إسلام ويب

الشباب والمسئولية [2،1]للشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المسئولية الملقاة على عاتق المسلم كبيرة جداً، وأهمها مسئولية الفرد عن نفسه في سمعه وبصره وفكره. وفي هذا الدرس أماط الشيخ اللثام عن إجابات كثيرة تتعلق بالمسئولية أبرزها: صور المسئولية الجماعية .. أسباب الهروب من المسئولية .. ملامح أهل المسئولية وسماتهم .. عواقب إهمال المسئولية.

    1.   

    عظم قدر المسئولية

    الحمد لله حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة وهو الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي لا إله إلا هو، الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، سبحان الله عما يشركون، الحمد لله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى، يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67].

    أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة نرجو بها النجاة يوم القيامة، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    أسأل الله جل وعلا في مستهل هذا اللقاء أن يكتب خطواتكم وأن يجعلها في موازين أعمالكم، فوالله لأنا أعلم بنفسي من الذين اجتمعوا إلي، وكما قال سفيان رحمه الله:

    خلت الديار فساد غير مسـود     ومن الشقاء تفرد بالسؤدد

    والله لو أن على الساحة ساداتها ورجالها؛ لما اجتمع الإخوة في هذا المقام كما ترون، ولكنا نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبرم لهذه الأمة أمر رشدٍ يعز فيه أهل طاعته، ويذل فيه أهل معصيته ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر.

    أيها الأحبة حديثنا اليوم عن المسئولية.

    الشباب والمسئولية موضوع ذو شجون، متعدد المباحث والمسائل، له جوانب شتى.

    المسئول هو الذي يطرح عليه السؤال، وينتظر منه الجواب، ويجازى ويعاتب على تفريطه، ويلام على إهماله وتركه ثغرته ومكانه.

    وحينما نتكلم عن المسئولية فالحديث أولاً وبادئ ذي بدء يوجه إلى أجدر الذين يحملونها ويقومون بها، وهم الشباب:

    شباب لم تحطمه الليالي     ولم يسلم إلى الخصم العرينا

    الشباب الذي كان فيهم من قاد الجيش وهو ابن سبع عشرة سنة، والذين فيهم من تولى مسئولية الأمة، والذين انتصبوا للتعليم والإفتاء، الشباب الذين ضربوا أروع الأمثلة في صلاح السيرة والسريرة، واستقامة الظاهر والباطن والسر والعلانية.

    واسمحوا لي أن ألج إلى موضوعنا عبر بوابة شريفة، وهي قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عنه واتفق عليه الإمامان الجليلان البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته؛ الإمام راعٍ ومسئول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، وكلكم راع ومسئول عن رعيته).

    أحبابنا: الأصل أن الإنسان مسئول ومحاسب ومجازى، وأن البعث بعد الموت، وأن نشر الصحف ونصب الموازين والجنة والنار ما هي إلا نتيجة هذه المسئولية، وجزاء من تحمل أمانة فقام بها، فجزاه الله الجزاء الأوفى وضاعف له أعماله، والنار لمن أعرض عن دين الله، وتكبر عن طاعة الله، وجعل كتاب الله وراءه ظهرياً فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه [الزلزلة:7-8].

    حتى المسئولية في الذرات وفي الخردلة يقول تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47] فمسئولية الذرة والخردلة ترى نتيجتها في موازين الحسنات أو في كفة السيئات، وتعالى الله جل وعلا أن يخلق خلقاً ثم يتركهم هملاً، أو يدعهم سداً أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ [المؤمنون:115-116] لا يليق بالله، وينـزه الله، ويسبح الله، ويقدس الله أن يخلق الخلق ثم يدعهم هملاً أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ [المؤمنون:115-116] يتنـزه الله عن ذلك فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:116-117].

    ويقول جل وعلا: أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى [القيامة:36-39].

    أبعد هذا التطور في مراحل الخلق والتكوين، وأن يخلق على أحسن صورة وأجمل هيئة، لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين:4] ويكرم وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً [الإسراء:70].

    أفيكون هذا كله وليس بعده جزاء أو حساب أو لوم أو عتاب؟ لا والله، بل في آيات أخرى -والآيات في هذا المقام كثيرة- يبين الله جل وعلا أن الإنسان يسأل ويحاسب، فليس الصحيح يحمل من المسئولية كما يتحمل السقيم، وليس الفقير يتحمل من المسئولية كما يتحمل الغني، وليس صاحب الجاه والسلطان يتحمل من المسئولية كما يتحمل من لا جاه له ولا سلطان، وليس القوي أو من ولاه الله أمراً يتحمل من المسئولية كمن لم يتول أمراً، شتان بين هذا وهذا، فكلٌ يحاسب ويسأل ويعاتب بقدر ما أوتي، وبقدر ما بسط الله له، وسخر له بين يديه، لينظر في فعله وسعيه وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى [النجم:39-41].

    1.   

    مسئولية الإنسان الفردية

    أيها الأحبة! إن هذه المسئولية بادئ ذي بدء لا نتحدث فيها عن مسئولية الحكام عن الشعوب، أو مسئولية العلماء عن الأمة، أو مسئولية المعلمين عن التلاميذ، أو مسئولية الأم عن أهل بيتها، نعم تلك مسئوليات عظام جسام، ولن تزول قدما عبدٍ حتى يسأل عنها، ولكن في الدرجة الأولى تكون المسئولية الفردية التي أخاطب بها كل واحد منكم، فهو يتحمل مسئولية فردية تجاه نفسه ولن يتحملها غيره، وأخطاؤك لن يتحملها من سواك: أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [النجم:38] لا تحمل نفس إثم نفس أخرى، بل كل نفس تحمل أوزار نفسها، وتحمل آثامها وخطاياها، ولا يلقي أحدٌ اللوم والعتاب على غيره، نعم قد يحاسب من يحاسب بما ولي، فمثال على ذلك يوم أن نرى أسرة من الأسر بسبب فسادٍ في جريدة أو مجلة أو شاشة أو عرض أو فلم أو نحو ذلك، فإن من تسبب في نشر هذا ويسره بين المسلمين، محاسب عند الله جل وعلا بسببه، إذا قدر أن يكف الشر عن المسلمين، ولكن هذا لا يعني أن من تولى مسئولية أسرته وبيته يلقي اللائمة على الإعلام مثلاً، نعم من ولي الإعلام يحاسب يوم القيامة، بما قدم من خير بخير، وما قدم من شر بما يعلم الله جل وعلا، ولكن حساب من تولى ذلك لا يعفيك أنت عن المسئولية يا من توليت مسئولية أهلك وبيتك، وإن لم نفعل ذلك ونفهمه تمام الفهم؛ فإننا سوف نهمل أولادنا، ونقول: الإعلام ومن قام عليه يحاسب عليه يوم القيامة، ونهمل العلم في أبنائنا ونقول: يحاسب المعلمون، ونهمل بناتنا، ونقول: يحاسب من سمح بالتبرج أو الاختلاط ونحو ذلك.

    أيها الأحبة! المسئولية تبدأ بمسئولية الإنسان تجاه نفسه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ [التحريم:6] ابدأ بنفسك، قِ نفسك، مسئوليتك تتحملها تجاه نفسك بادئ ذي بدء يقول صلى الله عليه وسلم: (كلكم يغدو) والغدو هو الخروج في الصباح:

    وقد أغتدي والطير في وكناتها

    (كلكم يغدو فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها) الناس تغدو وأنت ترى هذه الخطوط وهذه الطرق تزدحم بآلاف البشر، فمنهم من يغدو إلى هلكة نفسه، ومنهم من يغدو إلى عتق نفسه، وقريباً يحصد الزارعون ما زرعوا.

    وهناك مسئولية فردية يوم العبور على الصراط: (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين أكتسبه وفيما أنفقه).

    أيها الإخوة! خذوها صريحة أقر بها على نفسي، واعترفوا بها من أنفسكم: إننا نتفنن في عرض مسئوليات الآخرين تجاه ما تحتهم، ولكننا نحسن ونتقن التهرب من مواجهة أنفسنا بما تحملنا من المسئوليات، ما ألذ الحديث يوم أن نتكلم عن تفريط فلان وعلان، فلان ولي الأمر الفلاني ففرط فيه، وفلان قام بالأمر الفلاني فأهمله وضيعه، وهكذا.

    وعين الرضا عن كل عيب كليلة     كما أن عين السخط تبدي المساويا

    نحسن ونخرج أمثال الذر من الأخطاء بالمكبرات وغيرها، يوم أن ننظر في أخطاء الآخرين، لكن لو دعونا كل واحد أن يقف في مواجهة نفسه، وأن يكون صادقاً، وأصدق الصدق مع النفس أن تصارح نفسك وأنت أدرى بنفسك، وإن مدحك الناس الليل والنهار، وأنت أدرى بفضلك، وإن ذمك الناس الليل والنهار، قال تعالى: بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ [القيامة:14].أنت أدرى يا أخي بعيوب نفسك، وتقصيرك وتفريطك، وزلاتك وهناتك.

    والمصيبة -أيها الأحبة- أننا يوم أن نتبصر مسئولياتنا تجاه أنفسنا وننظر ما قدمنا؛ لنعتق هذه النفس من نارٍ وقودها الناس والحجارة، إننا يوم أن نتفكر في صلاتنا لعلنا بعد رحمة الله نرجو بها النجاة، نتذكر صلاةً نقدم إليها متأخرين، وفيها من الوساوس والهواجس ما الله به عليم، ونتذكر صياماً أغلب ساعته في النوم، وقد اختلط بشيء من النظر والسماع، ونتذكر أعمالاً ربما -ونحن أدرى بأنفسنا- داخلها ما داخلها من الشهوة أو الرياء أو السمعة أو حب الثناء، ولكن يوم أن نتذكر السيئات؛ فإن الواحد منا يبصر ذنوبه ويتذكر سيئاته، كما ترون هذه الإضاءة التي تلمع فوق رءوسكم بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ [القيامة:14]. إن الذي يدخل الامتحان، قبل أن تقدم له ورقه الأسئلة يقول وهو يصارح نفسه بكلام لا يسمعه إلا هو، وتنبس الشفاه، وتتمتم بألغاز وحروف لا يفقهها إلا صاحبها، ويقول: لو نجوت من الموضوع الفلاني، وسلمت من المادة الفلانية، وسلمت من السؤال الفلاني، فأنا ناجح لا محالة، وكل واحدٍ منا -والله ثم والله- أدرى بنفسه ويقول لنفسه: لو سلمت من تلك، وعوفيت من هاتيك، وعافاني الله من تلك، وغفرت وسترت هاتيك، فأنا بخير.

    إذاً أما السيئات فنراها براقة لامعة ونحن أدرى بها، وأما الحسنات فنسأل الله أن يتقبل، وأن يكمل من أعمالنا ما نقص بتفريطنا وتهاوننا.

    مسئولية الإنسان عن عينه

    أيها الأحبة! مسئوليتك مسئولية كل واحد منا تجاه نفسه، فهو مسئول عن عينه التي ركبت في أدق تركيب، بحدقة وشبكة وقرنية، وعروق وعصب بصري وجهاز حساس، فهي ما ركبت في هذا المكان عبثاً، وما أحيطت بعظام تحفظها عبثاً، وما جعل لها جفن يمسحها من الغبار، وما جعل لها دمع ينظفها في كل لحظة من أجل أن تنظر إلى صورة نهى الله أن ينظر إليها، أو من أجل أن تقلب النظر في أمر لا يجوز إليه، وإنما خلقها الله لتنظر في مصير الأولين والآخرين، ولكي تتدبر في خلق الله جل وعلا.

    أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [يوسف:109].. أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ [الغاشية:17-21]. هذه العين قد أشغلناها بالتوافه، فاشتغلت بهذه التوافه عن العظائم، والواحد ينظر إلى السماء تمد مد الأديم فلا يتفكر فيها وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً [الأنبياء:32] ورفعت بغير عمد، ولا يتفكر الواحد في خلقها، وبين كل سماء وسماء ما يعلم الله جل وعلا، وفي سماء من خلق الله سبعون ألف ملك، البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، قد ملئت السماوات والأرض والمخلوقات بالعجائب التي تدعو أصحاب النظر إلى التفكر فيها.

    ولكن أعجب إلى شاب يقول: انظر إلى قدم اللاعب الفلاني، كيف حرك رجله بحركة رشيقة خفيفة دقيقة، فأصاب الهدف في زاوية مربعة على حين غرة من حارس، انظر إلى تلك العين كيف تبعت الحذاء، وكيف تبعت القدم وتفكرت في بالون منفوخ، وتلاحق أقدام اللاعبين، ولم تبصر ولم ترتفع لتنظر ما خلق الله في ملكوت السماوات، قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ [فصلت:53].

    الآفاق هي السماوات الطباق، والنفس البشرية فيها من العجائب ما الله به عليم، لكن مسئولياتنا تجاه أبصارنا قد ضيعت بالتافه، ويقول علماء الأصول والقواعد الفقهية: "الاشتغال بغير المقصود إعراض عن المقصود" حينما تشغل البصر بالتافه، اشتغلت بالتافه عن العظيم الجليل الذي يليق.

    مسئولية الإنسان عن سمعه

    ولا تسل عما أشغلنا به الأسماع من أخبار لا تهمنا، وأمور لا نقدم فيها كثيراً، وأعجب من هذا! أولئك الذين يشترون الفساد ويجرونه إلى بيوتهم عبر ما يسمى بأجهزة الاستقبال والبث المباشر، أو ما يسمونه بالدش، وإذا سألت أحدهم وهو مسئول عن ذريته ورعيته في بيته، ومسئول عن نفسه: ماذا يصنع وماذا يبصر؟ يقول: إني أسمع الأخبار. وأي أخبار تقدم فيها أو تؤخر يا مسكين؟ هأنت قد سمعت أن المسلمين ذبحوا في طاجكستان وقتلوا وشردوا، فماذا فعلت يا صاحب الأخبار؟ وهأنت علمت أن فيدير راموس حاكم الفليبين حشر على المسلمين في منديناو خمسين ألف جندي صليبـي لحرب إبادة، نسأل الله أن يكفي المسلمين شرها، وهأنت تعلم ماذا حل بإخوانك في فلسطين، وهأنت تعلم ما يدور في أفغانستان، وهأنت تعلم ما يدور في إريتريا وفي مورو وفي البوسنة والهرسك وفي الأنجوش وفي مواطن كثيرة، فماذا قدمت يا صاحب الأخبار؟

    قدمت مزيداً من الأوزار تتحملها بعلم تعلمه.

    ولا يقابل العلم تحمل مسئولية أولئك الذين أهملوا مسئولية الأسماع، وأشغلوها بغير المقصود، فأعرضت عن المقصود، والله جل وعلا قد حذرنا من أن نهمل وسائل العلم والمعرفة، أو أن نشغلها في أمر لا يليق، وبين في كتابه أن طائفة اعترفت بأنها تصطلي بالنار؛ لأنها ضيعت أسماعها وأبصارها، ولم تتحمل مسئولية السمع والبصر: وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك:10].

    إنهم يعقلون ولكن يعقلون حجج الباطل، ويعقلون ما يدحضون به الحق وما هم بقادرين عليه، ويسمعون الأقاويل في الدعوة والدعاة والحق والهدى والنور المبين، ومع هذا كله وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ [الملك:10-11] فعد إهمالهم لأسماعهم وأبصارهم ذنباً فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك:11].

    وأعود أيضاً إلى موضوع إهمال مسئولية الإنسان لسمعه (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليقل خيراً أو ليصمت) (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ [المجادلة:9] لا يتناجى اثنان دون الثالث: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً [المجادلة:10].. لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ [النساء:114].

    أحاديث المجالس التي اشتغل الناس فيها بالقيل والقال، وأكثر ما يكون من القيل والقال ربما وجده في صحيفة سيئاته، وكما في مسند الإمام أحمد وعند البزار وأبي نعيم قال صلى الله عليه وسلم: (طوبى لعبدٍ وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً) هذا هو الذي ينفعك. وأما إهمال مسئولية السمع واللسان والبصر وتضييعها وإطلاقها ومتابعة ما قيل وقال، وكان أو يكون، وروي وزعم وذُكر وحُدث، وروى لنا من نثق به، وإذا فتشت عن ثقة، فلا ثقة؛ تلك والله مصيبة إلا ما كان في خير, إلا ما كان في ذكر، إلا ما كان في دعوة، إلا ما كان في أمرٍ بمعروف ونهي عن منكر، أو مكافحة بدعة أو أمر بحق يرضي الله جل وعلا.

    أيها الأحبة! الكلام عن المسئولية لا نريد أن نشطح به لنحاسب كل مسئول عما تحته من إدارة أو وزارة، فكل مسئول مسئول ومجزي، والناس شهود له أو عليه، وملائكته شاهدة عليه، ويوم القيامة لن يجوز الصراط حتى يرى ما قدم، ولكن نريد أن نسأل أنفسنا، نريدك أنت أيها الإنسان.

    دواؤك فيك وما تشعر     وداؤك منك وما تبصر

    وتحسب أنك جسم صغير     وفيك انطوى العالم الأكبر

    ربما الواحد يقول: وأي مسئولية اتحملها وأي مسئولية أتولاها وأنا ليس في نفسي، وليس بيدي شيء؟

    بيدك جوارحك، بين جنباتك حواس وجوارح وقدرات أنت مسئول عنها، فأخبرنا بالله عليك ماذا قدمت لها؟ وماذا سلكت بها؟ وماذا نفعت المسلمين فيها؟

    مسئولية الإنسان عن فكره وعقله

    من مسئولياتك مسئوليتك تجاه فكرك، هل جعلت عقلك زبالة ليضع فيها الآخرون ما أرادوا؟ أم جعلت عقلك إناءً للإيجار لتسمع ما قيل ويقال، وتعجز أن تحقق الأمر بنفسك، ولو بحثت عن الدليل، وسألت عن الحجة لبان لك الطريق، واتضحت عندك المحجة.

    ما هي مسئوليتك تجاه بناء منهجك الفكري؟

    من واجبنا أن نكون صرحاء في بناء النفس قبل أن نلتفت إلى بناء المجتمع، فإن الكثير بل الآلاف في متابعة جادة للشريط الإسلامي، وهذا جميل جداً، وأصبح الواحد يمتلك في بيته خمسة من الأشرطة، كل شريط ينتظر دوره للسماع، وعلى سيارته عشرات الأشرطة تنتظر السماع، وفي مكتبه أشرطة، وفي ذهابه وإيابه أشرطة، وإذا سألت هل خصصت ساعات لطلب العلم؟ هل خصصت ساعات لكي تبني القرار والرؤيا والفكر بناءً على ما لديك من قناعات ومعلومات.

    ربما نعذر طائفةً من الذين لا يستطيعون تصور الأمور كما هي أو يحتاجون إلى السماع، ولكني لا أريد من شبابنا جميعاً أن يبني الواحد أفكاره ومنهجه وطريقته في الدعوة بناء على كل شريط يسمعه، أياً كان صاحب الشريط، فلعلمائنا ودعاتنا مكانة طيبة راقية في نفوسنا، ومع ذلك ما قال واحد من العلماء والدعاة: اطرحوا عقولكم جانباً حين سماع أشرطتنا، وعطلوا أفكاركم يوم أن تسمعوا كلامنا، ما قيل هذا أبداً، لكننا نجد كثيراً من الشباب لو ناقشته في قضية وهو من القادرين على بناء فكره، مستأنساً بالدليل من كلام الله، وكلام رسوله وما تيسر له من سماع بعض الأشرطة، لكني أقول: إن البعض تجده يحاجك: قال فلان في الشريط الفلاني، وقال فلان في الشريط الفلاني، وقال فلان في الشريط الفلاني، وهل تعبدك الله بأشرطة فلان؟!! وماذا عندك من العلم وماذا عندك من الدليل؟ وماذا عندك من الفقه؟ وماذا عندك من الوعي؟

    نعم نعذر من لا يستطيع أن يدرك الأمور على حقائقها أو يتصور الأمور على ما هي عليه، نعذره وقد يحال إلى شريط ليفهم منه ما يحتاج إليه، لكن أن تكون الأمة عن بكرة أبيها، لا تبني الفكر إلا عبر الشريط، هذا ضحالة، وهذا تخلف، ولو انقطع الشريط ماذا نفعل؟ إذا كان كل واحد من شبابنا على سبيل المثال يريد أن يجعل رأيه وقوله وحكمه وورده أو مورده ومصدره ناجماً عن هذا الشريط، فإذا انقطع الشريط؛ فمن أين ستبني رأيك؟ ومن أين تستنتج فكرك؟ ومن أين تحكم بحكم أنت تريد الحق فيه؟!

    إذاً.. عطلنا العقول، ولأجل ذلك فإني أدعو إخواني وأحبابي حينما يسمعوا شريطاً أن يدعوا لصاحبه، وأن يشكروا الله جل وعلا على أن في الأمة من يبصر ويرشد وينفع، لكن لا يعني هذا أن تسلم العقل أوله وآخره بدون مناقشة، بدون فهم، بدون استيعاب، فإذا أدرت عقلك وفكرت فيما سمعت في هذا الشريط، فوجدته صواباً؛ فصواب على صواب، وأما إذا أدرت العقل والرأي وحركت الفكر، فوجدت أن الأمر فيه زيادة أو نقص، فعفا الله عن صاحبه، وما قال صاحب الشريط: إن كلامه وحيٌ يُوحى وليس فيه من الخطأ شيئاً وإنما قال: هذا ما عندي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأً فمن نفسي، واستغفر الله.

    أيها الأحبة! الذي أردته من هذا ألا يظن البعض أنني أحذر من الأشرطة، أو أقول دعوها، أو أهون من دور الشريط الإسلامي.

    إن بقاعاً شتى عجزنا أن نصل إليها، وربما لم نستطع أو يستطيع كثير من الدعاة بلوغها فوصلها الشريط بفضل الله جل وعلا، فللشريط مكانة ودور، لكننا نريد أن يتحمل كل واحد مسئولية فكره، مسئولية عقله، مسئولية فؤاده وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36].

    الحذر من تفريط الإنسان في مسئوليته تجاه نفسه

    أيها الأحبة! الحذر الحذر من تفريط الإنسان في مسئوليته تجاه نفسه! وإن الذين يفرطون ثم يعرضون، ثم يَضِلون ويُضلون عن سبيل الله لربما كانوا على خطر عظيم، والله حذرنا من شأن أولئك الذين عطلوا مسئولياتهم فقال سبحانه: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ [الأعراف:179] فبين سبحانه أولئك: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف:179].

    لا نعطل هذه الحواس، ونتهاون بمسئولياتنا تجاه أنفسنا، وكما يقول القائل: هذا العقل نعتبره كالدور الثاني نؤجره إلى فلان، حتى يضع فيه ما يريد، مع حبـي وتقديري وشكري وثنائي لأي فلان كان، ووالله إني لا أقصد أحداً بعينه، إني أعلم أننا في هذه الفترة من فترات الدعوة العصيبة ابتلينا بقول القائلين: يقصد كذا ويريد كذا، فمعاذ الله أن يرمي بعضنا بعضاً بأمر لم نرده، ولكني أحذر أن نعطل هذه المنافذ والحواس، وأن نهمل مسئولياتنا تجاهها.

    1.   

    صور المسئولية الجماعية

    أيها الأحبة! الشباب والمسئولية بعد أن قدمنا مسئولية كل واحد تجاه نفسه، ربما البعض يقول: وهل كل أمر فيّ أنا مسئول وحدي عنه؟ نقول: المسئولية بادئ ذي بدء تنصب عليك تجاهك:

    نفس عصام سودت عصامـا     وعلمته الكر والإقداما

    إن الجبان لن يضع المسئولية على الجبناء من حوله الذين لم يعلموه الشجاعة.

    إن البخيل لا يضع المسئولية على من حوله الذين لم يعلموه الكرم.

    إن الكذوب المفتري الذي ينقل الكلام والقيل والقال، لا يحمل المسئولية الصادقين أو من حوله؛ لأنهم سامحوه في كذبه أو لم يعلموه الصدق، فهو مسئول عن نفسه في الدرجة الأولى كما قلت، فلا نحمل مسئولياتنا عالماً أو حاكماً أو صحفياً أو طالب علم أو رجلاً أو امرأة، كل منا يتحمل مسئوليته بالدرجة الأولى تجاه نفسه، ثم بعد ذلك يتحمل كلٌ بحسب ما ولاه الله من مسئولية، وحينما تحين ساعة الموت، وتبلغ الروح التراقي، وتظن بيقين وتعلم بصدق أنه الفراق، وتلتف الساق بالساق؛ حينئذٍ يتمنى من ولي أمراً أنه ما ولي، ومن قام مقاماً في أمر لم يمحض الإخلاص فيه أنه لم يقمه، وكل من جازف بنفسه في أمر يتمنى في تلك الساعة أنه لم يقترب منه ولم يدن، إلا من محض وأخلص وصدق الأمر لله جل وعلا، فالمسئولية فردية والمسئولية أيضاً جماعية.

    فمن صور المسئولية الجماعية، قول الله جل وعلا على سبيل المثال في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ [آل عمران:104] هذه أمة أو جماعة أو مجموعة أو طائفة مسئولة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:104].

    لكن هل مسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسئولية لجماعة مخصوصة؟ لا أيضاً. نحن كأفراد أو بصفتنا أفراداً نتحمل مسئولية عظيمةً جسيمة في هذا الباب قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة:71].

    فمهما رأيت من المنكرات لا تعلق الأمر على صغير أو كبير أو هيئة أو مسئول، ولكن اسأل نفسك بادئ ذي بدء هل وقفت ساعةً من ليل أو نهار فنصحت؟

    والله أيها الأحبة ما أسهل أن نجلس مجلساً فنقول: لقد انتشرت محلات الفيديو في مجتمعنا، علب الرذيلة ومحلات تصدير الفساد، والدعارة الموجودة بين أظهرنا ما أكثرها، ما أقبحها وما أشينها! ونقول فيها ما نقول، ولكن هذا المسجد كم فيه الآن من هذه الرءوس التي تسمع وتبصر؟

    كم عدد الذين وقفوا بأنفسهم على محلات الفيديو وقدموا نصيحة من منطلق المسئولية الفردية كما قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة:71]؟

    كما قلت: نحن نتقن أن نحمل الآخرين مسئوليات عديدة.

    أما أن تقول للواحد: يا أخي الكريم! أين دورك تجاه هذه القضية؟ تجده إما أن يتذرع بأشغاله أو أعماله أو عجزه أو ضعفه، وسيأتي الكلام عن سبل وأنواع وحيل الإنسان على نفسه في تهربه من المسئولية.

    إن من علم آية دعي إلى بلاغها وبيانها: (نضر الله امرءاً، سمع منا مقالة فوعاها، فبلغها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع) وقبل أن نبلغ مسئولياتنا في التطبيق التي لو طبقنا في كل ما نسمع من خير وحق ثابت متفق فيه، لوجدنا أننا نظفر كما قال الله بفوائد جمة، يقول تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ [النساء:66] لو أننا طبقنا وحولنا المحاضرات إلى برامج عملية، والخطب إلى مشاريع دعوية، والكلام إلى إنتاج تنفيذي عملي...

    هل رأيتم مجلس إدارة شركة من الشركات، يجلس فيه رئيس مجلس الإدارة وجميع الأفراد ثم يجتمعون كل سبت أو إثنين ويخططون وينظمون، ثم يتفرقون ولا يطبقون شيئاً، أي: شركة من الشركات أو مؤسسة من المؤسسات يوم أن يجتمع رئيس مجلس الإدارة فيها مع أعضائه يحددون هدفاً ثم يختارون الأساليب، ثم يوزعون المسئوليات، ثم يكلفون الطاقات العاملة التي تطبق هذا كله، لكن الذي بُلي به جيلنا هذا اليوم الاجتماعات الدورية المتتالية في كثير من المحاضرات والندوات، ولكن لا يعقبها تطبيق ولا تنفيذ، والله جل وعلا يقول: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ [النساء:66] الخير جاء نكرة يعم أنواع الخير: لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً [النساء:66].

    فمن أسباب الثبات على الإسلام، أن نطبق ما علمناه وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً [النساء:66-68].

    لو أننا فعلاً نعقب هذه الاجتماعات واللقاءات بمشاريع تنفيذية وعملية.

    الآية الواحدة حينما تصوغها هدفاً ومشروعاً وبرنامجاً ثم تطبقها وتنفذها يكون في هذا خير عظيم، والأمة أيضاً تتحمل مسئولية -كما قلت- كل بحسب علمه.

    إن الله جل وعلا قد حمل العلماء مسئولية البلاغ، وحمل الولاة والحكام مسئولية التنفيذ والقيام على شرع الله جل وعلا، قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ [آل عمران:187] وإلا ما الفائدة من حمل الكتاب بدون تبيين؟!

    ما فائدة العلم بالحق بدون أن يبين للناس ويدعى إليه؟!

    إن الله ذم الذين حملوا العلم ولم يعملوا به، أو أنكروه وجانبوه فقال: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً [الجمعة:5].

    لكن الله جل وعلا يبين أن الذين أوتوا الكتاب عليهم ميثاق البيان فقال: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [آل عمران:187].

    من تحمل العلم ولم يقم بحقه؛ فعليه من الله إثم عظيم.

    والعلم إن كان أقوالاً بلا عمل     فليت صاحبه بالجهل منغمر

    ويقول الآخر:

    ولو أن أهل العلم صانوه صانهم     ولو عظموه في النفوس لعظما

    ولكن أهانوه فهانوا ودنسـوا     محياه بالأطماع حتى تجهما

    يقولون لي فيك انقباض وإنـما     رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما

    فلم أجن حق العلم إن كان كلما     بدا طمع صيرته لي سلما

    أأشقى به جمعاً وأجنيه ذلة     إذاً فاتباع الجهل أولى وأحزما

    1.   

    ملامح وسمات أهل المسئولية

    أيها الأحبة! الذين يتحملون المسئولية هم نوادر، وأنتم أيها الصالحون ندرة بين الفساق، الأبرار ندرة بين الفجار، الأخيار ندرة بين الأشرار، أهل العلم ندرة بين الجهلة، أهل الإصلاح ندرة بين المفسدين، فما هي ملامح أولئك الذين هم أهل المسئولية وأهل التحمل، لهذا أسأل الله أن نكون وإياكم منهم.

    احترام الوقت

    من ملامح وسمات الرجل الذي تراه كفؤاً لتحمل المسئولية تجاه نفسه وتجاه أمته أن تجده يحترم الزمن، يحترم الوقت، لا تجده يجود بوقته في أي رصيف أو في أي مجلس، أو في أي غدوة، أو في أي روحة، أو في أي طريق، أو في أي مكان أبداً، وإنما يسأل نفسه: إلى أين؟ ومن أجل من؟ وما هي النتيجة والثمرة؟

    فإذا رأيت الرجل يحترم وقته ويحترم عمره؛ فاعلم أنه رجل جدير بالمسئولية.

    أما الذين يضيعون أوقاتهم، فأولئك ما قاموا بمسئوليات أنفسهم تجاه أنفسهم فضلاً أن يتحملوا مسئولية إصلاح الأمة، وفاقد الشيء لا يعطيه.

    الحزم في الأمور

    الأمر الآخر من ملامح وسمات الذين هم ذوو جدارة أن يتحملوا المسئولية تجاه أنفسهم وأمتهم، أولئك الذين يأخذون الأمور بحزم وجد، والنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه لما سأل ربه، قال: (أسألك العزيمة على الرشد) لم يسأل الله الرشد فقط، وإنما سأل ربه العزيمة على الرشد: (والغنيمة في البر) فكل يعرف الرشد؛ لكن من الذي يأخذ الرشد بعزيمة ويقوم به؟

    والله جل وعلا قال: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ * خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ [البقرة:62-63] ما أكثر الذين سمعوا وحضروا وجلسوا، ولكن منتهى الأمر أن نبيت على الفرش، وقلَّ أن تجد من يقول: ماذا قدمت؟ ماذا أنتجت؟ وماذا قدمت وماذا أخرت؟ الأقل من القليل.

    وقد كانوا إذا عدوا قليلاً     فقد صاروا أقل من القليل

    1.   

    الناس كإبل مائة

    أيها الأحبة: قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (الناس كإبل مائة، لا تكاد تجد فيها راحلة) واسمحوا لي أن أكون صريحاً معاشر الأحباب!

    معاشر الأبرار من هذه الأمة! إننا كمثل قوم واسمحوا لي أن أكون قاسياً في المثال يا إخوة! دعونا أنفسنا أيضاً إلى بر ورشد، فوقفنا عند حد معين، الكثير الكثير من أبناء الصحوة المباركة غاية ما عنده أنه يذكر ساعة كان فيها منحرفاً فتاب إلى الله، فأطلق لحيته وقصر ثوبه، ومن نام على الدرب وصل.

    نام عند هذه النقطة وما قدم شيئاً أبداً، هل تبنيت برنامجاً في أسرتك، في بيتك، في مجتمعك، في التعليم، في الإرشاد، في الوعي، في التوجيه، في جانب من جوانب الدعوة؟!

    (الناس كإبل مائة) ولذلك لو تقف عند باب المسجد، وتعد كل مائة على جنب، وأخرجت منهم واحداً. هل فيكم أيتها المائة من قام بأمر أو مشروع طبقه واستمر به؟ أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل، ينفع الله به الأمة، الخير يتوسع، وكما قيل: الوجود الطبيعي له نمو طبيعي، إذا كان هذا المجتمع كما يقول علماؤنا: الأصل في مجتمعنا الخير، والشر طارئ، الأصل السنة، والبدعة طارئة، الأصل الأخذ بالإسلام بجميع جوانبه، والتفريق بين ذلك طارئ، الأصل التوحيد والبدع والوثنية والشركيات -معاذ الله أن تكون لو كانت- طارئة. يقول العلماء: الوجود الطبيعي له نمو طبيعي، فكون الصحوة مجودة ونشيطة ومتنامية في هذا المجتمع؛ هذا أمر طبيعي جداً جداً، نعم قد نعجب حينما توجد صحوة في اتجاه صحيح نحو التوحيد في بعض البلدان الإسلامية، مع الحماس للإسلام والرغبة والتشجيع نقول: الحمد لله هذا شيء جيد، عليهم أن يتجهوا للتوحيد وأن ينتبهوا للتوحيد، لكن هنا وجود التوحيد أمر طبيعي.

    فالشيء الذي له وجود طبيعي، يكون نموه طبيعياً، رجل وزوجته في أسرة بعد خمس سنوات وجدنا عندهم أربعة أولاد هل يعتبر نمو هذه الأسرة من رجل وزوجة إلى وجود أربعة من الذرية امتداداً بدعياً أو يعتبر هذا نمواً طبيعياً؟ في الواقع أن رجلاً وزوجته بعد خمس سنوات عندهم أربعة أطفال هذا نمو طبيعي، فالواقع يفترض عليك أن يكون التزامك طبيعياً، أو أن ظاهرة التزامك أو حقيقة التزامك التي نراها اليوم ونعتبرها أمراً طبيعياً لا بد أن يكون لها -يا أخي الكريم- امتداد طبيعي، بمعنى أن يكون لك دور في أمر بمعروف أو نهي عن منكر.

    وأعجب من هذا وأخطر أن تجد الواحد جبّاراً في الجاهلية خواراً في الإسلام؛ كثير من أبناء الصحوة المباركة أيام فساده لا تسأل عن دهائه ومكره وتخطيطه وفهلوته وألاعيبه وكل أسلوب يطبقه، فإذا التزم أصبح ظبياً جفولاً، وحملاً وديعاً، وحمامة سلام في منقارها غصن الزيتون، أين تلك القوة؟ (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام) لا نقول: يوم أن كنت تدمر قبل التزامك، نريدك بعد الالتزام تأخذ لك (ساكتون) وترمي الدش -كما يظن البعض- بطريقة خاطئة فاشلة جاهلة من أولها إلى آخرها، ولا نريدك أن تمد يدك في إنكار منكر أو تغير المنكر بالقوة وباليد، لا، لكن نريد الصبر والعمل والثبات، ولن تبلغ الغاية إلا بطول نفس واستعانة بالله، وكثرة ذكر يعينك على الثبات على ذلك.

    والله إني أعجب من شاب يوم أن تسمع عن أخباره إبان انحرافه أو قبل استقامته تجد العجب العجاب! ولما استقام؛ لم يتجاوز خطوات من بيته إلى مسجده، جزاك الله خيراً على هذه الاستقامة، ونحن لا نقول: كل الأمة تفتر، المطلوب شيء والواقع شيء آخر، ولا نقول: إن الأمة من أولها إلى آخرها ما لم يكونوا كلهم دعاة، وكلهم أهل أمر بالمعروف ونهي عن المنكر؛ فإنها أمة فاشلة، لكن الذين يمثلون صفوة المجتمع، وخيار الأمة في المجتمع يفترض أن يكونوا دعاة وهداة وأهل طاقة حركية، وأهل إنتاج وأهل تفجر، وأهل خير ونور يصل أقصى أماكن الظلام حتى يملأها، ويهزم جحافل الظلام فيها، مجالات الدعوة وتحمل المسئولية كثيرة، فهل نجد من يقول: أنا لها؟

    1.   

    أسباب التهرب من المسئولية

    إن كثيراً من أحبابنا يتهربون من هذه المسئولية لأسباب عديدة:

    الخوف سبب للتهرب من مسئولية الدعوة

    أولها: الخوف، وكأني ببعضكم في هذا المسجد يقول: ولماذا لا أقدم شيئاً للإسلام؟ لماذا لا أقدم ولو برنامجاً؟ يا أخي الكريم أعطيك مثالاً بسيطاً: عمال النظافة في المساجد، هل فكر أحد أن يربط بهم علاقة، فيعلمهم اللغة العربية، ويحفظهم التوحيد، ويعلمهم بعض الآيات، فإذا عادوا إلى سيلان وسيرلانكا والهند وبنجلادش كانوا أئمة هناك، هل أحد يتحمل هذه المسئولية؟ هل هناك من يقول أنا لها؟ هذا كأبسط مثال!

    والله في الحقيقة لم نجد إلا النادر، وكما قال صلى الله عليه وسلم (الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة) تدخل حوشاً فيه مائة ناقة، لكن هذه جرباء، وهذه ضلعاء، وهذه مريضة، وهذه عرجاء، وهذه.. وهذه، لا تكاد تجد ناقة واحدة بين مائة ناقة، واليوم بكل أسى والله لو وجدنا من كل مائةٍ ملتزماً واحداً صاحب همة دعوية، وحركة عملية، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، والله لوجدنا الخير الكثير.

    أنتم تجدون واحداً مثلاً في جدة، أو في الشرقية أو في الغربية، أو في أي مكان حينما ينفع الله به، يكون له أثر عظيم، فما بالك لو كان من بين المئات أفراد وآحاد يقومون بمثل هذا الدور، والبقية أيادي مساندة ومعاونة لنشر الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    أقول: قد يقول بعض الحاضرين، من الآن.. من الساعة سنبدأ بإذن الله، لماذا الناس تقدر وأنا أعجز؟ الناس تعلم وأنا أجهل؟ الناس تستطيع وأنا لا أستطيع؟ باسم الله، فإذا أراد أن يبدأ بخطوة أولى، جاءه ذلك القرين، كما قال تعالى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً [البقرة:268].

    جاءه الشيطان قال: يا مجنون! وأنت من يضمن لك أن عملك هذا تسلم من مغبته وتبعاته؟ من يضمن لك أنك لا تراقب؟ من يضمن لك أنك أنك؟ وهذه من الحيل النفسية، والأوهام والخيوط العنكبوتية التي يقوم الواحد فيقدم يديه للشيطان ويقول: كبلها بخيوط وهمك، ويقدم رجليه ويقول: اجعل عليها قيوداً من حبال توهيمك فلا تجعلني أتحرك، هل يمنعك أحد أن تعلم عمالاً القرآن الكريم؟ هل يمنعك أحد أن تدعو إلى الله جل وعلا؟

    لقد انصرفنا -أيها الإخوة- إلى أساليب الدعوة الجماعية وضيعنا الدعوة الفردية، الحضور الآن بالمئات، ولو أن كل واحد يركز على شخص واحد، سواء كان قريباً في أسرته، أو زميلاً في عمله، أو جاراً في حيه، فأخذه وقال: لن أدعه ولن أبرح عاكفاً على متابعته وزيارته، وأخذه والذهاب به، والإياب معه والعمرة به، والحج معه وزيارة العلماء به، وإهدائه الشريط ودعوته إلى الطعام، حتى لا يحول حولٌ إلا ويكون ممن شقوا طريقهم في طلب العلم، وحفظ القرآن والسنة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لوجدتم أن هذا الخير يتنامى في المجتمع، وتصلح الأمة صلاحاً ذاتياً، يتنامى ويتسارع تسارعاً يقهر أعداءها، لكن دائماً نربط أنفسنا بمشاريع الدعوة الجماعية، كأننا إذا منعنا أو أوقفنا عن سبيل من سبل الدعوة التي فيها نهج أو نوع طريقة جماعية كأن الدعوة أوقفت وانتهت، لا يا أخي الكريم! هذه من الحيل التي تنسجها أنت أو يكبلك الشيطان بها، فتقول: وماذا نفعل!! الشريط الفلاني موقوف، والمحاضرات في المكان الفلاني ممنوعة، إذاً ماذا نعمل؟!!

    لا يا أخي الكريم! والله لئن كانت مجالات الدعوة مائة، فمنع منها عشرة مثلاً، فعندك تسعين مجالاً مفتوحاً، لكن من أراد أن يعمل فسوف يعمل، وأما الذين يتعللون ويحبون من الإسلام والالتزام: أحبك في الله، أهلاً يا أخي في الله، لا تنسنا من دعواتك، لا تنسنا من الدعاء في الركعة الثالثة عشرة، من هذه الكلمات خذ ما شاء الله، أما أن تريد رجالاً يعملون؛ فما أقل أن نجد هذا!

    ومصيبة الصحوة أن أبناءها باتوا عالة عليها، بل لا تعجب أن ترى القيل والقال، والزيادة والنقص، وفلان وعلان، وروي وذكر، حتى بات فريق من الشباب لا هم لهم إلا أن ينقلوا منك إلى أخيك بما يكره، وينقلوا من أخيك إليك بما تكره، ولا أستبعد أن تكون هذه الصفوف الطيبة الخيرة يخطط أعداؤها لها، وأن يندس فيها من يزرع العداوة والبغضاء بين دعاتها، ويزرع الشحناء والقطيعة بين رجالها، ويحاول أن يقسمها أقساماً وأحزاباً وجماعات شتى، ولأجل هذا نقولها في الخطب وفي الندوات والمحاضرات: لا مكان للحزبية هنا، لا حلف في الإسلام، لا مكان للتجمع على حزب معين، نعم، تتجمع طائفة للعناية بالضعفاء، بالسجناء، بالمساكين، بالأيتام، بالأرامل، بالمعدمين، بالمعوزين؛ هذه معقولة.

    أما حزب معين وما سواه فلا مكان له، فلا، أبداً نحن أمة واحدة فينا الظالم لنفسه بالمعصية، وفينا المقتصد، وفينا السابق بالخيرات، وهذا إطار الأمة أجمع، وإذا قلنا: إن مجموعة فلان وفلان والشباب الفلانيين هم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة فماذا نسمي شباب الأرصفة! من الجهمية؟ ماذا نقول لبعض العصاة الذين عندهم منكرات في بيوتهم.. أهم من المعتزلة؟ ماذا نقول لبعض أهل التقصير؟ من الماتريدية. ماذا نقول وماذا نقول؟

    أيها الإخوة! تقسيم الأمة مصيبة، ثم إن الحكم على الأمة باللوازم أمر أخطر من ذلك، الأمة أمة واحدة، ويدخل في عداد هذه الأمة من جهل أمراً، أي أن تبديع الأمة بالعربي الفصيح الصريح لا يتم إلا إذا عرفنا من رجل بدعةً أعلنها ثم نوصح بها، وأصر على قوله وقال: أقصد كذا، وما قصدت ذاك وأعني ما تخطؤنني فيه، وأراه منهجاً لي؛ فذاك المبتدع الذي تحاربه الأمة.

    أما أن نقسم الأمة وننقسم نحن أهل الخير إلى جماعات وأحزاب، فذلك شرٌ نحذركم وأنفسنا منه، ومن أراد أن يخدم هذا الإسلام؛ فليجنب نفسه الحزبية والعصبية، افتح بابك ونفسك وفؤادك وقلبك وجهدك وقدراتك لكل من أراد أن يعمل لهذا الدين؟

    أيها الأحبة: كما قلت: من أسباب التهرب من المسئولية الخوف؛ أنا أخشى أن أراقب، أنا أخشى أن ألاحق، ما شاء الله عليك يا زعيم المافيا والألوية الحمراء، ماذا عندك؟!

    شريط صدر من وزارة الإعلام بالفسح تاريخ رقم، كتاب صدر بالإذن من الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية، وفسح أيضاً من وزارة الإعلام، يعني يفسح وتخشى أن توزعه، يفسح وتخشى أن تدعو به؟!

    أحد منعك وقال: يُسمح لك أن تأخذ عشرة من الناس فتلعب معهم كرة، وتدور أنت وإياهم في الأسواق والشوارع، ولكن ممنوع أن تأخذ ثلاثة أو أربعة من إخوانك فتزورون عالماً أو تعتمر أو تحج أو تسافر أو تقدم أمراً في سبيل الله؟! لكنها أوهام الشيطان.

    لذلك تجد الواحد وهو متكئ إذا فكر أن يدعو؛ رسم منهجاً دعوياً، جاء الشيطان وأنزل عليه جبلاً كـجبل ثور ، ثم جعل يضغط بهذا الجبل من الخوف والوهم والفقر ودنو الأجل؛ حتى يجعل رأسه ينطبق على فخذه، فإذا قال إنسان: مالي وللدعوة، مالي وللأمر، مالي وللمسئولية، تنفس الصعداء ونسف غترته جنباً إلى جنب، وقال: يا أخي! الحياة حلوة وسعيدة وممتازة، لما فكر أن يدعو؛ انطبق رأسه على فخذه من الثقل في جبل حمله من الوهم الذي نزل به الشيطان، ولما فكر أن يلقي الدعوة والعمل والمسئولية، وأن يرمي بها عرض الحائط، أصبح الأمر سهلاً ميسوراً بالنسبة له.

    التشاؤم والتهرب من المسئولية

    مصيبة أخرى تجعل كثيراً من الشباب لا يتحملون المسئولية ويتهربون منها، بعضهم يقول: وماذا تنتظر؟ الأمة ضائعة منحرفة، الأمة تائهة، الأمة في الطوفان، الوحل، الحريق، النار، الغرق، ولا تجد الرجل يرى إلا بعين التشاؤم.

    أيها الشاكي وما بك داء     كيف تغدو إذا غدوت عليلا

    هذا مثل الذي يصيح ولم يدقوه بعد .. ولا دقوه، تجد الإنسان قبل أن يرى مصيبة يصيح ويولول، ويفزع ويهرول ويدعو بالويل والثبور، إذا كان هذا صياحك وولولتك قبل نزول المصيبة، فإذا نزلت المصيبة؛ ماذا ستفعل؟

    يا أخي! كن جميلاً ترى الوجود جميلاً، تفاءل، انظر بخير.

    لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم يفاوض في صلح الحديبية، القضية في ظاهرها هزيمة للمسلمين.

    الرسول وصحابته الكرام صلى الله عليه وسلم ورضوان الله عليهم، يقدمون إلى بيت الله الحرام فيصدون، وتفاوض قريش بعنجهية وكبرياء وخيلاء وعناد، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: من الذي قدم؟ قالوا: جاء سهيل بن عمرو قال: (سهل لكم من أمركم) انظر التفاءل.

    ثم أيضاً أعط نفسك تصوراً معقولاً في حجم إنتاجك وعملك، تريد أن تلقي كلمة بعد صلاة العشاء أو المغرب في مسجد من المساجد، ضع في حسبانك وأنت تلقي الكلمة أنه سوف يسمع لك فقط خمسة عشر مصلياً، ضع هذا في ذهنك، فإذا قمت ووجدت عشرين مصلياً أمامك، فالحمد لله، الأمة مقبلة على خير، وجد والله شيئاً كثيراً، ووجدت فوق ما تصورت، لكن البعض حينما يريد أن يقوم فيلقي كلمة، فيذهب نصف المسجد، يقول: أهذه أمة فيها خير؟ أنا أقوم وألقي كلمة فيخرج نصفهم. وإذا ذهب نصفهم ماذا في ذلك؟ سبحان الله العلي العظيم! يا أخي! إذا كان هناك أنبياء يقدمون على الله يوم القيامة، أيدوا بالمعجزات وبالوحي وهم أفضل خلق الله، يأتي النبي منهم يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي وليس معه أحد، فأنت تريد أن يفتح لك من القبول كما فتح لـأحمد بن حنبل أو كما فتح لأئمة الإسلام العظام، وتريد هذا بين يوم وليلة.

    منذ أيام كنت في مدينة الرياض في أحد المساجد، وكنت مشغولاً، يعني المشغول يصلي ثم يصلي الراتبة مثلاً أو يصليها في بيته وينصرف يمشي، فقام رجل جزاه الله خيراً يلقي كلمة، فلما قام؛ قام العدد الطبيعي من الذين في المسجد عمال، وناس لهم حاجات، وأصحاب أشغال وأعذار، وناس يمكن نساؤهم في السيارات، قال: الحمد لله يقول الله جل وعلا على لسان نبيه موسى: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى [طـه:84] فموسى يعجل إلى ربه ليرضى الله عنه، ولكن الذين خرجوا يعجلون إلى ماذا؟ إلى منكر يرونه، ومنكر يسمعونه، ومعصية يجلسون عندها.

    لماذا هذا الأسلوب يا أخي؟ لماذا تبدأ نفسك بهذه الهزيمة؟ هذا إعلان للهزيمة من البداية، ابدأ بقولك أيها الأحبة في الله! كلمة لمدة خمس دقائق، لمدة عشر دقائق، من كان مشغولاً فلا حرج أن ينصرف، جزاه الله خير الجزاء على حضوره صلاة الجماعة.

    إن وجود هؤلاء يحضرون ويصلون معك الصلاة مع الجماعة خير عظيم، أي: إياك أن تنهار أو يصيبك الإحباط والانهيار عند أدنى إنسان يقوم، يا أخي افرض أن أحدهم ذهب يقضي حاجته، تقول: والله أنا إنسان فاشل، وما يضيرك أنك فشلت اليوم والشهر القادم والسنة القادمة، ثم بعد ذلك أصبت الصواب ولله الحمد والمنة.

    الحاصل أننا لا نريد أن نهزم نفسياً فلا نُرى إلا بالتشاؤم.

    أنا أعجب من بعض الشباب يوم أن تجلس معه يخبرك أن الإسلام محارب. نعم يا أخي، المسلمون في بعض البلاد يذبحون، المسلمون يقتلون، والمسلمون يصيبهم ما يصيبهم، لكن إلى متى ونحن نردد: ذبحونا قتلونا ضربونا جلدونا، وبعد ذلك!! ألا نوقد شمعة في الظلام، ألا نقدم عملاً إيجابياً، ألا نبدأ بإغاثة جريح، أو إسعاف مريض، لا نعرف إلا أن نجتر المصائب والآلام، ونعتبرها هي قضيتنا الأولى والأخيرة، طبعاً أنا لا أقول: إن الإنسان ينظر إلى مصائب المسلمين نظرة باردة كما يقول الشيخ عائض القرني حفظه الله، يقول: بعضهم حينما تقول له: ما رأيك بما فعل بالمسلمين في حماة ؟ أو ما فعل بالمسلمين في البوسنة والهرسك؟ يقول: بعضهم يظن من الاعتدال أن تقول: هذا لا ينبغي والأولى تركه، طبعاً ما نريد هذا البرود في قضايا المسلمين، لكن لا يعني ذلك أنك يوم أن تجد مصيبة قائمة للمسلمين، أنك لن تستطيع أن تفعل شيئاً بل إن مزيداً من الدماء تدعوك إلى مزيد من العمل، ومزيداً من الجراح تدعوك إلى مزيد من السعي إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ [النساء:104].. إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ [آل عمران:140].

    العمل مطلوب، لا نجعل هذه المصائب سبباً نتهرب به من هذه المسئولية.

    وجود الخلاف في الساحة

    أكبر دليل على أن كثيراً من الشباب يتخوف من هذه المسئولية ولا يرغب أن يتحملها، أن تجد كثيراً من الشباب الآن يقول: والله الآن نرى واقعاً مختلفاً، وهنا الساحة عليها خلاف، ونحن في حيرة من هذا الخلاف، لأجل ذلك لأن تعض بأصل شجرة خيرٌ لك.

    لماذا يا أخي الكريم، إذا كان الخلاف في قضايا جزئية. شريعة الإسلام دينٌ جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ومكث ثلاثة عشر عاماً يؤسس العقيدة في مكة، وعشرة أعوام في المدينة ولا تنظر إلى هذا الدين إلا في القضايا الخلافية فقط.

    وأما القضايا المتفق والمجمع عليها لا تعمل بها، من الناس من يقول: نريد أن نعمل لكن حيرونا الآن في الاختلاف الذي في الساحة وهل الخلاف يدعوك أن تترك العمل؟

    نقول لك: لا تقتحم ولا تلج مسائل الخلاف، واعمل بالمسائل المتفق عليها، هل أحد يقول: إن تعليم الجاهل للقرآن الكريم مسألة فيها خلاف؟ هل يقول: إن تعليم الذين لا يحسنون الصلاة من المسلمين وما أكثرهم، من مسائل الخلاف؟ يقول أحد: إن تعليم بعض الذين يقدمون إلى هذه البلاد وهم مسلمون على مسمى الإسلام ولا يعرفون من العقيدة شيئاً من مسائل الخلاف؟

    لماذا لا تعمل بهذا المضمار، وفي هذا المجال؟ يعني لا تجعل الخلاف الذي تراه سبباً يدعوك إلى ترك المسئولية وعدم تحملها.

    دعوى ""ليس من اختصاصي""

    بعض الشباب يتهرب من المسئولية، بدعوى (ليس من اختصاصي) كما يقال: إن رجلاً من البادية نزل على أحد إخواننا المصريين الطيبين، فقال له: يا أخي الكيك أو الحلاوة الجميلة التي أعطيتنا، كيف صنعتها؟ قال: لا، هذا من اختصاصي، قال: دع أختك صاصي تعلم أختي كيف تصلحها، لا، نحن لا نقصد الأخت صاصي، وإنما نقصد مسئوليتك أنت يا أخي الكريم، اختصاصك مسئوليتك لا بد أن تتحملها، والله هذا جاهل ما هو من اختصاصي، وهذا منكر ما هو من اختصاصي، وهذه مصيبة ما هي من أختك صاصي! ماذا تتحمل أنت وأختك صاصي؟!!

    مصيبة والله، فلا بد أن تحدد المسئولية، وانظر في أولويات قدراتك وطاقتك ومواهبك وكفاءاتك, فستجد أنك بإذن الله تجيد شيئاً تعمله للإسلام، وكن صريحاً مع نفسك في البداية قل: لقد كنت فيما مضى كسولاً، كنت فيما مضى رُقدة، كنت فيما مضى جثمة، كنت فيما مضى أحب الراحة، كنت فيما مضى أرمي بالمسئولية على الآخرين.

    دعوى ""لم يحن الوقت بعد""

    من السبل التي يتهرب بها كثير من الشباب عن تحمل مسئولياتهم، يقول بعضهم: لم يحن الوقت بعد، حتى الآن لم يأتِ الوقت المناسب حتى أتحرك، ومتى يحين الوقت المناسب حتى تتحرك أطال الله عمرك؟ مثلما قال:

    حرب حزيران انتهت

    وكل حرب بعدها ونحن طيبون

    حتى تغلل اليهود في بلادنا     ونحن راجعون

    صاروا على مترين من أبوابنا     ونحن عائدون

    ناموا على فرشنا ونحن راجعون

    لم يحن الوقت بعد

    كل يوم مصيبة ولم يحن الوقت بعد! مصائب المسلمين تترى ولم يحن الوقت بعد! متى يحين الوقت إذاً؟

    قيل انتظار نضوج الكرم ما انتظروا     نضج العناقيد لكن قبلها التهبوا

    واليوم تسعون بليوناً وما بلغوا     نضجاً وقد عصر الزيتون والعنب

    جاء المنجمون أيام عمورية وقالوا للقائد: انتظر حتى يكن الكوكب الغربي في الذنب وحتى يقطف العنب، وحينئذٍ يكون طالعك السعد حينما تغزو، فقال المعتصم : لا ننتظر عنباً ولا ذنباً، نغزو وننصر تلك المرأة التي قالت: وامعتصماه.

    اليوم صبرنا، وعصر الزيتون والعنب وصار مخللاً وما تحرك ذلك الذي يقول: لم يحن الوقت بعد، لم يحن الوقت بعد، وبالذات أعاتب شباب الجامعات والمدرسين وطلبة المعاهد العليمة وطلبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالذات، والجامعات الإسلامية أمة القرى وجامعة الملك عبد العزيز، والجامعة الإسلامية بـالمدينة ، عندكم علم لو عرضتموه على واقع المسلمين لوجدتم أنكم قمة بالنسبة لهم، فماذا قدمتم؟

    قوارير عطر مغلقة، نعم يوجد داخل الزجاجة عطر، لكن واحداً لن يشم أريجاً ولو لحظةً واحدة، والسبب مجموعة معلومات وعدم نفع، وعدم نشر، وعدم سعي بهذا العلم، فيا أخي الكريم! بلّغ وانفع من علمك بما أتاك الله سبحانه وتعالى.

    الذي يقول: لم يحن الوقت بعد.

    إذا كان يؤذيك حر المصيف     ويبس الخريف وبرد الشتاء

    ويلهيك حسن زمان الربيع     فأخذك للعلم قل لي متى

    متى تبدأ بالعلم والدعوة إذا كان هذا حر، وهذا برد، وهذا يمين وهذا يسار؟!! والله جل وعلا بين أن من شأن أولئك المنافقين، الذين قالوا: لا تنفروا في الحر، الوقت غير مناسب: قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً [التوبة:81-82] قضية التسويف والتأجيل ولم يحن الوقت بعد، والله ما أظن أن وقتاً الأمة الإسلامية بأمس الحاجة إلى أموال أبنائها وجهد أبنائها وفكر أبنائها، وسعي أبنائها ورجالها ونسائها مجتمعين في مثل هذا الزمن الذي باتت العداوة فيه صراحة منكشفة علنية ضد الإسلام وفي مواجهة الإسلام، ولا نحتاج إلى أن نبرهن على هذا كله.

    وبعض الشباب يقول: الظرف الآن لا يناسب أو لم يحن الوقت بعد، وكل ظرف بعده ظرف لا يناسب.

    وإني أقول لكم: انظر إلى ظرف يوسف عليه السلام وهو أنه في السجن، وما جعل رأسه بين رجليه، ويديه على خديه، وقال: واحسترك يا يوسف! لقد جُعلت عبداً وأنت حر، وألقيت في غيابة الجب وأنت بريء وأنت الحبيب إلى أبيك فصرت قصياً؟ لا، لما دخل السجن التفت يمنة ويسرة؛ فبدأ بالدعوة: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف:39] أي: لا يوجد هناك وقت اسمه وقت دعوة ووقت جلوس عن الدعوة، نعم قد يكون من مصلحة الدعوة عدم طرح بعض المواضيع في فترة معينة، وترك بعض المواضيع قاطبة لفئة من علماء الأمة الكبار، قد يكون هذا من مصلحة الدعوة؛ لكن لا يعني ذلك التوقف عن الدعوة أبداً، ويعقوب عليه السلام والموت يدنو وقد بات وشيكاً منه: أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ [البقرة:133] هذا وقت تنازع فيه الروح، سكرات الموت مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي [البقرة:133] سبحان الله العلي العظيم! ما قال: والله هذا وقت غرغرة، ما أنا فارغ لأولادي بل قال: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ [البقرة:133] إلى آخر ما قالوا.

    والنبي صلى الله عليه وسلم في اللحظات الأخيرة من سكرات الموت، ويقول: (أشهد أن لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات، اللهم أعني على سكرات الموت) ولما حانت اللحظة الأخيرة قال: (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم) أمة لا تعرف التوقف عن الدعوة في أي حال من الأحوال.

    وأما صاحبنا الحبيب الذي نقول له: تحرك، ادع، اعمل لهذا الدين، تحمل مسئوليتك، فيقول: الوقت غير مناسب، لم يحن الوقت بعد، لم يحن الوقت بعد.

    ابن تيمية مؤلفات كثيرة ألفها في السجن، ما قال: والله هذا مكان لا يناسب فيه التأليف أو الدعوة، لما انقطع به السبيل عن الدعوة باللسان؛ سخر القلم للدعوة إلى الله جل وعلا في السجن، وكذلك الإمام أحمد وغيره.

    وبعض أحبابنا تجد له زلة أو زلتين أو هنة أو هنتين، ويقول: إني إذا ذكرت فعلتي تلك لا أستطيع أن أدعو إلى الله، إني إذا ذكرت غلطتي تلك لا أستطيع أن أتحمل مسئولية، وكيف أتحمل مسئولية وأنا قبل ليلة فعلت واجترحت!

    يا أخي الكريم! لا تجمع مع الذنب ذنباً بترك العمل، وإهمال المسئولية، بل كفِّر ذنوبك بتحمل المسئولية والبذل لأجلها، إن أبا محجن رضي الله عنه مع أنه كان مدمناً للخمر، ما قال: إني مدمن للخمر ولا حاجة ولا داعي أن أخرج للقتال مع سعد بن أبي وقاص في القادسية، وإنما خرج ومن شدة ولعه بالخمر شربها هناك، فكانت عقوبته أن يمنع أن يشهد ساحة المعركة، فيربط في القيد، ولما سمع الصهيل والصليل أخذ يردد أبياته المشهورة:

    كفى حزناً أن تطرد الخيل بالقنا     وأترك مشدوداً عليّ وثاقيا

    إذا قمت عناني الحديد وغلقت     مصارع دوني قد تصم المناديا

    وأخذ ينادي سلمى زوجة سعد بن أبي وقاص ، ويقول: يا سلمى! فكي قيدي، والله لك علي إن عدت حياً أن أضع نفسي في القيد، ما قال: والله أنا شارب خمر وما فكر بالشهادة في سبيل الله، قال: يا سلمى فكي هذا القيد، يريد أن يقاتل، فتعطيه سلمى البلقاء فرس سعد، وينـزل أبو محجن وسعد بن أبي وقاص كان مريضاً، وشهد المعركة عن بعد من المعمعة، لكنه لم يكن في وسط المعركة، ومع ذلك يلام على ذلك وقيل فيه ما قيل:

    فعدنا وقد آمت نساء كثيـرة     ونسوة سعد ليس فيهن أيم

    أي: سعد بعيد عن المعركة، ما تتأيم واحدة من نسائه، ومع هذا كله ينظر سعد إلى ذلك الفارس الذي يفلق هام الكفار فيقول: [الكر كر البلقاء، والطعن طعن أبي محجن، ولكن أبا محجن في الحبس والبلقاء في القيد]، فيعود وتخبره سلمى وتقول: بلى هي البلقاء وذاك هو أبو محجن، فيعود بعد ذلك ويقول: [والله لا جلدتك بعدها] ثم يقول أبو محجن: [والله لا شربتها بعد اليوم] كنت أشربها حين أطهر منها، أما الآن فو الله لا أشربها أبداً.

    1.   

    تحمل المسئولية والعمل للإسلام

    أيها الأحبة! نحن إذاً بحاجة أن نتحمل المسئولية وأن نعمل للإسلام، وأنا أعلم يا إخوان أن واقعنا اليوم صير التلميذ أستاذاً، وصير الأستاذ شيخاً، وصير الشيخ علامة، ولكن أيها الأحبة! هذا واقعنا، وزكاة المال من المال، والقوم يؤمهم أمثلهم، فإذا كان أبناؤنا وأحبابنا من جيل الصحوة هم أمثل جيلنا، فلماذا لا يتحمل مسئولياتهم؟! هل ننتظر شركة كورية توجه للدعوة والإصلاح، هل ننتظر عقداً نبرمه مع شركة كندية أو استرالية تقوم بواقعنا الذي عجزنا أن ننهض به، هي مسئولياتنا، وذاك مجتمعنا، وهذا واجبنا فلنقم به كل على قدر ما يستطيع.

    أيها الأحبة! إننا نستطيع أن نقدم للدين أموراً كثيرةً جداً، وأقل ذلك أن يوجد الهم والاهتمام للإسلام، أعني إياك أن يستوي عندك أن ترى تسجيلات إسلامية وتسجيلات غنائية، أن يستوي عندك مشروع خيري ومحل فيديو، أن يستوي عندك نصرة للمسلمين ومصيبة على المسلمين.

    إن من الناس من أخذ يقتات ويجتر قضايا المسلمين للاستمتاع والأخبار، بل وبعضهم يقول: نحن رأينا في الـmbc أن المسلمين في كذا صار لهم كذا وكذا، لا يقول هذا الكلام من أجل أن يبين أن المسلمين قد حصل لهم شيء، لكن انظروا عندنا دش.

    مصيبة أن الواحد أصبح يفتخر بنقل الأخبار عن المسلمين فقط، وفي نفس الوقت يفتخر بما يسلطه على بيته ونفسه، لا أن يجعل ذلك سبباً في نصرة أو دعم أو عمل أو تأييد، يقول سفيان : إني لأرى المنكر، فلا أستطيع أن أغيره فأبول دماً من شدة المعاناة.

    نريد ولو معاناة نفسية، نريد دعوة بظهر الغيب، نريد أن تكف ألسنة الذين يقولون في المجالس ما يقولون، نريد أن تذب عن أعراض إخوانك، نريد أن تدعو لهم بظهر الغيب.

    لا خيل عندك تهديها ولا مال     فليسعف النطق إن لم تسعف الحال

    كلمة طيبة، صدقة تنفعك ولا تضرنا يا أخي الكريم، كذلك كما قلت: احذر أن توزع الشريط الممنوع والكتاب الممنوع، بعض الناس في المكتبة الإسلامية يقول: بموجب فهرس تسجيلات التقوى، فإن رقم هذا الشريط (9999) يتكلم على الانتخابات في بعض الدول العربية، ومع ذلك تضيق ( 9999) فلا يجد فيها شريطاً واحداً يصلح للتوزيع والدعوة، ولا يحلو له إلا أن يوزع شريطاً ممنوعاً، لماذا يا أخي تعرض الدعوة وتعرض نفسك للمهاترات؟ وتعرض المنهج والطريق والعمل لمثل هذه الاختناقات التي لا داعي لها، الأمر يومئذٍ لله، شريط مُنع، الخير في غيره إن شاء الله.

    هل الأمة هلكت، ضاقت، غرقت، ماتت إن لم تسمع هذا الشريط؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، البعض لا يجد أمامه إلا مثل هذا، فأحذر أقول: وزع واعمل في شريط وكتاب مفسوح حتى إذا قال لك واحد: تعال يا مطوع ما عندك؟ أنت عندك منشورات وأنت عندك أشرطة، فتقول: تعال يا حبيبـي هذا الشريط مفسوح برقم وتاريخ من وزارة الإعلام.

    قبل مدة في أحد الأحياء قام مدير فرع أحد البنوك يوزع دعوة للمساهمة والعمل في فرع البنك الذي افتتح في الحي في كل البيوت، وما تجد إلا النادر أو أندر النادر من يقول: لماذا تدخل دعاية للبنك الربوي تحت بيوتنا؟ وتعطي لأطفالنا أو تسلم للغادين والرائحين في حينا، لماذا لم يقل أحد هذا الكلام؟ لكن لو وجدت إنساناً يوزع على جيرانه بعض الأشرطة في أحكام الحج والعمرة، قرب موسم الحج، وقرب موعد الامتحانات التحذير من المخدرات، التحذير من جلساء السوء، التحذير من التبرج والسفور، والله هذا المجتمع غريب فيه أشياء غريبة، لا يا أخي الحبيب! يوم وزعت دعاية عن بنك تهز رأسك، ولما وزع شريط يدفع البلاء والهلاك تعترض قال الله تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117].

    يا أخي الكريم! نحن وإياك بهذا العمل نسعى لدفع الهلاك عن الأمة وذلك بإصلاحها، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل عمل تستطيع أن تقدمه، وإذا أهمك الشيء، استطعت أن توجد لنفسك مجالاً تدعو فيه إلى الله، وتتحمل فيه مسئولية.

    1.   

    دعوة غير المسلمين إلى الإسلام ودعوة السجناء

    من المجالات الحساسة والخطيرة دعوة غير المسلمين إلى الإسلام.

    لو وظفنا جميع الحاضرين في هذا المسجد في هذا العمل فإنهم لا يكفون لهذه المهمة، المشكلة أنك تدعو رجلاً كافراً إلى الإسلام فيسلم، يرجع إلى الشركة التي كان يعمل فيها، فيختلط مع المشركين والكفار، فيفتنونه ويغرونه، ويستهزئون به، يرهبونه ويرغبونه، الحل كما قال أحد الدعاة جزاه الله خيراً، قال: الحل في طريقة النبي صلى الله عليه وسلم في المؤاخاة، كان إذا أسلم أحد المشركين جعله أخاً لواحد من الصحابة، فلو دخل في الدين مسلم جديد؛ قال أحد الشباب: أنا له، أعطوني إياه، رجلي في رجله، أذهب أنا وإياه، أعلمه الفاتحة، أعلمه كيف يصلي، أعلمه الوضوء، أعلمه شيئاً من الكلمات العربية، لن أدعه حتى أجعله يقف على قدميه بإذن الله، حينئذٍ نجد في الأمر إمكانية ونجد في الأمر قدرة.

    أيضاً من المواضيع المهمة التي يستطيع الإخوة أن يتحملوا فيها مسئولية وينفعوا بها إخوانهم المسلمين: دعوة السجناء، وهم قد اجتمعوا لك، ولا يستطيعون أن يهربوا من عندك، والجهات الرسمية تشجع وتعين، وربما تعطي مكافئة لمن أرادها في هذا المضمار وهذا المجال، إذاً فإني أدعو كل واحد من إخواننا أن يتحمل جزءاً من المسئولية في مجال يستطيع أن يقدم فيه قليلاً أو كثيراً.

    1.   

    عواقب إهمال المسئولية

    وختاماً أيها الأحبة! ما الذي يترتب على إهمال المسئولية؟

    يترتب على إهمال المسئولية شر مستطير وخطر كبير، قال صلى الله عليه وسلم: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة -أي: ضربوا القرعة على سفينة- فكان لبعضهم أعلاها، وكان لبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفل السفينة، إذا أردوا الماء مروا على من فوقهم، فقال الذين في أسفلها: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعاً، وإن هم أخذوا على أيدهم؛ نجوا ونجوا جميعاً).

    إن ترك المسئولية وتعليق المسئولية يمنة ويسرة، وتهربنا من المسئولية من نذر الهلاك في المجتمع، الله جل وعلا قال: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117]. فإذا أردنا صلاحاً وبقاءً ونعماً تترى متتابعة على مجتمعنا وفي بلادنا وأمتنا، فعلينا أن نتحمل مسئولياتنا وأدوارنا، أما أن يضيع كلٌ دوره، ويريد أن تمتلئ المخازن بالأغذية، والأسواق بالأطعمة، والبواخر بالنعم، وخيرات البلاد تجبى إلينا من كل جانب وهو يرى منكراً لا ينكر، أو معروفاً يضيع ولا يقوم بواجبه، وغاية ما عنده أن يهز رأسه ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، لا بد أن تتحمل مسئوليتك، وأن تقوم بدورك، واسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً: (لتأمرن بالمعروف، ولتنهن عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطراً، أو ليوشكن الله أن يعمكم بعذاب ثم يدعو خياركم، فلا يستجاب لهم).

    أيها الأحبة: انظروا إلى أولئك الفجرة، والحداثيين والعلمانيين والشيوعيين والفسقة وأهل الضلالة، كل منهم قد طوق نفسه، وتوج نفسه تتويج الضلالة لا الهداية بمسئولية تحملها، فتجد ضالاً ضليلاً ينبري لزاوية أدبية، لا يبرحها ولا يدعها قيد أنملة، وتجد آخراً يمسك بجانب، فلا يفتر قائماً عليه أبداً، وتجد الآخر يمسك بقضية معينة، فيوالي فيها العمل والجهد والبذل.

    أما مشكلة الكثير من أبنائنا الملتزمين اليوم التذويق، ذواقين يوم نعمل في الجاليات، ويوم نعمل في السجن، ويوم نعمل في الفقراء، ويوم نعمل مع المعوقين، ويوم نعمل.. نعم هذا عمل خير، ولكن التخصص والصبر والجلد على مجال معين، يعطي الإنتاج فيه بإذن الله تعالى، أخي الكريم انظر إلى همة ذلك الشاعر الذي يقول:

    أطاعن خيلاً من فوارسها الدهر     وحيداً وما قولي كذا ومعي الصبر

    وأشجع مني كل يوم سلامتـي     وما ثبتت إلا وفي نفسها أمر

    تمرست في الأهوال حتى تركتها     تقول أمات الموت أو ذعر الذعر

    وأقدمت إقدام الأبي كأن لـي     سوى مهجتي أو كان لي عندها وتر

    فتىً لا يضم القلب همة قلبه      ولو ضمها قلب لما ضمه صدر

    نريد واحداً يحمل هماً من هموم الأمة، ويتحمل مسئوليةً وينبري لها، ويقول: أنا لها، وقبل ذلك يسأل الله أن يكون سعيه خالصاً لوجه الله الكريم: (القصد القصد تبلغوا، من سار أدلج، ومن أدلج بلغ المنـزل، ألا وإن سلعة الله غالية، ألا وإن سلعة الله الجنة).

    فيا أحبابنا إذا أردنا أن نمضي على طريق الأنبياء والصالحين من بعدهم والذين اهتدوا بهديهم وساروا على طريقتهم، فالعمل العمل لهذا الدين، مسئوليتنا جميعاً، ولا تجعل العمل وتحمل المسئوليات في المناسبات، منذ الليلة إن كنت جاداً تحسب على هذه الصحوة، فأسأل نفسك أي مسئولية تتحملها، إن شاء الله لو تعلم عامل النظافة الذي في المسجد القرآن وشيئاً من اللغة العربية والعقيدة الصحيحة، تأخذ لك خمسة عمال تكون مسئولاً عنهم، تذهب بهم إلى صلاة الجمعة، تردهم إلى بيوتهم، تعتمر وإياهم، تتفقد أحوالهم، تحل مشاكلهم مع العميل، شاب من جيرانك أو أقاربك تنذر نفسك له في كل الأوقات المناسبة عندك، أن تذهب به وتئوب وتعود معه، تعطيه الكتاب والنصيحة وتزوره، تأكل معه شيئاً، تشرب معه شيئاً، تقضي حاجته، تعينه، حتى بعد مدة تراه في عداد المهتدين، هكذا العمل الذي نريده.

    أما الحماس والعواطف، والناس كإبل مائة كما نرى واقعنا اليوم لا نكاد نجد من يتحمل المسئولية، فهذا عيب، وهذا عار علينا، وعيب على أمة الإسلام التي بلغت الآن الألف مليون وستمائة مليون، وهي تجثم على ثروات وخيرات في أفضل المواقع، ومع ذلك ما تجد لهذه الأمة أثراً، لأن الأمة مجموعة أفراد، وكل فرد ضيع مسئوليته.

    أحبابنا: نموذج على تحمل المسئولية في العمل، إذا رأيت الشاب المسلم أول من يدخل الدوام وآخر من ينصرف؛ فإنه جدير بالمسئولية، أما لأنك ملتزم تريد أن نعفو عنك، لأنك جئت متأخراً، ولأنك ملتزم؛ تريد أن نسمح بأخطائك في العمل، ولأنك ملتزم تريد أن نغفر خطاياك في واجباتك، لا، يا أخي الكريم! التزامك يحملك مسئولية أضعاف أضعاف ما يتحمل زملاؤك، لا تجعل التزامك وتدينك حجة أو ذريعة لكي ينظر الناس إليك نظرة مميزة مع تقصيرك وتفريطك في واجباتك، ومصيبة الأمة أن ينظر من يتصيد أخطاءها إلى الملتزمين من أبنائها في مواقع التقصير والإخلال بالمسئولية، ومنها جانب العمل، فهذا نموذج أو مجال من مجالات التحدي.

    هل تثبت أنك جدير بتحمل المسئولية، حدد ساعة من يوم، ويوماً من أسبوع، وأياماً من شهر، لخدمة هذا الدين في برنامج محدد ومعين، وستنفع بإذن الله جل وعلا، وما سوى ذلك كما يقول القائل:

    وأنت امرؤ فينا خلقت لغيرنا     حياتك لا نفع وموتك فاجع

    لو يقال إن شاباً ملتزماً في مستشفى الثغر يحتاج إلى دم، لذهب كل واحد يتبرع بدمه، لو قيل: إن فلاناً يحتاج إلى كلية، لبحثنا له عن كلية من يمين أو يسار، أي: لما مرض فجعنا به وبذلنا له، لكن لما كان صحيحاً ماذا قدم للإسلام؟ للأسف هذه مصيبة عظيمة.

    ثم أحبابنا أختم بخاتمة مهمة ألا وهي أنه ينبغي أن ننظر إلى ما نحن فيه من النعم والخيرات، إن ذكرنا لسيئات مجتمعنا، وأخطاء واقعنا، وزلات ما نحن فيه، لا تجعلنا نغض النظر عن حسنات نرفل فيها ونتربع عليها، فمن واجبنا كما ننكر هذه السيئات أن نلتفت إلى هذه الحسنات، فنثني عليها ونثني على من دعا إليها، ومن قام بها، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، وبهذا نسوق ونقود دفة أمتنا إلى خير في معروف ننميه، ومنكر ننكره.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    بطاقة الشيخ/ سعد البريك الشخصية

    السؤال: البطاقة الشخصية؟

    الجواب: لا يهمكم كثيراً هذا، إنما أنا الفقير إلى الله سعد بن عبد الله البريك، محاضر في كلية المعلمين قسم الدراسات الإسلامية، وإمام وخطيب جامع الأمير خالد بن سعود في البديعة رحمه الله، ونتعاون مع أحبابنا في مكتب الجاليات التعاوني لدعوة غير المسلمين في منطقة البديعة، أسأل الله جل وعلا ألا يجعل أعمالنا وإياكم هباءً منثوراً.

    المناصحة بين الشباب

    السؤال: ذكرتم المسئولية ومسئولية كل شاب منا، فما رأيك في أولئك الملتزمين الذين يقولون من الواجب ومن المفروض ومن ومن.. فماذا قدموا هم للإسلام؟

    الجواب: الذي يقول: يجب وينبغي ويلزم نقول له: ماذا قدمت أنت أيضاً؟ نحن لا نقول: تقول لنا يجب، من الواجب أن نتناصح، ولك أن توجب علينا ما أوجبه الله علينا، وأن تلزمنا بما ألزمه ربنا ونبينا صلى الله عليه وسلم، نقول:

    أقلوا عليهم لا أباً لأبيكم     من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا

    من السهل استعراض جهود داعية من الدعاة وتشريحه؛ أخطأ.. زاد.. نقص، نعم.

    فمن ذا الذي ترضى سجاياه كلها     كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه

    وعلى الداعية حين ينبه إلى خطأ أن يقول: نعم أخطأت، وأستغفر الله، والذي يقول: أنا لا أخطئ؛ يوشك أن يدعي العصمة، وهذا لا يجوز أبداً، لكن لا نريد أن نحاسب الداعية على فهمنا، ومثال ذلك أنا قلت كلمة أو أحد الإخوان قال كلمة، فيأتي أحدهم يقول: إن كلمة فلان في محاضرة الشباب والمسئولية تعني كذا وكذا، وإذا كنت أنا أعني بها غير ما عنيته أنت، فليس حكمك عليّ بما فهمته من كلامي، لكن بما ذهبت إليه أنا صاحب الكلام، وفي الفقه: أن المقر إذا أقر بإقرار مبهم، فإن المقر أولى الناس بتفسير إقراره، فنحن محاسبون على ما قلنا وعانينا، لا ما على فهمه الآخرون منا.

    شباب لا يعرفون قيمة أنفسهم

    السؤال: بعض الشباب لا يعرف قيمة نفسه كمسلم، ولا يدرك أهمية شبابه فما نصيحتك لهؤلاء؟

    الجواب: كثير من الشباب يبالغ في احتقار نفسه احتقاراً عظيماً حتى يظن أن البهيمة أفضل منه، وبعضهم ربما أصابه الغرور حتى يقع في العجب وحبوط العمل ولا حول ولا قوة إلا بالله، فنحن نقول: يا أخي الكريم! إياك أن يصيبك الغرور والعجب، وكما قال ابن الجوزي رحمه الله في صيد الخاطر: اعلم أن الناس إذا أعجبوا بك، فإنما أعجبوا بجميل ستر الله عليك.

    الله الذي جملنا بالستر، ولولا الستر ما اجتمعنا في هذا المسجد، كم في أنفسنا كمتحدثين وسامعين من الذنوب والخطايا، ونستغفر الله ونتوب إليه، ولكن من نعم الله أن سترنا وجملنا بالستر. أذكر ذات يوم أني أخذت ولدي عبد الله إلى المستشفى لعمل أشعة بالأمواج الصوتية في قلبه -نسأل الله له الشفاء ولأبنائكم جميعاً- فدخلت مع الطبيب، ووضع الأجهزة على قلب الطفل، فظهر في الجهاز البطين والأذين والصمام إلى آخره، قلت: سبحان الله! هذه الأجهزة الدقيقة تكشف كل شيء، ولكنها لا تكشف الخير والشر في النفوس.

    الله الذي ستر عباده، وجمّلهم بالستر.

    أخي الحبيب! إياك أن تحتقر نفسك، أنت فيك خيرٌ عظيم، وكما قلت يا أخي: والله لن تعجز أن تؤثر في أقاربك أو جيرانك أو أصدقائك أو زملائك، حتى العمال المساكين الذين تراهم حولك بحاجة إلى علمك ومعونتك ومساعدتك، فما أظن أن واحداً يقول: إني لا أصلح لشيء، فتجده يتهرب من المسئولية، أي: يتفنن في التهرب من المسئولية، وهذه مصيبة الأمة أن كل واحد يرمي بالكرة على صاحبه حتى لا تقع في مرماه.

    دور الشابات

    السؤال: قد تكلمت عن دور الشباب فما هو دور الشابات؟

    الجواب: الخطاب للرجال والنساء على حد سواء إلا ما يستثني الرجال بخصوصهم والنساء بخصوصهن، أعني أن الفتاة المسلمة أيضاً مسئولة، تجد فتاة مسلمة تقول: التبرج والأسواق والفساد والمجلات الخليعة والموضات و..و.. إلى آخره، أنتِ أيتها الأخت ماذا فعلت؟ هل دعوت صويحباتك إلى البيت مرة في كل أسبوع؟ هل أقمت درساً في المدرسة؟ هل تعاونت مع مدرسة المواد الشرعية؟ هل كان لكِ دور في مناسبات تحضرينها من زواج وحفلات، هل كان لكِ دور في لقاءات عائلية وأسرية؟

    إن الواحدة تستطيع أن تقدم خيراً، في الرياض دار تحفيظ قرآن، تخرج منها حافظات للقرآن، بجهود امرأة بعد فضل الله جل وعلا ثم بمساعدة زوجها أيضاً.

    من أراد أن يعمل -يا إخوان- سيجد أساليب العمل، لكن الذي يريد الأعذار سيجد ألف عذر وعذر بالكذب والتحايل، والتخلص والتملص من المسئولية، فعلى المرأة مسئولية كما هي على الرجل، ومن أعظم مسئوليات المرأة تجاه زوجها، فإن كثيراً من النساء تتسبب في أن ينظر زوجها في الغاديات والرائحات؛ لأنها ما أعطته حاجته من نفسها وهي آثمة بهذا.

    إن كثيراً من النساء لا تتجمل لزوجها، فيكون قلبه شغوفاً بصور المتبرجات، وهي مهملة للتجمل له وحسن التبعل له.

    إن كثيراً من النساء عودت أولادها وبناتها على لبس القصير، وعلى الخروج إلى السوق، والكلمات السوقية من الشارع، لإهمالها وعدم تحملها لمسئولية المحافظة على البيت.

    كثير من النساء أهملت الأطفال الصغار، فلا تبالي أن تكشف عورته؛ لأن الخادمة خلت به مرات، فوضأته وغسلته وجعلته يستحم، وهي التي تغير ملابسه، ولم تنتبه لحياء ذلك الطفل أو حياء تلك البُنية.

    إن على النساء مسئولية عظيمة جداً جداً.

    السبيل إلى زيادة الإيمان في القلب وترقيقه

    السؤال: ما هو السبيل إلى زيادة الإيمان في القلب وترقيق القلوب، لأنه كما نعلم إن زيادة الإيمان من أهم الأسباب التي تجعل الإنسان كفؤاً للمسئولية، وحبذا يا فضيلة الشيخ لو أسمعتنا أبيات ابن القيم في سلعة الرحمن؟

    الجواب: من معتقد أهل السنة والجماعة رضوان الله عليهم ورحمة الله عليهم أن الإيمان قول واعتقاد وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فالطاعات من وسائل زيادة الإيمان، والذي يجد قسوة في قلبه، ولا يحضره خشوعه في صلاته، فعليه أن يكثر من الاستغفار والصلاة والأعمال الصالحة عامة؛ فإنها بإذن الله جل وعلا تعينه وتكون سبباً في سعادته.

    وأما كلام ابن القيم في النونية المسماة بـالكافية الشافية ، فإننا للأسف -أيها الأحبة- نصف الجنة ولا نتحمس لدخولها، ونعرف وصف النار ولا نأخذ الأهبة والحيطة للبعد والنجاة منها، فالله المستعان برحمته أن ينجينا من عذابه، وأن يدخلنا برحمته في جنته:

    يا سلعة الرحمن لست رخيصة     بل أنتِ غالية على الكسلان

    يا سلعة الرحمن سوقك كاسد     فلقد عرضت بأيسر الأثمان

    يا سلعة الرحمن سوقك كاسد     بين الأراذل سفلة الحيوان

    يا سلعة الرحمن ليس ينالها     في الألف إلا واحدٌ لا اثنان

    يا سعلة الرحمن كيف تصبَّـر     الخطاب عنك وهم ذوو إيمان

    يا سلعة الرحمن سوقك كاسد     فلقد عرضت بأيسر الأثمان

    حور تزف إلى ضرير مقعد     يا محنة الحسناء بالعميان

    وروى أبو داود في سنن له          ورواه أيضاً أحمد الشيباني

    أثراً تضمن أجر خمسين امرئ     للعاملين بسنة العدناني

    ما ذاك إلا أن تابعهم هم     الغرباء ليست غربة الأوطان

    إن التمسك بالسنة في زمن الغربة له أجر عظيم بإذن الله جل وعلا.

    أحبابنا إن من الأمور التي أغرقنا فيها وتعمقنا فيها ما يسمى بديناميكية الدعوة وميكانيكية الدعوة، حتى أصبح الإنسان يفكر بالدعوة تفكيراً ديناميكياً آلياً بحتاً، وفعلاً غابت عنا الرقائق وغاب عنا التشويق والتخويف، ولذلك تجد رمضان يدنو منا -أسأل الله أن يبارك لنا في شعبان وأن يبلغنا وإياكم رمضان- فتجد الآيات العظمية التي تهد الجبال هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ [الحج:19].

    آيات كثيرة فيها تهديد ووعيد، وتجد الواحد يفتح عينيه، فتطير في السماء، وحينما يأتي القنوت آه.. آه، قلبك غافل يوم كان كلام الله يتلى، ويوم جاء القنوت أخذت تتصنع البكاء وتتباكى أكثر من اللازم بتكلف؛ أين البكاء والخشية من كلام الله جل وعلا؟ نحن نحتاج أن نراجع النفوس، هل سيكون الدعاء المصفصف والمنمق من قبل أحد الأئمة أدعى إلى بكائك من كلام الله جل وعلا؟ في قلوبنا مرض.

    كذلك الآيات التي فيها الكلام عن الجنة: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17] في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، أدنى أهل الجنة منزلة من يملك كملك أهل الأرض عشر مرات، ولكن أيها الأحبة إننا نعلم يقيناً إن كل واحد منا يتيقن أن الجنة والنار حق، ونعيم الجنة حق، وعذاب النار حق، لكن للأسف نحن غير مهتمين، والسبب: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] معصية ونظرة، وكلمة، وغيبة ونميمة وغفلة، وهمز ولمز، فتكون هذه حجب تمنع من التفاعل مع الآيات والأحاديث التي فيها الوعد والوعيد، لذا يا إخواني! وقد قدمنا على الشهر الكريم؛ أحذركم من فوازير رمضان، ومسلسلات بعد العصر في التلفاز.

    هذا أحد الشباب يقول: والله ذاك اليوم الذي أحجب بصري عن التلفاز، إنني أخشع مع الإمام، وأتلذذ لذة عظيمة في صلاة التراويح، وأما ذلك اليوم الذي أتساهل فيه؛ فأنظر إلى المسلسل والنكت السخيفة أو الطريفة أو غيرها بعد العصر، والفوازير بعد المغرب، وأدخل إلى الصلاة وكأني أصب ماء على صفوان صلب -حجر يابس- لا يمكن أن تجد فيه أي نعومة أو ليونة، نعم. إذا أردت الخشوع؛ فتهيأ للخشوع؛ إذا أردت لذة الصلاة؛ فتهيأ لها، وأعظم لذة كما قال ابن المبارك : اترك فضول النظر؛ توفق إلى الخشوع، واترك فضول السماع؛ توفق إلى التلذذ بكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.

    كان الصحابة والسلف ومن قريب الآباء والأجداد، تجد الواحد منهم قد احدودب ظهره، بلغ المائة أو جاوزها، يصلي ويتهجد، وإذا ذكرت الجنة قام يبكي وله نشيج، أحد كبار السن يحدث عن زمن ليس بعيد، وكان قد سمى فلاناً من الأئمة أظنه الشيخ العجيلي رحمه الله قال: يقرأ حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ [الرحمن:72] وكان وراءه رجل كبير في السن، وأخذ يبكي ويقول: أسأل الله أن يعيننا على جهيزهن، أي على العمل الصالح، الله أكبر! حينما تذكر الجنة يتخيل الجنة، ويتخيل برحمة الله أنه سيرى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    يا أخي! أريدك أن تحلق بخيالك ثم بحقيقة فكرك وقلبك ولبك، تخيل أنك في الجنة، بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما تشتهي قبلة على جبين الحبيب صلى الله عليه وسلم؟!

    أما تشتهي جلسة مع أبي بكر الصديق؟!

    أما تشتهي حديثاً من الروح مع عمر بن الخطاب؟!

    أما تشتهي أن يحدثك الصحابة عن بسالتهم في الجهاد في سبيل الله؟!

    أما تشتهي الأخت المسلمة أن تجلس مع خديجة وكيف كانت تثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: كلا والله لا يخزيك الله أبداً؟

    أما تشتهي أمي وأمك، وأختي وأختك، وزوجتي وزوجتك أن تسمع حديث زوجات النبي صلى الله عليه وسلم؟!

    للأسف أصبحنا نتكلم عن قضايا الواقع، ومخططات أعداء الإسلام، حلقنا فيها كثيراً كثيراً، ولم تعد الأحاديث عن الجنة تهزنا أو تحدر دمعة من مآقينا على خدودنا.

    إن بعض الشباب يقول: فلان ليس عنده إلا المواعظ والترغيب والترهيب، والله جل وعلا قد أثنى على خيرة خلقه أنبيائه ورسله، فقال: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ [الأنبياء:90] فهل أنت تسارع في الخيرات؟ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً [الأنبياء:90] يرغبون في الجنة وَرَهَباً [الأنبياء:90] خوفاً من النار وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90].

    الذي ما يطمع في الجنة ويخشى من النار؛ فيه حب الصوفية المسمى بالعشق الإلهي، يقولون: عبدتك لا خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك. أعوذ بالله.

    فيا أحبابنا تشوقوا وعلقوا أنفسكم بالجنة ونعيم الجنة. الذي عنده زوجة دوخته، ينظر في الحور العين التي ترضيه وتهنيه ويسعدها وتسعده، الذي يشكو مرضاً يعلق نفسه بالجنة: (يا أهل الجنة! إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وأن تشبوا فلا تهرموا أبداً).

    لا طيب للعيش مادامت منغصة     لذاته بادكار الموت والهرم

    حياتنا حتى وإن متعنا فيها لا تساوي أول ليلة ينزل فيها الواحد إلى القبر، أنعم أهل الأرض يغمس في النار غمسة فيقال: يا عبدي! هل مر بك نعيم قط؟ يقول: لا يا رب. إنسان منذ أن وضعته أمه إلى أن مات وهو في نعيم؛ في حرير، في ملذات، في مآكل، في مشارب، في أقل من اللحظة غمسة خفيفة في النار يصرخ منها ويقول: والله ما مر بي نعيم قط فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [التوبة:38].

    قال صلى الله عليه وسلم: (مثل الحياة الدنيا بالنسبة للآخرة كمثل ما يضع أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع).

    الآخرة ذلك البحر المتلاطم، والدنيا تلك القطرة التي تعلق بأنملتك حينما تغمس أنملتك في البحر، فمن ذا الذي يبيع هذه الآخرة الغالية بهذه الدنيا التافهة الفانية، نسأل الله جل وعلا أن يعيذنا وإياكم من الغفلات: وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ [الأعراف:205].

    الحذر من الغفلة، فليتذكر الإنسان: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا [الأعراف:201] تذكر يا أخي وقرب نفسك دائماً مع الأخيار والأبرار: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ [الكهف:28].

    لا تغرك المراكب ولا المساكن؛ إذا رأيت نعيماً فاذكر أن في الجنة أفضل منه، وإذا رأيت مصيبة؛ فتذكر أن في النار شراً منها، ففي كل الأحوال ترتبط بالآخرة.

    نصائح إلى شباب تابوا قريباً

    السؤال: هؤلاء مجموعة من الشباب يقولون: الحمد لله هدانا الله سبحانه وتعالى وكنا من قبل نستعمل المخدرات وغيرها، فما هي النصائح التي توجهها لنا، ولنا أسبوع في التوبة؟

    الجواب: والله يا أحبابي اسمحوا لي أن أقول: ما أكثر التائبين وما أقل الثابتين! فأحذركم من الحور بعد الكور، ومن الزلل بعد الاستقامة، ومن الانحراف بعد الهداية، ومن الضلالة بعد الهدى، وإني واثق أن الشيطان لن يدعكم، ولن يدعكم شياطين الإنس الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، فإذا كنتم حمدتم الله على نعمة الهداية والاستقامة، فلا تتساهل بلحظة، لحظة لو يطرق عليك صاحبك القديم صاحب المخدرات يقول: يا فلان أجلس معك جلسة قبل أن تأخذ بالهداية سنة، فلا تفتح له الباب ولا ير وجهك وجهه، فكم اهتدى كثير من الشباب بالذات من قضية المخدرات، فما كان من جلساء السوء وأولياء الشيطان الذين وسوس بعضهم لبعض، وزخرفوا ذلك الباطل لهم من جديد، قالوا: نجلس معك جلسة نريد أن نعرف كيف اهتديت فنهتدي مثلك، وما كانوا صادقين، ولو كانوا صادقين لزاروه أو لاجتمعوا به عند عالم أو طالب علم أو واعظ أو داعية، ولكن أرادوه على انفراد بدعوى أنهم يريدون أن يتوبوا كما تاب، فما كان منهم إلا أن أخرجوا له ذلك المسحوق الأبيض الذي يتلألأ أو قطعة من المرفين أو الهروين.

    أنسيت ذلك الخيال التي ترى فيه أبراج إيفل في باريس ، وناطحات السحاب في نيويورك، ومياه النيل وأنت في مكانك.

    فإذا سكرت فإنني     رب الخورنق والسدير

    وإذا صحوت فإنني     رب الشويهة والبعير

    يسكر الواحد أو يحشش في هذه المخدرات والعياذ بالله، فيظن أنه قد حلق، بعضهم يظن أنه يدفع العمود هكذا فيسقط، وإذا صحا وجد أن العمود ضرب رأسه مائة ضربة، لكنه لا يدري.

    فيا أخواني الذين اهتدوا نسأل الله لكم الهداية، وما يدريكم أنها خاتمة حسنة، والشيء بالشيء يذكر؛ منذ أسابيع ليست طويلة دخلت المسجد؛ فإذا بجنازة أمامي، فوجئت بها في الحقيقة، وفعلاً هزني ذلك الموقف أن تدخل المسجد وفي ذهنك موضوع الخطبة، فتفتح الباب وإذا بالجنازة أمامك، يوشك أن تسقط عليها فتهتز.

    فانتهينا من الخطبة والصلاة وصلينا على ذلك الشاب، وكان أخوه أحد الشباب الصالحين في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فسألته عن أخيه، قال: هذا أخي ليس له في التزامه إلا ثلاثة أشهر تقريباً، وكان يعمل في البحرية، وقد مر بمجاهدة أعانه الله في نهايتها على الاستقامة، وكان حوله ممن يريدون به الغواية والضلالة من خططوا له ودبروا، ولكن الله أعانه وثبته. انظروا إلى خاتمته كان حارساً على السفن والزوارق الحربية في مدينة الدمام، في المنطقة الشرقية، فكان يحرس في رباط وقت الفجر، فلما حان وقت الفجر؛ قام وأذن على ظهر السفينة، ثم نزل من السفينة إلى قارب آخر ومعه ماء وتوضأ، ثم عاد من القارب الصغير إلى السفينة، يريد أن ينادي إخوانه، ليصلوا، فزلت به القدم، وضربته حديدة في جبينه، فسقط في البحر، وأخذ ينـزف، وفقدوه اليوم الأول، وفي اليوم الثاني وجدوا مجموعة من الأسماك مجتمعة حول منطقة، فجاء الغواصون ووجدوه على تلك الحال، يقول أخوه: والله إني كنت في فزع وفاجعة من الحادثة التي حصلت له، ولكني لما رأيته يغسل وعلى وجهه ابتسامة وخير؛ حمدت الله أن الله توفاه على هذه الحالة.

    فالعبرة بالخواتيم، نسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة، ولا يلزم أن تكون التوبة على قصة انقلاب سيارة أو غرق أو هدم أو حريق بعض الناس ينتظر أن تأتي شعلة من النار في فراشه فيقوم تائباً، أو يصفعه أحد بمرزبة على رأسه ثم يقوم تائباً، لا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ [التحريم:8].

    الواحد مدعو إلى التوبة سواء حصلت له حادثة تحركه وتوقظه من غفلته، أو لم يحصل له، فيكفيه ما يسمع من المواعظ والزواجر والعبر وغيرها.

    نصيحة فتاة تحب التلفاز

    السؤال: إنني فتاة قائمة بحمد الله بجميع واجباتي نحو خالقي، ولكني أحب متابعة التلفاز، وأرى أنه يعرفني ببعض الأعمال السيئة مثل الغيبة والنميمة، وفي يوم من الأيام جاءتني إحدى الأخوات الطيبات، ونصحتني بعدم مشاهدة الأفلام والمسلسلات فلم أستجب لها، فما نصيحتك لي؟ ثم ما نصيحتك لنا جميعاً وشهر رمضان المبارك على الأبواب، ولو وضعت برنامجاً للشباب جزاك الله خيراً؟

    الجواب: الله جل وعلا يقول: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم:32] من ذا الذي قام بحقوقه وواجباته تجاه ربه، ليس فينا ذلك الرجل إطلاقاً، بل كلنا ذلك المقصر مهما بلغنا من العمل، ويكفي من التقصير أن تجد الواحدة تمعن النظر إلى التلفاز، وأما معرفة الأحكام في بعض العادات السيئة كالغيبة والنميمة من التلفاز، فنعم قد يوجد في التلفاز بعض البرامج النافعة، فالله جل وعلا ذكر أن في الخمر منافع، ولكن إثمها أكبر من نفعها، واليوم يا أخواني! لو لم يكن في التلفاز بالنسبة للمرأة كيف تنظر إلى المصارعة والرجال عراة لكفى، هذه مصيبة يا إخوان، وكثير من الإخوان يدعي أنه يتحكم، أين التحكم والمرأة تنظر إلى المصارعة، وتنظر إلى الأفلام، وفي كل فلم وحلقة وتمثيلية رسائل متتالية متتابعة، هذه فتاة تكلم خطيبها، وهذه تخرج مع صديقها في الجامعة، هل هذا مجتمعنا؟ لا، هل هذا واقعنا؟ لا، هل هذه الأفلام تحل مشاكلنا؟ لا، هل هذه المسلسلات تحاكي مجتمعاتنا؟ لا.

    إذاً لماذا نستورد مشاكل فوق مشاكلنا، ونتعلم منها ما يضرنا ولا ينفعنا؟ فحسبك من شر سماعه، وما بالك برؤيته، وإني أنصح أختي إذا كانت جادة في معرفة أحكام العادات وغيرها أن تأخذها من الكتب النافعة، كتب الحديث من كلام الله جل وعلا، كتب التفسير من الأشرطة النافعة، من الدروس العلمية المسجلة للشيخ ابن عثيمين ولسماحة الشيخ ابن باز، وللشيخ ابن جبرين، علماء أجلاء كبار، الشيخ ابن باز كثيراً ما يوصي بسماع إذاعة القرآن الكريم وفيها خير كثير وبرامج نافعة فعلاً.

    أما التلفاز فمشاكله أكثر من منافعه، وإذا قدر أننا نشارك فيه، فنحن نشارك فيه من أجل المزاحمة ولو ساعة، حتى تكون خيراً بلا شر، أي: لا يحتج أحد ويقول: والله إن فلاناً شارك فيه، هذه مشاركة بدلاً من أن يكون بث فيه خطر أو فيه شر لمدة عشر ساعات، تزاحم بساعة، فتكون ساعة خير وتسع ساعات خطأ.

    في رمضان أعمال صالحة كثيرة، أحد الفضلاء الذين جئت اليوم بمعيته، ولولا هيبته -وهو من الشعراء- لقلت في أهل جدة قصيدة، مع أني لست بشاعر، لكن أتسور جدار الشعر، لكن لما حضر خشيت أن ينتقدني، فكنت أقول له: يا أخي أنا ألاحظ أن كثيراً منا لا يشكو قلة الحسنات، لكنا نشكو كثرة السيئات، كثرة السيئات مصيبة عظيمة جداً، وفوق هذا أن يفسر ويؤصل بعضنا لبعض الخطيئة، فتجد واحداً يغتاب الآخر يقول: نعم هذا من مصلحة الدعوة تفضل شرح عرض فلان، الله لا يهينك لأنه لمصلحة الدعوة.

    اتق الله يا أخي الكريم! وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36] ورمضان شهر عبادة وقرآن، فاشغل نفسك بقراءة القرآن وحفظه، هيئ نفسك أن تستعد لصلاة القيام خالياً من صورٍ تراها، أو كلمات تكدر عليك صفو خشوعك، ولا تجعل رمضان شهر النوم كما يجعله البعض، خذ برنامجاً، فقد يحوجك شيء من الجوع إلى شيء من الراحة، لا بأس ولا حرج، لكن إياك أن تفسد صيامك، إنسان صائم وعينه مفطرة على النظر إلى الحرام، أي صيام هذا؟! امرأة ساقها وفخذها ظاهر، نحرها عارٍ والرجل صائم!.. اللهم إني لك صمت وعلى رزقك أفطرت، تضع الفوازير، أهذا تفطر عليه؟ استحي يا أخي الكريم! ما يليق أبداً، وإن العمل الصالح يبنى على التوبة، نظف ساحة نفسك هذه الأيام من الذنوب والمعاصي، وتخلص من عادات قبيحة، وذنوب تصر عليها وتتساهل بها، وتعد أنها من الصغائر، اتركها وتب إلى الله منها، حتى تبني العمل الصالح على قاعدة نظيفة، ما رأينا رجلاً بنى بيتاً أو قصراً على أرض مليئة بالأوساخ والأتربة وكل ما على الأرض من دون تنظيف لها، بل تجده ينظف ويزيل حتى يجد قاعدة صلبة وصخراً مكيناً متيناً فيبني عليه.

    إذاً نريدك أن تبني الصيام والقيام والاستغفار وتلاوة القرآن، لذلك اقرأ القرآن، فإذا تعبت من القراءة؛ استرخِ قليلاً، واجعل ذكرك الاستغفار تلك العبادة اللذيذة، من لازم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33].

    استغفر الله يا أخي! أكثر من الاستغفار (إن من خير ما يجد العبد في صحيفته يوم القيامة الاستغفار) أكثروا من هذا يا أخي الكريم.

    نصائح للخطباء

    السؤال: ما هو دور خطباء المساجد وخصوصاً في الأحياء التي يكثر فيها الجهل؟ وكيف يكون الخطيب ناجحاً؟ وما هي المراجع التي ينتفع بها؟

    الجواب: يا أخي الحبيب! اليوم قد سهل الله للخطباء كثيراً من مسئولياتهم، فما عليهم إلا أن يأخذوا الأمر بعزم وجدية وقوة، إذا لم يستطع الخطيب أن يحضّر مواضيع جديدة، فعليه أن يأتي إلى التسجيلات الإسلامية ويقول: ماذا عندك من الخطب؟ يعطيه صاحب التسجيلات قائمة بأسماء الخطب، فينظر إلى الخطيب الذي يرتاح لخطبته ويستوعب كلامه وعباراته وأفكاره. اسمع كثيراً، ولا بأس أن تنسخ الخطبة كما هي، ولا بأس أن تختصر من الخطبة أو تنقل منها وتلقيها.

    حدثني أحد الإخوة يقول: في إحدى المدن عندنا خطيب منذ أن جاءنا إلى اليوم وهو يتكلم عن حقوق الجار، قلت: يمكن أنكم ما قمتم بحقوقه، ولذلك يذكركم وما تجدي الآيات والنذر في قوم لا يؤمنون. ماذا فعلتم له؟

    فينبغي للخطيب أن ينوع، وأن يتابع قضايا الساحة وبالذات التوحيد والعقيدة، والترغيب والترهيب والرقائق، وفي هذا خير عظيم وليست مسئولية الخطيب على المنبر، فجيرانك في الحي إذا لم يكن للخطيب هيبة، إذا صارت مشكلة في الحي يُرجع إلى الخطيب.

    يا خطيب! أنت يوم الجمعة تتحدث إلى أربعة آلاف أو خمسة آلاف خاطباً فيهم، عندنا رجل مؤذٍ في الحي، إذا لم تتحمل مسئوليته من يتحمله، يأخذ الخطيب مشهد توقيعات من الجيران، يذهب إلى الأمين، يسلم عليه، يقابله، سلمك الله وأمد في عمرك على طاعته، هذا أحد جيراننا نصحناه وقلنا له وقلنا له، وما زال يفحط ويعاكس ويُؤذي، نرجو اتخاذ اللازم، يكون الخطيب له دور، أما خطيب: إن الحمد لله... أقول قولي هذا ويكفي، لا يا أخي الكريم! فينبغي أن يتحمل الخطيب مسئوليته كما ينبغي، وأن يوجه وبالذات في المناسبات، فيعطيها حقوقها فهذا أمر واجب.

    محاربة العادة السرية

    السؤال: كثر السؤال عن العادة السرية وعن التوبة ثم الرجوع إلى الذنب فما نصيحتك للشباب؟

    الجواب: مثل هذه العادات الباعث عليها لا شك ثورة الشهوة لدى كثير من الشباب، ولكن يدفع لذلك الخيال، كثير من الشباب تجده دائماً يغمض عينه ثم يسرح في خيال امرأة أو جسم أنثى، ثم بعد ذلك يقول: كيف أحارب العادة السرية.

    اشغل نفسك بقراءة وسماع وفكرٍ، وجاهد خيالك وخطراتك ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، فلو زلت منك اليد إلى هذه الفعلة، فاستغفر الله.

    من الشباب من يظن أنه يوم أن فعل العادة السرية؛ إذاً لن يقبل الله منه عدلاً ولا صرفاً، ويوم القيامة يؤتي بحسناتك وسيئاتك، وإذا فعلت هذه الفعلة فأعقبها بحسنات وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114]. واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، اصبر عن المعصية، ففي هذا أجر عظيم والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

    انتبه لهذا أخي الحبيب، ومن أوشك على الوقوع في فاحشة الزنا؛ فإن ارتكاب أدنى المفسدتين دفعاً لأعلاهما أمر مشروع أسأل الله أن يرزقنا وإياكم حفظ أبصارنا وأسماعنا وخيالنا وخطراتنا وأفكارنا، وأنصح الشباب بالمبادرة إلى الزواج، حتى وإن لم يصلك دورك في المشروع الخيري للزواج، تسلف من هنا ومن هنا ومن هنا وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:32].

    تزوجنا ونحن فقراء، فأصبحنا أغنياء بفضل الله جل وعلا، ما نقيس أنفسنا اليوم كاليوم الذي تزوجنا فيه، وكثير من الشباب كنا نعرفهم ربما تحل له الصدقة قبل أن يتزوج، فلما تزوج أصبح من المتصدقين.

    توبة عجيبة

    السؤال: هذا شاب يقول: أخي وحبيبـي في الله، إني شاب تبت إلى الله، ولكن ما زلت مع امرأة، فهل يجوز لي أن أستمر معها بعد التوبة على اتصال تلفوني أو عبر خطابات؟

    الجواب: والله هذه التوبة العرجاء، ما شاء الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [البقرة:208].

    تب إلى الله جل وعلا، نعم لا نقول: إنسان عنده أربعة ذنوب واقع فيها، تاب من ثلاثة وبقي الرابع، نقول: لا إما أن تتوب من الرابع وإلا فارجع الثلاثة التي ذهبت، هذا خطأ، لكن نقول: تب إلى الله جل وعلا، وبالذات مثل هذه الذنوب والخطايا المتعلقة بمصائب النساء؛ فإن عواقبها وخيمة.

    أسأل الله أن يستر علينا وعليك، وبادر بمجاهدة النفس بالقطيعة، اقطع هذه المكالمة والمراسلة، تزوج حتى تيئس منك، ولعل الله سبحانه وتعالى أن يصرفها عنك ويصرفك عنها، وألح على الله، واسأل الله أن يصرفها عن نفسك، فإن من ألح على الله ولو في شأن دنياه أجابه، فما بالك بمن يلح على الله بشأن دينه وطاعته لله.

    دروس الشيخ في جدة غير موجودة

    السؤال: لم تجب على موضوع الدرس الأسبوعي أو الشهري في جدة؟

    الجواب: هذا ما ينسى، والله يا أخي الكريم لست أهلاً أن ألقي درساً أسبوعياً أو شهرياً، رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه، أي: أنا أعطي الدروس والمحاضرات الأسبوعية في الكلية، وإن كان عندي من مقدرة فلأصحاب الحي عندنا في السيرة، وليس بوسعي ولا بمقدوري أن أعطي درساً أسبوعياً في جدة أو شهرياً.

    أكرر مرة أخرى لإخواني طلبة جامعة أم القرى في الكليات الشرعية وجامعة الملك عبد العزيز والجامعة الإسلامية وجامعة الإمام محمد: يا إخوان! قرى المملكة وأطرفها وحدودها بأمس الحاجة، فيا أحبابنا المناطق التي فيها خير وفيها دعوة وفيها عمل ينبغي أن ينفر أبناؤها ورجالها للدعوة إلى تلك المواطن، أي: مثلاً لو أن أهل جدة أو الإخوان الذين في جامعة أم القرى ركزوا على المناطق الغربية وما وراء الغربية، فيكون في هذا خير عظيم، قرى كثيرة جداً بعضها لم يأتهم شيخ، وبعضهم ما سمع بمحاضرة، وبعضهم لم يقام عنده درس، وأيضاً إذا زرتموهم هناك فلا تكفي الزيارة أو إلقاء كلمة، انظر أمثلهم طريقة ورتب معه أن يقيم درساً للقرآن أسبوعياً، انظر أحد المدرسين في المدرسة ممن ترى فيه الخير، قل له: لماذا لا تقيم درساً؟ مادة التوحيد التي تدرسها في المتوسطة والثانوية درسها للعوام بعد صلاة المغرب يوماً من الأسبوع، الناس بحاجة ما عندك وفي هذا خير بإذن الله سبحانه وتعالى.

    ملحوظة: أود في هذه الفترة أن أنبه الشباب إلى أمر مهم، وهو أننا بحاجة إلى العقل والهدوء والاتزان، ولا تعني النصيحة بهذا أن الشباب مجانين أو شياطين معاذ الله، لكني أقول: ينبغي أن ننظر في واقعنا نظراً جيداً، وأن ننظر ما نحن بحاجة إليه من الهدوء ومن الاتزان ومن إصلاح الأمور خطوة خطوة.

    وفوق هذا كله ينبغي أن نعلم جيداً أننا نحن والعلماء والحكام في سفينة واحدة، فغرق السفينة يغرق الجميع، والخلل في السفينة خلل على الجميع، والخطر في السفينة خطر على الجميع، ليس الخطر على فئة دون فئة. لأجل هذا أدعو أن نستشعر المسئولية الجماعية، وأن ننظر إلى إصلاح واقعنا نظرة عامة شاملة، وإن الرجل اللبيب الذي عنده شيء من اللب حينما يريد أن يصلح جداراً من الطين مثلاً ما تجده يهدم الجدار بالكامل ثم يأتي ليبني لا، مثلاً عندنا بيت من الطين أحد جدرانه قد لعبت به الدود، أصبح نخراً، أصبح طيناً، لو أردنا أن نصلح هذا الجدار، فإننا لو أزلنا الجدار كله؛ سقط الدور الذي فوقه وسقط البيت كله، فإصلاح الجدار يكون على طريقة القدماء يأتون إلى الجدار الطين، فيأخذون خمس بلوكات فقط من الجدار وبقية الجدار الطيني الضعيف قائم، فيصلحونها ثم يأخذون خمس أخرى فيصلحونها، ثم خمس أخرى فيصلحونها وهكذا.

    اللبيب بالإشارة يفهم ونحن بأمس الحاجة إلى الإصلاح الهادئ، وأن نضع أيدينا في يد كل غيور ومخلص وناصح، من عالمٍ أو حاكمٍ أو ولي أمرٍ أو داعيةٍ أو مسئول، وأن نمد جسور الصلة على ما نرى، وفوق ما نرى، وفي مواجهة ما نرى، حتى نفوت الفرصة على من يثير الفتنة يبن فئة هذا المجتمع، حتى يقضي على الجميع صغاراً وكباراً.

    أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم.