إسلام ويب

الجور بالقول [1]للشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العدل غريب في هذه الدنيا، لكننا نجد تمام العدل والإنصاف في كتاب الله، وقد ذكر الشيخ هنا أسباب الجور في الحكم وقلة الإنصاف، ثم عرج إلى الأدلة الشرعية في الموازنة بين الإيجابيات والسلبيات مع بيان حال السلف في ذلك. وبعد ذلك بيّن عواقب انعدام التوازن في منهجية الحكم على الآخرين، كما ركز على أهمية التعاون في تنمية الخير والتناصح لإزالة الشر وإصلاحه. وفي الأخير تطرق إلى موضوع مهم، وهو خطر ترك أقوال العلماء الكبار المشهود لهم بالخير والصلاح والعلم عند وقوع النوازل والخطوب والأخذ بأقوال غيرهم.

    1.   

    واقع العدل والإنصاف

    الحمد لله القائل في محكم كتابه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة:8] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله.. اتقوا الله تعالى حق التقوى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    معاشر المؤمنين.. إن العدل والإنصاف في هذا الزمان بات عزيز المنال لدى الكثيرين إلا من رحم الله وقليل ما هم، فالمسلم مأمور أن ينصف من نفسه ومأمور أن يعدل في قوله وحكمه وفعله، لا أن تأخذه الحمية أو العاطفة، أو يغلبه التقليد والتبعية، أن يرى ما يراه الآخرون، أو يصدق ما ينقله الناقلون من غير دليل وبرهان فيكون كما قال القائل:

    وما أنا إلا من غزية إن غـوت     غويت وإن ترشد غزية أرشد

    بل الواجب العدل في كل حال، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأمور الناس إنما تستقيم في الدنيا مع العدل، الذي قد يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم يشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة. ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام؛ وذلك أن العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الدين من خلاق، ومتى لم تقم بالعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة.

    وفي هذا الزمان -أيها المسلمون- الذي عز فيه العدل والإنصاف، يحتاج المسلم إلى الرجوع إلى منهج السلف ، ليقيس الأمور بمقياس الكتاب والسنة، حيث أصبحت الأهواء هي التي تتحكم بآراء الناس وأقوالهم، حتى أن الإنسان قد يتغاضى عن أخطاء من يحب مهما كانت كبيرة، بل يبررها، بل تتحول هذه الأخطاء إلى محاسن ويجعل محبوبه في أعلى المنازل، ولا يقبل فيه نقداً أو مراجعة، وفي المقابل ترى بعض الناس إذا أبغض أحداً لهوى في نفسه أو تقليداً لغيره، جرده من كل فضائله، ولم ينظر إلى حسناته، أما زلاته فيفخمها وينسى أو يتناسى محاسنه الأخرى مهما كانت بينة، وليس هذا غريباً، وليس غريباً أن توجد العداوات من أهل الأهواء والضلالة، قال ابن الوردي رحمه الله:

    ليس يخلو المرء من ضد ولو     حاول العزلة في رأس الجبل

    وقال الآخر:

    لو كنت كالقدح في التقويم معتدلاً     لقالت الناس هذا غير معتدل

    وقال الثالث:

    إن نصف الناس أعداء لمن     ولي الأحكام هذا إن عدل

    لكن المسلم الذي يحاسب نفسه يزن بميزان الشرع ويحكم بالقسط، إن سيئات الفرد لا تمنع ذكر حسناته، إن سيئات المجتمع لا تمنع ذكر حسناته، إن سيئات الدولة لا تمنع ذكر حسناتها، وإن حسنات الفرد أو المجتمع أو الدولة لا تمنع من إصلاح سيئاتها، إذا كان سياقها لمصلحة على وجه النصيحة لا التعيير، وعلى وجه الإرشاد لا الشماتة، ما لم يبلغ الفساد والخلل حد الكفر، فليس بعد الكفر ذنب ولا ينفع مع الكفر حسنة.

    العدل والإنصاف في القرآن

    أيها المسلمون.. إن المتأمل لكلام الله جل وعلا يجد تمام العدل في الحكم، وكمال الإنصاف في القول، فهؤلاء النصارى على الرغم من ضلالهم المبين في مسألة التوحيد، إلا أن الله سبحانه بين أن منهم من يؤدي الأمانة قال تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران:75] وعلى الرغم من الآيات التي جاءت بقتال الكفار، إلا أن الله شرع الكف عمن لم يقاتل، ولم يشرد أو يتسبب في تشريد الآمنين، قال تعالى: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الممتحنة:8-9].

    السرعة في إطلاق الأحكام

    أيها الأحبة.. العجب كل العجب مما نراه اليوم ونسمعه من التسرع في إطلاق الأحكام، من التسرع في الحكم على الأمور قبل بحثها وإدراك أبعادها ومضامينها، وأسوء من هذا خوض الصغار في المعضلات، وخوض الجهلة في المشكلات، خوض الكثير في المعضلات بغير علم، فتجد النازلة المحيرة التي تتزاحم فيها المفاسد والمصالح وتتقابل، وتنوء بها عقول الجهابذة من العلماء، سرعان ما ترى صغيراً أو قليل علم يتحدث فيها برأي أو هوى، وأسوء من هذا أن يعيب الجاهل العالم، أو ينتقد القاصر الوافر بحكمته وتجربته، قاصر قليل التجربة ينتقد عالماً وافراً في حكمته وتجربته، فترى صوراً من التطاول وألواناً من التقدم بين يدي العلماء، ناهيك عن الخوض في أعراضهم، فيا سبحان الله! كيف يتجرأ صغير على كبير، وجاهل على عالم؟!

    إذا عير الطائي بالبخل مادرٌ     وعير قساً بالفهاهة باقل

    وطاولت السحب السماء سفاهة     وفاخرت الأرض الحصى والجنادل

    وقال السهى للشمس أنت ضئيلة     وقال الدجى يا صبح لونك حائل

    فيا موت زر إن الحيـاة ذميمة     ويا نفس جدي إن دهرك هازل

    وأسوء من هذا أن تجد الفئام من الطغام، يردون الوحل والسبخات، ويتركون الأنهار العذبة الزلالة من علمائهم الذين لا يشك في ورعهم وصلاحهم وتقواهم، فهل يجد هؤلاء الطغام غناءً عند أولئك الجهلة؟

    متى تصل العطاش إلى ارتواء      إذا استقت البحار من الركايا

    ومن يثني الأصاغر عن مراد     إذا جلس الأكابر في الزوايا

    وإنّ ترفع الوضعاء يوماً     على الرفعاء من أقسى البلايا

    إذا استوت الأسافل والأعالي     فقد طابت منادمة المنايا

    1.   

    أسباب الجور في القول والتسرع في الحكم

    لو تأملنا هذه المسألة حق تأملها وهي الجور في القول والتسرع في الحكم بلا علم ولا حلم وحكمة وتجربة لوجدنا لهذا أسباباً..

    تفلت اللسان والعجلة بالقبول والرد

    أولها: تفلت اللسان والعجلة بالقبول والرد، وقد نسي ذلك المتسرع قول الله: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18] ونسي قول الله: وَلا تَقْفُ أي: لا تتبع ولا تتبع وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36] وفي الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد وابن ماجة والترمذي وإسناده صحيح عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، كان مع النبي صلى الله عليه وسلم -إلى أن قال- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ فقلت: بلى يا نبي الله! فأخذ بلسانه وقال: كف عليك هذا. فقلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ ! وهل يكب الناس على وجوههم أو مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم) ولأجل ذا كان حفظ اللسان من ضمان دخول الجنة؛ قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه البخاري : (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة) .

    عباد الله.. إن فقدان الورع في القول وإطلاق اللسان والبلية بالعجلة سبب الهلاك ومظنة العطب، والعاقل يدرك أن ما قيل لا يرد ولا يستدرك فيكف وقد قيل؟ وأما ما لم يقله المرء، فهو مخير بين إمساكه وإطلاقه.

    فكم ندمت على ما كنت قلت به     وما ندمت على ما لم أكن أقل

    يقول الإمام الجهبذ العلامة ابن قيم الجوزية مشيراً إلى فائدة عجيبة قال فيها: من العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر والنظر المحرم وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه، حتى يرى الرجل قد يشار إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يزل بها أبعد مما بين المشرق والمغرب، وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم لسانه يفري أعراض الأحياء والأموات ولا يبالي بما يقول!

    وتزداد الخطورة -أيها الأحبة- ويعظم الذنب إذا كان الكلام والتطاول والقدح والتناول في أعراض العلماء وأعراض الدعاة، فهم سادة الأمة وقادتها ونورها، ولا خير في قوم لا يعرفون لعلمائهم قدرهم، قال ابن عساكر: "لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة، ومن وقع فيهم بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب". فأعراض المسلمين حفرة من حفر النار، ومن وضع قدمه في عرض مسلم، أو في أعراض المسلمين فقد وضعها على شفا جرف هار، يخشى أن ينهار به في نار جهنم، وكما قال الشاعر:

    يموت الفتى من عثرة بلسانه     وليس يموت المرء من عثرة الرجل

    فعثرته من فيه ترمي برأسه     وعثرته في الرجل تبرا على مهل

    بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

    عدم التجرد والسلامة من الهوى

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    عباد الله.. اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة.

    أيها الأحبة.. إذا تقرر ما سبق علمنا وجوب الإنصاف والعدل في الحكم على الفرد والمجتمع، والحاكم والمحكوم، والقريب والبعيد، وهذا يحتاج إلى شرط مهم، وهو: التجرد والسلامة من الهوى، يقول ربنا جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا [النساء:135] فالهوى مرض يجعل صاحبه يرى الصحيح سقيماً والعليل سليماً؛ ولهذا حذر الله منه، وأوصى نبيه داود بالحذر منه فقال جل وعلا: يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص:26].

    وحينما يبتلى المرء بداء الهوى، والميل والتجافي والمحاباة، فلن يعرف إلا ما يهوى، ولن يحب إلا ما يهوى، ولن يرى إلا ما يهوى، ولن يعتد إلا بمن يهوى، ولن يسمع إلا لمن يهوى، حتى يعميه الهوى ويصمه، وآية ذلك الإعراض عن الحق؛ فترى صاحب الهوى مائلاً إلى قول من اتبعه، معرضاً عن الدليل من كلام الله وكلام رسوله، وصدق الله جل وعلا حيث قال: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ [القصص:50] وقال سبحانه: فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:150].

    والعجب كل العجب أن ترى صاحب الهوى يستدل بأهل الأهواء أمثاله، أو يستدل بمن تابعه على ميله وهواه، فإذا علمت أيها المسلم أن الحق لا يستدل عليه بإقبال الطغام وإدبارهم عنه، وإنما يستدل على الحق بموافقة كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : إن من المعلوم أن مجرد نفور النافرين أو محبة الموافقين لا تدل على صحة قول ولا فسادة، إلا إذا كان ذلك بهدي من الله، بل الاستدلال بذلك استدلال باتباع الهوى بغير هدى من الله، فإن اتباع الإنسان لما يهواه هو أخذ القول والفعل الذي يحبه، ورد القول والفعل الذي يبغضه، بلا هدى من الله.

    وقال ابن تيمية أيضاً: وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك، ولا يطلبه، ولا يرضى لرضا الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه، ويكون مع ذلك معه شبهة دين، أن الذي يرضى له ويغضب له أنه هو السنة وأنه الحق وهو الدين، فإذا قدر أن الذي معه هو الحق المحض دين الإسلام، ولم يكن قصده أن يكون الدين كله لله، ولم يكن قصده أن تكون كلمة الله هي العليا، بل قصد الحمية لنفسه أو طائفته، أو الرياء، أو ليعظم ويثنى عليه، أو فعل ذلك شجاعة وطبعاً، أو لغرض من الدنيا، فذلك لا يكون لله ولم يكن مجاهداً في سبيل الله، فكيف إذا كان الذي يدعي الحق والسنة، هو كنظيره معه حق وباطل وسنة وبدعة، ومع خصمه حق وباطل وسنة وبدعة.

    وبهذا يتبين أن التجرد في القول والعمل وسلامة المقصد أصل مهم في تقويم الرجال والمجتمعات والهيئات والذوات، حتى لو كان رأي الإنسان صحيحاً لكنه لم يقصد به وجه الله تعالى، ثم النصح للمسلمين، فإن عمله مردود غير مقبول، وهو مأزور غير مأجور، إذا لم يتجاوز عنه ربه قال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5] وقال شيخ الإسلام فيما معناه: حتى أن الرد على أهل البدع إذا لم يكن لأجل عبادة الله وإخضاع الناس لطاعة الله، وإنما كان الرد لسلاطة اللسان، أو للانتقام، أو لبيان البراعة وقوة الحجة، فإن هذا لا يكون في موازين قائله، إذ شرط كل عمل أن يقصد به وجه الله جل وعلا.

    إن الهوى وعدم التجرد لله ورسوله، سبب الفساد في الأرض وباب حبوط العمل، حتى ولو كان ظاهره صواباً لفوات مقصده وهو صلاح النية، بل غاية ما في هذا أن يجعل الحق تابعاً للهوى، وهذا -وايم الله- الشر كل الشر والفساد كل الفساد، قال تعالى: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ [المؤمنون:71] فالعلم والعدل أصل كل خير، والظلم والجهل أصل كل شر، والله أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وأمره أن يعدل بين الطوائف ولا يتبع هوى أحد منهم، قال تعالى: فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [الشورى:15] فعلى المسلم أن يتقي الله ويخشاه، وأن يراقبه وأن يشعر بمعية الله له، وأن يوقن بأن الله عز وجل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ثم عليه أن يفتش في قلبه وأن يطهره من جميع آثار الهوى قبل أن يبدأ في وضع الناس ووزنهم بمقاييس الهوى، وقبل أن يبدأ في التعديل والجرح في الذوات والهيئات، لكي يكون متزن الرأي منصفاً بعيداً عن الجور والظلم المذموم شرعاً.

    وقد قال الإمام الفذ ابن ناصر الدين الدمشقي قال: هيهات هيهات.. إن في مجال الكلام في الرجال عقبات، مرتقيها على خطر، ومرتقيها هوىً لا منجى له من الإثم والوزر، فلو حاسب نفسه الرامي أخاه ما السبب الذي هاج ذلك، لتحقق أنه الهوى الذي صاحبه هالك، وقديماً كان سلفنا الكرام رضوان الله عليهم يقولون: احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه، وصاحب دنيا أعمته دنياه.

    التقليد والتبعية والمحاكاة

    معاشر المؤمنين.. ربما كان الجور في الحكم وفوت العدل ووضوح الميل، بسبب التقليد والتبعية والمحاكاة، وهذا مرض أخبث من الذي قبله، إذ فيه تعطيل آلات العلم وتقديم الآراء والأهواء على الحجج الواضحات والبراهين الساطعات، ولا تعجب يوم أن ترى كثيراً من الناس يرى رأياً أو يقول قولاً لأن فلاناً قاله أو رآه، وأعظم من هذا تعصبه له وإصراره، ألا يفكر بعقله وألا يعمل عقله في قول من قلده وحاكاه، وقد يكون لدى المقلد عقل لا بأس به لو أعمله وتدبر به ونظر ببصيرته لتبين له خطأ من اتبعه، وتبين له خلاف ما ذهب إليه ورآه من التقليد، ناهيك عما فيه من تقديم عقول الرجال وآرائهم على العدل الذي شرعه الله ورسوله.

    وأدهى من هذا وأمر، أن تجد بعض الجائرين في القول والرأي والحكم والنظر إذا دعوته للمناقشة أو للمناظرة، أو إذا دعوته لمناقشة ومناظرة قائده وسيده الذي علمه هذا القول، جبن ورجع القهقرى وعاد خائفاً وقد امتقع لونه، ثم بعد ذلك يقول: أويعقل أن أناقش فلاناً؟! أويعقل أن أتكلم مع فلان؟! وهذا دليل الضلال إذ أن صاحب الحق والدليل لا يتورع عن طلب الحق، فإن كان على ضلالة تبين خطأ نفسه وسلك الحق، وإن كان الذي يقابله على الضلال والخطأ أقام له الحجة وأبان له المحجة، ثم دعاه إلى ترك ما ذهب إليه بهواه وأمره باتباعه.

    والعجب أيها الأحبة أن من الناس من إذا ناقشته في رأي أو في قول قال لك من يقلد ويتبع: سبحان الله.. أيشك في فلان؟! أيشك في علان؟! إن المناظر لا يشكك ولا يسيء الظن ولكن يقول: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ [البقرة:111].. هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا [الأنعام:148] ائتوني بأثارة من علم أو كتاب أو حجة أو بينة، ولو رد عليهم المناظر بقوله: وماذا يضير فلان لو حاورته وناظرته، فإن كان على صواب زادني صواباً، وإن كان على ضلال بسطت له من لآلئ الحجة ما يضيء له المحجة، ولكن قل أن ترى شجاعاً ينبذ التقليد والمتابعة.

    إن الجبن ليس في الخوف من الإقدام في المعارك، بل إن شجعاناً على الإقدام في المعارك تراهم جبناء لا يقدمون على السؤال وعلى البحث والمناظرة وإقامة الحجة، ولكن قل أن ترى شجاعاً ينبذ التقليد والمتابعة، ويسأل ويناقش ويستفسر بصريح الخطاب والعبارة عن الغاية والوسيلة والنهاية، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: [ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً، إن آمن آمن، وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر] .

    وقال سفيان بن عيينة : [اضطجع ربيعة مقنعاً رأسه وبكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: رياء ظاهر، وشهوة خفية، والناس عند قادتهم كالصبيان في حجور أمهاتهم ما نهوهم عنه انتهوا، وما أمروهم به ائتمروا] .

    وقال أحمد بن حنبل: [من قلة علم الرجل أن يقلد دينه الرجال -وقال أيضاً- لا تقلد دينك الرجال، فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا..] وهذا واضح، إذ أن من أصر على التبعية والتقليد والمتابعة بغير سؤال أو جواب، أو طلب للدليل كالذي يقول: إني أتبع معصوماً لا يزل. ومن استنكف أو انزعج أو بدا قلقاً يوم أن طلب منه الحوار والمناظرة لمن قلده واتبع هواه فكأنه يقول: اتبعه بلا دليل، وإن من الثابت أن صاحب الدليل لا يتورع عن بيان ما استند إليه.

    هذا هو المنهج الذي سار عليه أئمة الإسلام وعلماؤه الكرام بصفائه ونقائه، والعجيب كل العجب أنه مع وضوح هذه المسألة وتواترها عن علماء الأمة إلا أنك ترى طائفة ليست هينة تعاني من داء التقليد والمتابعة على التخليط في أمور بعضها جلي، وبعضها خفي، وبعضها واضح، وأكثرها غامض، وفي هذا يقول الغزالي رحمه الله: وهذه عادة ضعفاء العقول يعرفون الحق بالرجال ولا يعرفون الرجال بالحق. والعاقل يقتدي بسيد العقلاء، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث قال: [لا تعرف الحق بالرجال بل اعرف الحق تعرف أهله].

    أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من المتجردين لمرضاته، وفي الحديث الذي يروى: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)لهذا الموضوع بقية نبسطها في الجمعة القادمة.

    أسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يدمر أعداء الدين، وأن يبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم لا تفرح علينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً، اللهم اجمع شملنا وحكامنا ودعاتنا وعلماءنا، ولا تجعل فينا دخيلاً ولا عميلاً ولا فاجراً يريد بنا سوءاً، اللهم من أراد بهذا الجمع فرقة، وأراد بهذه الطمأنينة فزعاً، وأراد بهذا الأمن خوفاً، اللهم افضحه على رءوس الخلائق، وأرنا فيه عجائب قدرتك يا جبار السماوات والأرض.

    اللهم سخر لنا ولعلمائنا ووالدينا وحكامنا ودعاتنا ملائكة السماء برحمتك وجنود الأرضين بقدرتك، واجعل اللهم ذلك في طاعتك واتباع كتابك وسنة نبيك، وباباً إلى الخضوع والاهتداء بهديك يا رب العالمين.

    اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم اهزم النصارى، اللهم اهزم الكفار والمشركين والشيوعيين والوثنيين، وأقم علم الإسلام، اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الكفر والزيغ والعناد، اللهم فرج هم المهمومين، اللهم فرج هم المهمومين في السجون، ونفس كرب المكروبين في الزنازين، وفك أسر المأسورين في الحبوس يا حي يا قيوم، اللهم فرج لهم، اللهم فرج لهم، اللهم فرج لهم، اللهم إن أنينهم لا يخفى عليك، وصرخاتهم لا تعزب عن علمك، اللهم فرج لهم ما هم فيه، واجعل العاقبة لهم يا رب العالمين.

    اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان ميتاً فاجمعنا اللهم به في جنتك، وجازه بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً، ربنا لا تدع لنا في هذا المقام الشريف ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا مدمناً للمخدرات إلا عافيته منها وشفيته منها، وبغضتها إلى نفسه يا رب العالمين، لنا ولأحبابنا ولجميع إخواننا المسلمين.

    اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه.