إسلام ويب

مفهوم (لا إله إلا الله)للشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • (لا إله إلا الله) هي العروة الوثقى، وهي الكلمة التي جعلها إبراهيم عليه السلام باقية في عقبه لعل قومه يرجعون، وهي الكلمة التي إذا نطق بها العبد عُصِم عرضه وماله ودمه، وهي أول ركن من أركان الإسلام، وأعلى شعبة من شعب الإيمان. وقد ورد لها في الكتاب والسنة ثمار وشروط ونواقض، يجب على العبد معرفتها حتى يبقى في دائرة (لا إله إلا الله).

    1.   

    معنى لا إله إلا الله

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، هو الأول ليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن ليس دونه شيء، وهو على كل شيء قدير، قدر فهدى، ودفع عنا سائر النقم، وأسبغ علينا ألوان النعم، وما من خير إلا ودلنا عليه في كتابه، وما من شر إلا وحذرنا

    منه في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فله الحمد في الآخرة والأولى، وله الحمد حتى يرضى:

    يا رب أنت المستعان وإننا     أبداً لجودك عالة فقراء

    أنت الغني وما لجودك منتهـى     بيديك سر الخلق والإحياء

    ما كان أو سيكون أو هو كائن     يفنى وليس لما سواك بقاء

    أبدعت هذا الكون في صنع وفي     يدك التصرف فيه كيف تشاء

    لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، وأصلي وأسلم على محمد بن عبد الله سيد الأنبياء وخاتم المرسلين، وعلى آله وأزواجه وأصحابه الطيبين الطاهرين ومن اهتدى بهديه واقتفى أثره إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا أحبتي في الله: شرف عظيم وأي شرف أن نجتمع سوياً في بيت من بيوت الله، نتلو شيئاً من كلام الله، وطرفاً من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الملائكة تستغفر لنا وتقول: اللهم اغفر لهم، اللهم ارحمهم. اجتمعنا على غير ما صلة ولا قرابة، ولا طمع ولا مصلحة، ولا غاية إلا طلب ما عند الله عز وجل.

    فإني أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، إنه سميع مجيب.

    هذا الفضل العظيم لا يوجد في أي مقام من مقامات الدنيا إلا في هذه الأماكن، وقد يقول قائل: إن الإنسان لو ألقى محاضرة عبر التلفاز، أو عبر الإنترنت، أو عبر الإذاعة لخاطب ملايين الناس، وهذا حق وصواب، ولكن الخطاب والحديث في كلام الله وسنة رسول الله على وجه التذكر والتعبد والتذلل في بيوت الله عز وجل له مزية لا توجد في سواه، ألا وهي مزية تنزل الملائكة وغشيان الرحمة، وذكر الله عباده في الملأ الأعلى.

    أحبتي في الله: المقام لفضيلة الشيخ صالح بن غامد السدلان ، ولي موعد تضارب مع هذا الموعد وهو موعد دعوي -أيضاً- في منطقة تبعد عن الأرطاوية كما أخبرني أحسن الله إليه وإليكم، في أمر دعوي -أيضاً- توجه حفظه الله، وطلب مني أن أقوم مقامه وأن أنوب منابه، وقد قال الله عز وجل: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا [النساء:43].

    وأهل اللغة يقولون: نائب الفاعل يقوم مقام الفاعل، فلعلي أن أسد شيئاً من مسده وخطابه وكلامه، سائلاً الله عز وجل أن يرزقني وإياكم الإخلاص في القول والعمل.

    عنوان هذه المحاضرة: (معنى لا إله إلا الله):

    كلمة التقوى والعروة الوثقى لا إله إلا الله، جعلها إبراهيم عليه السلام كلمة باقية في عقبه، لعل قومه يرجعون وبمقتضاها يعملون.

    هذه الكلمة العظيمة التي إذا نطقها العبد موقناً بها، دخل في هذا الدين العظيم، قد عصم بذلك عرضه وماله ودمه، وإذا أبى فلا كرامة لعرضه ولا عصمة لدمه ولا لماله.

    هذه الكلمة التي أمر صلى الله عليه وسلم أن يعلمها حيث قال عز وجل: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19].

    هذه الكلمة، أول ركن من أركان الإسلام، وأعلى شعبة من شعب الإيمان، يقول صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق).

    كلمة لا إله إلا الله، أول واجب على المكلف، وآخر ما يجب على المكلف عند الذكر أن يخرج بها من الدنيا، أن يقولها إذا فارق الحياة أو إذا أوشك أن يفارق الحياة.

    هذه الكلمة لا: نفي، إلا الله: إثبات، النفي والإثبات، نفي الألوهية عن غير الله، فحينما نقول: لا إله، معناه: أننا ننفي جميع ما يعبد من دون الله، وقولنا: إلا الله، معناه: حصر العبودية وإثبات العبودية لله وحده لا شريك له، وهذا أسلوب الحصر والقصر، الذي هو في أقطع الدلالة وأبلغ الدلالة على حصر العبادة فيمن أثبتت العبادة له، وحصرت عليه في باب الاقتضاء، قال ابن رجب : الإله هو الذي يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا ينسى، هيبة وإجلالاً، ومحبة وخوفاً ورجاءً وتوكلاً وسؤالاً ودعاءً؛ وكل ذلك لا يصلح إلا لله عز وجل، فمن صرف شيئاً من هذه الأمور، أو أشرك مع الله فيها غيره سبحانه، فقد مرق من الدين وارتكب أمراً من أمور الشرك، إذ أنَّ لا إله إلا الله تقتضي ألا يعبد إلا الله، ولا يذكر إلا الله، ولا يشكر إلا الله، ولا يسأل إلا الله، ولا يدعى إلا الله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يستعان إلا بالله، ولا يذبح إلا لوجهه سبحانه وتعالى، ومن خلط في هذه الأمور فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الشرك.

    الله علم على ذات الله عز وجل، الله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، الله محيط بكل شيء والناس لا يحيطون به علماً: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] الله مستحق أن يوحد في ربوبيته، فهو المدبر المتصرف الرازق الباسط المعطي المانع المحيي المميت، كل شيء بيده له الخلق والأمر، لا مدبر في هذا الكون إلا هو سبحانه، إقرارنا بأنه وحده المتفرد بالتصرف في كل الأمور، هذا توحيد الربوبية الذي لا يجوز لعبد أن ينصرف عنه، ولا يجوز لأحد أن يلتفت عنه.

    كانت العرب إذا اشتد بها الخطب لجأت إلى الله في هذا، كانوا إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، كانوا يعبدون من دون الله آلهة أخرى، لكن إذا اشتدت الكربات وتتابعت المدلهمات، نادوا في الظلمات: لا إله إلا الله، أما في الرخاء فيعبدون اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ووداً ويغوث وسواعاً ونسراً.

    أحبتنا في الله: إن شأن لا إله إلا الله، ومعنى لا إله إلا الله تضيق عن بيانه المجلدات، وتفنى دونه الأقلام، وتكل عنه الألسنة، لا يحصره بمقتضاه ومعناه، وما يجب وما ينبغي وما يليق إلا لله عز وجل؛ لأنها متضمنة الثناء، ومن الذي يحصي على الله الثناء؟! لأنها متضمنة الشكر، ومن الذي يحصي على الله الشكر؟! وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ [لقمان:27].. قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً [الكهف:109].

    العظمة كل العظمة في هذه الكلمة وفي معناها، ولذا كان أسعد الناس من وفقه الله إلى أن يجعلها ذكراً دائباً دائماً لا ينقطع من لسانه، يجعلها نفساً وشهيقاً وزفيراً، لا إله إلا الله، إنك تستطيع أن تقول: لا إله إلا الله وأنت مع الناس في المجالس، وقد أطبقت شفتك على الأخرى، ولسانك يتحرك بها، دون أن يشعر الحاضرون أنك ذاكر لله عز وجل، فمن جعلها دأبه وذكره، وجعلها أنسه وسعة قلبه ولذة فؤاده أنس بها، يموت عليها، ويبعث عليها، وتشفع له، وتحاج له، وتجادل له عند الله عز وجل يوم القيامة.

    1.   

    ثمار لا إله إلا الله

    أمر لا إله إلا الله عظيم، جاء صلى الله عليه وسلم إلى عمه أبي طالب ، والعم الذي أبى أن يدخل في الإسلام، لكن قدم للإسلام ما قدم من الدعم والحصانة والصيانة، والرعاية للنبي صلى الله عليه وسلم، فجاء صلى الله عليه وسلم وأبو طالب في النزع الأخير وروحه تغرغر، قال صلى الله عليه وسلم: (يا عم: قل لا إله إلا الله، كلمة أجادل للك بها عند الله عز وجل) لولا أنها تنفعه ما قال صلى الله عليه وسلم قلها عند الموت، لولا أنها تشفع له، ولولا أنها تدخل الجنة، ولولا أنها تخرجه من النار، وتجادل عن صاحبها، لما كان في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يا عم: قل لا إله إلا الله أحاج لك -أجادل- بها عند الله عز وجل) فائدة.

    بل إن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن الغلام اليهودي قد حضره الموت، فدخل عليه صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى لا إله إلا الله، وقد يقول قائل: وماذا تنفع لا إله إلا الله في يهودي آذى نبي الله، وكفر بدين الله، فهل قوله لها قبل فراق الدنيا بلحظات تنفعه؟! الجواب: نعم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه وقال: (يا غلام! قل لا إله إلا الله، فأخذ الغلام ينظر في وجه النبي صلى الله عليه وسلم وينظر في وجه أبيه، فقال أبوه: أطع أبا القاسم، فقال الغلام اليهودي: لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، ثم فاضت روحه، فأخذ صلى الله عليه وسلم يكبر) فرحه بنطقه بها أنساه فجيعة موته أمام عينه، تهلل وجهه فرحاً كأنه مذهبة، كأن وجهه قطعة ذهب، فرحاً لما نطق بها؛ لأن أمر النطق بها أعظم حتى لو فارقت الأرواح الأبدان، أو فارقت الأنفس الحياة.

    كلمة لا إله إلا الله، العروة الوثقى لا انفصام لها فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا [البقرة:256].

    كلمة لا إله إلا الله، أعظم نعمة أنعم الله بها على عباده، هي العهد العظيم: (لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً [مريم:87] قال ابن عباس : هي شهادة أن لا إله إلا الله. يقول ابن عباس رضي الله عنهما: العهد شهادة أن لا إله إلا الله، والبراءة من الحول والقوة إلا بالله، وألا يرجو إلا الله.

    كلمة لا إله إلا الله هي الكلمة الطيبة: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإذنِ رَبِهَا [إبراهيم:24-25].

    ثمار لا إله إلا الله، يقول الله: إنها تؤتي أكلها كل حين،

    لا إله إلا الله لها ثمار حتى ولو تسلط أعداء الإسلام على المسلمين.

    لا إله إلا الله لها ثمار حتى ولو انتشرت القنوات الفضائية، بالفسق والفجور والمجون.

    لا إله إلا الله لها ثمار حتى ولو استطال الشر وعرض في الشبكات الإلكترونية عبر ما يسمى بالإنترنت.

    لا إله إلا الله لها ثمار حتى لو أدبر الناس عن الدين، أو غفلوا عن العبادة، أو أغروا في المعصية؛ لأن الله قال في لا إله إلا الله: تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ [إبراهيم:25].

    فمن ذا الذي يقول: أن لا إله إلا الله لا تنفع اليوم في عصر القنوات الفضائية؟!

    من الذي يقول: أن لا إله إلا الله لا تنفع أمام شبكات الإنترنت؟!

    من الذي يقول: لا إله إلا الله لا تنفع أمام هذا الجِبل العظيم الذي أضله الشيطان وأغواه، وجعله في المحافل والمنتديات والسهرات واللهوات؟!

    بلى. لا إله إلا الله لها أثر، وهذه بشارة، والدعاة العاملون الصادقون متعلقون بهذا الوعد من الله، مادام الله قال: أن لا إله إلا الله لها ثمرة: تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا [إبراهيم:25] فإننا ينبغي أن نكون ماضين عازمين مستمرين على البلاغ بها، والدعوة إليها، ونشرها، والجهاد بها ولأجلها، ولو مات من مات من الناس دونها؛ لأن الله قال: تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ [إبراهيم:25-26] هي ضد الكلمة الطيبة، الكلمة الطبية لا إله إلا الله، والكلمة الخبيثة هي الضد لهذا: (كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ [إبراهيم:26] ما الأمر بين هذا الفريق وهذا الفريق، ما الأمر في هذا الجدال وهذا الجدال، ما الأمر في هذا الخلاف وهذه المطاولة والمصاولة؟! يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27].

    كلمة لا إله إلا الله، شجرة طيبة: أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ [إبراهيم:24].

    باب من أبواب الحسنات

    لا إله إلا الله هي أفضل الحسنات، قال أبو ذر رضي الله عنه: (يا رسول الله! علمني عملاً يقربني من الجنة ويباعدني من النار؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إذا عملت سيئة فاعمل حسنة فإنها عشر أمثالها، قال: قلت: يا رسول الله! أمن الحسنات لا إله إلا الله؟ فقال: هي أفضل الحسنات) تخيل كم يكتب لك من الحسنات حينما تجلس في مجلس نصف ساعة أو ساعة وتجعل لسانك مشغولاً بلا إله إلا الله؟ بعض الناس ممن فتح الله عليه باب الذكر تجده في المجلس كأنه لا يذكر الله، لكن إذا دققت وجدته ربما قد وضع يده على فمه، وتحت يده شفة تنبس ولسان يلهج: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، والناس لا يسمعونه في المجلس، لكن هو يجمع ثروة، يخزن الكنوز، ويضاعف التجارة، ويربح أرباحاً مضاعفة في الجلسة الواحدة، ربما ذكر الله مائة مرة، فتكتب له مائة حسنة، وكل حسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف: وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:261].

    لذا فإن أعجز الناس العاجز عن الذكر، وأخسر الناس العاجز عن الذكر، يا سبحان الله! الواحد منا إذا استلم فاتورة الجوال سبعمائة ريال أو ستمائة ريال أو ألف ريال، وبعضهم تبلغ ألفين ثلاثة آلاف، من أين كل هذا الكلام؟ من أين جاءتنا هذه الفواتير؟ من لسانك الذي يثرثر ويتكلم ويلغو، وربما تكلم فيما لا يليق ولا ينفع، ليس عيباً أن تستخدم الهاتف، ولكن انظر كم أحصى عليك الهاتف من المكالمات عبر الدراهم والريالات، فهلا أعنت نفسك على أن تلهج وتحرك لسانك بذكر الله كما يتحرك لسانك بالهاتف الجوال، أو في الحديث مع فلان وعلان.

    اعلم أخي أن الخاسر من غفل عنها، والرابح من عود نفسه، ولا تقل: أنا مدخن، كيف أقول لا إله إلا الله؟ قلها ولو كان الباكت في جيبك، اشغل نفسك بلا إله إلا الله ولو كان الباكت في جيبك؛ لأنها بإذن الله ستطهر قلبك من الاستمرار في التدخين، قلها ولو كنت حليقاً، قلها ولو كنت مسبلاً، قلها ولو كنت سماعاً للأغاني، قلها ولو كنت فاعلاً معصية من المعاصي؛ لأنها حسنات، والحسنات معينة على ترك السيئات بإذن الله عز وجل، والله سبحانه يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114]. إذا أدمنت عليها، وذكرت الله بها، وقلت في قلبك: أني أذكر الله رجاء أن يهديني لترك هذه المعصية، ولفعل هذه الطاعة، والبعد عن هذه المخالفة، أعانك الله ونفعك بها نفعاً عظيماً.

    سبب لدخول الجنة

    1.   

    شروط لا إله إلا الله

    وكلمة لا إله إلا الله هي مفتاح الجنة، والمفتاح لا يفتح إلا بأسنان، وأسنان لا إله إلا الله هي شروطها فأول شروطها:

    العلم المنافي للجهل واليقين المنافي للشك

    العلم المنافي للجهل: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19] واليقين المنافي للشك: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:15] العلم يقتضي اليقين؛ لأن العلم درجة، أبلغ من النظرية، وأبلغ من المعرفة، وأبلغ من الظن، العلم: هو غاية الإدراك وتمام اليقين.

    لذا كان الأول: العلم.

    والثاني: اليقين، إذ أن التردد فيها قد يكون سبباً في مروق صاحبها وخروجه من الملة، تردد أقوام من الزنادقة، وأخذوا يشككون، يقول قائلهم:

    في اللاذقية ضجة ما بين أحمد والمسيـح

    هذا بناقوس يدق     وذا بمئذنته يصيح

    كأنه يشكك في الأمر، هل هم ثلاثة، أم إله، أم أن الله له ولد، أم أن المسيح ابن الله، أم لا إله إلا الله؟!! من كان في هذا الريب وهذا الشك، فهو لم يبلغ فضل وكرامة لا إله إلا الله، لكن الفضل والثواب والكرامة لمن قالها عالماً أن لا إله إلا الله، موقناً يقيناً لا شك فيه أن لا إله إلا الله لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:22] لو كان مع الله آلهة أخرى لكان الأمر مريجاً، ولكان الأمر مختلطاً، ولكان الأمر في عجب عجاب، لو كان مع الله آلهة، لكان إله يريد أن تشرق الشمس وإله يريد أن تغرب، وإله يريد أن تمطر السماء وإله يمنعها المطر، وإله يريد أن تنبت الأرض وإله يمنعها النبات، وإله يريد للأرحام أن تحمل، وإله يريدها أن تغيض، وإله يريد للأرواح أن تموت وإله يريدها أن تحيا، لا يمكن ولا يعقل ولا يقبل عقلاً وفعلاً وجدلاً وتصوراً وعلماً وحقيقةً ويقيناً، لا يقبل العقل! ولا يطمئن الفؤاد! ولا يصح النقل إلا بلا إله إلا الله.

    لا يتصرف في الكون إلا مالك واحد مدبر متصرف هو الله وحده لا شريك له.

    القبول لما تقتضيه

    ومن شروطها: القبول لما اقتضته هذه الكلمة. يقولون: لا إله إلا الله، فإذا قيل لهم: إنها تقتضي ترك الربا، قالوا: لا أين نستثمر الأموال؟

    يقولون: لا إله إلا الله، فإذا قيل لهم تقتضي ترك الزنا، قالوا: وكيف نحرم أنفسنا لذة النساء؟

    يقولون: لا إله إلا الله، فإذا قيل: إنها تقتضي ترك الخمور والمسكرات، قالوا: وكيف نترك لذة الشراب؟

    يقولون: لا إله إلا الله، فإذا قيل: إنها تقتضي الصدق والأمانة والصلة والبر والخير، قالوا: لا. هذه أمور تفسد مصالحنا.

    لا إله إلا الله مفتاح للجنة، أسنانه الشروط: العلم، واليقين، والقبول لما تقتضيه الكلمة، وإن أقواماً يترددون بين ارتكاب المنكرات المخالفة لها، وبين فعل أمور هي مخرجة لهم من الملة والعياذ بالله.

    ولذا فإن أعظم مقتضى للا إله إلا الله الصلاة، أعظم مقتضى للا إله إلا الله الانقياد والخضوع والسجود والركوع والخشوع في كل الأوقات؛ في الغدو والآصال، في دلوك الشمس وغسق الليل.

    أعظم مقتضى للا إله إلا الله الصلاة، وهي البرهان الحقيقي، من كان يؤمن أن لا إله إلا الله وجدته حقاً مصلياً، أما تارك الصلاة فقد قرر أهل العلم أنه كافر، ولو قال لا إله إلا الله فهو كافر؛ لأن لا إله إلا الله لها مقتضى، ومن شروطها: أن تقبل الاقتضاء الذي تقتضيه، وتنقاد لما تقتضيه، ومن أعظم مقتضياتها الصلاة: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)، (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) وكما قال الصحابي الجليل: [ما كنا نرى عملاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة] أي: من تركها فقد كفر.

    وأمر الصلاة عظيم يا عباد الله، قد ترى الرجل يلهو، وقد ترى الرجل يفعل المعصية، وقد ترى الرجل تقع منه الزلة والغفلة، لكنه يصلي ويحافظ على الصلاة فترجو له خيراً، وترجو أن يعود إلى الطاعة، وأن يتوب من الزلة، وأن يقلع عن الهفوة والغفلة، لكن إذا رأيت الرجل لا يصلي فاغسل يديك منه بالماء والصابون سبع مرات إحداهن بالتراب، لا أمل فيه إلا أن يعود إلى الصلاة، ولا خير فيه إلا أن يعود إلى الصلاة، ولا يقبل منه شيء إلا أن يعود إلى الصلاة، من شروطها: الانقياد والاستسلام: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ [الزمر:54].

    والصدق المنافي للكذب، والصدق يقتضي التحمل، ويقتضي الصبر على الأذى والبلاء: الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:2-3].

    الإخلاص

    ومن شروطها: الإخلاص. لا بد أن يقولها العبد خالصاً لوجه الله، من غير خوف، ولا مجاملة، ولا رغبة ولا رهبة، ولا طمع، فإذا استقرت في قلبه على حال الإخلاص نفعته، نعم رب قوم يدخلون بادئ الأمر بطمع، لكن سرعان ما ينتقل الأمر إلى اليقين والإخلاص والثبات.

    فلا إله إلا الله إذا استقرت بالإخلاص نفعت صاحبها بإذن الله عز وجل، قال صلى الله عليه وسلم: (أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه).

    المحبة لهذه الكلمة

    ومن شروطها: المحبة لهذه الكلمة. حب لا إله إلا الله، يعني: أن تجعلها على لسانك دائماً، حب لا إله إلا الله، إذا سمعت المنادي ينادي بها تركت فراشك اللذيذ، والحضن الدافئ، وكل لذة أنت فيها، لتركع وتسجد وتخشع قياماً بمقتضى لا إله إلا الله، أما أن ندعي المحبة لكن النوم أحب إلينا من لا إله إلا الله، والشهوة أحب من لا إله إلا الله، والمعصية أحب من لا إله إلا الله.

    تعصي الإله وأنت تزعم حبـه     هذا عجيب في القياس بديع

    لو كنت تصدق حبه لأطعتـه     إن المحب لمن يحب مطيع

    وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ [البقرة:165] قال صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذا أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) رواه البخاري ومسلم .

    قال عمر بن الخطاب لما سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين) اسأل نفسك يا عبد الله: هل الله عز وجل أحب إليك من نفسك ومالك وولدك ووالدك؟ قال عمر : (يا رسول الله! إنك لأحب إليّ من مالي وولدي، فقال صلى الله عليه وسلم: ومن نفسك يا عمر!) وعمر هو ممن يفدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بروحه ونفسه، ولكن هذا سؤال اسمه السؤال التقريري؛ لأن الأسئلة أقسام: فهناك سؤال إخباري، وسؤال إنكاري، وسؤال تقريري، فأما السؤال الإنكاري: أن تسأل عن شيء بصيغة إنكار الجواب، والسؤال الإخباري: أن تسأل وتريد أن يخبر الناس بالجواب، والسؤال التقريري: أن تسأل عن شيء تريد أن يتأكد وأن يتقرر، وأن يتعمق ويتثبت الناس في معنى وصميم وفهم الجواب، فـعمر رضي الله عنه لا يسأل إنكاراً ولا ينكر معانداً، وإنما يسأل سؤالاً تقريرياً، ليقول صلى الله عليه وسلم: (ومن نفسك يا عمر!) أي: لابد أن يكون الله ورسوله أحب إليك من نفسك ومالك وولدك ووالدك، فقال عمر: (ومن نفسي، قال: الآن يا عمر!) رضي الله عن عمر .

    يقول الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي رحمه الله ناظماً شروط لا إله إلا الله:

    العلم واليقين والقبول     والانقياد فادر ما أقول

    والصدق والإخلاص والمحبـه     وفقك الله لما أحبه

    ونظمها بعضهم بقوله:

    علم يقين وإخلاص وصدقك مع     محبة وانقياد والقبول لها

    فهذه سبعة شروط لها، وأضاف بعضهم شرطاً ثامناً وهو الكفر بالطاغوت، في قول الناظم:

    وزيد ثامنها الكفران منك بمـا     سوى الإله من الأوثان قد ألها

    وشرط الكفر بالطاغوت مأخوذ من قوله تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا [البقرة:256].

    انظروا في لا إله إلا الله نفي الألوهية ثم إثباتها لله، انظروا في هذه الآية: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ [البقرة:256] قدم الكفر بالطواغيت ثم جيء بالإيمان بالله: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا [البقرة:256] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه) رواه الإمام مسلم.

    1.   

    نواقض لا إله إلا الله

    وكما أن لا إله إلا الله لها من الشروط ما سمعتم، فإن أقواماً يجهلون نواقضها، نعم أنت تقولها، ويقولها بعض الناس ويدعي أو يظن أنه قائم بشروطها، وإذا تأملت حاله وجدته واقع فيما يناقضها، حتى تنفعك لا إله إلا الله، وتنفعك الأحاديث التي جاءت فيها: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة)، (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)، (أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصاً مخلصاً من قلبه) يقول الشيخ/ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ، حفيد إمام الدعوة قدس الله روحه في الجنان، قال: ومن شروط قولها: أن يثبت عليها حتى يموت عليها.

    يقولها اليوم وبعد سنة يرتد ويكفر، يقول: نفعتني أنا قبل سنتين قلت: لا إله إلا الله، لا. يقولها ويثبت عليها ويموت عليها، وزيادة على ذلك: ألا يأتي بما يناقضها، فما هي نواقض لا إله إلا الله؟ من قال: لا إله إلا الله وأخذ يطوف بالقبور، فيدعوها ويتوسل إليها، ويسألها ويتبرك بها، ويرجوها أن تدفع الكربات وتغيث اللهفات وتجيب الدعوات، هل تنفعه لا إله إلا الله؟

    الشرك

    لا تنفع لا إله إلا الله إلا إذا سلمت من نواقضها، والشرك أقبح ناقض: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

    وقال تعالى: مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72]، وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) الله عز وجل ليس بحاجة إلى عمل عباده، إما أن تعمل العمل خالصاً لله، مائة في المائة، لو كان تسعة وتسعين وتسعة من عشرة لله، وواحد من العشرة لأي أمر آخر ما نفعك العمل، يقول سماحة الشيخ/ صالح بن محمد اللحيدان رئيس مجلس القضاء الأعلى، في برنامج نور على الدرب -كنت أستمع له في البرنامج- قال: لما علق على هذا الحديث: إن الله عز وجل يقول: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري ..) قال: من الناس من يعمل عملاً يريد وجه الله ويريد سمعة، يريد وجه الله ويريد مصلحته، يريد وجه الله ويريد شيئاً آخر، فإذا اختلطت مصالح النفس بمقاصد التعبد، فسد العمل ولم ينفع صاحبه، لكن أن تعمل العمل لوجه الله، ثم يأتيك من ثوابه العاجل غير ثوابه الآجل مصلحة في الدنيا فإن ذلك لا يضرك، كما قال صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قال: (يا رسول الله! أحدنا يعمل العمل فيسمع ثناء الناس عليه فيعجبه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: تلك عاجل بشرى المؤمن).

    فشتان بين أن يكون لك من المصلحة تبعاً للعمل والعبادة شيء، فهذا لا يفسده ولا يكدره، لأنك لم تقصد العمل لهذا الأمر المصلحي المادي، وبين أن تقول: نحن نجمع بين الاثنتين عبادة ومصلحة، نقول: لا. لأن الله قال في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) والشرك ظلم عظيم، وهو أقبح القبائح وأكبر الكبائر وأعظم العظائم، وقد ذكره الله عز وجل في وصية لقمان لابنه: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، وقال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهم بِظُلْم [الأنعام:82] اللبس بمعنى الخلط، أي: ولم يخلطوا إيمانهم وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] ما هو الظلم الذي لا يجوز لبسه بالإيمان؟ هو الشرك الذي قال الله عز وجل فيه على لسان لقمان: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13].

    قد يتساهل الإنسان ببعض الأمور يظنها لا تؤثر في الديانة، ولا في العقيدة، ولا في الثبات على الملة، فيتهاون بها، يذهب إلى ساحر أو عراف، أو يذهب إلى أحد من أهل الكفر والزندقة، ويقول: الأمر هين، أحضر دجاجة صغيرة جداً، أحضرها لنا واقطع رقبتها في هذا المكان، ولا تسم عند ذبحها، يعني: اذبحها للشياطين وللجن، وللطواغيت، هذه الفرخة الصغيرة كفيلة بأن تخرجك من الملة وتحبط عملك كله، ليس بشرط أن تذبح فيلاً من أجل أن تخرج من الإسلام، أو تنحر ناقة من أجل أن تخرج من الإسلام؟ بل لو أمسكت نملة وقطعتها قسمين وذبحتها تريد أن تقربها لغير الله وهي نملة لا تكاد ترى تكفي أن تخرجك من الملة، لذا جاء في الحديث الصحيح: أن رجلاً دخل النار في ذبابة، وآخر دخل الجنة في ذبابة، فقد مر الرجلان على قوم عاكفين عند صنم لهم -هؤلاء القوم حبسوا الرجلين- قالوا للأول: قرب قال: ليس عندي شيء أقربه، -يريدون منه أن يقرب لصنم من الأصنام، لغير الله عز وجل قال: ليس عندي ما أقرب- قالوا: قرب ولو ذبابة، فقدم ذبابة، أي: مسك ذبابة وفصلها فدخل النار.

    بعض الناس يتهاون بالمسألة، يظن أنه إذا لم يملأ الدنيا دماء لغير الله معناه: أن الدعوة ليس فيها شرك، قلت: لو قرب بعوضة، أو قرب تراباً، أو قرب بيضة، أو أي شيء لغير الله على وجه التعبد فإنه يكفي ذلك لإخراجه ومروقه من الملة، وهدر دمه وسقوط عصمة ماله وعرضه.

    أما الآخر قالوا له: قرب قال: لا أقدم لأحد غير الله، سواءً وجدت أو لم أجد، الأول قال: ليس عندي ما أقربه، أي: المسألة ممكنة، لو عندنا أبشروا، قالوا: قدم ولو ذباباً، فقدم ذباباً فدخل النار، وقالوا للآخر: قرب، قال: لا أقرب، سواء كان عندي أو ليس عندي لا أقرب إلا لله عز وجل، فضربوا عنقه فأدخله الله الجنة.

    اعتقاد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه

    ومن نواقض لا إله إلا الله: اعتقاد أن هدي غير النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، وأن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكم النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه مسألة خطيرة.

    بعض الناس يزين له المقام في حوار؛ إما في قناة فضائية، أو في مقابلة، ويبدءون يأخذون رأيه في مسائل قاطعة ثابتة منصوص عليها، محكمة غير منسوخة، مسائل ثابتة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يقولون: ما رأيك؟ ما هو أفضل هذا الأمر أو الأمر الآخر؟ فيخضع ما شرعه الله ورسوله للحوار، ثم ربما فضل ما جاء به أهل الزبالات ونجاسات الأذهان والأفكار على ما جاء به الله ورسوله، فهذا كفيل بإخراجه من الملة وكفره والعياذ بالله، ولذلك جاء في الحديث: (وإن الرجل ليقول الكلمة لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً) تفضيل حكم الطواغيت -القوانين الوضعية- تفضيل أمور تخالف الشريعة على ما جاء به الله ورسوله، هذا من الشرك والعياذ بالله.

    الهجمة الخطرة على رجال المسلمين ونسائهم، امرأة قد أفسدها التلفاز والقنوات وهي ترى ما يسمى بالفتيات الراقصات المغنيات المائلات المميلات، تقول: انظروا هذا الجمال أحسن من هذا الحجاب، ماذا يعني ذلك؟ معناه: أن التبرج الذي نهى الله عنه أفضل من الحجاب الذي أمر الله به، والله عز وجل يقول: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى [الأحزاب:33] نهى الله عن التبرج، وفي المقابل قال: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ [النور:31] إلى آخر الآيات، فحينما تأتي فتاة من بنات المسلمين، مغرورة في سياحة إلى الخارج، أو سفر إلى الخارج، أو دراسة إلى الخارج، أو أثر قنوات فضائية، أو مصائب إعلامية، وتقول: ما أجمل هذا! هذا أحسن من العمعمة والغمغمة في العباية السوداء، ماذا يعني هذا؟ ألا يعني هذا أنها فضلت التبرج الذي نهى الله عنه على الحجاب الذي أمر الله به؟ الجواب: بلى. الأمر خطير، وقد يفضي إلى الخروج من الملة، لكن لو أن فتاة قالت هذا الكلام، لا نقول لها فوراً: أنتِ كافرة؛ لأن هناك فرقاً بين تكفير النوع وتكفير الشخص المعين، حتى تحكم على الشخص المعين بالكفر، لابد أن تتقين أنه أدرك معنى هذا الكلام وفقه مقتضاه وأبعاده وما ينبني عليه، حتى لا تعجل بتكفيره وإهدار دمه وماله وعرضه، وهذه من الموبقات والمهلكات وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النور:15].

    بغض شيء من الدين

    من نواقض لا إله إلا الله -ويفعلها بعض الناس فيرد عمله ويحبط، ولا يقبل منه شيء وهو لا يدري- أن يبغض شيئاً من الدين: (إن الله لا يقبل من عبد عملاً أبغضه) إذا صليت وأنت تكره الصلاة فإن صلاتك لا تنفع، ولو زكيت وأنت كاره للزكاة فلا تنفع الزكاة؛ لأن الله عز وجل قال: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:9] فهذا أمر خطير، بل هو من النواقض العظيمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله! قس على ذلك بعض الذين إذا جلسوا في المجالس قال: يا أخي! أنا أكره هؤلاء المطاوعة، أنا أكره هؤلاء المتدينين، أنا أكره هذه اللحى، أكره هذه الثياب القصيرة، أنا أكره هؤلاء الذين يصيحون في المنابر أو يتكلمون في المحاضرات، هذه كراهية لمن أوجب الله محبته، والله عز وجل يقول: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71] أي: يجب على المؤمنين أن يتحابوا، فلا بد من الولاء، والولاء هو المحبة والنصرة، فإذا تلفظت بكلام يقتضي بغض الصالحين، فأنت تبغض من أوجب الله محبته، لماذا كرهتهم؟ كرهاً لألوانهم؟ لا. كرهاً لأجسامهم؟ لا. كرهاً لأنسابهم؟ لا. إذاً أنت لم تكره إلا ما شرعه الله، شرع الله توفير اللحى فكرهت، وشرع الله عدم الإسبال فكرهت، وشرع الله الالتزام بالطاعة والعبادة فكرهت.

    إذاً: الكراهية هنا منصبة إلى ما أوجب الله فعله ومحبته، ومن هنا يكون الخلل الكبير والخطر العظيم الذي يقع فيه كثير من الناس، أو أولئك الذين يفضلون القوانين الوضعية على الأحكام الشرعية، يقول: لو كان عندنا قوانين وضعية لكنا في راحة، ولكنا سالمين من شيء اسمه رجم وقطع وقتل .. إلى غير ذلك، قالها من تلفظ بها وقد مرق بها من الإسلام إن كان يعرف المقتضى أو يعرف أبعاد ذلك، ولا أظن أحداً يقول: إن القانون الوضعي أفضل من الشريعة، ويرى أن الشريعة متخلفة، أو دون بلوغ مستوى الحضارة والرقي والتمدن والعدل والعدالة، وضبط مصالح الناس وأمورهم، لا يقول ذلك إلا من استقر الكفر في سويداء قلبه؛ لأنه بهذا يفضل كلام البشر على كلام رب البشر، ويفضل كلام الجاهلين على كلام أحكم الحاكمين رب العالمين عز وجل، وهذا أمر في غاية الخطورة، حينما تجد بعضهم يقول: الرجم وحشية، يربط الإنسان ويرجم بالحجارة حتى يموت؛ لأنه زنى وهو محصن، الله أحكم الحاكمين.

    تقطع يد إنسان لأنه قد سرق مبلغاً بسيطاً لا يساوي عشرين دولاراً، أو عشرين جنيهاً، الله أحكم الحاكمين، يجلد؟ الله أحكم الحاكمين، ينفى؟! الله أحكم الحاكمين لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23] متى كان البشر ذوو العقول الصغيرة أحكم، العقول التي رباها الله شيئاً فشيئاً حتى كبرت؟ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة:151] علمها ما كانت تجهل، ثم هذه العقول لا تدوم؛ لأنها ترد إلى أرذل العمر، ليصبح الشخص لا يعلم من بعد علم شيئاً، متى تكون العقول التي بها التحول حاكمة على شرع الله ودينه؟!! الأمر في غاية الخطورة، ولذا حينما يعرض في بعض القنوات الفضائية، طرح بعض مسائل الحدود الشرعية للحوار، فإنه لا يجوز قبول الحوار أصلاً، أضرب لك مثالاً:

    زيد بن صالح بن سليمان شخص ما، قلنا: نريد أن نجلس معك نتحاور، نثبت هل أنت ولد زنا أو ولد حلال؟ هل هناك أحد يقبل الحوار؟ لا أحد يقبل بهذا الأمر أبداً.

    إذا كان هذا شأنك في نسبك، وفي اسمك ووالديك، وفي صلتك بأهلك وذويك، لا تقبل في ذلك، فكيف يجوز أن نقبل الحوار والكلام فيما أثبته الله وأحكمه، وحفظه من الزيادة والنقصان والتحريف والتبديل وغير ذلك؟!! الأمر في غاية الخطورة.

    الاستهزاء بأمور الدين

    كذلك أحبتي في الله: الاستهزاء بأمور الدين، هذا من نواقض لا إله إلا الله، فرب أقوام يقولون: لا إله إلا الله ويستهزئون بمن يطيعون الله عز وجل، ويستهزئون بما شرع الله عز وجل، فيخرجون من الإسلام وتحبط أعمالهم، ويكونون كفرة، وهم لا يشعرون، والدليل على ذلك قول الله عز وجل: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [التوبة:65-66] معلوم أن هذه الآية نزلت في رهط من المنافقين الذين قالوا وهم يتضاحكون ويسخرون ويستهزئون، قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً -أي: بطونهم كبار يحبون الأكل- ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء، فأنزل الله هذه الآية، فلما علموا أن الوحي قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنهم، جاءوا وناقة النبي صلى الله عليه وسلم تضرب في الأرض، والمنافق ممسك بزمامها والناقة مسرعة والحجارة تنكب قدم هذا المنافق وهو يركض، يريد أن يجاري الناقة، يقول: يا رسول الله! يا رسول الله! كنا نخوض ونلعب، أحاديث الركب، نستمتع بالسواليف والنكت والطرائف في الطريق، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يزيد على قوله: لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ [التوبة:66].

    فلذلك ينبغي للإنسان أن يحفظ دينه وأن يحفظ عمله، وكثير من الناس اليوم يعمل عملاً ويضيعه، الناس كثير منهم في جنون، يجمع المال من الفجر إلى غروب الشمس، فإذا أوشكت الشمس أن تغرب أمسك الريالات يحرقها ريالاً تلو الآخر، أمسك الحسنات يحرقها حسنة تلو الأخرى.

    يصلي الفجر، ويقرأ القرآن ويتصدق، ويجلس في المسجد، ويأتي بالأذكار، ويستغفر، ويسبح، لكن مشكلته أنه يغتاب، يحرق الحسنات واحدة واحدة، يقول كلاماً يخرجه من الملة، يستهزئ بالمتدينين وباللحى، ويستهزئ بالدين، وبرجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويستهزئ بالحسبة، وبالحدود وبالقصاص، وبالحرمات وبالآداب وبالحجاب، وبالعفاف وبالطهر وبالحياء، ويستهزئ بما أوجب الله احترامه ومحبته، فيمرق من الدين وقد جمع من الحسنات ما جمع، فتحبط ويضيع العمل ولا ينفعه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    فما بالك إذا أضفت على ذلك الصغائر التي يحتقرها العبد، فإذا جاء يوم القيامة وجدها كالجبال، تحرق الأعمال فلا يجدهن.

    الحقيقة أن كثيراً من الناس اليوم لا يشكون من قلة الحسنات، ولكنهم يشكون من كثرة السيئات، عندهم حسنات: صلوات، وقراءة قران، وصدقات، وكفالة أيتام، وأعمال خير وجود، لكن يقابل الخير شر أكثر، والموازين يوم القيامة، كفة حسنات وكفة سيئات، فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة:6-11].

    لذا كان لزاماً على العبد إذا عمل الصالحات أن يحفظها من لسان تحرقها، ومن ردة تفسدها، ومن شرك يحبطها، ومن غيبة تفنيها، ومن حسد يتلفها، احفظ أعمالك -يا أخي المسلم- فإنها تنفعك بإذن الله عز وجل.

    ولا غرابة أن نرى كثيراً من العلمانيين وكثيراً من الذين يقع بعضهم في مثل هذه المهلكات العظيمة، بالاستهزاء والسخرية والعبث. أحد الشباب يطلعني على قصاصة من مجلة كتب فيها الكاتب -يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك- كان هذا الكاتب متديناً صالحاً -أنا لا أعرفه شخصياً ولكني سألت عنه- قالوا: كان على منهج وعلى خير، ولكن يبدو أنه ابتلي بداء لم يكشفه إلا ذنبه هذا، وهو يريد أن يشتهر، ويريد أن يعرف فلم يعرف، فاتجه إلى الجرأة على القضايا الخطيرة الكبيرة، من كلامه اليوم حول كلام ابن مسعود رضي الله عنه: [إن الغناء ينبت النفاق في القلب] يقول: ولعل الذي قال هذا الكلام كان رجلاً صالحاً من السلف الصالح قد ابتلي بحب الغناء في السر، فعاش انفصاماً وازدواجاً بينه وبين نفسه أورثه أن يقول هذا الكلام.

    سبحان الله العلي العظيم! يقال هذا لـعبد الله بن مسعود الذي قال صلى الله عليه وسلم في ساقه لما ضحك الصحابة من ضعفها ودقتها قال: (أتضحكون من ساقه، فإنها أثقل عند الله يوم القيامة من جبل أحد ) هذا الصحابي الذي قرأ سورة ق على سطح الكعبة فضرب، فتحمل الأذى والبلاء في سبيل الله في العهد المكي، هذا الصحابي الجليل يقول عنه هذا الكاتب المسكين: ولعل القائل كان مبتلىً بحب الغناء أو باستماع الغناء سراً، فأورثه ذلك انفصاماً وازدواجية في شخصيته -فأورثه عقدة نفسيه- وقال: [إن الغناء ينبت النفاق].

    وفرق بين أن يبتلى الإنسان بمعصية وأن يتطاول بالكلام عمن ينهى عنها وينكرها، بعض الناس قد يبتلى بمعصية كشرب خمر، فعل منكر، ولكن تجده يقر ويستغفر: يا رب اغفر لي، يا رب استر عليّ، يا رب تجاوز عني، اللهم تقبل هذه الصدقة واجعلها كفارة عن هذه المعصية ويقول: يا رب إني تائب، وأرجع عن هذه المعصية ولا أعود، ولو فعل ثانية ذنباً عاد ثالثة ورابعة بالتوبة، فهذا يرجى له التوبة، وباب التوبة مفتوح، لكن المصيبة في إنسان يرتكب ذنباً ثم يحلل للناس فعل الذنب، يقول: من قال إنه حرام، يبتلى بفعله ويتحمل أوزار الناس الذين يفعلونه بجرأته على الكلام فيه، وجرأته على علماء الإسلام الذين حرموه ونهوا عنه، إذا كان الأنبياء وأولو العزم من الرسل يقول الواحد منهم يوم القيامة: (يا رب! سلم سلم، يا رب! سلم سلم، يا رب! سلم سلم) من هول المطلع، وشدة الفزع، وعظم الأمر، والناس في حال عظيم، والعرق يلجم الناس، أو إلى ثديهم، أو إلى ركبهم، أو إلى الكعبين منهم، الأمر عظيم جداً، ويأتي من الناس من يقول: لا. سجلوا عليه، اسمعوا ما شئتم من الأغاني وعلى حسابي، أنا أفتيكم بها، افعلوا ما شئتم من الربا وسجلوها على حسابي، أنا أفتيكم فيه، ويفتي الرجال ويفتي النساء بالمسائل والأمور والعظائم والجلائل ويقول: قيدوا على حسابي، لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [النحل:25] وهذا من الأمر الخطير الجليل.

    أقول: الذين يسخرون بالدين وأهله، لا غرابة في شأنهم، فقد أخبر الله عز وجل عنهم من قبل، كما قال في محكم كتابه: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ [المطففين:29-33].

    أحبتي في الله: نختصر ما تبقى من موضوع كلام هذه الليلة، مؤكداً أن ما يردده الجاهلون والحاقدون والمغرضون من عبارات السخرية والاستهزاء بالصالحين والدعاة، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ينبغي ألا يفت في عضد العاملين، وألا يجعلهم في ضعف أو شك من أثر الدعوة إلى الله عز وجل، إن أناساً يقولون: ماذا تنفع الخطب والمحاضرات والكلمات، والندوات والأشرطة والكتيبات وهذه اللقاءات، ماذا تنفع أمام القنوات الفضائية التي تخاطب الملايين -ملايين البشر يخاطبون عبر القنوات الفضائية والإنترنت- وأنتم قابعون في هذه المساجد، ونقول: هذه المساجد تهز الجبال هزاً، هذه المساجد تغير وجه الأرض، المساجد هي التي طردت الفرنسيين من الجزائر ، المساجد هي التي جعلت أجهزة المخابرات الغربية تحسب ألف حساب لكل مسلم متدين صالح تقي نقي عامل، حلقات تحفيظ القرآن الآن تزعج الغرب إزعاجاً لا يخطر على بال، ليس شرطاً أن يوجد عندنا قنابل نووية بعدد القنابل التي تنام عليها إسرائيل الآن في فلسطين.

    ومعلوم أن عبد القدير خان الذي صنع القنبلة النووية في باكستان الذي هدد بالاغتيال قال: يوجد ألف عبد القدير خان مثلي قد علمتهم سر صناعة القنبلة النووية فلا أخشى لو قتلتموني، وتريد دول الغرب أن تنظف المنطقة تماماً من السلاح النووي في الوقت التي تنام إسرائيل على مائة قنبلة نووية، وأكثر من ذلك، لكن والله إن حلقات تحفيظ القرآن، وهذه الندوات والمحاضرات، وخطب المنابر، وهذه الأشرطة، والخطاب الدعوي، والله إنه يقض مضاجعهم، فلا تستهينوا بالسلاح الذي في أيديكم، ولا تتهاونوا بالخير الذي بين يديكم، ولا تظنوا أنكم ضعفاء وقد آتاكم الله من وسائل القوة ما يعجز عنه أولئك، ليست المسألة آلة وجماد وعدة وسلاح، القضية كلمة التوحيد... وإثباتها لشيء واحد وهو الله سبحانه وتعالى، ألوهية وتفرد في الربوبية، فلا تدبير ولا تصرف في كل شأن إلا له وحده سبحانه، ولا عبادة صغرت أو كبرت، جلت أو دقت إلا له وحده لا شريك له، وأتم الصفات وأجمل الأسماء وأكمل السمات لله عز وجل، أكمل الأوصاف وأجل الأسماء لله عز وجل، لا شبيه ولا ند ولا مثيل ولا نظير، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].

    لا إله إلا الله، ما أثبته الله نثبته، وما نفاه الله ننفيه عن نفسه، وما أثبت النبي صلى الله عليه وسلم نثبته، وما نفاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه ننفيه.

    إذا سئلنا عن أمر ليس عندنا فيه دليل فلا نتقول: على الله بغير علم: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36] إن سئلت عن شيء أثبته الله أثبته في ذات الله وصفاته، وإن سئلت عن شيء نفاه الله في ذاته وصفاته فانفه، أو شيء أثبته النبي صلى الله عليه وسلم لربه أثبته، أو نفاه النبي صلى الله عليه وسلم عليك أن تنفيه، فإن كان أمراً لم يرد فيه نفي ولا إثبات فلا تعجل بالقول على الله بغير علم؛ لأن الله قال: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36].

    إذاً ماذا نقول فيما لم يرد فيه نفي ولا إثبات؟ نقول: إن كان يتضمن كمالاً وجمالاً يليق بالله أثبتناه، وإن كان يتضمن نقصاً لا يليق بالله نزهنا الله عنه وسبحنا الله وقدسناه، هذا معنى لا إله إلا الله.

    1.   

    فقدان الولاء والبراء عند كثير من المسلمين

    وهنا مقتضىً عظيم: محبة أهلها الناطقين بها، العاملين بمقتضاها، وهو الولاء والبراء، قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:4].

    الولاء والبراء يذوب ذوبان الملح بالماء في هذا الزمان، وكثير من المسلمين أصبح لا يقدر للأمر قدره: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة:51] ما الدليل على أن اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض؟ ما من دولة كافرة إلا واعترفت بإسرائيل ولها سفارة وتبادل تمثيل، والذين والوها قبلوا ذلك، وجعلوا لهم سفارة في إسرائيل ولإسرائيل سفارة عندهم، وتعامل تجاري، وتعاون عسكري واقتصادي وإعلامي في كل المجالات.

    والدليل العملي الحسي المشاهد الذي يقول: إن الكفار بعضهم أولياء بعض أقول لك عنه: هناك اتفاقية اسمها اتفاقية الشنجن، اتفاقية الشنجن هي دليل على أن الكفار بعضهم أولياء بعض، عشر أو إحدى عشرة دولة نصرانية إذا حصلت على فيزة من إحدى هذه الدول، تكفي الفيزة أن تطوف بها كل البلدان، أي: لو أردت أن تسافر إلى لوكسمبورج وهولندا وألمانيا وأسبانيا وفرنسا والنرويج والسويد وغيرها .. لا يحتاج أن تمر على سبع سفارات، بل تكفي تأشيرة دولة واحدة، وهذه الدولة بتأشيرتها تسمح لك أن تطوف في كل الدول، هذا معنى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [الأنفال:73].

    ومن معناه: اليورو؛ العملة الأوربية المتحدة، والناتو الحلف العسكري المتحد، والسوق الاقتصادي؛ الأسواق الأوروبية المشتركة، ولاء في جميع المجالات، ولاء سياسي، وولاء اقتصادي، وجغرافي، وإعلامي، ولاء متكامل فيما بينهم، ولذا قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [الأنفال:73] أخبر الله أن الكفار يوالي بعضهم بعضاً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [الأنفال:73] إذا كان المسلمون لا يسعون لتحقيق ولاء فيما بينهم كولاء الكفار فيما بينهم، فإن الفتنة والفساد يكون كبيراً في الدنيا، هذا ملاحظ الآن: مشاكل المسلمين وانقسامهم وتفرقهم أمر عظيم. نسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين أجمعين.

    كثير من المسلمين لا يعطون الأمر قدره، ولا يلتفتون إلى المسألة بحقيقتها في باب البراء وفي باب الولاء، فتجد الواحد يقع في موالاة الكفار يدري أو لا يدري:

    فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة     وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

    يتشبه بهم فيما هو من خصائصهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ومن تشبه بقوم فهو منهم)، وفي رواية: (حشر معهم) تجده يقيم في بلادهم، يخرج مسلماً من بلاد الإسلام ليقيم في بلاد الكفار، أولاده يولدون هناك، فلا يعرفون من العربية حرفاً، ولا يقرءون القرآن، ولا يتعلمون الدين، ويعيشون في بلاد الكفر، ولا يقض مضجعه ذلك، وما من مصيبة أعظم على المسلمين الذين عاشوا في بلاد الغرب ولم يدركوا خطورة الأمر والبلاء والفتنة العظيمة التي يقبلون عليها، كفتنة ذوبان وفساد أولادهم ولا حول ولا قوة إلا بالله! مسلم يبكي لأن ابنته ذهبت تصادق كافراً يزني بها وتتزوجه في الكنيسة رغماً عن أنف أبيها, مسلم يبكي؛ لأن ولده ترك دينه وعلق الصليب وسمى نفسه جرج وديل وغيره، وآخر يرتبط بامرأة سفاحاً وينجب أولاداً، ثم يقول: يا ألله! حلوا مشكلتي، أنا لا أريد أن أضيع هؤلاء الأولاد، من قال لك إنهم أولادك؟ أبناء زنا.

    الإقامة في بلاد الكفار إذا لم تكن للحاجة أو الضرورة أو مصلحة فهي شر محض لا تجوز، تجد كثيراً من المسلمين يقع في الولاء مع الكفار وهو لا يدري، يقيم في بلادهم، فينقاد إلى قوانينهم، ولا يستطيع أن ينكر شيئاً، بل حتى في نفسك وأهلك وبيتك لا تستطيع، قانون في بلاد الغرب: إذا كنت تسكن في بلاد الغرب فعليك أن تدرس أولادك إجباري، هل توجد مدارس إسلامية في كل مكان؟! الجواب: لا. إذاً أنت مجبر أن تدرس أولادك في المدارس التي يدرس فيها أبناء الكفار، وهذا يعني أن ولدك وبناتك سوف يتعلمون لغة الكفار، ليست القضية لغة، بل عاداتهم، أمر عادي جداً أن يبدي بعضهم لبعض العورات، أو أن يختلطوا، أو أن يشربوا الخمور، أو أن يصادق الفتى الفتاة في الثالثة عشرة والرابعة عشرة من العمر، وأن تكون للبنت الحرية المطلقة في نفسها، إذا بلغت ستة عشر عاماً أو ثمانية عشر عاماً لا يتدخل فيها أبوها، عجائب وغرائب لا تخطر لكم على بال، فما بالكم بمسلم يقيم في بلاد الكفار ليس لوجوده ضرورة، ولا مصلحة، ولا حاجة، اللهم إلا الفتنة بالكفار؟! إذاً ما هو الولاء إن لم يكن هذا هو الولاء؟! ما هو الحب للكفار إن لم يكن هذا هو الحب؟! بعضهم يرضى أن ينتقل إلى بلاد الكفر يقول: أنا في بلدي لا أقبض إلا ثمانمائة دولار وفي بلاد الكفار راتبي ألف دولار، يعني: تبيع الدين والذرية والآخرة بمائتي دولار فرق في الراتب؟!! أمر عجيب وغريب، نسأل الله السلامة والعافية.

    كذلك إذا مات أحدهم في بلاد الكفر، وهي غربة في الحياة وغربة في الممات، إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ [النساء:97] الذين يموتون في بلاد الكفر، حينما تأتي الملائكة لقبض أرواحهم وهم ظالمون لأنفسهم، يموتون في بلاد الكفر على غير إعزاز لدين الله، أو حاجة تلجئهم، أو ضرورة أو مصلحة تقتضي ذلك: فِيمَ كُنْتُمْ [النساء:97]؟ ما الذي أجلسكم في بلاد الكفار؟ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً [النساء:97-99].

    من موالاة الكافرين: إعانتهم ومناصرتهم والاستعانة بهم والثقة بهم، واسمعوا إلى هذه القصة الجميلة والحوار الشيق بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأبي موسى الأشعري . روى الإمام أحمد رحمه الله عن أبي موسى الأشعري أنه قال: قلت لـعمر رضي الله عنه: [لي كاتب نصراني؟ قال عمر: مالك قاتلك الله! أما سمعت قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة:51] ألا اتخذت حنيفاً؟! قلت: يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه، قال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم وقد أقصاهم الله] انظروا إلى هذا المعنى والفقه الدقيق الجليل من إمام الأمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

    وروى الإمام مسلم وأحمد : (أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى بدر فتبعه رجل من المشركين فلحقه عند الحرة، فقال: إني أردت أن أتبعك وأصيب معك -أي: أذهب أقاتل معك وأحصل من الغنيمة- قال صلى الله عليه وسلم: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا. قال صلى الله عليه وسلم: ارجع فلن أستعين بمشرك) فالتساهل في شأن الكفار وتقريبهم في أمور لا ضرورة إليها، هذا أمر خطير جداً، ونحن اليوم نرى أن بعض بيوت المسلمين فيها من الخادمات الكافرات التي تتولى رضاعة الطفل وحضانته وتربيته وتغسيله ولباسه وترفيهه، والذهاب به وتولي شأنه، والأم لا ترى الطفل إلا نصف ساعة أو ساعة، والأب مشغول في عمله وتجارته وأصدقائه، وفلذات أكباده المسلمين في يدي الكافرين والكافرات، أيجوز هذا يا عباد الله؟!

    مسلم يجعل الكافرة تعيش في بيته وتربي أولاده؟!

    مسلم يجعل الكافر يعيش في بيته ويربي أولاده؟!

    بعض المسلمين تجد بيته كبيراً، لا تقدر مساحته، وتجد عنده الكافر والبوذي والنصراني والوثني والهندوسي، عشر جنسيات يعيشون في بيته، ولو قلت له: عندنا بيت فيه فقير ويتيم وأرملة وعجوز مسكينة، نريدك أن تصرف عليهم وتعطيهم كل شهر من مالك، وتتولى رعايتهم: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، والصائم لا يفطر، والقائم لا يفتر) قال: وهل أنا ضمان اجتماعي؟! وهل أنا وكيل على ذرية آدم؟! انظر الحرمان، البيت على عشر جنسيات من الكفار، ما بين مزارع، وسائق، وخادم وخادمة .. وغير ذلك، ولكن يصعب على النفس أن تنفق على مسلم حنيف يصلي ويسجد ويركع، هذا حرمان، بل من أعظم البلاء أن تجد البيت مسرحاً ومرتعاً للكفار يعيشون فيه، وبعضهم إذا قلت له.. قال: لا نأتي بخادمة مسلمة، هذه تسرق، عليك بالنصرانية الأمينة، نسأل الله السلامة والعافية، أين الولاء؟ أين البراء من الكافرين؟

    ويزيد الطين بلة إذا رأيت بعض المسلمين يشارك الكفار في أعيادهم، عيد رأس السنة، عيد الكرسمس، عيد هلوين.. إلى غير ذلك، منذ فترة فوجئ الناس أن السوق نفذت منه الورود الحمراء، والأقمشة الحمراء، والملابس الحمراء، والزينات الحمراء، فعجب الناس، وإذا بنا حيث لا ندري أن فريقاً من أبنائنا وبناتنا يحتفلون بعيد الفلانتيم؛ وهو عيد الحب، وفي هذا العيد يتهادى الناس القلوب الحمراء، قماش أحمر على شكل قلب، دفتر أحمر على شكل قلب، والناس في زحمة، فإذا أردت أن تقيس النبض وتعرف من خلال الترمومتر الدقيق إلى أي درجة تأثر المسلمون، انظر إلى مشاركة المسلمين للنصارى في أعيادهم، تجد بعضهم يهنئ ويحتفل ويبارك، هذا الأمر لا يصلح فقد ذكر الله في صفات عباد الرحمن: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً [الفرقان:72] قال أهل التفسير: شهود الزور: أعياد النصارى، فضلاً عن مدحهم والإعجاب بهم، والإشادة بما هم عليه من الضلال والباطل، وأعظم من ذلك أن تجد من المسلمين من يردد: إخواننا النصارى، إخواننا اليهود.... حسبنا الله ونعم الوكيل، متى صاروا إخواناً والله عز وجل يقول: هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ [آل عمران:119] أي: تؤمنون بمحمد وعيسى وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ [آل عمران:119] متى صاروا إخواناً؟! لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران:118] متى صاروا إخواناً وهم الذين ذبحوا المسلمين في الشيشان وفي البوسنة والهرسك وفي كشمير وكوسوفا؟! متى صاروا إخواناً وهم الذين جوعوا الشعوب في الصومال، وفي أرام، وفي أروموا، وفي أركان، وغيرها؟!

    متى صاروا إخواناً؟!! لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة:8]، لَيْسُوا سَوَاءً [آل عمران:113]، لكن: إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ [الممتحنة:9] لا يجوز تولي هؤلاء الذين يؤذون المسلمين والذين يعادون المسلمين.

    الحديث يطول -أيها الأحبة- ولعلي أكتفي بما سلف، أسأل الله بمنّه وكرمه وأسمائه وصفاته أن يحفظنا وإياكم بحفظه وأن يكلأنا برعايته.

    اللهم اجعلنا ممن لهجت ألسنتهم بلا إله إلا الله، وأطبقت قلوبهم على معناها، واستجابت جوارحهم لكل ما تقتضيه، نسأل الله أن يجيينا عليها وأن يتوفانا عليها، ما غيرنا وما بدلنا وما أشركنا.

    اللهم إنا نسألك بأسمائك وصفاتك أن تبسط لنا في عافية أبداننا، وسعة علمنا وأرزاقنا، وصلاح نياتنا وذرياتنا، اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجمع اللهم شملنا وعلماءنا وحكامنا على طاعتك، ولا تفرح علينا عدواً ولا تشمت بنا حاسداً، إنك سميع مجيب.

    اللهم استعملنا في خير عمل، وتوفنا على أحسن حال، يا ودود يا ذا العرش المجيد، اغفر لنا ولوالدينا ووالدي والدينا وأحبابنا يا رب العالمين.

    اللهم صل وسلم على محمدٍ وعلى آله وصحبه.

    1.   

    الأسئلة

    الرد على من يقول: إن الإيمان قول لا عمل

    السؤال: ما رأي فضيلتكم بقول من قال: إن الإيمان بالقلب، ونحن نقول: لا إله إلا الله ويكفي بلا عمل؟

    الجواب: هذا ليس بصحيح؛ لأن الإيمان الحق في أمره وشأنه أنه قول واعتقاد وعمل، اعتقاد القلب، ونطق اللسان وعمل الجوارح، أما المعرفة القلبية، فلو قلنا: إن الإيمان هو المعرفة القلبية، لكان إبليس من المؤمنين؛ لأن إبليس يقول: رب بما أغويتني، رب فأنظرني، هو يعرف أن الله رب ويخاطب الله عز وجل بالربوبية ويعرف ذلك، ويقتضي أن أبا طالب من أهل الجنة والنبي يقول: (أشفع فيه فيوضع في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه) أبو طالب يقول: ولقد علمت.. -وهل هناك أعظم من المعرفة-:

    ولقد علمت بأن دين محمدٍ     من خير أديان البرية ديناً

    لولا الملامة أو حذار مسبـة     لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً

    إذاً: الإيمان معرفة القلب ويقينه واعتقاده، ونطق اللسان باللفظ وأعمال الجوارح.

    صعوبة النطق بالشهادة عند الموت

    السؤال: بعض الناس يقول: إذا جاءني الموت قلت: لا إله إلا الله ودخلت الجنة كما في الحديث، فما تعليقكم على ذلك حفظكم الله؟

    الجواب: يظن بعض الناس أنه من السهولة أن يتلفظ بلا إله إلا الله عند الموت، وأنا سوف أخيل لك الأمر: لو كنت تمشي في سكة ظلماء، وفي طريق موحش وأنت في حال من الجوع والتعب والسقم، ثم جاء من ضربك على صدرك ضربةً قال: ما اسمك؟ والله إنك تفزع ولا تعرف ما اسمك الذي تنادى به ليل نهار، حال الموت -يا أخي- حال سكرات، وحال غربة، الذي ينازع سكرات الموت في عالم آخر والناس من حوله لا يدري بهم، في حال عظيم، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا [فصلت:35] ليس بالسهولة أن الإنسان يقول: لا إله إلا الله عند الموت، إلا من أراد الله به خيراً، ومن عاش على شيء مات عليه، فالذي يعيش على اللهو يموت على اللهو شاء أم أبى، والذي يعيش على الفجور والخنا يموت على الفجور والخنا شاء أم أبى، والذي يعيش على طاعة الله وذكره والصلاة والعبادة، يلهمه الله لا إله إلا الله في حال الكرب والشدة، وفي حال السكرات والنـزع، فيقول: لا إله إلا الله، بل إن بعضهم تجده يسمع منه أنين في الداخل: إه إه، وتجده يحرك أصبعه، يا ألله! يستطيع بالأنين أن يقول: لا إله إلا الله، والأصبع يتحرك، فلا تظن المسألة سهلة، سكرات الموت أمر عظيم والإنسان يحال بينه وبين نفسه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:24-25] الإنسان يحال بينه وبين قلبه حيلولة عظيمة، فليس بالسهولة أن يقول: لا إله إلا الله إلا إذا كان من أهلها وأهل مقتضاها.

    من بدع دفن الميت

    السؤال: يقول: أحسن الله إليكم، إنني أسكن في قرية، وعندما يحفرون قبر الميت يرددون كلمة: نبينا محمد، حيث يقسمون إلى مجموعتين مجموعة تقول: نبينا والأخرى تقول: محمد، فهل في هذا شيء وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: نعم. في هذا شيء وهو من البدع والمحدثات ولم يرد في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا عن الخلفاء الراشدين هذا، ولا عن سلف الأمة الصالحين الهداة المهديين.

    إنما يدعى له بالتثبيت بعد الدفن، فينتظر عند قبره قليلاً ثم يدعى له.

    ثواب من أدخل كافراً أو أعان على دخوله الإسلام

    السؤال: بيننا وفي بلدنا أناس لا يعرفون لا إله إلا الله، أتونا من بلدان قريبة وبعيدة. فهل من توجيه كلمة للشباب للتعاون مع مكاتب الجاليات والحصول على كتب وأشرطة وتوصيلها لهؤلاء الكفرة، لعل الله أن يهديهم حتى يلتحقون بلا إله إلا الله وبالإسلام، ولا يخفاكم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم

    الجواب: أنا أشكر هذا السائل على هذه اللفتة الطيبة، وإذا تذكرنا ما مضى في بداية هذه المحاضرة من الفضائل العظيمة والهبات والكرامات الجسيمة، التي تنبني على لا إله إلا الله والعمل بها، فما بالك إذا أكرمك الله وكنت سبباً في رجل كان ساجداً لوثن وصنم، أو مثلثاً عابداً للصليب، أو لبوذا، أو للأوثان، ثم هداه الله وأصبح من أهل لا إله إلا الله بسببك، سواء بسببك مباشرة أنت الذي شرحت له وأقنعته، أو بسببك أنت الذي وصلت إليه الكتاب والشريط الذي سمعه وقرأه فنفع الله به فاهتدى، أو أنت الذي ساهمت في دفع راتب الداعية الذي شرح له لا إله إلا الله ودعاه فأسلم، فتكون قد نلت خيراً عظيماً، وكما جاء في الحديث الذي قرأه الأخ: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم).

    قد يكون الإنسان قليل العبادة، لكن يبلغ بالدعوة منازل عظيمة لم يبلغها العباد، والسبب عدد الذين أسلموا على يده، فكل صلاة وكل حج وصيام وجهاد وذكر ودعاء يكون في موازين أعمالك مثل الذي عملوه، ومن اهتدى بهديهم وتتابع، والعبادة هي التجارة الرابحة: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ [فصلت:33]، (من دل على هدىً فله أجره، ومثل أجور من تبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص من أجورهم شيئاً).

    كيف يعلم المسلم أن الله ورسوله أحب إليه من نفسه وماله وولده

    السؤال: كيف أعرف أن الله ورسوله أحب إليّ من نفسي ومالي وولدي باللسان، أو بالفعل، أو بالنية؟

    الجواب: هذا بالقلب، وباللسان، وبالفعل، فإذا جاء داعي الزكاة قلت: لا والله المال أحب إلي من الزكاة، إذا أمرت بالحج قلت: لا والله الراحة أحب إلي من الحج فلن أحج، إذا جاءت الطاعة والصلاة قلت: والله الفراش لذيذ وأنا تعبان أريد أن أنام، وإذا دعيت إلى فاحشة قلت: شهوتي ولذتي مقدمة على طاعة الله ورسوله، هذا معناه أن ذلك دليل على نقص إيمانك، فإن كان ما ارتكبته معصية، فذلك نقص في المحبة ونقص في الإيمان ولا نقول بكفرك، ولكن نقول: إن فضلت ذلك تفضيلاً وعقدت القلب على أن ذلك أفضل فهذا هو الكفر، وإن قلت: أنا ضعيف ومذنب، أنا مقصر ومفرط، والشهوة غلبتني، نقول: هذه من المعصية، ودليل ميلك إلى ذلك أو دليل انصرافك عن الاستحلال والتفضيل إلى الاعتراف بالتقصير والمعصية أنك تتوب وتئوب وترجع، فرق بين من يعمل الذنب ويقول: هذا ذنب، لكنه في الحقيقة يفضل شهواته على طاعة الله ورسوله، وبين من يعمل الذنب وهو يقر بتقصيره وتفريطه ويعزم على العودة والرجوع، الأول لا يبالي بالمعصية ولا تهمه ولا يفكر في التوبة بعد ذلك، وسيان إن أطاع أو عصى، أو أقبل أو أدبر، أو زاد أو نقص، لكن الثاني: تجده ليست المعصية دأباً له ولا من طبيعته ولا من سجيته، فإذا فعلها ندم، وإذا فعلها فعل الصالحات التي تمحوها ويعاهد على التوبة، وقد يقع ثانية أو ثالثة فيعود بالتوبة مرة أخرى، شتان بين هذا وهذا.

    حكم الدعوة إلى الله في هذا العصر

    السؤال: هل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى في هذا العصر فرض عين أم فرض كفاية؟

    الجواب: الدعوة فرض على عموم الأمة، واجب على عموم الأمة وهي من فروض الكفاية، إذا قام بها من تبرأ به الذمة سقط الإثم على الباقي، واليوم الحاجة ماسة إلى كل من لديه المقدرة على الدعوة أن يساهم؛ لأن الواقع يشهد أن حاجة الناس إلى الدعوة تدل على أننا لو أتينا بعشرة أضعاف الدعاة الموجودين، وعشرة أضعاف مكاتب الدعوة، وعشرة أضعاف الجهود القائمة، لما غطت الحاجة، ولذلك تصبح الدعوة متعلقة برقابنا جميعاً، سواء منا السابق في الخيرات، أو المقتصد، أو الظالم لنفسه، لكن الذي لا يستطيع عليه أن يساهم بالمال، أنت تدعو بمالك، وهذا يدعو بلسانه، وهذا يدعو بجهده، وهذا يدعو بعلمه، وهذا يدعو بتأليفه، فالدعوة على عامة الأمة متحتمة ومتعينة، لا ينبغي التفريط فيها، يقول شخص: الدعوة مسئولية وزارة الشئون الإسلامية، ومسئولية الهيئات، ومسئولية الدعاة والقضاة والعلماء، أنا ليس لي علاقة، نقول: لا. أنت عليك نصيب تتحمله، النصارى الذين يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، وأن المسيح ابن الله، يدفعون مبالغ تبرعات للكنائس وتنصير المسلمين، وهم أهل الخمر والزنا والخنا، يتبرعون للمؤسسات الدينية الكنسية، وأنت أيها المسلم المصلي تقول: لا. الدعوة مسئولية الوزارة والعلماء، إن لم تدع بلسانك ادع بمالك، الدعوة بطباعة الكتب، من أين الأموال؟ صحيح أن هناك أموالاً تنفق، الدولة وفقها الله تنفق، والمسئولون وأهل الخير والأثرياء، لكن لا تزال الحاجة ماسة.

    خمسة وتسعون في المائة من المعوقات الدعوية معوقات مالية مادية، ولو أننا فعلاً نخدم الدعوة لجعلنا من رواتبنا شهرياً قسطاً نتبرع به للدعوة، الراتب شهرياً يدفع منه قسط للخادمة، ويدفع منه قسط للترفيه، ويدفع منه لفسحة الأولاد، ويجمع منه قسط لكذا وكذا، لماذا لا نخرج قسطاً للدين والدعوة؟ أم أن الدعوة أرخص وأدون وأقل من الخادمة وفسحة الأولاد والملاهي والترفيه؟!!

    مصيبة عظيمة أننا لا نعطي الدعوة اهتماماً، تجد الشخص يعطي العطاء والسخاء الكثير على أمور كثيرة، لكن إذا دعي لينفق لدين الله عز وجل بخل: هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38].

    ترك العمل خوفاً من الرياء

    السؤال: أنا شاب أعد من المهتدين، وعندما أستعد لعمل مشروع خيري أو عمل صالح أو طاعة أجد في نفسي شيئاً من العجب والرياء، وأترك هذا العمل خوفاً أن يحسب عليّ يوم القيامة ولا يحسب لي، وخصوصاً أن هذا العمل إن لم أعمله وأقوم به فلن يقوم به أحد. فأرشدوني جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: يا أخي الحبيب! لا تدع العمل لهذه الشبهة وهذه الوساوس وجرد النية لله عز وجل، قبل أن تقوم بالعمل اسأل نفسك: هذا العمل من الذي يجازيك عليه؟ الله عز وجل، من الذي يكرمك به في حياتك وبعد موتك؟ الله عز وجل، إذا حققت الإخلاص لا مانع، لكن بعض الناس إذا قال لك: يا أبا فلان! أتسافر معنا غداً إلى الدمام تقول: اصبر حتى أشاور نفسي، لا يمنع يا أخي إذا دعاك أحد إلى خير أن تقول له: اصبر، حتى تحقق النية، فقد كان بعض السلف إذا دعي إلى فعل خير، قال: أنظروني ألتمس نية، أي: اتركوني أجمع نيتي حتى لا أجعل فيها هماً لمصلحة أو دنيا أو حطام فان، فإياك أن تدع هذا العمل، بحجة أنك تقول: أخشى أن يصيبني الرياء، وإياك أن تقدم عليه دون أن تجرد النية، وتجريد النية: أن تسائل نفسك، وتحقق الأمر، هذا الأمر ليس فيه مصلحة ولا فيه نفع، والناس إن ذموك أو مدحوك لا يقدمون ولا يؤخرون، اللهم إلا أن الذكر الحسن ينفعك إذا صدقت مع الله عز وجل، فحقق النية وأقدم، ولا يكن الوساوس سبباً في دفعك أو منعك من الخير.

    كلمة عن الدشوش

    السؤال: هل من كلمة حول كثرة الدشوش في هذا الزمان، وخصوصاً الآباء حول هذا الموضوع؟

    الجواب: يا أحبابي: لا أحد يستطيع أن يكون رقيباً على كل نفس، أو شرطياً على كل رأس، أو حسيباً على كل إنسان، لكن يبقى شيء واحد وهو: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:54-55].. إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً * حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً [النبأ:31-32].. تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً [مريم:63].

    التقوى: أن تراقب الله في السر كما تراقب الناس في العلانية، والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، نربي أنفسنا على الإيمان والتقوى والمجاهدة، وإدراك أن مثل هذه الأمور لا تقدم ولا تؤخر، هذا خير لنا وأحسن تأويلاً، نربي النفوس على ذلك، وأيضاً نقدم النصيحة، سيما في الذين بلوا في هذه الأطباق واستقبلت الأصناف من القنوات، والآن ليست القضية أغنية أو راقصة، الآن أصبح البث المجاني بالأفلام الخليعة، إسرائيل الآن تبث على بلاد المسلمين وقت صلاة الجمعة بثاً خليعاً، لماذا؟ حتى يضل أبناء المسلمين، فمن الذي يرضى أن يكون هو وذريته لجهنم حطباً؟! من الذي يرضى أن يكون ضالاً مضلاً يحمل وزره وأوزار أبنائه؟!

    الشخص منا يتعب وينفق ويعطي ويعالج ويغذي ويكسو ويعلم، ويقدم كل شيء للأولاد، فإذا جاء أهم شيء وهو والدين والتربية والخلق والعفاف والحياء، قال: لا. اتركهم يفعلون ما يشاءون، عجب لنا! نبني البيوت ثم نفتح الأبواب للخنازير والكلاب تدخلها، نتعب على تربية الأولاد ثم نفتح الدشوش على قلوبهم وعقولهم تفسدها؟!! هذا من التناقض وهذا من المؤامرة، هل رأيت رجلاً يدب في الليل دبيباً والسكين في يده ليطعن أطفاله، هذا أمر لا يتصور؟! لكن نقول لك: متصور وموجود، من هو؟ هذا الذي يضع الدش والشاشة أمام أولاده، يطعنهم كل يوم طعنة نجلاء في عقولهم وقلوبهم بهذا الدش الذي يضعه، لكن الناس لو تقص لهم قصة، تقول: بالأمس قبضت الشرطة على رجل طعن ولده وابنته، كل يتحدث بالقصة في المجالس، لكن آلاف الذين يطعنون أولادهم وبناتهم بإدخال القنوات الفضائية والأفلام الخليعة فيها، الأمر سيان ولا يعنيهم من الأمر قليل ولا كثير.

    الشيشان

    السؤال: يقول: الشيشان أنسيت أم ماذا؟ ولماذا؟ وهل لكم من كلمة عن أحوالهم وأحوال المسلمين هناك جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: أسأل الله عز وجل أن ينصرهم بنصره، لا شك أن أحوال المسلمين في كل مكان -وليست في الشيشان فقط- تشكو إلى الله عز وجل، لكن البذل والدعاء والنصرة مطلوبة، ولا شك أن الأخبار الآن ضعفت عما كانت عليه من قبل، وهناك تسلط على مواقعهم حتى في الإنترنت، تدمر بين فترة وأخرى، ولكن يقيننا بأن العاقبة للمتقين، ولعل المجاهدين قد تحيزوا إلى فئة أو جهة، نسأل الله أن يقويهم فيعيدوا الكرّة على هؤلاء الملاحدة وما ذلك على الله بعزيز.

    سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.