردك عن الله عز وجل ويثبطك ويقلل عزمك حتى يهلكك والعياذ بالله.

    والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.