إسلام ويب

وداع عام واستقبال عامللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كل لحظة تمر هي جزء من حياتنا ومن أعمارنا، فعلى المسلم أن يحاسب نفسه على ما مضى من عمره: هل كان في خير أم في شر؟ وهل كان في طاعة أم في معصية؟ وعليه أن يحمد الله إذا ودَّع عاماً من الأعوام أن الله لم يقبضه فيه، بل ترك له فرصة أخرى؛ ليكثر فيها من الأعمال الصالحة ويندم على ما مضى منه في العام الماضي، وهنا يذكر الشيخ بضرورة المسارعة في الخيرات قبل فوات الأوان.

    1.   

    وقفة محاسبة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال في محكم كتابه: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً [الفرقان:62]، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:190-191].

    أشهد أن لا إله إلا الله، ولا معبود بحق سواه.

    أشهد أن الله أحيانا ويميتنا، ويبعثنا ويحشرنا، ويحاسبنا وبالعدل يحكم بيننا.

    أشهد أن لا إله إلا الله: واحد في ربوبيته، فهو المدبر وهو المتصرف والمالك، وهو المعز والمذل، مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، كل خير بيده، ولا يدفع بلاء إلا بمنة منه وحده.

    أشهد أن لا إله إلا الله: فالركوع له، والسجود له، والحلف به، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والخوف من عذابه، والطمع في ثوابه.

    أشهد أن لا إله إلا الله: له الأسماء الحسنى والصفات العلى وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف:180].

    وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، خير من وطئت قدمه الثرى، بعثه الله إلى الجن والإنس بشيراً ونذيراً، قال صلى الله عليه وسلم: (قد أعذر الله إلى امرئ بلَّغه الستين من عمره) فمن بلغ فليعتبر، ومن دنا فليستعد، ومن انتصف فلينظر ما قدم وما أخر.

    صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، كان نبينا بنا براً رءوفاً رحيماً: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].

    هذا النبي الرءوف الرحيم ما ادخر شفاعته لآل محمد، أو لآل البيت، أو لمن دنا نسبه وسببه منه، رءوف رحيم، بل جعل شفاعته للعصاة من أمته، أن يخرجوا من النار فيدخلوا الجنة، بعد أن يأذن الله له: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28] والنبي من المرضيين.

    أيها الأحبة في الله: منذ يومين أو أقل أو أكثر ودَّعَنا لا نقول: ودَّعْنا نحن، بل ودَّعَنا؛ لأن المودِّع لو كان قادراً على الخيار في أن يودع أو يمكث لقلنا نحن المودعين، لكن العام ودَّعَنا، ولا خيار لنا في وداعه، ولا خيار لنا في فراقه؛ لأن الله أمر هذا العام بأشهره، وأيامه، ولياليه أن تودعنا.

    أيها الناس: من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا.

    في الغابرين الأولين من     القرون لنا بصائر

    لما رأيت موارداً     للناس ليس لها مصادر

    أيقنت أني لا محالة     حيث صار القوم صائر

    هذا من كلام قس بن ساعدة، وهي خطبة بليغة في التفكر والتدبر، في فراق الدنيا، ورحيل الأيام والأعوام.

    إن الجديدين إذا ما استوليا     على جديد أسلماه للبلا

    منع البقاء تقلب الشمس     وخروجها من حيث لا تمس

    وبزوغها صفراء صافية     ومغيبها حمراء كالورس

    أيها الأحبة في الله: ولَّى هذا العام لينزع من غابة عمرك، شجرة.. لينزع من غابة العمر شجرة هي سنة بأغصانها، أشهرها وأوراقها الأيام والليالي.

    وكان لعامنا المنصرم بداية، ورأينا مصرع العام، ونهاية العام، ورحيل العام، وسيشهد عام مصرعنا، وسيشهد عام ما سيشهد رحيلنا وفراقنا، سيشهدنا يوماً نُحمل فيه على الأكتاف، على النعش نغسل ونكفن وندفن ونودع.

    وليس من مات فاستراح بميت     إنما الميت ميت الأحياء

    إنا في هذا العام نودع أمواتاً -أيضاً- هم على قيد الحياة، وسنودع أمواتاً ينقلون إلى المقابر، وكما شهدنا وداعه، سيشهد عام قادم وداعنا وفراقنا ورحيلنا، وتصرم شجرة عمرنا.

    أيها الأحبة: وسيكون لهذا العام الذي دخلناه نهاية، فمن ينتهي أولاً، هل ننتهي نحن أم ينتهي العام أولاً؟!

    وهب أننا شهدنا نهايته، فهل نشهد نهاية أعوام قادمة أم لا بد أن يكون فيها عام يشهد مصرعنا، ورحيلنا، وسكراتنا، وتغرغر الروح فينا، وبكاء الأقارب حولنا، وضعفنا ونحن على الأسرة والفرش نعالج السكرات ونرى الكربات، ونرى الأقارب لا يدفعون ولا يقدمون ولا يقربون.

    1.   

    لذة تزول وإثم يبقى

    أيها الأحبة في الله: لقد زال ذاك العام قبل يومين .. ولى ومضى لكنه زال وزالت كل لذة فيه.

    فأما لذات أهل المعاصي، من سهر ليلة على أضواء حمراء خافتة، والغيد والوصيفات مقبلات مدبرات، ربما شهد بعض القوم ليلة كهذه، ولكن تلك الليلة ولت ومضت وانقضت لذتها وذهبت، وبقي إثمها، ولى العام باللذات وبقيت حسرات المعصية، وشؤم الفاحشة، وبلاء المخالفة، إن هذا الرحيل عجيب، وإن هذا الفراق غريب!

    كم أناس عصوا ربهم في الليالي الماضية المنصرمة، واسألوا من بقي حياً: يا عبد الله! يا فلان ابن فلان! ليلتك التي عشتها، بما فيها من كأس وغانية، ومسلسل ومجلة، ومعصية وفاحشة، هل تذكر الآن من لذاتها شيئاً؟! هل تحس لمشهد من مشاهدها ركزاً؟! هل ترد لذة إلى حاسة من حواسك؟! لا والله، لقد انقضت اللذة وبقي الإثم، وبقي شؤم المعصية، وبقيت الحسرة.

    وأقولها: لا تغرنك سلامة تراها في بدنك، إن للمعاصي شؤماً ولو بعد حين، إن من الناس من إذا ارتكب الفاحشة، وتقحم المعصية، على بصيرة وعلم، فمضى يوم أو يومان أو ثلاثة، ولم ير خسفاً أو مسخاً أو غرقاً أو هدماً أو حريقاً، يظن أن تلك المعصية مرَّت ولا ضرَّت، وانتهت ولا عاقبة لها، وعلى حد زعم القائل:

    إذا لم يغبر حائط في وقوعـه     فليس له بعد الوقوع غبار

    لا. إن شؤم المعاصي ولو بعد حين، ومن شر شؤم المعاصي ذاك الشؤم الذي يأتي يوم أن تبلغ الروح الحلقوم، شؤم معصية يغيب عنك طيلة عمرك ولا يحضرك إلا حالة النزع ومعالجة السكرات، تريد أن تقول: لا إله إلا الله فتصرف عنها، تريد أن تقول: أشهد أن لا إله إلا الله فتعجز عنها، تريد أن تقول: أشهد أن لا إله إلا الله فتذكر غيرها.

    وقيل لشاب حضرته سكرات الموت وحوله رجل فيه خير يلقنه، ويعرض الشهادة عليه، ويقول: يا فلان! قل لا إله إلا الله، فيقول الفتى: هل رأى الحب سكارى مثلنا.

    ما رأى الموت سكارى مثلكم، ما رأى الموت سكارى في غفلة عن القبر والموت والضنك واللحد والحشر والنشر والصراط والحساب والعذاب، ما رأى سكارى مثل هؤلاء، أسأل الله أن يتجاوز عن الجميع وأن يتغمدنا برحمته.

    اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا، وعافنا واعف عنا وعن إخواننا، ولا تبتلينا يا رب العالمين.

    ومضى هذا العام وولى وانقضى، وقد شهد الصالحون فيها ساعات يراوحون بين الأقدام من قيام الليل، ويجعلون الأكف على البطون من آلام جوع الصيام، ويسترخون قليلاً من تعبٍ قد ينالهم وهم يتقلبون بين تلاوة أو ذكر أو عبادة، ونسألهم اليوم: يا معاشر الطائعين! هل تشعرون بآلام عبادة في عام مضى؟ هل تشعرون بشيء من التعب الذي نالك إبان العبادة في عام مضى؟ لا والله. لقد نسيت الألم والجوع والتعب، ولكن بقي الأجر، بقي الثواب، بقي الوعد الجزيل، بقي الجزاء العظيم، بقي الخير العميم الذي ينتظرك من أعمال صالحة قدمتها فتقبلها الله بيمينه جل وعلا، وتراها يوم القيامة كالجبال.

    فهنيئاً لمن مضى عمره وانقضى عامه على طاعة لله جل وعلا.

    ومضى العام عليَّ وعليكم، بلذات عاقرناها، وتلذذنا بها، وانتهت اللذات وأعقب اللذة تعب.

    كنا نجد لذات الأكل ولا نزال، ونجد لذات الشرب ولا نزال، ولكن اللذة في أطيب طعام نشتهيه ثوانٍ توضع فيها اللقمة على اللسان، فإذا انتقلت اللقمة إلى الجوف استوى الذين علفوا البرسيم والذين أكلوا أطيب الطعام، استقر في الجوف ولو رد ما أكلناه، ورأيناه مرة أخرى لانصرفنا وتقززنا عن رؤيته أو سماعه والنظر إليه.

    إذاً: فحتى لذاتنا لذات اللحظات، لذات الثواني والدقائق، لذة الطعام أثناء وضع اللقمة على طرف اللسان، ثم بعد ذلك تنتهي إلى الجوف، وحينئذٍ يستوي طعام الفقراء والأغنياء، والملوك والعالة والصعاليك، والمدراء والوزراء، وكل غني وفقير يستوي طعامه بعد أن يتجاوز ثوان مر فيها الطعام على لسانه.

    أيها الأحبة: هل هذه حياة، ودنيا يتعلق بها الإنسان في لذة لا يجدها إلا ثوان معدودة على طرف اللسان، وهل ينتهي الأمر عند هذا؟

    لا وألف لا. إذا استقر كل طعام شهي، وكل شراب مري في هذا الجوف انقلب عذاباً، وحسرة، ومرضاً، وسقماً، حتى نخرجه من بطوننا، فهذه لذاتنا في الدنيا، وهذه ملذاتنا في أعمارنا فهل خلقنا لهذا؟!!

    1.   

    حقيقة اللذة في الدنيا

    لنعلم أن اللذة في طاعة الله، وفي الأنس بالله وذكر الله، ولذلك قال الله جل وعلا: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ [الرعد:28] غاية السعادة بالطمأنينة، وأين الطمأنينة؟ هل هي في الفرش أو الأكل والشرب، أم في الجاه، والمنصب، أم في الحسب والوظيفة؟ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] هذا هو أنس الدنيا وهذه لذاتها.

    وبهذا نعلم -أيضاً- أن النعيم نعيم السعداء، وليس نعيم المترفين في الدنيا، النعيم نعيم السعداء الذين علقت وتعلقت قلوبهم بذكر الله، ولهجت ألسنتهم بكلام الله، واشتاقت أرواحهم إلى ما عند الله: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا [هود:108] السعداء: هم أهل السعادة الحقيقية في الآخرة: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:108].

    وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا [هود:108] من يخرجهم؟

    من يكدر عليهم؟ هل يخشون دولة تعتدي على حدودهم في الجنة؟ هل يخشون عدواً يتسور بيوتهم؟ هل يخشون لصاً يتسلل عبر نوافذهم؟ هل يخشون بلاءً من فوقهم أو من تحتهم؟

    ولم يخشون، وهم في الأمن والطمأنينة عند مالك الملك رب الأرضين والسماوات؟

    وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:108].

    من ذا الذي يقطع نعيماً أعطاكه الله جل وعلا، أما لذتك في المنصب فأنت مهدد بالعزل عنها، وأما لذتك بالصحة فأنت مهدد بزوالها، وأما لذتك باجتماع الأحباب فأنت مهدد بفراقك عنهم أو فراقهم عنك أو بلية تشتت شملكم، وأما لذتك بالغنى فالفقر لا تدري من أي الأسباب يأتي، وأما لذتك بكل شيء فإنها مهددة مخطورة بأدنى شيء يخطر أو لا يخطر على بالك، أما لذات الآخرة فكما قال الله جل وعلا: خَالِدِينَ فِيهَا [هود:108]، (يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت).

    نعيم الجنة خلود أبدي، وعجبنا لمن يركن ويطمئن ويغفل في هذه الدنيا وهو يعلم أن أمواله ستقسَّم من بعده، سيقتسمها الورثة، مقاسمة الشريك الشحيح لشريكه، بل إن بعض الورثة لا يرضى الإجمال في القسمة؛ بل لا بد أن يأتي بالمحاسب القانوني الذي يدقق كل صغيرة وكبيرة، وكل مدخل ومخرج، نسيناك يا ميتنا، نسيناك يا مورثنا، نسيناك يا صاحب المال، الشأن شأن التركة، أما أنت فقد انتهيت.

    إذاً، فدنياك: مالك يقسم بعدك، وزوجتك ضجيعة الفراش طالما سمعت عبارات الود والصفاء -وليس هذا بإثم ولا عيب- ستتزوج بعدك، وتمنح الذي يليك ما منحتك، ودارك سيسكنها أجنبي سواك، وقد يطرد أولادك منها، ويسكنها رجل آخر مع أبناء آخرين.

    هذه الدنيا: لا تبك على عمر منصرم؛ إلا إذا انصرم في معصية أو انصرم في غفلة عن طاعة الله سبحانه وتعالى.

    أيها الأحبة في الله: هكذا فلنعلم أن شأننا في هذه الدنيا شأن المودع لا محالة، أرأيت رجلاً دخل صالة المغادرة في المطار فجاء وجلس ونصب خيمة، أو بنى داراً، وأعد طعاماً، وافترش فراشاً وطلب لذة، لا. تجده يتقلب وينتظر الإقلاع والرحيل، فكن هكذا، كن هكذا، كن كأنك غريب أو عابر سبيل، وخذ من دنياك لآخرتك، ومن نفسك لنفسك، ومن شبابك لهرمك، ومن صحتك لسقمك، فبادر .. هل تنتظر إلا هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو فقراً مطغياً، أو غنىً ملهياً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر.

    معاشر المؤمنين: الدهر قُلَّب، والأيام دول، ماذا كان شأن المسلمين في البوسنة والهرسك قبل عام مضى؟ كانوا على حال لا نقول حال السعداء، لكنها لا تقارب بأحوالهم الآن.

    وأحوال المسلمين في بورما وكشمير، تتقلب الأيام والأعوام عليهم، وقد عاشوا عاماً أو أعواماً مضت في طمأنينة، فانقلب عليهم الأعداء، وخذوا مثالاً على البلاء، قال مسلم من كشمير في سجون الهندوس -عبدة الأبقار- قال: طلبت ماءً لما بلغ بي العطش مبلغاً، فجاء جندي من السيخ، وأجبرني بعض الجنود على فتح فمي، فبال الهندوسي في فم المسلم.

    أحوال وأمور أسأل الله ألا يغير علينا، أسأل الله ألا يفتننا، أسأل الله ألا يبتلينا.

    إن هذه النعم لو رأيت ما يقدمه كثير من الناس اليوم في مقابلتها، لما رأيت إلا أفلاماً يتبادلونها ويسهرون عليها، وغفلات عن صلاة الجماعة، وإعراضاً عن الانقياد والاتباع، واشتغالاً بالمال من أي طريق.

    ولما دعي من دعي للاكتتاب في بنوك الربا، توافد الكثير من الأقوياء الذين قد لا يخشون أن يمسخ الله عافيتهم، يقولون: شكر النعمة اكتتاب في الربا، وشكر الطمأنينة أسهم في الحرام، وشكر هذه الآذان معصية لله جل وعلا. ولا حول ولا قوة إلا بالله أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ [القصص:78].

    فما دام أن العمر منقضٍ، فانتظر ما يأتيك واستعد، فإن عامك الذي مضى قد مرض فيه أصحاء، وصح فيه سقماء، وعز فيه أذلاء، وذل فيه أعزاء، وتفرق فيه مجتمعون، واجتمع فيه متفرقون، ومات فيه أحياء، وولد فيه أجنة، فالحمد لله على كل حال الذي لا تشغله حال عن حال.

    أيها الأحبة: ولى العام وانقضى، فماذا قدمتم لعام تستقبلونه؟ وماذا قلَّبتم في عام تودعونه؟

    أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المعتدلين.

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    لكل شيء نهاية

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أيها الأحبة: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار.

    معاشر الأحبة: نهاية العام فيها بشارة أيضاً، بشارة لكل مريض أن المرض له نهاية، فيه بشارة لكل معتقل أن الاعتقال له نهاية، بشارة لكل مبتلاً أن البلاء له نهاية، بشارة لكل مظلوم أن للظلم نهاية. وانتظر الفرج، فلن يغلب عسر يسرين: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [الشرح:5-6].

    ضاقت فلما استحكمت حلقاتها     فرجت وكنت أظنها لا تفرج

    ولرب نازلة يضيق بها الفتـى     ذرعاً وعند الله منها المخرج

    عسى الكرب الذي أمسيت فيه     يكون وراءه فرج قريب

    فلكل شيء نهاية.. فللظلم نهاية.. وللطواغيت نهاية.. وللجبروت نهاية.. وكُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27].

    للظلم نهاية.. قال مظلوم لظالم كان يتغطرس ويتفنن ويتلذذ في ألوان إيقاع الظلم والأذى فيه. قال له: افعل ما بدا لك.. اظلم ما شئت.. أوليس الموت عن هذه الدار ينقلنا؟ أوليس القبر يضمنا؟ أوليس المحشر يجمعنا؟ أوليس الله يفصل بيننا؟ افعل ما بدا لك.

    هذا أمر عجيب، إن في زوال الأيام والأعوام بشارة لزوال كل ظلم وكفر وبغي وعدوان، ولكن أين من يصبر؟ أين من يعرف ويعلم أن شيئاً من البلاء في ظرف من الزمن آية يبتلي الله فيها عبادة؟ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:1-3] حتى ساعات الظلم بعدها فرج عظيم، وآيات الله في العباد كثيرة لا تحصى.

    في دولة من الدول التي تنتسب إلى الإسلام، وتزعم أنها مسلمة، كان الدعاة فيها في الزنازين، والأئمة في السجون، والعلماء في غياهب السجون، فجاء زعيم من زعماء السجون -سجون التعذيب- ليأخذ واحداً من الدعاة المظلومين، فأخذ يلطمه ويركله، فقال ذلك المسكين: يا الله! فقال الطاغية الظالم: والله لو نزل ربك لسجنته في زنزانة انفرادية.

    ما أحلم الله على عبادة، الله عظيم وحلمه عظيم أيضاً، ومرت الأيام، ويخرج ذلك المظلوم من سجنه، وينتقل ذلك الظالم المتفنن في تعذيب المظلومين والمساكين، فخرج ذات يوم يتنـزه في ضيعة من ضياعه، وبينما هو في الطريق، إذ بجرار زراعي -الذي نسميه دركتل أو الشيول- إذ به يقطع الطريق عليه فجأة، فتلتحم شوكات هذا الجرار الزراعي وسط سيارة ذلك الظالم، ويختلط لحم وعظم الظالم بين الحديد وبين شوكة الجرار الزراعي.

    فجاء رجال الأمن ومن يهمهم الأمر، فلم يجدوا حيلة أن يخرجوا هذه الحالة أو صاحب هذا الحادث إلا بتقطيع جسمه قطعة قطعة، وإخراجه من بين شوكة الجرار وحديد السيارة، فيا لله!! من سجن من.. من حبس من.. من أودع من.. لا إله إلا الله.

    وما من يد إلا يد الله فوقهـا     ولا ظالم إلا سَيُبلى بأظلم

    تنام عينك والمظلوم منتبه     يدعو عليك وعين الله لم تنم

    1.   

    الاستعداد للموت

    أيها الأحبة: هذه الحياة بأيامها مرت سراعاً عجالاً على السعداء، وتمطت بكلكلها، ونأت بأعجازها على المبتلين، لكن الزمن هو الزمن على السعيد والشقي:

    مرت سنون بالوصال وبالهنـا     فكأنها من قصرها أيام

    ثم انثنت أيام هجر بعدها     فكأنها من طولها أعوام

    ثم انقضت تلك السنون وأهلها     فكأنها وكأنهم أحلام

    فكل شيء ماض.

    أيها الناس: إن لكم غاية فانتهوا إلى غاياتكم، وإن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن الواحد منكم بين مخافتين: بين أجل قد مضى لا يدري ما الله قاض فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله صانع فيه. فأعدوا واستعدوا، وفي نهاية العام تذكروا نهاية الأعمار: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30]، وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [الأنبياء:34]، أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78]، فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34].

    ولكن أيها الأحبة: نتيجة الخوف من الموت هي الاستعداد للموت، والذي يخاف من الحريق يعد لإطفاء الحريق، ويعد مادة أو يستعمل مواداً غير قابلة للاحتراق، ويعد أشياء في بناء بيته تعزل انتقال الحريق، هذا هو الخوف الطبيعي، يتترجم إلى استعداد ومواجهة، أما رجل يخاف من النار وهو ينظر إليها ويصطلي بلظاها، أو رجل يخاف من الجوع وهو ينظر الطعام ولا يأكله، أو رجل يخاف من البرد وهو يرى اللباس ولا يلبسه.

    الخوف من الموت هو ألا تبكي وتنشغل أو تسهر، كما يخبرني بعض الشباب أن خوفهم من الموت بلغ بهم حداً أن الواحد منهم يضع يده على خده، أو يده على ناصيته، ويجعل رأسه بين رجليه، فتارة في شرود ذهن، وتارة في قلق فكر، وتارة في عذاب ضمير، ما بك يا أُخيَّ، خائف من الموت، هذا ليس بخوف.

    الخوف من الموت تخافه الحشرات، لو لحقت حشرة هربت؛ لأنها تخاف من الموت، اجعل خوفك من الموت مترجماً محولاً إلى أن تسجد، من كان يخاف الموت فلا ينم إلا وقد صفى قلبه على عباد الله، وأدى حقوق الله في نفسه وماله وبيته، من كان يخاف الموت فليستعد له بالوصية، من كان يخاف الموت فليكثر من الركوع والسجود، والعمل الصالح الذي يؤنسه في قبره، نهاية العام تذكير بفناء ونهاية العمر.

    لكن نريد استعداداً ونريد أهبة، فإن الزاد قليل والسفر طويل، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: [يا دنيا غري غيري ... تزينتي قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة فيها]، وقال غيره: [لقد أدركنا رجالاً من صحب محمد صلى الله عليه وسلم في جباههم أمثال ركب المعز من السجود، ويراوحون الليل والنهار -يراوحون بين أقدامهم من طول القيام والعبادة في الليل والنهار- وإذا ذكرت النار اضطربوا وماجوا وخافوا كأنها لم تخلق إلا لهم] أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين رضي الله عنهم، وبشرهم واختارهم لهذه الصحبة إذا ذُكرت النار اضطربوا كأنها لم تخلق إلا لهم، فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا [الأعراف:169].

    من أحسن الرجاء أحسن العمل، ومن ابتغى الولد ورجى الولد تزوج، ومن ابتغى الثمرة زرع، ومن ابتغى البيت سعى في البناء.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً وبولاة أمرنا فتنة، وبعلمائنا مكيدة، وبالدعاة فرقة وضلالة، اللهم فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء.

    اللهم من سعى في أعراضهم بالفرقة والنميمة والوشاية اللهم أخرس لسانه، وعطل أركانه، وأرنا فيه عجائب قدرتك، واخزه اللهم بين العباد أجمعين.

    اللهم انصر المسلمين في كل مكان، اللهم انصر المسلمين في الجزائر وتونس وبورما وفلسطين والبوسنة والهرسك وأفغانستان وكشمير وأرميوا وفي كل بلاد وبقاع الأرض يا رب العالمين.

    اللهم ما علمت من داعية أو عالم صالح أو مخلص، اللهم فانصره وأيده وثبته ووفقه يا رب العالمين.

    اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم ولي علينا خيارنا واكفنا شرارنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك، اللهم لا تفرِّح علينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً.

    اللهم سخر لنا ولعلمائنا ولولاة أمرنا ودعاتنا ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرضين بقدرتك، واجعل اللهم ذلك في طاعتك ومرضاتك، يا رب العالمين.

    معاشر المؤمنين: لا تنسوا إخوانكم المضطهدين المشردين المقتلين المبتلين في البوسنة والهرسك، وستجدون على الأبواب من يجمع تبرعاتكم.

    وأقم الصلاة، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.