إسلام ويب

الشباب بين الشهوة والشبهةللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الشباب هم عماد الأمم؛ فبهم تحيا، وعليهم تقوم، ولما علم أعداء الله ذلك سلطوا على شباب الأمة الإسلامية ألواناً من الفساد في الفكر والعقيدة والشريعة، أو فساد الأخلاق عن طريق المجون واللهو العابث. ولا خلاص من هذا إلا بالعود عوداً حميداً إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فهما قارب النجاة لكل غريق، والطريق الموصل إلى كل مرغوب ومحبوب في الآخرة.

    1.   

    مقدمة

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    وأسأل الله عز وجل بمنه وكرمه وجوده وفضله وأسمائه وصفاته، واسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب: أن يجمعنا بكم في الجنة كما اجتمعنا في هذا المكان، وأسأله بمنه وكرمه وجوده وأسمائه وصفاته، واسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب: أن يجمعنا بكم في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وأسأله بمنه وكرمه وفضله وجوده وأسمائه وصفاته، واسمه الأعظم الذي سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب: أن يبسط لنا ولكم في صلاح أعمالنا وإخلاص أفعالنا لوجهه، وصلاح ذرياتنا وسعة أرزاقنا، وعافية أبداننا إنه سميع مجيب.

    أيها الأحبة! لو لم يكن في هذه المحاضرات سوى أن نعيش ساعة ونجدد العهد واللقاء ونؤكد الميثاق والولاء لله ورسوله وكتابه لكفى، ولو لم يكن في هذه المحاضرات إلا أن نجتمع على غير أهداف، إلا أن نجتمع على غير مطامع أو مصالح لكفى، ولم يكن في هذه المحاضرات إلا أن يتعلم بعضنا من بعض لكفى، ولو لم يكن أولاً وقبل كل شيء في هذه اللقاءات إلا أن تتنزل علينا السكينة، وتحفنا الملائكة، وتغشانا الرحمة، ويذكرنا الله فيمن عنده لكان ذلك كافياً، فما بالكم إذا اجتمعت هذه المنافع والمصالح في مثل هذه اللقاءات المباركة، وكيف لا يكون فيها من البركات والخيرات والذين يجتمعون في بيوت الله يذكرون الله يذكرهم الله في ملئه الأعلى، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبد بي، وأنا معه ما تحركت بي شفتاه، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه).

    أيها الأحبة في الله! هل تجدون كرامة أعظم وأجل وأرفع وأكرم من أنكم الآن يا معاشر الحاضرين تذكرون في ملأ الله الأعلى، أليست هذه كرامة؟! أليست هذه منقبة؟! أليست هذه منزلة؟!

    بلى والله. فيا حسرة الغافلين عن هذه البركات! ويا هنيئاً للمقتنصين لهذه الفرص المباركات!

    أيها الأحبة في الله! في مستهل هذا اللقاء أشكر الله على ما مَنَّ به، ثم أشكر إدارة الإرشاد والتوجيه في الحرس الوطني على ما أكرموني به من شرف اللقاء والحديث إليكم والجلوس بين يديكم (فمن دل على هدى فله أجره وأجور من عمل به) كما أخص بالشكر في هذا المكان فضيلة الشيخ: محمد بن سالم الدوسري الذي كان له عناية ومتابعة طيبة في إكرامنا بهذا اللقاء المبارك.

    1.   

    رسالة إلى كل غافل

    أيها الأحبة في الله! حديثنا اليوم يتعلق بالشباب، وكلكم يعيش فترة الشباب أو ودعها أو يقبل عليها، فهي مرحلة لا بد أن يمر بها كل واحد منا، وفي ثنايا هذا الكلام رسالة إلى كل شاب يعيش سن المراهقة وآلامها أو يوشك أن يودعها، ورسالة إلى كل شاب صالح يسعى لإعفاف نفسه، ويدرك خطورة الشهوات والشبهات على نفسه ودينه وأمته، رسالة إلى كل شاب أطلق العنان لشهوته والزمام لنزوته ويبحث عن المخرج، ورسالة إلى كل شاب غافل لم يستفق بعد، وإلى كل مرب وأب وأم، وإلى كل من يعنيه واقع شباب الأمة، وإلى كل من يدرك أهمية العناية بالشباب، هذه كلمات وأشجان ووقفات أنثرها بين يديكم وأشنف بها أسماعكم.

    معاول تهدم في كيان الشباب

    إن الغالب فيمن ترون أن الواحد منهم ذاك الرجل الذي عايش مرحلة الشباب والقوة والعنفوان والحركة والعمل، والغالب فيمن ترون هو ذاك الرجل الذي مَرَّ بالمراهقة وأدرك ما يعانيه الشباب من صراع الشهوة والشبهة، وقَلَّ أن تجد شاباً إلا وقد اعترك غمار الشهوة وركب عُبابها، فمن شَطَّ في تلك المرحلة فاسأل عنه دور الأحداث والملاحظة، واسأل عنه سجلات جنح الأحداث، واسأل المعلمين والمعلمات، ومراكز الشرط، وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ تجد خبراء بما يعانيه شبابنا ذكوراً وإناثاً من سعار الشهوة المتلاطم، وموج الفتن المتعالي، ورياح الشبه والمزالق الفكرية العاصفة، سيما ونحن في زمن اشتدت كربته، وعظمت فتنته، وأصبح دعاة الباطل والشهوة والشبه يجلبون بخيلهم ورجلهم على شبابنا وفتياتنا مستخدمين كل وسيلة في سبيل إيقاع الشباب وإضلاله.

    من هنا كان لا بد أن نتحدث عن هذا الصدع، وعن معاول الهدم التي تهدد كيان الشباب، فلا بد من تشخيص الداء وبيان الدواء، ومعرفة العلة، وإن سقوط الشباب وانحرافهم لا يمكن أن يقع هكذا فجأة أو بين عشية وضحاها، كلا. بل هناك أسباب ومقدمات وإرهاصات وأدواء خفية، ومكر بالليل والنهار، ومكر كبار، ومكر تكاد أن تزول منه الجبال؛ من أجل تدمير وتخريب وإفساد الشباب، حتى لا تمتلئ بهم المساجد، حتى لا تضج أصواتهم بالتكبير، حتى يشتغلوا بالفن واللهو والطرب، حتى يهتموا بكل ساقط من القول ورديء من الكلام، حتى لا يكون همهم إلا راقصة ماجنة أو ممثلة خليعة أو قصة درامية، أو سم ما شئت من السهام التي وجهت إلى قلوب شبابنا، فأصبح بعضنا يعزي بعضاً في مصاب جلل وخطب فادح حينما نرى غاية اهتمام الشباب هو فتاة يعاكسها، أو حبيبة يواصلها، أو أغنية يرددها، أو صورة يعلقها أو ... أو ... إلى غير ذلك، وقُل ما شئت.

    انحسار الهمم عند الشباب

    إن من أعظم الفجائع على الأمة: أن ترى الشباب انحسرت لديهم الهمم بعد أن كان شباب السلف الصالح أمانيهم عظيمة، أحدهم يقول له النبي صلى الله عليه وسلم: (يا ربيعة -صحابي صغير- سلني حاجتك -اطلب .. ماذا تريد؟- يقول: وتعطيني يا رسول الله؟ فيقول صلى الله عليه وسلم: وأعطيك يا ربيعة -سلني- فقال ربيعة : إني أريد أن أكون لك رفيقاً في الجنة).

    كانت تلك هي الأماني، كانت الجنة ومجاورة النبي في الجنة، والجلوس في مجلس صدق عند مليك مقتدر، ولقاء الصحابة في الجنة، كانت تلك أعظم الأمنيات، وكانت أرقى الغايات، والآن سل شباب الإسلام عن أمانيهم: أحدهم يتمنى أن تكون الراقصة الفلانية حبيبة أو حضينة أو عشيقة أو زوجة له، والآخر يتمنى أن يصور ولو للقطة أو لحظة مع ذاك الماجن أو ذلك اللاهي، والآخر يتمنى أن يعيش ساعات أو أياماً في مكان العهر والفساد والفجور.

    ما الذي غير الأحوال؟ ما الذي قلب الأماني؟ ما الذي فعل بالشباب هكذا؟

    هل باتوا أبراراً فأصبحوا فجاراً؟

    هل أصبحوا صالحين فأمسوا فاسقين؟

    هل كانوا مهتدين وفجأة انقلبوا ضالين؟!

    لا وألف لا. إنه كيد ومكر كبار وعمل دءوب، وتلك مشكلة عباد الله الصالحين؛ أن أعمالهم آنية، وردود أفعالهم مخفية، وتصرفاتهم غير مدروسة بخطط مستقبلية من أجل إصلاح واقعهم ومجتمعاتهم ودعوتهم، أما أهل الشر والباطل فيخططون مخططات بعيدة المدى، ربما لعشرين أو ثلاثين أو خمسين سنة قادمة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    اللهم إنا نشكو إليك جلد الفاسق وضعف الثقة!

    أيها الأحبة! إن أمراض الشباب إن تركت دون علاج وقضاء مبرم كان الهلاك كما قال القائل:

    وللمنية أسباب من السقم

    وإن لم تبين توضح هذه الأمراض وهذه الأخطار والسهام التي تخترق الشباب وتختلف عليهم ذات اليمين وذات الشمال أوشكوا أن يقعوا فيها جاهلين بأنها أمراض معدية وسموم خبيثة مؤذية.

    أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى     فصادف قلباً خالياً فتمكنا

    قضيتان خطيرتان: الشهوة والشبهة هي أس القضايا في شأن الشباب، وهي الداء العضال الفتاك الذي أخذ يسري في شباب الأمة الإسلامية على فترة من الجهل والمغريات، وفترة بدأت فيها غربة الدين تستحكم، والشباب يتأرجح بين الأمرين، وكثير من الصالحين في حيرة وغفلة، وبعضهم انقاد به الأمر إلى التجافي والعزلة، فالشباب إن سلموا من شبهة غامضة لم يسلموا من شهوة جامحة، وبعضهم إن سلم من الفتن الفكرية فلن يسلم من الإغراءات الجنسية العصرية.

    1.   

    إعصار من الشبهات يعصف بالشباب

    الشباب اليوم بين طامتين وداهيتن: بين رياح عاصفة من الشبه الفكرية، وأمواج من الشهوات المتلاطمة.

    كيف اخترقت الشبهات صفوف المسلمين

    الحق أن أهل الإسلام -ومنهم الشباب على وجه الخصوص- لم يؤتوا ولم تتسور جدرانهم ولم تخترق بيوتهم إلا من طريق استطاع أعداء الله إحسان استعمالها، وهي:

    ما يورده الأعداء من التشكيك، ومحاولة هز ثقة الشباب بدينه ومعتقده، ومحاولة فتنته عن دينه عقدياً وفكرياً.

    وهذه القضية يجيئون عليها بوسائلهم المتعددة، ويسوقونها فتن تلو الفتن وشبهات تلو الشبهات، ويؤمها أذناب الغرب وأذيال الاستعمار من أهل العلمنة والحداثة والتفرنج الذين هم للفساد دعاة.

    ولعل هذه الحرب؛ حرب الشبهات الحرب الجهرية تتمحور في الآتي:

    لاحظوا وتأملوا الكلام الكثير حول الدعوة إلى زمالة الأديان، وتقارب الأديان، وتحاور الأديان، إن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى في يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه صفحة من التوراة تغير وجهه وقال: (يا بن الخطاب أومتهوكون فيها وأنا بين أظهركم، والله لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني).

    وإن الله عز وجل قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً [المائدة:3] فالذين يكتبون عبر بعض الصحف، أو يتكلمون عبر بعض القنوات، أو يطنطنون في بعض الإذاعات بالمقولة التي أول من أثارها وشب أوارها وأشعل فتيلها طائفة من المستشرقين، وتبعهم بعض الأذناب حول قضية تزامل وتقارب وتجمع الأديان، تلك مصيبة من أعظم المصائب.

    كان الناس فيما مضى إذا رأوا كافراً استحضروا قول الله عز وجل: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة:28] فيرون نجاسة متحركة، لئن كانت النجاسة يؤنف منها وهي رابضة قابعة منـزوية فإن قلوب المسلمين فيما مضى كانت مليئة بالولاء للمؤمنين مليئة بالبراء من الكافرين، فإذا رأوا كافراً رأوه عذرة ونجاسة متحركة إلا من ندر فيمن لم يؤذ مسلماً ولم يخطط لتدميره وإيذائه، فذاك إن عاملوه عومل بنية دعوته، ونية إصلاحه، ونية تأليف قلبه، لا بنية حبه أو الثقة بما عنده.

    أما الآن وفي ظل هذه الدعوة التي كما قال الأول: "اكذب الكذبة ثم رددها مائة مرة يصدقها الناس ويرددونها آلاف المرات" في ظل هذه الدعوة الخطرة أصبح كثير من الشباب يسأل ويحاور ويناقش أليس اليهود إخواننا؟ أليس النصارى إخواننا؟ ألسنا جميعاً أهل كتاب؟ لماذا هذه العداوة؟ لماذا هذه الفرقة؟ لماذا هذا الانفصام؟ لماذا لا نعيش في ظل السماء وفوق سطح الأرض على حب ووئام؟

    وهكذا يقول من يقول: لم لا يحتضن الهلال الصليب؟ لما لا تمتد الأيادي بالمصافحة؟ لم ولم ولم ....؟؟!!

    والله لو قيلت الكلمات البراقة والجمل القشيبة ليل نهار فإننا متمثلون قول الله عز وجل: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ [البقرة:109]، مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ [البقرة:105]، وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [البقرة:217]، وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاء [النساء:89].

    مهما قلنا عن تقارب وتزامن وتحاور الأديان فإن مسألة الولاء يجب أن تبقى يقظة حية في النفوس، لأننا إذا أضعفنا المناعة تجاه الكفار، ويقابل ذلك الهوة التي تزداد توسعاً في شأن الولاء مع المؤمنين والمسلمين؛ أصبحنا بذلك لا يهمنا كثيراً ما يحل بالمسلمين، ولا يؤذينا ما يفعله الكافرون، وذلك عين التبلد، ومنتهى الجمود، وغاية ما يتمناه الأعداء.

    إن أعداء الإسلام لا يمنعونكم من أن تدفنوا قتلاكم، وتداووا جرحاكم، وتسقوا الظمأى والعطشى، وتطعموا الجياع، وتكسوا العراة، لا بأس أن يكون دوركم يمتد إلى هذه الدرجة، أما أن يكون دوركم ابتدائياً إيجابيا فاعلاً لا رد فاعل؛ فإن ذلك أمر يأباه أعداء الإسلام، فماذا نقول إذاً في شأن أمة الإسلام وفي شأن المسلمين إذا كان مبدأ الولاء أخذ يضعف في ظل الدعوة إلى الزمالة والتقارب وغير ذلك؟!

    إن هذه القنوات الفضائية التي تُصدِّر كثيراً من هذه الأفكار الخطرة والتي يجهل كثير من الناس خطرها على نفسه وعلى أهل بيته لتصب سماً زعافاً من هذا القبيل فمن الذي يَحذر؟ ومن الذي ينتبه؟ ومن الذي يدرك أن وراء الأكمة ما رواءها؟ البعض يعجبه حوار ورأي ورأي آخر واتجاه معاكس، ولا يعلم أن وراء القضية مخابرات يهودية، ولا يعلم أن وراء القضية من يسعى لصياغة العقل العربي والفكر المسلم حتى يعيش في ظل هذه الحوارات وفي ظل هذه الخيارات لا أن يستقل بنظر مستقل؛ ليس بالضرورة أن يوافق هذا أو يوافق هذا.

    إننا نخشى أن نفقد الاستقلال بالرأي، وأن نتحول إلى حرية في ظل خيار محدود، فليست حرية مطلقة بل هي حرية في ظل خيار بين أمرين، أما أن تختار ثالثاً فذلك هو الذي لا يريده لك مقدم هذه القضية، أو الذي يحيلها أو يدير حوارها.

    ترديد الآراء المذهبية الشاذة

    أيها الأحبة! ومن المخاطر التي سلطت على الشباب في باب الشبهات: ترديد الآراء المذهبية الشاذة والمرجوحة في بعض القضايا الخطرة.

    بعض المسائل تطرح في حوار، ثم بعد ذلك يأتي شيخ اجتهد فأخطأ، أو رجل قصد له أن يجيء ليعلن قولاً مرجوحاً شاذاً من أجل أن يضلل الأمة، وليقول للناس هذا ليس بصواب، وهذا ليس بحق، وهذا لا ينبغي.

    وعلى سبيل المثال: حينما يطرح على مجتمعنا هذا قضية كقضية الحجاب من خلال هذه القنوات الفضائية، ونحن نعرف أن السمت الغالب الظاهر في نساء بلادنا هذه هو تغطية الوجه، ثم يأتي من يطنطن على هذه القضية: لم لا تلبس المرأة حجاباً يكتفي بتغطية الرأس ويبرز الوجه ويكشفه، لم لا نعطي المرأة حقها أن تتنفس الهواء الطلق، لما لا نعطي المرأة حظها في أن ترى الحياة كما هي، غير ملزمين لها أن تلبس نظارة سوداء، لم ... ولم ... ؟؟ إلى غير ذلك.

    ما هي النتيجة؟

    إن أخطاراً فادحة تنذر بشؤم مقبل إذا ألقت المرأة حجابها، حتى وإن تكلم من تكلم وقال ذلك رأي فيه خلاف أو مسألة فيها نظر، نحن لسنا بصدد الراجح والمرجوح، ولكن مادمنا الآن نعيش طمأنينة وراحة وستراً وانسجاماً في ظروف حياتنا في ظل هذا الحق، فلم نعيد طرح المسألة بأسلوب الغرض منه هو هدم الإسلام والتشكيك في تعاليمه.

    حينما تطرح مثل هذه القضايا ويقال: أميطي الحجاب، ألقي الحجاب، اتركي الحجاب، دعي الحجاب، النتيجة لن تقف عند ذلك، والمراد لا يقف عند ذلك، وإنما أن تزول تلك الحواجز التي أوجدها الإيمان متمثلاً في الحياء والخشية والمراقبة، وتعظيم حرمات الله عز وجل؛ فإذا زال الحجاب اضطربت هذه النفوس، وضعفت هذه الحواجز، وكثر التماس، وحينئذٍ لا تسل عن ضلال الأمة وهلاك المجتمع.

    شبهه تدار حول وضع المرأة الاجتماعي

    إن من أعجب العجائب وأغرب الغرائب أن تجد أناساً يجدون أنفسهم في منتهى السعادة والطمأنينة والعز والتمكين والرفاهية، ثم يأتي من يتسلط عليهم فيقول: لا. لا. أنتم قد حرمتم النصف الآخر في المجتمع حريته في أن يتنفس الهواء الطلق، أنتم منعتموه في أن يرى الحياة كما هي، أنتم أجبرتموه أن يلبس نظارة سوداء.

    وكل هذه العبارات التي يراد منها إسقاطاً نفسياً على المرأة لتقول: أنا مظلومة، أنا معقدة، أنا محبوسة، أنا مهلكة، أنا معذبة، أنا تعيسة، لم تمشي هذه المشية وأنا لا بد أن أمشي في العباءة؟

    لما تخرج هذه في هذا الوقت وأنا لا بد أن أتقيد بوقت في الدخول والخروج؟

    لما تصافح هذه وتكلم وتحدث وتناقش وتحاور من شاءت وأنا لا أحدث إلا ذوي محارمي ولا أتكلم إلا في ظل علاقات محدودة، وإن تكلمت مع غيرهم لا يسمح لي حتى بالضحك أو القهقهة أو اللين أو الخضوع في القول؟

    حينئذٍ يتحول ما نرجوه من صحة المريض إلى جرم نرتكبه، ويتحول ما نخشاه على المريض من سقم إلى أمنية ينبغي أن نشجع المريض عليها، هل رأيتم أحداً يقول: لماذا أعيش في هذه الصحة والعافية وأين الطريق إلى المرض والسقم والبلاء والهدم؟!

    ذلك ضرب من الجنون.

    وقس هذه القضية على هذا المثال لتعلم أن الذين يطنطنون حول قضايا المرأة يريدون بها في ظل طرح الشبهات أن تكسر جدار الحياء، وأن تلقي جلباب العفاف، وأن تتحول فيما بعد إلى سلعة رخيصة يصل إليها من أرادها.

    إن من الصعب اليوم على كثير من الناس أن يحدث امرأة مباشرة إلا بحجة وبرهان، كأن يكون قريباً أو محرماً أو لسبب شرعي، لكن إذا حرصنا على إزالة مثل هذه الأمور فحينئذٍ يمكن الحديث مع المرأة لأي سبب ولأتفه سبب وبدون سبب، وتلكم يا عباد الله من أعظم الأمور خطراً وضرراً.

    ونحن بحمد الله عز وجل في هذه البلاد وما نراه من حرص وعناية من عامة المسلمين فيها وولاة الأمر فيها على ألا يضطرب الأمر، فإننا ينبغي أن نعقد الأكف والخناصر على أن نتواصى على التأكيد على هذه المسألة، أن نكرس الاهتمام والرعاية والعناية لجانب الحجاب حتى لا يلقى الحجاب تحت الأقدام بحجة أنه مسألة تاريخية، وقضية في عصر حجري مضى وانقضى، وقد آن للفتاة أن تخرج بدون ذلك.

    طرح المسلَّمات للنقاش والحوار

    من صور ومحاور تضليل الشباب عبر الشبهات: طرح قضايا العقيدة والمسلمات للحوار والقبول والأخذ والرد.

    وتلكم من أعجب العجائب، حينما يأتي أحد ويقول: تعال يا فلان ما اسمك؟ فتقول: اسمي فلان بن فلان بن فلان، أنت على يقين على أنك ولد فلان بن فلان وجدك فلان وأبوك فلان؟ نعم، يقول: نريد أن نضع هذه القضية للبحث، هل فلان ولد شرعي أو ابن زنا؟ هل أبوه لقيط أم دعي أم نسيب؟ هل أمه زانية أم فاجرة أم طاهرة؟ هل يقبل أحد أن يوقف بين الملأ ويقال: تعال يا فلان نسألك عن اسمك وأصلك ونسبك؟ هل أنت ابن زناً أو ابن شرعي؟

    الجواب: لا.

    أما مسائل العقيدة ومسائل الدين حتى ولو جاءت من الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا بد أن تطرح للحوار، ما رأيك فيما قاله الله؟ ما رأيك فيما قاله رسول الله؟ هل يجوز لأحد أن يقول رأياً بعد قول الله؟! أو أن يطرح رأياً بعد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

    وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36]، إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [النور:51]، فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65].

    شبهة عمل المرأة

    من محاور الضلال والشبهات التي تطرح من أجل إفساد الشباب والشابات: قضية عمل المرأة ومسألة مشاركتها الرجل في ميدان العمل.

    لماذا نحصر العمل للمرأة في إطار زوايا محدودة جداً ولا يمكن أن نوسع مجالات العمل؟

    نحن عندنا قواعد وضوابط شرعية، وإن الله الذي خلق المرأة هو أدرى بما ينفعها ويضرها، ولذا جعل في كتابه وسنة نبيه الضوابط التي تكفل تحقيق الاستفادة من جهدها مع الحفاظ لها وعليها.

    لسنا نخاف على المرأة فحسب، بل نخاف من بعض النساء، ونخاف على بعض النساء.

    فمسألة عمل المرأة إذا كانت المرأة محتاجة لهذا العمل أو احتاج إليها المجتمع، وأمكن أداء ذلك في وضع لا يخدش حياءها، ولا يعرضها للفتنة، ولا يعرض الرجال إلى الفتنة بها، ولا يضيع مسئولياتها وواجباتها التي هي أهم من كل شيء بعد طاعة الله عز وجل، فحينئذٍ لا يقول أحد بمنعها، أما أن ننادي بأن نجعل المرأة مع الغادين والرائحين، وفي وجه الزائرين والمودعين، وأمام الذاهبين والآيبين، فذلك أمر نعلم من خلاله أنه شر يراد بالمرأة.

    إذا بني ضرجوني بالدم     من يلقى آساد الرجال يكلم

    شنشنة نعرفها من أخزم

    الذي يقرأ خطط العلمانية في إضلال الشعوب وحرب المجتمعات الحرب المخملية الباردة، وليست حرب كروز ولا حرب الصواريخ ولا الطائرات، بل حرب الوتر والطبلة والحفلة والرقصة والكأس والفجور والعهر والفساد، حينما تجدون مثل ذلك يتوسع فيه أبناء أمة غافلين عما شرع الله وما أمر الله منساقين وراء الشهوات؛ فاعلموا أنهم يعيشون مرحلة من الحرب ذات المحور القائم على الشبهات ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    الحرية الشخصية وآثارها السلبية بين المسلمين

    أيها الأحبة! من المحاور التي تقوم عليها حرب الشبهات على الشباب والشابات: قضية: الحرية الشخصية.

    هل تعلمون أن منظمات حقوق الإنسان تناقش بلادنا هذه وتقول: إن من حق الإنسان أن يغير دينه، ولا يحق لكم أن تدخلوا في هذه القضية فهي مسألة حرية شخصية لا يجوز لأحد مهما بلغت سلطته أن يتدخل فيها.

    وتقف هذه البلاد وقفة محمودة مشكورة من خلال حوارات جادة انتهت إلى الرفض التام المطلق لمثل هذا الطرح، ولكن لا يقف أمر وضع مسألة الحريات عند حد، فإذا كانوا يبحثون مسألة تغيير الدين وأنها قضية حرية شخصية بحتة والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من بدل دينه فاقتلوه) ليقام عليه حد الردة وهم يقولون: لا، ما الذي ينبني على ذلك؟

    أن ما دونه من الأحكام قابل أن يكون حرية شخصية، تشرب خمر أو لا تشرب فهي قضية شخصية بحتة ليس لأحد أن يتدخل فيها، تزني أو لا تزني فهذه مسألة حرية شخصية ليس لأحد أن يتدخل فيها، ترابي أو لا ترابي مسألة حرية شخصية أيضاً، تسافر أو لا تسافر فهذه مسألة حرية شخصية.

    إنا لله وإنا إليه راجعون، نحن لله عبيد يتصرف فينا، نحن مُلكه ونحن عبيده، وليس للعبيد أن يتصرفوا حتى في أنفسهم إلا وُفق ما يراه مالكهم، ونحن ملك الله وعبيد الله، والله الذي خلقنا، والذي خلقنا شرع لنا ما يسعدنا فأمرنا به وحرم علينا ما يضرنا فنهانا عنه، ثم يأتي من يقول: لا. نحن لسنا لله ولسنا إليه راجعون، وليس له فينا أمر ولا نهي، قضيتنا مسألة حرية شخصية ليفعل كل بنفسه ما يشاء، تتحجبين أو لا تتحجبين قضية شخصية، تعاكسين أو لا تعاكسين قضية شخصية، تتبرجين أو لا تتبرجين قضية حرية شخصية، بل وعلى العكس من ذلك نجد حتى الذين في بلاد الغرب قالوا بأن هذه المسائل مسائل شخصية.

    نعم. هي مسألة حرية شخصية في التبرج والزنا والخنا والدعارة والعهر والفساد لكن في الحياء والعفاف فليس بحرية شخصية؛ لأن فرنسا والتي انطلقت منها الحملات الصليبية، التي رفعت لواء حرية الإنسان تبيح العُري لمن أراد أن يسير عارياً، وفي أوروبا قانون يبيح للنساء في الصيف إن أرادت إحداهن أن تمشي سافرة الثديين فلا حرج عليها، وما بقي في محل النـزاع والحسم لدى أبناء القردة والخنازير إلا قضية: هل يسمح لأحد أن يسير في الشارع مبدياً عورته المغلظة أو لا؟ أما ما فوق فمسألة قد حسمت بأنها حرية شخصية.

    وإن أمة الإسلام لعلى خطر، وتجد هناك من يكتوي بنار مثل هذا الطرح، فتيات مغربيات لبسن الحجاب في بعض المدارس -والقصة مشهورة- فقامت قائمة فرنسا، وأصدر مسئول كبير من هناك قراراً وأمراً بفصلهن من المدارس. أين الحرية؟

    حرية التبرج ممكنة وحرية العفاف محرمة، حرية السفور جائزة وحرية الحياء ممنوعة، إذا أخذنا نستلم هذه الحرب دون أن ننبه ونتناصح ونذكر، وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55]، فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ [الغاشية:21]، سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى [الأعلى:10] ونطرح هذه القضايا ونحذر مجتمعنا وإلا فيوشك أن يقع بعض المسلمين وإن كان في قناعات داخلية أو ممارسات علنية يبدونها علانية حينما يودع أحدهم حدود بلاده.

    أيها الأحبة! قضية الحرية الشخصية لا يريد أحدهم فيها على نفسه سلطاناً من دين أو عرف أو عادة أو تقليد، تطرح كل هذه الشبهات في حين فترة من أهل العلم، وفي حين إعراض كثير من الشباب عن العلم الشرعي، وهجر للكتاب والسنة، كل ذلك يغلف بأغلفة زاهية براقة ناهيك عن قضايا السياحة والرياضة والفن التي استطاعوا من خلالها التقرب .. بل الوصول إلى الشباب المسلم من خلال هذه القنوات التي أشعلت في الناس سعير الاهتمام بهذه المسائل.

    1.   

    حرب تطحن برحاها المسلمين

    (مونديال) القرن المنصرم انظروا كيف نقلته كل وكالات التلفزة الفضائية إلا من رحم الله وقليل ما هم، والقنوات الفضائية تتابعه خطوة خطوة، لحظة لحظة، وجموع المهجرين والمشردين والمجروحين النازفة دماؤهم من كوسوفا لقطات تلو لقطات في بعض الأحيان والمناسبات، (مونديال) القرن لا بد أن يغطى، جنازة ديانا لا بد أن تغطى بالتفاصيل، أما حقيقة ما يفعل الصرب بالمسلمين فإنما تستطيع نقله أو ما تنقله بعض القنوات هو مرحلة ما بعد الاغتصاب وما بعد سحب الهوية ومصادرة الأموال والوثائق، وهي أن تصور لنا طوابير من المهاجرين والمشردين والعجائز والشيوخ والأطفال وأصبح حال المسلمين كما قال القائل:

    ضج الأنين من الأنين     وطغت تباريح السنين

    وازور وجه الحق     يخجل من نواح المسلمين

    الحقيقة الصريحة تزوار من هول ما يقع بالمسلمين اليوم.

    والأم تعصر ثديها ألماً على هذا الجنين

    والزوجة ترقرق دمعها دمع الحزين

    والشيخ مل الانتظار على طوابير الطحين

    جاء المنصر والمبشر لا يمل ولا يلين

    ويباع أبناء العقيدة في المزاد بكل حين

    من يأخذ هؤلاء الأطفال إلى كندا ؟

    أرسل سبعون طفلاً وسجلتها المفوضية العليا للاجئين، وكأنها بشارة ونعمة وكرامة أن يطرد من داره بعد أن غصبت أخته وقتلت أمه وقتل أبوه وفعل ما فعل بهم ودمرت داره، ومر بالمسغبة واللأواء والشدة والنصب، كأنها كرامة أن رحل خمسين أو سبعين طفلاً إلى كندا، من يأخذ هؤلاء؟ إلى جوتن بيرج أو السويد؟ من يأخذ هؤلاء إلى لندن؟

    وهكذا يباع أبناء الإسلام وأبناء العقيدة في المزاد بكل حين.

    ونظل نلهو لا نبالي أن نكون الغافلين

    والكافر المشئوم يسعى أن يفوق المشتري

    لأن المقصود تهجير المسلمين وتشتيتهم.

    نحن على قناعة أن الحرب الدائرة بين كافر وكافر، ونحن يسرنا ما نراه من إيلام وإيذاء وفتك كافر بكافر، ولكنهما يتفقان على تهجير المسلم وضياعه وتشريده، هذه قضية لا يختلف فيها اثنان عاقلان، لقد شرد المسلمون من فلسطين وهم في التيه من (1948) إلى الآن، أكثر من سبعين سنة، ولو شئت أن تقلب حجراً في أي نحو من أنحاء الأرض لوجدت هناك فلسطينياً مشرداً، ليست القضية أن نُؤَمنّ له أكلاً وسكناً وشرباً، القضية أن يعود ليعبد الله بحق وصدق على أرض الله عز وجل، وذلكم الذي لا يريده أعداء الإسلام.

    ويباع أبناء العقيدة في المزاد بكل حين

    ونظل نلهو لا نبالي أن نكون الغافلين

    أموالهم يا أمتي سلبت بلا حق مبين

    ودماؤهم يا إخوتي سفكت على حقد دفين

    وتودع الأم الجنين إلى بلاد الكافرين

    وتُكفكف العبرات حّرّا بين جمع الحاضرين

    سأراك أو قد لا تراني بعد موتي والأنين

    فإذا رجعت إلى بلادك بعد كرات السنين

    فاسأل تجد قبراً ستعلم أنه قبر حزين

    والموعد الجنات ميعاد العبيد الصابرين

    هذه المأساة مرت بالمسلمين في أفغانستان، والصومال، وطاجكستان، وكشمير، والبوسنة، والشيشان، وتمر بالمسلمين الآن في كوسوفا ، ويقول الدكتور مانع الجهني في برنامج (دين ودنيا) في حلقته الأخيرة يقول: والدور القادم على السنجق.

    الأمين العام للندوة العالمية للشباب الإسلامي عضو مجلس الشورى لما سأله أحد السائلين: أين أنتم لم تخبرونا عن وضع المسلمين ولم ولم ولم، فرد عليه قائلاً: لقد قلنا مراراً أن مصيبة المسلمين والكارثة سوف تحل بالمسلمين في كوسوفا يا عباد الله! أغيثوهم .. سلحوهم .. أعطوهم .. التفتوا إليهم، فَقَلَّ أن ترى سامعاً ومجيباً، إلى أن جاءت الكارثة وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [آل عمران:143].

    لما رأينا الموت حالاً بهم، هل عرفنا أن عند المسلمين مشكلة في كوسوفا ، يقول الدكتور مانع: والدور القادم على السنجق، لماذا؟

    الجواب أقوله: إن الكفر لا يرضى بإقامة دولة مسلمة على أرض أوروبية أبداً، ممكن أن يشرد المسلمون ويبنى لهم مسجد في أي مكان، يفتح لهم أنشطة معينة، لكن كتلة مجتمعة يوشك أن تبث فيها روح العقيدة والدعوة والإيمان لتتحول إلى مجموعة مسلمة تختط نظاماً، إذا كان الغرب يؤمن بقضية الأغلبية فحينئذٍ الخطر أن تكون هناك أغلبية مسلمة تطالب وتشرع دستوراً معيناً في ظل ما تعتقده من كتاب الله وسنة نبيه، ثم يفرض ... كيف؟! هذا جنون! هذا في أوروبا يحكم دين وكتاب وسنة؟! ما يمكن هذا.

    أيها الأحبة! وكل هذه الحروب؛ حروب الشبهات تغلف بأغلفة زاهية براقة من أجل الوصول إلى الشباب، وصدق الله العظيم: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:89].

    1.   

    حرب الشهوات واجتياحها لصفوف الشباب

    الأمر الثاني من الحرب المسعورة التي يجلد الشباب جلداً بسياطها، هي حرب الشهوات والفتن والمغريات.

    وتلك نقطة الضعف، ومحور الخور الذي يتساقط الشباب أمامه، ولئن كان كثير من الشباب ربما يسلموا من فتن الشبهات فغالبية وجل وعظمى الشباب لا يسلمون من الشهوات، ذاك أن الشاب مظنة الشهوة، وموئل العنفوان والنشاط والتحرك الغريزي؛ وإن لم يحاط الشاب بسياج الدين وصمام التقوى -ذكراً كان أو أنثى- كانت الفادحة أكبر؛ لأن الشهوة قنبلة لا بد أن تنفجر، والإسلام لا يدعها تنفجر مدمرة نفسها ومن حولها، بل أوجد لها مصرفاً عن طريق الزواج الحلال، واللقاء المشروع مع المرأة، فإن لم يكن هناك هذا الزواج، فإن الإسلام كفل لها ألا تنفجر عن طريق سد ذرائع الفحشاء وتحريم النظر ومنع الاختلاط، كل ذلك حفاظاً على هذه الطاقة المتأججة والقوة الجامحة.

    ومشاكل الشباب لا تعدوا كونها نتيجة حتمية الظهور لهذه الشهوة العارمة في قلب الشباب وجسده، فأنت ترى بسبب الشهوة إهداراً للوقت، وتفاقماً للمشكلات بسبب الشهوة عن طريق الحب والغرام, وعشق الصور والهيام، وفي هذا إهدار لمشاعر الشباب وأحاسيسه، وأنت ترى الشاب والفتاة يستفرغ الواحد منهم وقته وسائر يومه جرياً ولهثاً وراء المرأة والفاحشة، وأنت ترى استفراغ فكره وهمه في التفكير للوصول للمرأة أو الحرام، وهو لا يزال في شقاء ومشقة وألم، والشيطان يسول له حياة الحب واللقاءات.

    أحوال من اجتاحتهم الشهوة

    تقول فتاة في رسالة كتبتها: أنقذوني وأسعفوني! كيف أتخلص من مشكلة المعاكسة أو ما تسميه بالحب الزائف؟

    تقول: إنها تقضي أكثر من ثلاثة عشر ساعة في أوقات متفرقة على سماعة الهاتف.

    وآخر يقول: لا أستطيع أن أذاكر درساً أو أؤدي واجباً أو أقوم بعمل لأن غالب وقتي مع هذه السماعة، أعاكس هذه وأحدث هذه، وأواعد هذه، إلى غير ذلك.

    ويعدون أنفسهم بجنان وقصور من الحب في ظل الهيام والشهوة الجامحة، وصدق الشاعر:

    فما في الأرض أشقى من محب     وإن وجد الهوى حلو المذاق

    تراه باكياً في كل وقت     مخافة فرقة أو لاشتياق

    فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم     ويبكي إن دنوا حذر الفراق

    وهذا الذي أشغله الحب -فتى كان أو فتاة- يحمل قلباً لا بد أن يملأه، فإما أن يملأه بحب ومرضاة الله ورسوله، وإما بما يسخط الله ورسوله، وهو خيار الفرد وطريق واحد، فليختر الشاب والفتاة واحداً من الطريقين، وتالله لقد صدق ابن القيم رحمه الله إذ قال:

    حب الكتاب وحب ألحان الغنا     في قلب عبد ليس يجتمعان

    إذا أردت محبة الله ولذة الإيمان فلن تحصل ذلك حتى تطهر قلبك من محبة ما يسخط الله من العشق الحرام والفكر والهم الحرام، إنك إن تعلقت بغير الله فلن تجد لذة الإيمان وحلاوة الطاعة.

    وإني أسائل كل شاب وكل فتاة: من أي الأصناف أنتم؟ هل امتلأت قلوبكم وقلوبنا بحب الله ورسوله، أم امتلأت بما يسخط الله ورسوله؟

    نسأل الله أن نكون الأول ولا نكون الثاني.

    أيها الأحبة! يقول صلى الله عليه وسلم: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة) أتريدون الجنة؟ أتريدون داراً فيها (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري والترمذي: اضمنوا لي اثنين، ما بين الرجلين وما بين الفكين، اللسان والفرج (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة).

    فهل ضمنت لسانك عن اللهو والباطل والغيبة والنميمة والكذب والزور والحرام حتى تضمن لك الجنة؟

    وهل حفظت فرجك من الزنا واللواط ومقدماته وما حوله حتى تضمن لك الجنة؟

    لو جاءك مسئول كبير أو رتبة عسكرية عالية وعندك موضوع من المواضيع وقال لك اترك الموضوع إلي، دع القضية عندي أنا أضمن لك هذا الموضوع، ويأتيك أحد يريد أن يعطيك شيئاً من السعي، يقول: أنا سأدبر لك هذا، سوف أساعدك، سأفعل لك، تقول: يا حبيبـي فلان بن فلان بمنـزلته وجلالة قدره وعلو شأنه قد ضمن لي هذا الأمر فلا أحتاج إليك ولا إلى أشكالك، فهذا نبي الله صلى الله عليه وسلم يضمن لك الجنة إذا أنت حفظت ما بين لحييك لسانك، وحفظت ما بين رجليك فرجك.

    خطر الانسياق وراء الشهوات

    وإن الانسياق وراء الشهوة أمر خطير جداً وعاقبته العذاب، فالذين يدعون مع الله إلهاً آخر، والذين يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، والذين يزنون يقول الله تعالى عنهم: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ [الفرقان:68-70] ورجع إلى الله عز وجل وأناب واسترجع وصدق في توبته، فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الفرقان:70]. سئل صلى الله عليه وسلم: (أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قيل: ثم أي يا رسول الله؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك، قيل: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك).

    أيها الأحبة! إن الذين ينساقون وراء الشهوات والواحد منهم لا يفكر إلا متى تستوي نبتة شهوته حتى يخطف سعيرها ولا أقول ثمارها، غير سائل وآبه ومبال بما يكتنف ذلك من فضيحة وعار وخزي وسخط، وشهود الله له وملائكته الكرام الكاتبين، والأرض تحدث أخبارها، وظلم المعصية يعلوه، وكل شيء شر يقترفه، وتختلف عليه الأمور، وارجعوا إلى كتاب ابن القيم الداء والدواء، الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ذكر أربعاً وسبعين علة وشؤماً وخطراً لمن أمعن وارتكب المعاصي غير نادم ولا تائب ولا مقلع عنها.

    أقول: إن الانسياق وراء الشهوات وعدم محاسبة النفس للحد والوقوف والرجوع والإنابة إلى الله عز وجل والإقلاع عن ذلك لسبب الخزي والعار في الدنيا والآخرة، والعذاب المهين يوم القيامة، يقول صلى الله عليه وسلم في حديث سمرة بن جندب : (رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة، فانطلقنا على مثل التنور فإذا به لغط وأصوات، قال: فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا، فسأل عنهم فقيل: الزناة والزواني) رواه البخاري .

    إن الذين ينساقون وراء الشهوات يعاقبون بعقوبات عاجلة وآجلة، فلا تسأل عن الأمراض الجنسية بألوانها وأنواعها، وذاك مصداق حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه عبد الله بن عمرو بن العاص يقول صلى الله عليه وسلم: (يا معشر المهاجرين! خمس خصال إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله ورسوله إلا سلط الله عليهم عدوهم فأخذ بعض ما كان في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله عز وجل ويتحروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم) رواه ابن ماجة والحديث صحيح.

    أيها الأحبة! ومصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم ظاهر فيما نسمع به، عافنا الله وإياكم ويكفيكم من شر سماعه من أمراض جنسية اخترمت الأبدان في بلاد العهر والإباحية من الهربز والإيدز والسيلان والزهري والأمراض النتنة والنجسة، نسأل الله السلامة والعافية.

    ما تجلبة الشهوات للإنسان من عواقب

    إن الذين ينساقون وراء الشهوات ينسون أن الجزاء من جنس العمل، وأن الذي يطلق لنفسه العنان في الشهوات تضعف عنده الغيرة على المحارم والحرمات، فتراه ضعيف الغيرة الأمر الذي ربما جلب لنفسه شراً ينتهي به إلى أن يفعل في داره ما يفعل في دور الناس، أو ألا ينكر ما يفعله من حوله لينتهي بهم الأمر إلى الوقوع في ما وقع فيه مع محارم الناس، وصدق الشاعر إذ قال:

    عفوا تعف نساءكم في المـحرم     وتجنبوا ما لا يليق بمسلم

    إن الزنا دين فإن أقرضته     كان القضا من أهل بيتك فاعلم

    من يزنِ يزنَ به ولو بجداره          إن كنت يا هذا لبيباً فافهم

    من قد زنى يوماً بألفي درهـم     في بيته يزنى بغير الدرهم

    والله إن شاباً جاء ذات يوم بعد صلاة الفجر وأمسك بي سائلاً يقول: إني في حيرة وشكوك لا أول لها ولا آخر، في شأن زوجتي وجدت غرائب في حقيبتها، ورأيت أموراً لا أقطع بها في الفاحشة ولكنها لا تبرئها من الاتهام، فقلت له: أسألك بالله! هل أنت عفيف عن محارم الناس؟ فأطرق برأسه وقال: لا.

    أيها الأحبة! إن مشكلة الشهوات تبدأ بإطلاق اللحظات والعاقل يحفظ نفسه.

    قال رجل لأحد أهل البادية: إذا وطيت الجني قل بسم الله قال: لا توطئ الجني ولا تسمي.

    يعني: بعض الناس يقول: أنا أتفرج أفلام ومسلسلات و... و.. إلى غير ذلك، ولكن إذا انتهيت فعلت وفعلت وفعلت مما أحاول أن أحافظ به على نفسي، نقول: يا أخي الحبيب! ما كل مرة تسلم الجرة، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:24-25].

    أيها الأحبة! كثير من الشباب قد انتصب كانتصاب الإمام في المحراب أمام الشاشة والتلفاز والقنوات الفضائية متابعاً للأفلام الساقطة، ولكل ما يؤجج الشهوة، مما تعرضه مجلات الخنا والفساد، وأشرطة التكسر والمجون، وكل ذلك يتعامل مع مشاعر ضعيفة، ومع نفس قد استوطنها الشيطان، وتربع الوسواس الخناس في قلب صاحبها، وحجب سمعه وبصره وقلبه ولبه وفكره عن أن يتدبر الحق، وأصبح في هذه الحال من الضلال والانسياق وراء الشهوة؛ بسبب عدم غض البصر وإطلاق اللحظ والنظر: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30].

    كل الحوادث مبداها من النظر     ومعظم النار من مستصغر الشرر

    كم نظرة فتكت في قلب صاحبها     فتك السهام بلا قوس ولا وتر

    يضر خاطره ما سر ناظره     لا مرحباً بسرور عاد بالضرر

    هل كل ما اطلعت عليه استطعت عليه بالحلال؟

    كل ما نظرت إليه غالبه لا تستطيع عليه حلالاً ولا حراماً وإن قدرت عليه فبالحرام، أما من أراد الحلال فالطيبون للطيبات والطيبات للطيبين.

    وأنا الذي جلب المنية طرفـه     فأنا المحاسب والقتيل القاتل

    أنت تطعن ولكن في صدرك، وأنت ترمي السهم ولكن لفؤادك، وأنت تلوح بالبندقية ولكن في جوفك وبدنك.

    فيا مسكين لا تحطم نفسك بنفسك.

    وكنت متى أرسلت طرفك رائداً     لقلبك يوماً أتعبتك المناظر

    رأيت الذي لا كله أنت قـادر     عليه ولا عن بعضه أنت صابر

    فيا شباب! الله الله في حفظ الأبصار، وإياكم والخلوات الطويلة والفراغ والوحدة.

    دور الفراغ في تأجيج سعير الشهوات

    إن الشباب والفراغ والجـدة     مفسدة للمرء أي مفسدة

    إن الفراغ من أهم البواعث على الفساد، حين يبقى الشاب والفتاة وحيدين خاليين يستسلم أحدهما أو كلامها للخواطر والأفكار، يسعى الشيطان لإمساك الزمام، يقودهم للتفكير حيث الخيالات التي لا تحدها جوازات ولا يفتش عليها جنود أو شرط، خيال محرم في الشهوة واللذة، ثم يبدأ الأمر فتنتقل الفكرة من الخيال إلى الخطرات، ومن الخطرات إلى الخطوات، ومن الخطوات إلى العزائم والأفعال.

    ولو لم يكن في ذلك إلا أن ينساق الفتى أو الفتاة وراء عادة بليدة رخيصة رقيعة تسبب بلادة الذهن، وفتور الهمة، وذهاب المروءة، وضياع الجرأة لكان ذلك كافياً، ثم قبل ذلك وبعده هي من التعدي وابتغاء وراء ما شرع الله عز وجل.

    ويا أيها الفتى ويا أيتها الفتاة! الصديق الصديق، والجليس الجليس، والرفيق الرفيق، إن الأصدقاء يصلح بعضهم بعضاً، ويفسد بعضهم بعضاً، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) رواه الترمذي.

    كم من شاب كان من أهل الروضة؛ روضة المسجد والمحراب خلف الإمام لا تفوته الصلوات الخمس أصبح لا يرد المسجد إلا لماماً ونزراً يسيراً، لماذا؟

    الصديق!

    كم من فتاة كانت لا تدع عند خروجها قفازها وحجابها وقبل ذلك وبعده حياءها، فأصبحت الآن تنافس وتباري وتتباهى بالتبرج والسفور، من الذي غيرها وأفسدها؟

    صديقة عرضت لها الفجور والفساد في ثوب كلمات رقيقة، في ظل همسات خبيثة حتى أوقعتها في شهوة نتنة ضالة مضلة.

    وهؤلاء سيقول أحدهم أو سيقولون يوم القيامة: يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً [الفرقان:28-29].

    إن من يخالل أحداً يختار لنفسه أن يحشر معه يوم القيامة، أتحب أن تحشر مع الذين يقومون يوم القيامة كالذي يتخطبه الشيطان من المس فعليك بأهل الربا أحِبهم، من أحب قوماً فهو معهم، أتريد أن تحشر يوم القيامة مع الفجار والفساق خالطهم في الدنيا واجعلهم أحبابك وخاصة جلسائك، واجعلهم ممن تتمنى ألا يغيبوا عن لحظك ومجلسك فترة، ستحشر معهم، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا رسول الله! الرجل يحب القوم ولما يحلق بهم، فقال صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحب يوم القيامة).

    وجاء رجل يقول: (يا رسول الله! متى الساعة؟ قال صلى الله عليه وسلم: ماذا أعددت لها؟ قال: ما أعددت كثير عمل، لكني أحب الله ورسوله، فقال صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت يوم القيامة).

    فالشاب والفتاة إن شاءوا أن يحشروا مع الأبرار والأخيار والأطهار والصالحين والصالحات فعليهم أن يلزموهم وألا يبرحوا مجالسهم: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28].

    أيها الأحبة! لئن كان الإيمان غطاه شيء من الران وصدأة القلوب ببعض الذنوب، وأصبح القلب قاسياً بسبب ألوان المعاصي فإن الله عز وجل يقول: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].

    1.   

    دعوة للرجوع إلى الله

    التوبة التوبة، الرجوع الرجوع، الإنابة الإنابة، نحن الآن قادرون على الركوع والسجود ودخول المساجد وعمل والصالحات: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114]، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135].

    الفرصة متاحة وممكنة وميسورة، بادر:

    أحسن إذا كان إمكان ومقدرة     فلا يدوم على الإحسان إمكان

    أيها الأحبة! إنني أقولها نصيحة وإشفاقاً ومحبة لإخواني الشباب، وشفقة ورأفة بأخواتي المسلمات، ألا ننجر وراء الشهوات، وهب أنك تَعُبُّ من الشهوات عَبَّاً، ويصب لك من كأس الشهوة صباً، وتعاقر ما تشتهيه نفسك بالحرام ليلاً ونهاراً، أليست الشهوة منقضية؟ أليست اللذة فانية؟

    بلى. ولكن الإثم باق.

    ألست إن جاهدت نفسك على طاعة الله ومرضاته أليس تعب الطاعة ينسى؟

    بلى. والثواب باق.

    إن أهنأ عيشة قضيتها     ذهبت لذاتها والإثم حلْ

    اعتزل ذكر الأغاني والغزل     وقُلِ الفصل وجانب من هزلْ

    ودع الذكرى لأيام الصبا     فلأيام الصبا نجم أفلْ

    إن أهنأ عيشة قضيتها     ذهبت لذاتها والإثم حل

    وافتكر في منتهى حسن الذي     أنت تهواه تجد أمراً جللْ

    شربنا لعبنا غلطنا غفلنا سهرنا سافرنا، انتهى. ألا نتوب، ألا نرجع، ألا يكفي ما مضى؟

    خلي ادكار الأربع

    والمعهد المرتبع     والضاعن المودع

    وعد عنه ودع

    واندب زماناً سلفا

    سودت فيه الصحفا     ولم تزل معكتفا

    على القبيح الشنع

    إلامَ تسهو وتني

    ومعظم العمر فني

    فيما يضر المقتني

    ولست بالمرتدع

    أما ترى الشيب وخط

    وخط في الرأس خطط

    ومن يلح وقت الشمط

    لثوبه فقد نعي

    أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ [فاطر:37] النذير الشيب، إذا علا لحيتك أو رأسك أو رأيت شعرات بيض قد بدأت تخالط سواد شعرك فاعلم أن النذير يندب ما بقي من زمنك، وينبئك بالرحيل، ويقول لك: استعد. الفرصة الممكنة أصبحت أقصر مما مضى، انتبه! التفت!

    راقب الله تنج من معاصيك

    ثم أخي الحبيب! راقب واعلم أن من أسماء الله عز وجل: السميع، البصير، الحفيظ، الرقيب، الخبير، العليم، وكلها تدل على أن الله مطلع وشاهد، وأن الله لا تخفى عليه خافية، فاستحي، استحي، استحي من الله.

    وإذا خلوت بريبة في ظلمة     والنفس داعية إلى العصيان

    فاستحي من نظر الإله وقل لها     إن الذي خلق الظلام يراني

    اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ * سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ [الرعد:8-10].

    أيها الأحبة! لنعلم أننا ما عصينا الله إلا بنعمه علينا، المشلول لا يمكن أن يتسور الجدران، السارق يعصي الله بقدميه، المعوق لا يمكن أن يطعن أحداً ظلماً، لأن القاتل يستخدم نعمة اليد في طعنه وعدوانه وبغيه، والأصم الأبكم الذي لا يبصر لا يمكن أن يزور ويختلس أو يشهد زوراً؛ لأن الذي يشهد الزور ويزور ويختلس لا يمكن أن يعصي إلا بنعمة السمع والبصر واللسان، فلنشكر نعم الله عز وجل، ولنعلم أن هذه النعم تنفعنا وتحفظ لنا بإذن الله عز وجل بقدر ما نسخرها في طاعة الله سبحانه وتعالى، ويعفو ربنا عن كثير، ولنعلم أن جوارحنا هذه التي نلذذها ونمتعها بالمعاصي هي شاهدة علينا، ليست لنا بل شاهدة ضدنا، يقول صلى الله عليه وسلم وقد ضحك، فسأل عن سبب ضحكه، فقال: (عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة يقول: يا رب وعدتني ألا تظلمني فيقول الله تعالى: أوليس كفى بي شهيداً وبالملائكة الكرام الكاتبين شهوداً، قال: فيقول العبد: يا رب إني لا أقبل على نفسي شهيداً إلا من نفسي، فيختم الله على فيه -على فم العبد- وتتكلم أركانه بما كان يعمل؛ فينطق لسانه، وتتكلم يده وفرجه ورجله -كل هذه تتكلم- فيقول العبد: بعداً لكن وسحقاً عنكن كنت أناضل) رواه الإمام مسلم .

    أيها الأحبة! هذه الجوارح وهذه النعم التي في أبداننا حقيق بنا أن نجعلها في طاعة الله ومرضاته: حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون َ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ [فصلت:20-22].

    أيها الأحبة! لا يستطيع أحد أن يفعل معصية مستخفياً خلالها عن جوارحه وعن نعم الله في بدنه.

    أحسن اختيار جليسك

    وخاتمة المطاف: الجليس الجليس، فإنه إما أن يقودك إلى خير وإما أن يغويك إلى شر، وعليك بالدعاء، تضرع إلى الله عز وجل، تضرع إلى الله سبحانه وتعالى، وألح على الله كما ألح يوسف عليه السلام: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنََّ [يوسف:33] فاستجاب الله دعوته فصرف عنه السوء، وصرف عنه كيدهن وفحشهن، وأظهر براءته على لسان الملأ ورءوس الأشهاد: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ [يوسف:51].

    أيها الأحبة! إن الفتى والفتاة إذا تسلطت عليه شهوة عارمة جامحة فاستعاذ بالله وتوضأ وصلى ركعتين وقال: يا رب يا رب إني ضعيف ما لم تحفظني، إني على خطر ما لم تحصني، يا رب اصرف عني هذا الشر، اصرف عني هذا البلاء، اصرف عني هذا الكيد، فإن الله سبحانه وتعالى يحفظه ويعينه على تجاوز هذه المصيبة العظيمة.

    أسأل الله بمنه وكرمه وأسمائه وصفاته، واسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب: أن يجعل للحاضرين والحاضرات من كل هماً فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية.

    اللهم يا حي يا قيوم! لا تدع لنا في هذا المقام ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا متزوجاً إلا ذرية صالحة وهبته بمنك وكرمك يا رب العالمين.

    اللهم ابسط لنا في صلاح أعمالنا، وإخلاص أفعالنا وأقوالنا، وصلاح ذرياتنا، وسعة أرزاقنا، وعافية أبداننا، واختم لنا بخير خاتمة ترضيك عنا، اللهم حبب إلينا ما يرضيك، وبغض إلى نفوسنا واصرفنا عما يسخطك يا ذا الجلال والإكرام.

    اللهم انصر إخواننا المسلمين في كوسوفا ، اللهم انصر إخواننا المسلمين في كوسوفا ، اللهم انصر إخواننا المسلمين في كوسوفا ، اللهم عجل نصرهم، اللهم اهلك عدوهم، اللهم عليك بالصرب أجمعين، اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً.

    اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجمع شملنا وعلماءنا وحكامنا على طاعتك، اللهم لا تفرح علينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً، اللهم أصلح ولاة أمورنا، اللهم أصلح ولي أمرنا، اللهم أصلح ولي أمرنا، وولي عهده وأصلح بطانتهم، وأعنهم على ما يرضيك يا رب العالمين، اللهم من أراد بهم سوءاً فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره، ومن أراد بهم نصيحة وصلاحاً وإخلاصا ونفعاً لأمتهم ورعيتهم فقربه منهم وأعنه على الحق يا رب العالمين.

    اللهم صلِّ وسلم على محمد وآله وصحبه، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    الأسئلة

    الفتور وأسبابه وعلاجه

    السؤال: فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته! أنا شاب هداني الله لطريق الالتزام منذ عشر سنوات، ولكن خلال هذه الأيام الأخيرة أحسست بالتقصير في مجال الطاعات مثل صيام التطوع، والسنن الرواتب، وصار الأمر إلى التقصير عن الصلوات المكتوبات. فما هي نصيحتكم حفظكم الله لي ولأمثالي وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: أخي الحبيب! الفتور الذي تتكلم عنه يشكوا منه كثير من الصالحين.

    وما أظن ذلك إلا لأسباب أهمها: ضعف التواصل، واللقاء، لما كان الشباب حريصين على التواصل واللقاء والعمل الدعوي الذي يكفل لهم جواً إيمانياً وصلة مستمرة وتعاوناً على البر والتقوى كانت الهمم عالية والنفوس متألقة، فلما ضعف التواصل فيما بينهم، وكثرة القالة، وغلب بعض الشباب سوء الظن بإخوانه، وغاب الإعذار، ولم يعد أحد يلتمس لأخيه عذراً في أي كلمة سمعت عنه؛ أو قيلت عنه امتلأت القلوب بهذا المرض، فانعكس قسوة ظهرت آثارها على الجوارح بالطاعة والعبادة.

    والواجب على الشباب أن يصلحوا أحوالهم، إننا ندعو الطيبين والمتدينين وغيرهم أن يلتفتوا لأنفسهم، لأن أمراضاً أهمها مرض القالة والقيل والقال وسوء الظن وغيبة الأعراض وقطع اللحوم وفاكهة الذوات هي التي أحدثت هذه القسوة.

    ويا أخي الحبيب! اسأل نفسك ما الذي اقترفته؟

    إما أنك تساهلت بإدمان أو بالتساهل في مجالسة عصاة يجتمعون على معصية الله واستمرأت هذا، أو أنك هجرت إخوانك الصالحين وقلة مجالستك لهم، تلك المجالس التي لو قيل لأحدهم بعدها أوتر بأحد عشرة ركعة لأوتر غير متردد، أما لو جلس في مجلس فسق ولهو ثم عاد إلى البيت يريد أن يوتر بركعة واحدة يعجز ويصارع نفسه ويغالبها، وذلك من عاجل دلائل بركات حلق الذكر ومجالس الخير، ومن دلائل عاجل شؤم مجالس اللهو والغفلة.

    وإني أقولها وأدعو الشباب أن يجمعوا إخوانهم الذين تشردوا ليس في الخارج لا، تشردوا عن دائرة المحبة والأخوة لسبب أو لرأي أو لموقف أو لحدث أو لقضية، حتى ولو كان هذا الشاب يوماً من الأيام قال قولة أنكرناها ولم نقبلها فإن من واجبنا أن نتلطف به، ألسنا لو جاء الآن بين أيدينا شاب وقلنا: هذا أخونا الآن خرج من سجن انفرادي، زنزانة المخدرات والترويج وتعاطي الهروين.

    أقول يا إخوان: الله الله .. عليه بالرفق واللين واللطف، لا بد أن نحتويه، لا بد أن نبين له المحبة والمودة، ولا بد أن نغض الطرف عن بعض الأمور، وأن نذكره بمناقبه ومحاسنه، وأن نذكره أن أمة الإسلام بحاجة إليه، وأن نخوفه بالله، ونذكره بقلبه الذي فيه لا إله إلا الله.

    أخونا المتدين الذي قضى زمناً في التدين والاستقامة ثم زل زلة، أو أخطأ خطأً، أو ارتكب أمراً، خلاص تغسل منه اليدين بالصابون وما عاد فيه أمل يرجع ولا يمكن، حتى إن بعض الشباب لأن فلاناً يرى ذلك الرأي لا يسلم عليه ولا يقابله ولا يستضيفه ولا يقبله ولا يطيقه أبداً، هذا ضيق عطن، وضيق أفق، وعدم فهم لما تحتاجه الدعوة من سعة العلاقة بالخلق أجمعين، وتوظيف طاقتهم لنشر دين رب العالمين.

    نصيحة لمتابعي برامج تشكك في مسلّمات الشرع

    السؤال: أرجو توجيه نصيحة إلى بعض الشباب الذين يعيشون على متابعة البرامج الفضائية المتعلقة بالرأي والرأي الآخر .... وفي القضايا الشرعية المسلَّم بها للنقاش والحوار كتحريم شرب الخمر وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: الذي ينبغي للجميع أن يحفظ سمعه وبصره وعقله ولبه وفؤاده، وإن كان قد تابع أو يتابع شيئاً من ذلك لمصلحة ظاهرة راجحة، فعليه ألا يحضر مجلسه من يسمع الشبهة فتستقر في قلبه ولا يفهم الرد عليها، وربما يكون من مقاصد أصحاب البرامج هذه أن يتفننوا في عرض الشبهات وأن يتقصدوا العجز في إيراد الأجوبة، إما باختيار الطرف العاجز في المقابل، أو بعدم إتاحة الفرصة الكاملة له أن يجيب.

    وإني رأيت كثيراً من العقلاء وإن كان بعضهم من قبل كان يتحمس بقوة في قضايا الرأي والرأي الآخر والاتجاه المعاكس وإلى غير ذلك، أصبح الكثير منهم يقول: والله ما عدت أخالها أو أظنها إلا دسيسة يهودية.

    أساساً يا أخوة الـ(بي بي سي البريطانية) لمن؟ هي يهودية في الأصل، ثم كانت لها مشكلة معينة في بث عربي وفوراً احتووا الموقف وجاءوا بهذه الطريقة عبر قناة من القنوات.

    فلا تظن أخي الحبيب أن كل ما يطرح هو لصالحك، ولا تتحمس، قد تسمع حواراً فيه جزئية بسيطة تنتشي طرباً حينما تسمعها لكن لا يسرك أن تجد أحداً ينتصر لجارك وهو في المقابل يريد أن يهدم دارك، فالمسألة فيها كيد ومكر كبار، وهذا مخطط رهيب لاحتواء فكري وجعل الأمة في قوقعة فكرية في ظل خيارات وهمية، كلها خيارات لا تخرج عن الإطار المرسوم في ظل هذه الحوارات.

    فكثير من الشباب لا يستطيع أن يستقل برأيه يقول أحدهم: ماذا تشجع في حلبة المصارعة هذا أو هذا، ما بوسعك أن تقول، تقول: أسأل الله أن يهلكهم جميعاً، تستطيع أن تقول هذا الكلام، ليست ملزماً أن تقول: أسأل الله أن ينتصر هذا على هذا، فكذلك في بعض القضايا لست ملزماً أن تؤيد هذا أو تؤيد هذا، لكن هم يجعلونك في جو اختيار ورأي حر، ثم تظن أنك قد اخترت الرأي، وفي كلا الحالين أنت لم تخرج عنه. مثل الأب البخيل الذي يدخل عياله في محل كل شيء بخمسة ريال يقول: ماذا تريدون يا عيالي اختاروا، أساساً كل شيء بخمسة ريال أين الخيار؟

    حكم قراءة التوراة والإنجيل بهدف الاطلاع

    السؤال: ما حكم قراءة كتب الإنجيل والتوراة بهدف الاطلاع؟

    الجواب: ينبغي ألا يطلع عليها إلا من تدعوه دراسته وتخصصه لذلك، أما من باب الاطلاع وغير ذلك فيكفيك حكماً على هذه الكتب ما جاء في كتاب الله، الوقت الذي تصرفه في قراءة الإنجيل أو صحف التوراة اصرفه لقراءة القرآن تزداد يقيناً وثقة واعتقاداً بالله عز وجل وكتابه ورسله وأنبيائه.

    حكم الدخول على النساء الأجنبيات

    السؤال: يتساهل كثير من الناس في الدخول على النساء الأجنبيات، مثل أن يدخل الرجل على زوجة أخيه، بل إنها تكشف وجهها عنده. فهل من نصيحة لهؤلاء؟

    الجواب: نصيحتنا أن يتجنبوا مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إياكم والدخول على النساء، قيل: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال الحمو الموت) هذا ليس اتهاماً للحمو، لكن لمظنة ما يتساهل به الناس في دعوى الثقة التي تعقب الخلوة، وطول السهاد، وقرب الوساد، وكثرة الإمساس وفقد الإحساس ثم وقوع المشكلة، فلا ينبغي أن يتساهل في ذلك.

    إن ديننا الذي علمنا حتى دخول الخلاء ودورة المياه أرشدنا إلى ضوابط في معاملات الناس فلا نظن أن الدين تركنا سدى وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا [النور:54] إن نتمسك بهذا الدين فنحن على خير وهداية بإذن الله عز وجل.

    الاستمرار على التوبة ولو تكررت المعصية

    السؤال: شاب يعصي الله عز وجل ثم يتوب، ولكنه يعود ويعصي، ثم يتوب ثم يعود ويعصي. فما هي نصيحتكم له؟

    الجواب: نصيحتي لهذا الأخ الحبيب أن يتوب إلى الله، ولو فعل ثانية أن يتوب ويندم ويفعل الأعمال الصالحة إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114] ولو فعل ثالثاً يتوب ويرجع ويحرص ألا يجاهر: (كل أمتي معافى إلا المجاهرون) ويحرص ألا يهتك ستر الله عليه، قيل: (من المجاهر؟ قال: من يبيت يستره الله ثم يصبح يهتك ستر الله عليه) أذنبت ذنباً وستر الله عيك اسكت واستر، لا تتحدث تب إلى الله عز وجل، وكما ارتكبت هذا الذنب سراً فاجتهد في عبادات في السر تكون كفارة مع الحرص على العبادات والشعائر الظاهرة، واحرص على أن تجعل نفسك مع الصالحين الذين ترى بقاءك معهم بإذن الله أمان لك من الانزلاق المرات تلو المرات.

    السفر إلى الخارج للدراسة

    السؤال: كثير من الإخوة يرحبون بك في ربوع الإحساء ويتمنون تكرار هذه الزيارة ومنهم هذا الأخ الذي يقول: هو طالب متفوق، ووجد بعثة دراسية إلى أمريكا لعدة سنوات، علماً بأنه يستطيع إتمام دارسته في هذا الوطن، لكن من حوله يشيرون عليه بالذهاب لأنه سوف تكون له مكانة في الوظيفة مستقبلاً فما هي نصيحتكم له؟

    الجواب: أخي الحبيب إذا كنت على يقين بأن دراستك هنا تغني وتكفي وتفي بالمصلحة والغرض والحاجة فعليك أن تدرس هنا، أما إذا كانت دراستك هناك سوف تغطي مصلحة وغرضاً وحاجة يحتاج إليها المسلمون أو تحتاجها هذه البلاد وأبناؤها فإنك على خير وذهابك للمصلحة، ولكن نوصيك أن ترتب علاقتك قبل أن تذهب، وأن تعرف ما هي المدينة، وما أقرب مركز إسلامي، ومع من ستعمل، وكيف ستكون برامجك الدعوية وأعمالك الخيرية حتى تشغل نفسك بطاعة الله عز وجل ودراستك، وما سوى ذلك لا وقت للضياع أو للفراغ أو للتسيب.

    إذا كان في ذهابك مصلحة ظاهرة راجحة وشيء لا تجده فنعم. أما لو كان الأمران سيان لا يختلفان فبقاؤك هنا أولى كما جاء في سنن أبي داود قال صلى الله عليه وسلم: (أنا بريء من مسلم يقيم بين ظهراني المشركين، لا ترآى نارهما) فالمكث بين الكفار فتنة، وأمريكا كما يقال هي البلاد التي ينسى فيها الغريب أهله، فتنة وغربة، أول ما يغترب فيها الإنسان لا يستطيع العودة منها، إلا من كان هم العودة والنفع والمصلحة الجادة للعود إلى بلاده ونفع أمته حاضراً بين عينيه، فلقد رأينا كثيراً ممن تساهلوا بذلك فضل أحدهم بعد أن عجز أن يجد عملاً هناك سحر عجيب وغريب، وإني كلما لقيت بعض الشباب أسألهم ما هي أسباب ذلك؟ فأسمع من الأجوبة الغرائب والأعاجيب.

    حكم مشاهدة ما يسمى بالمسلسلات الدينية

    السؤال: ما حكم مشاهدة المسلسلات التي تسمى دينية والتي تعرض الأحداث التاريخية المهمة، لكن نرى في هذه المسلسلات بعض الموسيقى وغير ذلك من المحرمات؟

    الجواب: أخي الحبيب: اختلط الحابل بالنابل وكلاً يدعي وصلاً بليلى، والنصوص التاريخية التي تحول إلى سيناريو وحوار ونص ومسرحية وتمثيلية وغير ذلك ما يعلم الإنسان مدى صدقها وعدم ذلك، لكن لا شك أن هناك بعض الشر أهون من بعض، هذا وارد، لكن هل نطمئن إلى ذلك؟ هل هي مصدر موثوق؟

    الجواب: فيه نظر، ولا بد أن ينتبه الإنسان، فمن استطاع أن يملأ وقته وكل ما حوله بما ينفعه نفعاً صرفاً لا شك فيه فهو على خير، لكن إن قال: أنا لا خيار لي ولا حجة ولا سبيل إلا أن أخفف من الشر بمثل هذا، فنقول: إن تخفيف المنكر خير، لكن خير من ذلك بل الحق أن تنصرف النفوس إلى الوحي المعصوم من كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.

    السؤال: ما رأيكم يا فضيلة الشيخ! إذا كان في المسلسلات تبرج النساء والتميع في الكلام مع الموسيقى؟

    الجواب: منهي عن ذلك، والنهي واضح وجلي، فالسلامة لا يعدلها شيء.

    أثر الغيرة في التربية

    السؤال: فضيلة الشيخ: لقد تحدثتم بالغيرة لأن كثيراً من الأولياء قليل الغيرة على نسائه بحجة الثقة فيهن؟

    الجواب: يخلط كثير من الناس بين التجسس والشك والغيرة.

    التجسس افتراض السوء، وسوء الظن، والتربص لانتظار الوقيعة، وأما الغيرة فهي تصرف احتياطي يحول دون سوء الظن، ويمنع الوقوع في الشر، وهو الأمر المطلوب، والنبي صلى الله عليه وسلم لما رأى عجل الصحابة، لما قال سعد: [لئن وجدت رجلاً يعمل كذا لأخترطن سيفي وأضرب بين رجليه] قال صلى الله عليه وسلم: (أتعجبون من غيرة سعد والله إني لأغير منه، وإن الله لأغير مني، وإن غيرة الله أن يزني عبده أو تزني أمته).

    قضايا الأعراض والقرب والدخول على النساء والاختلاط بالنساء، للأسف يا إخوان هناك ألوان من البلاء وداوهم من المصائب، أصبح بعض الشباب وبعض الرجال وبعض النساء يجلسن جلسات مختلطة وما فيها شيء، من قال لك: أننا نجتمع على زنا، وتدار الشربات والأكلات والمزاح والضحك وإلى غير ذلك، ولا تظن أن أحداً يسلك هذا النفق الخطر المظلم إلا ولا بد أن يناش من عرضه ما يناش بكلام وبنظرات وبغمز وبلمز إلى غير ذلك. فالعقلاء يحفظون هذه الأعراض.

    ومن رعى غنماً في أرض مسبعة     ونام عنها تولى رعيها الأسد

    الدعاء ودوره في مواجهة الأعداء

    السؤال: أرجو التنبيه إلى أهمية الدعاء لإخواننا المسلمين في الداخل والخارج، والتأكيد على عدم الاستهانة بفائدة الدعاء؛ لأني لاحظت كثيراً منا يكتفي غالباً بترديد ما يسمعه من الإمام، ولكنه لا يعود بالدعاء لنفسه ولا لإخوانه بدون تفكير إلا نادراً، مع أنه ربما يقبل الله دعوة رجل في لحظة ما وتكون سبباً في قصف ظالم والله سبحانه وتعالى قادر على كل شيء.

    الجواب: جزاك الله خيراً أنت نبهت وأوصيت، وفيما قلت الكفاية والتمام، ولكن أود أن أنبه أن المؤمن داعٍ، أي: أنه حينما يدعو الإمام في القنوت أو أحد ويؤمّن السامع فإن السامع الذي يقول: آمين هو أيضاً في نفس الوقت داعٍ، ولذلك قال تعالى: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [يونس:89] مع أن الذي كان يدعو موسى، والمؤمّن هارون، ومع ذلك قال تعالى: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا [يونس:89] فسمى كل واحد منهما داعياً مع أن موسى هو الذي يدعو وهارون هو الذي يؤمن.

    فالتأمين على الدعاء دعاء، مع الحرص على ما ذكر السائل في أهمية الدعاء: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ [الفرقان:77].

    يوجد حسابان في شركة الراجحي المصرفية، حساب 22 للزكاة، وحساب 33 للصدقات.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وجزاكم الله خيراً.