إسلام ويب

نعيم أهل الجنةللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الجنة وما فيها من نعيم ولذات، وسرور وحبور، وسعادة واطمئنان، وبلوغ أمنيات وملذات لا نستطيع أن نحصرها، ولكن قد جمع وصفها قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ) ولكن لابد للجنة من أعمال تكون سبباً في دخول صاحبها الجنة، فاقرأ هذه المادة لتطلع على نعيم الجنة وتعمل بما يوجب دخولها.

    1.   

    حقيقة الدنيا أمام الآخرة

    الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، أحمده سبحانه جعل في السماء بروجاً، وجعل فيها سراجاًوقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق كل شيءٍ فقدره تقديراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، لم يعلم طريق خير إلا ودلنا عليه، وما علم سبيل شرٍ إلا وحذرنا منه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أيها الأحبة: لابد أن نعلم أن هذه الحياة الدنيا -ونحن فيها على قليلٍ من اللباس، وقليلٍ من الطعام- متاعٌ، وأن الآخرة هي البقاء وهي الدار: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً [النساء:77].

    صور النبي صلى الله عليه وسلم نعيم الدنيا بالنسبة إلى نعيم الجنة كما رواه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب: وصف الجنة، فقال: (مثل هذه الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع).

    انظر يوم أن تجلس على ساحل محيطٍ من المحيطات أو بحرٍ من البحار، ثم تضع إصبعك في البحر، ثم تنزع إصبعك مرة أخرى فانظر كم نقص من البحر، هل نقص نصفه أو ربعه أو لتر؟ إن البحر لم ينقص شيئاً، فإن ما علق بأصبعك من قطرة من الماء هي الدنيا، وأما الآخرة فهي البحر كله، كما قال صلى الله عليه وسلم: (مثل هذه الدنيا في الآخرة كمثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم -وأشار بالسبابة صلى الله عليه وسلم ثم قال-: فلينظر بم يرجع).

    أيها الأحبة في الله: لذا إن الله عاتب المؤمنين إذا قعدوا بالدنيا عن الآخرة، واشتغلوا بالفاني عن الباقي، وتعلقوا بالزائل عن الدائم، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [التوبة:38].

    أحبابنا: إن الله عز وجل قد جعل نعيم الجنة أضعافاً مضاعفة، وقد جعل فيه فضلاً لا يحيطه عقلٌ، وحسبك أن موضع سوطٍ في الجنة أعظم وأجَلُّ وأبرك وأطيب من الدنيا وما فيها: (ولقاب قوس أحدكم من الجنة خيرٌ مما طلعت عليه الشمس) قاب قوس أي: موضع قوسٍ في الجنة خيرٌ مما طلعت عليه الشمس.

    لكن اعلموا يا عباد الله! أن هذه الدنيا لئن كانت مكدرة فإن الجنة خالية من الشوائب والكدر، ألا ترى أن طعام أهل الدنيا وشرابهم يتحول إلى الغائط والبول ورائحة كريهة؟!

    ألا ترى أن نساءنا يقطعهن الحيض والنفاس، ألا ترى أن شيئاً في هذه الدنيا يكدره ما يكدره؟

    أما نعيم الجنة فلا يشوبه كدرٌ، بل إنه نعيمٌ باقٍ دائم، ولذلك مثل الله متاع الدنيا كزهرة وورقة خضراء تيبس ثم تذروها الرياح، فكأن لم تكن شيئاً، أما الجنة فهو رزق ما له من نفاد: مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل:96] أما الجنة فأُكلها دائم وظلها.

    أيها الأحبة في الله: إننا إذا تأملنا هذه الحقائق علمنا أن الفوز الحقيقي هو الفوز بالجنة، وأن الفوز الزائف المؤقت هو تعلق أهل الدنيا بما يحققون.

    تذكر حال لاعبٍ قد صفقت له الجماهير، وهتفت وأعطته الهتافات يوم أن سدد برجله ضربةً على تلك الكرة إلى مرمى فريق الخصم، ثم التفت والجماهير وهي تهتف له، ثم أتى أقرانه وأترابه من اللاعبين يقبلونه ويحملونه على رءوسهم، انظروا تلك الفرحة التي تغمره، أو يراها فرحةً غامرة، والله ليس ذلك إلا خداع فرحة، وما ذاك إلا خداع سرورٍ ولو تأمله لوجد أن بعده ما بعده.

    وانظر ذلك الذي يناقش رسالةً في الماجستير أو الدكتوراه، فإذا خرجت اللجنة بعد أن تداولت ما قدمه الطالب في رسالته، وأعلنت اللجنة مجتمعة لا بالأغلبية أن هذا الطالب نال الامتياز ومرتبة الشرف، وأوصت بطباعة رسالته، كيف يتهلل وجهه؟!

    وانظر إلى آخر يسمع قراراً يبشر فيه بمرتبةٍ علية في وظيفةٍ أو في منصبٍ من المناصب... كل ذلك نعيمٌ أو متاعٌ أو فرحةٌ أو فوزٌ، ولكنه بين حلال وحرام، وما كان من ذلك كله فاعلم أنه زائلٌ وينتهي عنك.

    أموالنا لذوي الميراث نجمعهـا     ودورنا لخراب الدهر نبنيها

    لا دار للمرء بعد الموت يسكنهـا     إلا التي كان قبل الموت يبنيها

    فإن بناها بخيرٍ طاب مسكنـه     وإن بناها بشرٍ خاب بانيها

    1.   

    لابد لدخول الجنة من عمل

    أيها الأحبة: إن أناساً يقولون: كيف السبيل إلى نعيم الجنة؟ ولا يمكن أن نصل إليه أو أن نسلك سبيله إلا إذا أصبحنا رهباناً، نلبس المسوح، وننقطع عن الناس، ونعتزل عن المجتمع، ونظمئ الأكباد في النهار، ونتعب الأقدام طيلة الليل.

    أيها الحبيب! هذا منطق يحتاج إلى تأمل، أما الذين يظنون أن الجنة لا تبلغ إلا بالرهبنة، ولا تبلغ إلا بتحريم نعيم على النفوس نعيماً قد أباحه الله، فذلك ليس بحقٍ أبداً: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف:32] من هذا الذي يظن أنه لا ينال الجنة إلا إذا شدَّد على نفسه أمراً جعل الله له فيه فرجاً؟

    من هذا الذي يظن أنه لا ينال نعيم الجنة إلا إذا ضيَّق على نفسه أمراً جعله الله واسعاً؟

    من هذا الذي يظن أنه لا ينال نعيم الجنة إلا إذا ترك طيباتٍ قد أحلها الله لعباده المؤمنين وتكون خالصة في الجنة بإذن الله لعباده الصالحين؟

    ليس هذا بمنطقٍ وليس هذا بعقل، ولكن الجنة تحتاج إلى عمل، لا تحتاج إلى الأماني، أو التشهي، أو التمني، إن نجمةً يعلقها ضابطٌ من الضباط على كتفه ما نالها إلا بعد سنواتٍ من التدريب الشاق، والامتحانات الصعبة، إن شهادةً ينالها طالبٌ من الطلاب ما نالها إلا بعد سنواتٍ من الكد والجد والمذاكرة والمثابرة، إن تاجراً ما جمع حفنةً من المال إلا بعد سهرٍ طويل، وإن كثيراً من متاع أهل الدنيا أو مناصبهم أو مراتبهم أو انتصاراتهم أو الفوز الذي يعدون أنهم سجلوه ويفتخرون به، ما نالوه بنومٍ ولا بانقطاع عن الجد والكد والاجتهاد وإنما نالوه بتعب، وهو نعيمٌ زائل فان منقض مضمحل، ومع ذلك ما نالوه إلا بتعب.

    فمن ذا الذي يريد أن ينال الجنة بإعراضٍ عن طاعة الله، أو يريد أن ينالها بالتمني؟

    من ذا الذي يريد أن يبلغ الجنة وهو معرضٌ عن طاعة الله، وعن الصلاة مع الجماعة، وعن بر والديه، وعن صلة رحمه، وعن الإنفاق في سبيل الله، وعن كف لسانه عن الغيبة والنميمة، وعن تصفية قلبه وتنقية فؤاده من الحسد والإحن والغل والبغضاء؟

    تريد جنةً بالغل والحقد! تريد جنةً بالحسد والنميمة! تريد جنةً بالغيبة والكراهية! تريد جنةً بصلاةٍ في البيت المؤذن يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح! تريد جنةً بإمساك المال، والله يقول: وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد:7]! تريد جنةً وأنت قاعدٌ وقد سبق السابقون وقد أضمأوا نهارهم وأسهروا ليلهم، تريد جنةً وأنت كسول خمول.

    تسألني أم الوليد جملاً     يمشي رويداً ويجي أولاً

    هذا والله لا يكون أبداً.

    إن الجنة تحتاج إلى مخالفة للهوى، إن من أراد الجنة، وأراد أن يختبر نفسه ويمتحن طريقته ويتأكد من سير أقدامه هل هو في طريق الجنة أم لا، فلينظر نفسه إذا اشتهت شيئاً مما حرم الله، إن قال: لا.. وصبر عن معصية الله، وصبر على طاعة الله، وصبر على أقدار الله، وحزم نفسه وأخذ بزمامها وعسفها وصارعها وأكرهها وروضها.. إذا فعل ذلك فليعلم أنه على طريق أهل الجنة.

    أما من يعطي نفسه هواها فقد خاب من دساها، أما من أراد لها الفلاح فقد أفلح من زكاها، يقول صلى الله عليه وسلم: (حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره) متفق عليه. وهذا الحديث يقول عنه النووي رحمه الله معلقاً: هذا من بديع الكلام وفصيحه وجوامعه الذي أوتيه النبي صلى الله عليه وسلم، ومعناه: لا وصول إلى الجنة إلا بارتكاب المكاره، فالنار بالشهوات قد حفت، والجنة محفوفةٌ بالمكاره فهما محجوبتان بهما، فمن هتك الحجاب وصل إلى المحجوب، فهتك حجاب الجنة باقتحام المكاره، وهتك حجاب النار بارتكاب الشهوات، فأما المكاره فيدخل فيها الاجتهاد بالعبادة والمواظبة عليها، والصبر على المشقة فيها، وكظم الغيظ والعفو والحلم والصدقة والإحسان والصبر عن الشهوات ونحو ذلك.

    1.   

    العمل سبب في دخول الجنة وليس ثمناً لها

    إن أهل الجنة يستحقون الجنة برحمة الله لا بأعمالهم العمل سببٌ إلى الجنة وليس ثمناً إلى الجنة، فالجنة شيءٌ عظيم، ومن ناله فإنما ناله برحمة الله لا بعمله، ولا بقوله، ولا بمنزلته، ولا بفعله، ولا باجتهاده... إنما ناله برحمة الله عز وجل، قال صلى الله عليه وسلم: (لن يُدخل أحدٌ منكم عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضلٍ منه ورحمة) وهذا أمرٌ مهم، فإن بعض الناس إذا تصدق صدقةً ظن أنه مقابل هذه الصدقة يستحق الفردوس، وإذا كفل يتيماً ظن أنه بهذه الكفالة يستحق عليين، والآخر إذا تهجد ليلةً أو صام يوماً ظن أنه بذلك يستحق كذا، وكأنه في عقد معطاة، هذه مقابل هذه.

    اعلم أيها الأخ الحبيب! أن العمل ليس ثمناً للجنة، إنما العمل سبب إلى الجنة، وفرقٌ بين السبب والثمن، أما دخول الجنة فما هو إلا برحمة الله، وأما السبب فهو العمل الصالح الذي ينفع بإذن الله إذا كان خالصاً صواباً، خالصاً لوجه الله صواباً على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قد تشكل كثير من الآيات والنصوص على كثيرٍ من المسلمين كقول الله عز وجل: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17]، وكقول الله عز وجل: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72] فالجواب: ألا تعارض بين الآيات، أو ما دل عليه الحديث في صحيح مسلم، فإن الآيات تدل على أن الأعمال سببٌ لدخول الجنة وليست ثمناً لها، والحديث نفى أن تكون الأعمال ثمناً للجنة، وفي هذا يقول ابن أبي العز الحنفي شارح الطحاوية يرحمه الله: وإنما ترتيب الجزاء على الأعمال، وقد ضل فيه الجبرية والقدرية، وهدى الله أهل السنة وله الحمد والمنة، فإن الباء في النفي غير الباء في الإثبات، فالمنفي في قوله صلى الله عليه وسلم: (لن يدخل الجنة أحدٌ بعمله) باء العوض -الباء في الحديث (بعمله) هي باء العوض- وهو أن يكون العمل كالثمن لدخول الرجل الجنة، كما زعمت المعتزلة: أن العامل مستحقٌ لدخول الجنة على ربه بعمله، بل ذلك برحمة الله وفضله، والباء في قول الله عز وجل: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17] -أو في آياتٍ أخرى- هي باء السبب، أي: بسبب عملكم، والله هو خالق الأسباب والمسببات، فرجع الكل إلى محض فضل الله ورحمته.

    ما أجمل فهم السلف! وما أجمل فقه السلف! وما أحوجنا إلى تأمل كلام السلف الصالح رضوان الله عليهم في دقيق هذه المسائل الجليلة.

    1.   

    أسباب دخول الجنة

    إن الأعمال التي هي سببٌ إلى الجنة لو أردنا أن نستعرضها لطال بنا المقام، وحسبنا في هذا المقام القصير المبارك -بإذن الله- أن نستعرض شيئاً منها:

    الاستقامة على الدين والصبر عليه

    يقول الله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأحقاف:13-14]، إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30] الاستقامة على طاعة الله، الثبات على الدين، المضاء، البقاء، القوة على هذا الأمر حتى يلقى العبد ربه، هذا خيرٌ عظيم.

    أخي الحبيب: إن كنت في العشرين من عمرك فتخيل نفسك وأنت على استقامةٍ في الأربعين والخمسين والستين إن طالت بك الحياة، إن كنت في الثلاثين فتخيل نفسك في الأربعين والخمسين، لا تنظر إلى استقامتك:

    كأنها سحابة صيفٍ عما قريبٍ تقشع

    لا تنظر إلى استقامتك وكأنها شيءٌ لا يصلح للاستعمال إلا مرةً واحدة، لا تنظر إلى استقامتك وكأنها قضية عاطفية آنية تزول بزوال مسببها من حدثٍ أو موقف، إنما انظر إلى استقامتك وكأنها نفسك، وكأنها الشهيق والزفير الذي تتنفسه، فصلاة الفجر، والصبر عن المعاصي، والثبات على الحق، والإعراض عن الشهوات، ومجاهدة النفس، ليس لمدة سنة أو سنتين إن طال العمر أو قصر خمسين سنة، ستين سنة، سبعين سنة، يقول أحد السلف ولعله لما بلغته الوفاة، وبكى أحد أولاده، أو بكى أحدٌ ممن حوله، قال: [إني لأرجو رحمة ربي، والله ما فاتتني تكبيرة الإحرام أربعين عاماً] استقامة.. متابعة جادة.. صبر وجلد على الطاعة أربعين سنة، قال: [ولي عشرون عاماً ما أذن المؤذن إلا وأنا في المسجد] الله أكبر! من يستطيع هذا؟! نختبر أنفسنا وإياكم إن شئتم من هذه الليلة والذي يسجل الرقم القياسي يبشرنا فندعوا له، ونسأل الله للجميع الثبات.

    صحح الألباني وفقه الله حديثاً في كتاب الترغيب والترهيب فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك تكبيرة الإحرام خلف الإمام أربعين يوماً كتب له براءتان: براءة من النفاق، وبراءة من النار) الاستقامة على الطاعة، الصبر على الالتزام أياً تقلبت الأحوال وتغيرت الظروف، فهذا هو المطلوب أيها الأحبة! وحينئذٍ يكون الواحد بإذن الله وبرحمة الله، وبمنه وكرمه من أهل الجنة، والعمل الصالح: (لا تحقرن من المعروف شيئاً) ابتسامة، سلامٌ، كلمة طيبة، أمرٌ بمعروف، نهيٌ عن منكر، بر والدين، صلة رحم، إماطة أذى، إغاثة ملهوف، نصيحة مسلم، زيارة أخ في الله، اتباع جنازة، الصلاة على جنازة، زيارة مريض، لا تدع خيراً من الأعمال إلا واجتهدت فيه لعلك برحمة الله أن تكون من أهل الجنة بسبب هذا العمل، قال تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ [البقرة:25].

    الصبر على شظف العيش

    القوة في العبادة والرغبة إلى الله

    ومما تنال به الجنة: القوة في العبادة والرغبة إلى الله عز وجل، وقوة الانكسار والخضوع والخشوع لله، إنما الأعمال تتفاضل بحقيقة ما يقوم في قلب القائم بها والعامل لها، ليس بكثرتها ولا بضخامتها ولا بشكلها ولا بصورها (سبق درهمٌ ألف درهم) إن الصحابة مُد أحدهم أعظم من جبلٍ ينفقه أحدنا في هذا الزمان: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:15-17].

    الخوف من الله، وما أجمل الخوف من الله، إذا دعيت إلى معصيةٍ فوعدوك بمالٍ عليها، أو زخرفوا لك في ارتكابها، أو وسوسوا لك في قربانها، فقلت: إني أخاف الله: رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ [القصص:17]، إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ [يوسف:23].

    أيها الأحبة: ينبغي أن يتذكر الواحد نِعم ربه عليه، فلا يتجرأ بهذه النعمة على المعصية، وليكن في قلبك خوفٌ من الله عز وجل، والله إن كثيراً من الناس إذا دس أو أدخل من تحت بابه ورقةً يطالب فيها بالحضور إلى مقر الشرطة صبيحة يومٍ معين احمر واصفر وجهه، وانتقع لونه، وذهبت به الأفكار أخماساً وأسداساً، وتشتت ذهنه انزعاجاً من هذا الأمر، يا ترى ماذا يريدون مني؟

    لو قيل لك: إنذارٌ قد وجه لك، أنت مطلوبٌ للتحقيق، أنت مطلوبٌ للمحاسبة، أنت مطلوبٌ للمساءلة، والله لا تدع صديقاً ولا وجيهاً ولا قريباً ولا حسيباً إلا وحاولت أن تجعله وسيلةً أو تجد عنده شفاعةً للاستفسار عن هذا الأمر الذي أهمك، فما بالك والواحد منا ينتظر منيته صباح مساء، ويخبرني الأخ الشيخ/ محمد الغزالي وفقه الله، وبارك في جهوده: أن رجلاً اتصل به على جهاز النداء من مدينة الرياض، فقلت: هذا رقمٌ نعرفه، فانظر لم اتصل صاحبنا هذا، فقال: إن فلاناً قد توفاه الله، سبحان الله! أنا أعرف أن فلاناً هذا لو صارع أقوى رجل فيكم لصرعه، أعرف أن هذا الشاب قوي جلد نشيط، ما يخطر ببالنا أن يموت، لكن جاءته المنية ومات وانتقل إلى رحمة الله، فلا أتكون المنية غداً لي أو لك.

    لا بد أن نتخيل هذا، وأن نتصوره، فالواحد أيها الأحبة! لا يخشى من البشر، وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ [الأحزاب:37] لا بد أن يكون في القلوب خوفٌ من الله: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46].

    تقوى الله عز وجل

    لو درست وتأملت كثيراً من الآيات التي وعد الله فيها المؤمنين بالجنة والنعيم، والثواب والرفعة، والكرامة والرزق الواسع لوجدت أن ذلك قد رتب على التقوى.

    وتقوى الله خير الزاد ذخراً     وعند الله للأتقى مزيد

    ولست أرى السعادة جمع مالٍ     ولكن التقي هو السعيد

    ليس من يقطع طرقاً بطلاً     إنما من يتقي الله البطل

    وقول الله أبلغ: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً [مريم:63]، إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ [القمر:54] تجد أغلب وجُلَّ آيات الجنة قد ربطت بتقوى الله عز وجل، وتقوى الله أمرٌ معلوم، أن تعبد الله على نورٍ من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله خشيةً من الله، وخوفاً من عذاب الله.

    أيها الأحبة: ليس عجيباً أن نكون أسوياء أمام بعضنا البعض، ليس غريباً أن يكون الواحد أنموذجاً جيداً أمام الآخرين، ولكن التقوى هي صدق هذا النموذج في السر، صدق هذا النموذج يكون إذا أُرخيت الستور، وأُغلقت الأبواب، وأطفئت الأنوار، وخلا الواحد بنفسه، فانظر إن كنت من أهل التقوى أم لا؟

    إن التقوى منزلة عظيمة، ولكن جاهد نفسك، فإن المتقين ليسوا قوماً معصومين عن المعصية، وقد ذكر الله عز وجل حال المتقين بقوله: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133] من هم المتقون؟ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ [آل عمران:134] فالمتقون ينفقون وَالضَّرَّاءِ ينفقون في السراء والضراء: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ فالمتقون يكظمون غيظهم: وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ فالمتقون يعفون عن الناس: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134] فالمتقون يحسنون: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ [آل عمران:135] فالمتقون ليسوا بمعصومين أن يقعوا أو أن يزلوا في معصيةٍ أو خطيئة، لكن المتقين إن وقعوا أو زلوا: ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ [آل عمران:135-136] انظروا إلى هذا الجزاء العظيم: مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:136] هذه التقوى -أيها الأحبة- هي من أعظم الدرجات التي ينال بها العبد جنة الله ورضوانه.

    القسط والعدل في السلطان

    ألا وإن من أسباب الجنة: أن يكون الواحد قاسطاً عادلاً في سلطانه، رحيماً بإخوانه، عفواً عنهم ما استطاع، وكما قال صلى الله عليه وسلم: (وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطانٍ مقسط متصدقٍ، ورجلٌ رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال).

    1.   

    الجنة وما فيها من الراحة والنعيم

    أيها الأحبة: إن الجنة هي المطلب والأمنية، إن الجنة هي الغاية، واسأل هذا الذي ينفق أمواله سراً وعلانية، ماذا تريد.. أموال تجمعها في التجارة ثم تنفقها هكذا؟

    يقول: أريد الجنة.

    واسأل هذا المجاهد ماذا تريد.. تسلك طريقاً ينفجر فيه لغمٌ فتفقد طرفاً من أطرافك أو حاسةً من حواسك، ماذا تريد؟ تأتيك رصاصة فتزهق بها روحك، ماذا تريد؟

    تقصف من فوقك، أو تغتال من تحتك؟

    واسأل هذا العالم ما الذي حبسك عن لذات الدنيا، وقطعك عن ملذاتها وأشغلك بحلق العلم، عالمٌ معلمٌ ورءوف برٌ بتلاميذه؟

    اسأل هؤلاء جميعاً يقولون: نريد الجنة، فالجنة مطلبٌ كلٌ يريده، وأمنيةٌ كلٌ يشتاق إليها؛ لأنها راحةٌ لا تعب فيها، وكما قال عبد الله بن الإمام أحمد لوالده، وقد رآه يعذب ويفتن ويبتلى، وقد أصابه ما أصابه من التعذيب الجسدي والنفسي في فتنة القول بخلق القرآن، فقال ولده: يا أبتِ! متى الراحة؟ أنت إمام أهل السنة والجماعة ، الإمام أحمد كانت تشد إليه الرحال من خراسان ومن بلدان كثيرة يطلب الحديث منه، الإمام أحمد بن حنبل يقول له ولده وهو يراه قد ابتلي بلاءً عظيماً: يا أبتِ! متى الراحة؟ فيقول الإمام: الراحة عند أول قدمٍ نضعها في الجنة.

    الذي يدخل الجنة انتهت قضيته، قبل دخول الجنة تكون على خطر عظيم، لكن إذا دخلتها انتهت القضية، خلودٌ لا يكدره موت، نعيمٌ لا يكدره عذاب، عزةٌ لا يكدرها ذلة، أمنٌ لا يكدره خوف.

    اسأل نفسك -أيها الحبيب- وأنت تعود إلى بيتك في نهاية عملك كل يوم متعباً مرهقاً مكدوداً وأنت تقول: متى أرتاح من عناء هذا العمل؟

    وهل أتعبت جسدك في هموم هذا العمل، وأرهقت أعصابك، وأقلقت نفسك، وأتعبت بالك، ثم تساءلت: متى أضع حداً لهذا العمل؟

    وهل توقعت أن ترتاح بعد أن تنتهي من دراستك، وحين أنهيتها بدأت متاعب جديدة؟

    وهل أملت أن تظفر بالراحة من تعب حياة ما قبل الزواج، وتقول: متى أتزوج فأرتاح، ثم تزوجت فوجدت متاعب جديدة؟

    هل رسمت في ذهنك حياةً مريحة حين تجمع من المال مبلغاً، وحين جمعت هذا المال نشأت لك بعد جمع المال متاعب جديدة، ثم تقول: ومتى أستثمره حتى أرتاح من همه، فإذا دخلت في استثماراته أتعبتك متابعة هذه الاستثمارات؟

    إن التعب ملازمٌ لهذه الحياة الدنيا سواء كنت فقيراً أم غنياً، أم أميراً: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد:4].

    من ذا الذي قد نال راحة عمره     فيما مضى من عسره أو يسره

    يلقى الغني لحفظه ما قد حوى     أضعاف ما يلقى الفقير لفقره

    وأبو العيال أبو الهموم وحسرة الـ     رجل العقيم كمينة في صدره

    أوما ترى الملك العظيم بجنـده     رهن الهموم على جلالة قدره

    فتراه يمشي والهاً في قصره      وبنفسه همٌ تضيق به جوانب قصره

    ولرب طالب راحة في نومـه     جاءته أحلامٌ فهام بأمره

    ولقد حسدت الطير في أوكارها     فرأيت منها ما يصاد بوكره

    والحوت يأتي حتفه في بـحره     والوحش يأتي موته في بره

    كيف التخلص يا أخي مما ترى     صبراً على حلو القضاء ومره

    ليس في هذه الدنيا راحةٌ مطلقةٌ أبداً، قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6] يقول ابن كثير : المؤمن يكدح ثم إلى الجنة، والكافر يكدح ثم إلى النار: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد:4].

    لا يمكن أن تضع حداً لمتاعب هذه الدنيا حتى وإن كنت من كنت في مرتبتك أو منزلتك أو جاهك أو مكانتك أو أموالك، لا بد أن تجد من هذه الدنيا تعباً ونصباً، والناس متفاوتون في ذلك.

    أيها الأحبة: إذا أدركنا ذلك فلابد أنه يشوقنا إلى نعيم الجنة، ويجعلنا نأمل نعيماً لا تكدره هذه الأكدار، إن كنت خائفاً لا تجد لمتعةٍ لذة، ولا للذة متعة، ولا تجد للطعام طعماً، ولا للشراب ذوقاً، إذا كنت خائفاً فلا يمكن أن تستمع بكل ما أُتيت من حولك إلا في ظل الأمن والدنيا يكدرها الخوف في كل حال، أما الجنة ففيها الأمن بإذن الله عز وجل.

    وإن مما يعذب به أهل الدنيا أن يزول الأمن من نفوسهم وقلوبهم، ثم يزول من أوطانهم إذا هم كفروا بنعم الله عز وجل: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112] ولماذا قال الله عز وجل: فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ [النحل:112]؟ لماذا جعل الجوع والخوف لباساً؟ من عظيم نكد الدنيا وكدرها أن الجوع يفصل كما يفصل اللباس، أكمامٌ على الأيدي، وسرابيل على الأبدان، وقلانس على الرءوس من الخوف والجوع، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    لذا كان أهل الجنة هم الآمنون يوم الفزع، قال الله عز وجل: وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ [النمل:89]، إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ [الدخان:51]، لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [الأنبياء:103] يقول أهل العلم وهو الصحيح من قولهم: إن أهل الإيمان يستثنون من الفزع الأكبر والخوف يوم القيامة، لا أنه يعم المؤمن والكافر، فإن كنت من أهل الجنة فلن تكون من الذين يفزعون يوم الفزع الأكبر، وإن كنت من أهل الجنة فأنت بعيدٌ عن حسيس النار ولهيبها: لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ [الأنبياء:102].

    الجنة وما فيها من الأمن والسلام

    أيها الأحبة: في الجنة ملذات لا يكدرها تخمةٌ ولا أمراضٌ ولا أسقام، أمنٌ وسلام: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ [الدخان:51] ولا يمكن أن يطيب المقام والسكن والقصر والدار إلا إذا كان العبد فيه آمناً على جميع ما يحذر أو يخاف عليه.

    إن أهل الجنة لا يتحولون عنها، نحن في هذه الدنيا بطبيعتنا نِملُّ من مرتبةٍ نبلغها، فالذي جمع طموحه طوال سنين عمره حتى بلغ بدراسته نجاحاً وشهادةٍ جامعية يطمح إلى ما بعد ذلك، فإذا نال شهادةً أعظم يطمح إلى ما بعد ذلك، فإذا عين بالعاشرة يطمح إلى الثانية عشر ثم إلى الرابعة عشر، ثم ليكون وكيل وزارة، ثم ليكون وزيراً، ثم ليكون .. ثم ليكون .. لا تقف النفس عن طموحاتٍ وعن مللٍ من الحال التي قد أمسكت بها، وطموحٍ إلى حالٍ بعدها.

    أما في الجنة فإن الواحد يطمئن ولا يريد أن يتحول عنها، هل تذكرت حياة عزوبيتك وشوقك إلى الزواج، وتصوراتك الجميلة الحالمة عن عش الزوجية الهانئ؟

    ثم حين تزوجت واستقر بك الحال أصبح الزواج عادياً، ولربما أصبحت من الذين ينصرفون أو لا يميلون إلى الجلوس مع زوجاتهم، هل ظننت أو حلمت بثروةٍ طائلة ودخلٍ كبير فإذا تحقق ذلك أتظن أنك تقول: حسبـي! حسبي، قط قط! اكتفيت اكتفيت؟!

    بل تريد مزيداً من ذلك، وفي النفس هلعٌ وجشع وطمع، أما في الجنة فلا تريد عن نعيمها تحولاً أبداً:

    تحلت سويد القلب ما أنا باغياً     سواها ولا عن حبها أتحول

    الجنة وما فيها من طيب الكلام والمسكن

    في الجنة لا تسمع إلا أطيب الكلام، هل آلمتك ذات يومٍ كلمةٌ صدرت عن مسئولك في العمل، وتركت في نفسك جرحاً وحرجاً لم يندمل إلا بعد أيام؟

    هل شعرت بالحزن تجاه صديقٍ وجه إليك كلمةً قاسية لم تكن تتوقع صدورها منه؟

    أما ضقت يوماً بمجلسٍ من المجالس كثر فيه اللغو والغيبة وفاحش القول وساقط الكلام؟

    كل ذلك ليس في الجنة أبداً، إنما فيها الطيب من القول، قال تعالى: وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ [الحج:24] يقول ابن كثير رحمه الله: فهدوا إلى المكان الذي يسمعون فيه الكلام الطيب، لا كما يهان أهل النار بالكلام الذي يوبخون ويقرعون به.

    نعم. أيها الأحبة: إن طمأنينة النفس حتى من سماع كلامٍ ينغص عيشها ويكدرها أمرٌ مطلوبٌ قد لا تجده في هذه الدنيا, ولا يستطيع الإنسان أن يسلم من الناس.

    لو كنت كالقدح في التقويم معتدلاً     لقالت الناس هذا غير معتدل

    فلا يمكن أن تسلم من سماع كلامٍ يكدر، أو يجعلك تتعثر، ولكن في الجنة لن تسمع إلا طيب القول وأكرم وأجَلَّ وأجمل الكلام. أسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم ممن يسمع ذلك، قال تعالى: لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً [الواقعة:25-26] لا يسمعون كذباً ولا باطلاً، ولا يؤثم بعضهم بعضاً، هم في مساكن طيبة، هم في درجات عظيمة: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:72] مساكن طيبة، حسنة البناء، طيبة القرار، فيها نعيمٌ عظيمٌ ومقيم، لبنة من ذهب، ولبنةٌ من فضة، وملاطها المسك، لا يفنى أهلها، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنون، ولا يموتون، بل مخلدون بمنِّ الله وكرمه.

    الجنة وما فيها من الأماني واللذات المتحققة

    اسألوا آباءكم: كيف كانوا في بيوتٍ صغيرةٍ لو قيل لأحدنا اليوم: اجعل هذه الماعز أو هذه البقرة في هذا البيت لقال: حرام عليك.. أتسكن البهيمة في هذا المكان الضيق؟

    إن تلك البيوت القديمة سكنتها أسر كبيرة، وعوائل متعددة، ثم فتح على الناس في هذه البلاد خاصة ألوان من الدنيا، فسكنوا الشقق، والفلل الكبيرة، وبعضهم سكن القصور، ثم بعد ذلك أتمنى أن هذا القصر مساحة عشرة آلاف فخمسة آلاف صغيرة، أتمنى أن هذه الشقة مساحة أربعمائة فمائتين صغيرة، أتمنى أن هذا البيت ألفين فمساحة خمسمائة صغيرة، الإنسان في هذه الدنيا مهما أوتي يملُّ، حتى من داره التي كان يوماً ما يتمنى أن يكملها ويسكنها، أما في الجنة فدورٌ وقصورٌ عظيمة، لا تظن أنك تتمنى في هذه الحياة فقط، بل في الجنة أنت أيضاً تتمنى: وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ [الزخرف:71] تمنى ما شئت في الجنة فإن الله عز وجل يعطيك الأمنية، إن تتمنى الولد أو تتمنى غير ذلك فإن الله عز وجل يعطيك ذلك.

    إن الإنسان في الدنيا تواق إلى كل شيء، إذا رأى شيئاً عند غيره لا يملكه تمنى أن يحوزه ويملكه، وإذا حرم من شيءٍ تمنى أن يرزقه، فهذا يتمنى ملكاً وسلطاناً، وذاك يتمنى شهرةً وصيتاً، وذاك يتمنى زوجةً جميلة، وهذا يتمنى تجارة رابحة، والإنسان حينما يسرح في هذه النعم لا تقف هذه الأماني عند حد، ولكن الأمر في الجنة أنك تتمنى فيحقق الله أمنيتك، ففي الحديث: (إن المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنه في ساعةٍ واحدةٍ كما يشتهي).

    فالأماني في أهل الجنة مدركةٌ تنال بإذن الله عز وجل ورحمته، هذا واحدٌ من أهل الجنة كما يخبر النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن ربه في الزرع -يريد أن يزرع في الجنة- فيأذن له، فما يكاد يلقي البذر حتى يضرب بجذوره الأرض، ثم ينمو ويكتمل وينضج في نفس الوقت، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحدث وعنده رجلٌ من أهل البادية: (إن رجلاً من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له: ألست فيما شئت؟ -يعني: ما شئت من النعيم وألوان الراحة- قال: بلى، ولكن أحب الزرع، فبذر، فبادر طرف نباته -يعني: نموه أسرع من النظر- واستواءه واستحصاده، فكان أمثال الجبال، فيقول الله تعالى: دونك يا ابن آدم! فإنك لا يشبعك شيء، فقال الأعرابي الذي كان جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم يسمع الحديث: والله لا تجده إلا قرشياً أو أنصارياً، فإنهم أصحاب زرعٍ يا رسول الله! وأما نحن فلسنا بأصحاب زرع، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم).

    الجنة وما فيها من الحور العين

    في الجنة حور عين، فقد تكون عازباً لم توفق إلى الزواج بسبب قلة مالك، أو كثرة مسئوليتك تجاه أهلك أو إخوانك، أو لأنك لم تجد فتاةً مناسبةً، أو لأنك تخطب فلا تزوج، أو لأمرٍ من الأمور، أو تشكو من زوجةٍ قد كدرت حياتك، فتعلق بنعيمٍ فيه من الحور ما كمل الله فيه نعيم أهل الجنة.

    الأمر في الجنة مختلفٌ جداً، فالحور أجمل ما تشتهيه الأنفس، وتلذ به الأعين، ويطمئن إليه القلب بعد النظر إلى وجه الله الكريم.

    فهل من مشمر لجنةٍ عرضها السماوات والأرض والله أعلم.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.