إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سعد البريك
  4. واقع الدعوة في المجتمع الغربي

واقع الدعوة في المجتمع الغربيللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الناظر في حال الغرب وتمردهم عن أوامر الله عز وجل ليدب اليأس إلى قلبه أن ينـزل الإسلام في ساحة هؤلاء، لكن لو نظرنا إلى المراكز الإسلامية لعجبنا من قوة هذا الدين في انتشاره بين أبناء المجتمع الغربي، ومع ما فيه من إيجابيات إلا أن هناك ملاحظات ينتبه لها، لذلك لابد من دعوة المسلمين إلى الاهتمام بأمر المراكز الإسلامية في المجتمعات الغربية وما تحتاج إليه من مشايخ وطلاب علم، وتبصير في بعض القضايا الشائكة، والاهتمام بأمر المساجد والمراكز وغير ذلك.

    1.   

    مقدمات ومسلمات لابد منها في الدعوة

    الحمد لله الذي أعز المسلمين بالإسلام، ومهما أرادوا العزة بغيره أذلهم الله، الحمد لله الذي أعز عباده المؤمنين ونصر جنده المجاهدين، وخذل الشرك والمشركين، الحمد لله وحده؛ نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، الحمد لله منشئ السحاب، منزل الكتاب، هازم الأحزاب، لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه مآب، الحمد لله حمداً حمداً، والشكر لله شكراً شكراً، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، فهو أهل الحمد وله الحمد كله، وإليه الحمد كله، جل ثناؤه، وعز سلطانه، سبحانه وتعالى عما يشركون.

    وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، تركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، كان بأمته براً رءوفاً رحيماً، لم يعلم طريق خير إلا دل الأمة عليه، ولم يعلم سبيل شر إلا حذر الأمة منه: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].

    معاشر المؤمنين! اتقوا الله تعالى حق التقوى فهي وصية الله لكم وللأولين والآخرين، وهي سفينة النجاة، وهي باب السعادة بين يدي رب العالمين: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89] قال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    معاشر المسلمين! كان الحديث في الجمعة الماضية عن نظرة المسلم إلى الكافرين النظرة الشرعية التي ينبغي أن ينظر بها المسلم إلى الكفار، فهي نظرة لا تصل إلى شيء من الإعجاب بحالهم أو مجتمعهم أو طباعهم أو أخلاقهم، بل البراءة والبغضاء والكراهية لمنكرهم وبهتانهم وإفكهم وكفرهم وباطلهم، وهي مع ذلك نظرة منصفة: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8].

    وهي نظرة منصفة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [النساء:135].

    وكذلك -أيها الأحبة- هي نصيحة لكل من أشرب قلبه حب الغرب فأعجب بهم، وأصبح هجيراه وديدنه الحديث عنهم، وتعلق بأفعالهم وطباعهم وسلوكهم، أولئك قوم صدق فيهم قول ربنا عز وجل: إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف:139] ثم جرى الحديث أو جرى الوعد أن يكون الحديث هذه الجمعة عن واقع الدعوة إلى الله في بلاد الغرب أو في البلاد الأمريكية، أو في البلاد الكافرة.

    أيها الأحبة في الله! إن من المقدمات والمسلمات أن كل داع أو حريص أن يعمل أو ينشأ أو يؤسس عملاً دعوياً لابد أن يدرس البلاد وأهلها وطبعها وواقعها ومجتمعها، ثم بعد تحديده ماذا سيعمل يفكر كيف يعمل، إذ لا ينبغي لمسلم أن يبدأ بالعمل قبل الفكرة، لا ينبغي لأحد أن يشرع في عمل قبل أن يتفكر في غاية عمله، وباعث عمله، وطريقة عمله، وكيفية تقويم عمله هذا، إذ أن من صفات من لا يحمدون أعمالهم أن الفعل يسبق التفكير، والصواب أن الفكر والتدبر يسبق العمل: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا [سـبأ:46] فلابد من التفكر، ولا بد من التدبر، ولابد بعد التفكر من الشروع بعد اختيار الوسيلة.

    والأمر الآخر أن العمل مهما كانت مقاصده وغايته لابد أن تكون وسيلته شرعية، فإن الغاية لا تبرر الوسيلة كما هو الحال عند أرباب المكر والخديعة ممن يسمون أنفسهم بالسياسيين.

    1.   

    ترويج الخمر وتأثيرها على المجتمع الغربي

    أيها الأحبة في الله! هذا المجتمع الذي نتحدث عن الدعوة إلى الله جل وعلا فيه؛ مجتمع يعج بالخمر صباح مساء، فشربهم للخمور أكثر من شربهم للمياه، بل وإن الذين يتعاطونها ويشربونها هم من الصغار والشباب والذكور والإناث، وحسبكم أنها كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم أم الخبائث، أورثتهم تلك الخمرة حالات الاغتصاب، وحوادث السيارات، والسطو، والاغتيال، والعدوان والجريمة، ويداهم أوكت، وأفواههم نفخت، إذ أنك لا ترى شاشة تلفزيونية أو صحيفة أو مجلة إلا وهي تدعو وتبرز دعاية براقة مشوقة لذوي القلوب السقيمة تدعو إلى تعاطي الخمر، فهم يدعون إليها ويروجونها عبر كل وسيلة إعلامية، ثم بعد ذلك يقبل الصغار والكبار عليها، ثم بعد ذلك يبذلون أسباباً لمكافحة النتائج المختلفة من الجرائم وغيرها على إثر تعاطي الناس لتلك الخمرة. فهناك واحد من كل ثلاثة سائقين يتسببون في مقتل أشخاص آخرين بسبب تعدي السرعة القانونية، ونصف المتهمين في القضايا الأخلاقية هم من المتعاطين المسرفين للخمور.

    موت الغيرة والإصابة بمرض الإيدز

    ثم قادهم ذلك إلى موت الغيرة وكيف توجد غيرة عند كافر؟! لقد سجلت نسبة الارتفاع بمرض الإيدز هناك نسباً جاوزت المئات، ويتضاعف العدد في كل سنة أضعاف أضعاف ما سبق، وأكثر -بل 90%- من الذين أصيبوا بهذا كان بسبب ما أدت إليه الخمر والمسكرات، حيث أن 90% من مرضى الإيدز كانوا أصيبوا بالإسراف في ذلك والممارسات الجنسية غير المشروعة، وحينما نقول الإسراف فإننا لا نقول: إن التقليل من الخمر لا يسبب، فهي حرام قليلها وكثيرها صغيرها وكبيرها.

    والآن أصبح ما يقارب عشرة ملايين نسمة يصابون بفيروس الإيدز وسيصلون إلى أعدادٍ مضاعفة.

    وبعد ذلك فإن هذا قادهم إلى الانطلاق والجري الهائج وراء الشهوة الشاذة المسعورة وغيرها، فـ(70%) من النساء اللائي يعملن مع الرجال يتعرضن للابتزاز من قبل رؤسائهن بل واعتدي على الكثير منهن على إثر الاغتصاب الجنسي ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    ارتفاع درجات الاغتصاب

    أما الاغتصاب بالتفاصيل فإن المسجد يجل وينـزه عن ذكره، ولكن نشير إلى أرقام هي إشارات واللبيب بالإشارة يفهم..

    اغتصب أمريكي 23 فتاة خلال 3 أشهر، والكثير منهم لا يحتاج إلى الاغتصاب لأن كل زاوية وطريق ومقهى وحانة واستراحة ما هي إلا مواعيد لضرب الصداقات وإيقاع الخيانات الزوجية، وفي أمريكا ارتفعت جرائم الاغتصاب بنسبة 124% والأعداد والنسب لا تزال في ازدياد وارتفاع.

    بعد ذلك يوم أن انتشر الاغتصاب والإباحة الجنسية في بلادهم ابتلي أو حصل لكثير من النساء الحمل -الحبل الغير شرعي- فأقدموا على الإجهاض والتخلص من الأجنة: وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ [التكوير:8] يحمل من الزنا نسبة تزيد عن 20% من كل 100 امرأة، وحالات كثيرة من الإجهاض أكثر من هذا، مع أنهم تقدموا تقدماً باهراً في اختراع واكتشاف وسائل منع الحمل حتى لا يقعوا في نتائج الزنا والمعاشرات الجنسية.

    أيها الأحبة! صدق ربنا عز وجل حيث يقول: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طـه:124] بل إن كثيراً ممن يسمون أو يدعون برجال الدين والكنيسة عندهم 80% منهم يمارسون الفاحشة والعياذ بالله سواء مع الراهبات أو مع الأحداث وغيرهم.

    فإلى الذين يعجبون بالغرب، وإلى المخدوعين ببلاد الغرب ليقرءوا أرقاماً مختصرةً موجزةً عن الخطف والسرقة والعدوان، والاعتداء والبغاء والشذوذ والدعارة، والانتحار وما أدراك ما الانتحار، بل لقد وجد في بعض الجمعيات التي تساعد المنتحرين أو الراغبين في الانتحار أن يصلوا إلى النهاية في أسرع مدة زمنية مرغوبة مقصودة.

    نعم.. لا غرابة أن ينتحروا فليس بين أعينهم نار يخافون منها أو جنة يرغبونها، أو رب يرجون رضوانه جل وعلا؛ حينئذ يكونون كالأنعام بل هم أضل سبيلاً.

    إنك يوم أن تريد أن تدعو إلى الله جل وعلا أو تؤسس عملاً إسلامياً في بلاد كهذه، الإباحة ميسرة، والخمور والمخدرات منتشرة، والجريمة مسيطرة فإنك تحار حيرة بالغة عظيمة.

    1.   

    قوة انتشار الدين في المجتمعات الأمريكية

    أيها الأحبة! على الرغم مما سمعتموه من الأرقام فإن بلاد الغرب وبالذات الولايات المتحدة الأمريكية بها عدد كبير جداً من المساجد والمراكز الإسلامية، وهذا والله مؤشر على القوة الذاتية الفاعلة البالغة في هذا الدين، فإن انتشار الإسلام لا نعزوه بالدرجة الأولى إلى جهود المسلمين، بل نعزوه إلى القوة العظيمة التي بلغ بها الدين أنحاء الشرق وأنحاء الغرب على الرغم من فقر المسلمين، وقلة ذات أيديهم، وقلة حيلة أبنائه، وحسبك أن تعلم أن أكثر من (80 أو 70 %) من المسلمين هناك قد هاجروا فراراً بأنفسهم أو بحثاً عن لقمة عيش وغير ذلك.

    جهود المسلمين المهاجرين في نشر الإسلام

    أيها الأحبة! وحينما نتكلم عن الإسلام هناك فإنك تتكلم عن جهود المهاجرين من المسلمين إلى تلك البلاد، وإن تسمية الأمر هجرة فيه نظر، فلنقل: عن جهود الذين سافروا إلى تلك البلاد، فمنهم من يأثم بسفره، ومنهم من يغنم ويؤجر بسفره، والبواعث تحدد، والمقاصد تحكم على هذا.

    إن كثيراً من المسلمين تركوا بلادهم دولاً وبلداناً عربية؛ خاصة أيام الستينات التي شهدت عسفاً واستبداداً وطغياناً وظلماً وجبروتاً، في تلك الفترة وما بعدها هاجر كثير من المسلمين، منهم من بحث عن لقمة العيش، ومنهم من بحث عن الأمن والطمأنينة، ولا أمن ولا طمأنينة في تلك البلاد أيها الأحبة، وتبع هذا الانتقال أو هذا السفر أن هاجرت عقول إسلامية جبارة عظيمة عجيبة بلغت من الذكاء والعبقرية شأواً بعيداً، بلغت من الذكاء والعبقرية منزلة رفيعة، فأكبر ناطحة للسحاب في شيكاغو قد خططها أو كان المهندس لها مهندساً مسلماً، كذلك أطباء الجراحة وكثير من أطباء الفلك، وكثير من المخترعين والمكتشفين هم مسلمون يعودون إلى آباء مسلمين وأمهات مسلمات، بل وهم مسلمون إلا أن بعضهم قد نسي علاقته بالإسلام البتة، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    فالعمل الإسلامي في بلاد الغرب تارة تراه عبارة عن نشاط مجموعة من جالية مهاجرة، وفي الغالب أن ترى الجالية تتركز في منطقة معينة، ففي كل بلد أو في كل ولاية ومدينة تجد أن مسلمين من بلد عربية أو إسلامية معينة يجتمعون هناك، فينشئون مسجداً ومركزاً إسلامياً يجمعون نفقاته من فتات موائدهم ومن باقي أجورهم على قلة ذات أيديهم، فإذا أسسوا هذا المسجد أو المركز كان مكاناً لتجمعهم، وأغلب هؤلاء يكون أثرهم أو يكون هدفهم المحافظة على كيانهم وخصائصهم واجتماعاتهم حتى لا يذوبوا في المجتمع وهيهات..

    ألقاه في اليم مكتوفاً وقـال له     إياك إياك أن تبتل بالماء

    1.   

    خطر العيش في بلاد الغرب

    إن الذي يعيش في بلاد الغرب لعلى خطر عظيم، بل محقق مؤكد ما لم يتداركه الله بأن يشتغل بالطاعة حتى لا يشغل بالمعصية، وأن يشتغل بالدعوة حتى لا يدعى هو، وأن يعتني بأولاده حتى لا يذوبوا في المجتمع الكافر، إن كثيراً من المسلمين ذابوا في المجتمع الغربي كما يذوب الملح في الماء، وإليكم بعض هذه الأدلة والشواهد:

    في مدينة من المدن قابلت مسلماً لا يعرف أبناؤه شيئاً عن الله جل وعلا، ولا عن نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا عن الإسلام وأحكامه ..! وآخر أولاده لا يقرءون الفاتحة، وآخر أبناؤه لا ينطقون بحرف عربي فضلاً عن كلمة عربية؛ والسبب أن الفكرة كانت في البداية مجرد انتقال إلى بلاد الغرب، ولم يأخذوا لها حسابها وحسبانها.

    وحينئذ أتذكر وتتذكرون قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا بريء من مسلم يقيم بين ظهراني المشركين) قد يقول قائل خاصة في وقت يكون شغوفاً ولوعاً محباً أن ينتقل إلى تلك البلاد: إن هذا من الرجعية والتشدد والتخلف. لكن من عاش ونظر وفكر وقدر، وقلب الرأي والبصر، وسأل الغادين والرائحين والمقيمين، بل والمتجنسين بالجنسيات الأمريكية هناك أدرك حقيقة هذا، فهذه مسلمة تستنجد بالمسلمين يوم أن دخل ولدها بصديقته الباغية الداعرة في بيتها، ويحميها القانون والبوليس وتحميها الشرطة من أن تمنع ولدها عن الدخول بزانيته ..!

    وآخر له بنت مسلمة تصادق فتىً كافراً ويحميها القانون من غيرة أبيها، ويحميها القانون من أن يمنعها والدها وأهلها من أن يعترض .. لماذا؟ لأن من شرط الحصول على الجنسية أن يؤدي المتجنس القسم للخضوع والالتزام والتقيد والانضباط بكل ما يمليه النظام والقانون، ولا يخرج ذلك المتجنس عنه أبداً.

    لذا فإن كثيراً من المسلمين على الرغم من أن الجنسيات قد قدمت لهم وأغروا بها إغراءً إلا أنهم رفضوا ذلك، وقالوا: نصبر على البلاء والابتلاء؛ حتى يفرج الله أوضاع بلداننا، فنعود إليها قائدين فاتحين منتصرين.

    1.   

    ملاحظات على العمل الإسلامي في أمريكا

    قلة المراكز والأنشطة

    أيها الأحبة .. جزء من العمل الإسلامي أو الدعوة إلى الله تنحصر في نشاط الجاليات، وجزء آخر إنما هو نتيجة لجهود الهيئات والمؤسسات الإسلامية التي فتحت مكاتبها وأرسلت دعاتها، واجتهد مندوبوها في نشر الإسلام مع طباعة الكتب وتوزيع المنشورات والأشرطة وغير ذلك للتعريف بالإسلام، ولكن لا تزال النتائج قليلة، ولست بهذا متشائماً، بل وصف الواقع كما هو أمر مطلوب، ويوم أن نقول: قليلة إن هذا لا يعفينا من البذل في بناء كثير من المراكز والمساجد، وإن هذا لا يجعلنا نجد لأنفسنا مسوغاً أن ننتقدهم في بلاد آمنة مطمئنة، ونحن نتفرج على حاجاتهم وكرباتهم، وليس هذا بمسوغ أن نهزأ أو نسخر أو نقلل من الجهود، ولكن نقول: إن الحاجة ماسة إلى النظر في مناهج العمل.

    ندرة المنهج الشرعي الصحيح

    أيها الأحبة في الله! إننا يوم أن نقول: هي نتيجة قليلة بأن العمل الإسلامي في بلاد الغرب خاصة إذا لم يجد منهجاً دقيقاً منضبطاً إنما هو كخط في البحر، إذاً فالحاجة ماسة جداً إلى أن ننظر إلى المناهج من جديد، إلى أن ننظر إلى المناهج التي يعمل بها في بلاد الغرب، وأقول هذا؛ لأن مما آلمني وجرح فؤادي أن عدداً من المراكز الإسلامية -مع شكرنا وتقديرنا ولا يسعنا في هذا المقام إلا ندعو للقائمين عليها بالسداد والتوفيق- إلا أن كثيراً من المراكز الإسلامية ليست على منهج شرعي صحيح، وإن قلت كثيراً لا أخشى أن أكون بالغت فقل: بعض أو النصف؛ لأن الحاجة ماسة إلى طلبة علم وعلماء وليس ثمة علماء في تلك البلاد، وهذا يحمل الدعاة ويحمل العلماء ويحمل المهتمين بالإسلام، ويحملنا هنا حكومة ووزارة وشعباً، وعلماء وأفراداً مسئولية عظيمة ما دمنا قبلة الإسلام للمسلمين، وما دمنا نحمل الصدارة للمسلمين في العالم.

    الانشغال بالقضايا السياسية وترك الأهم في الدعوة

    أيها الأحبة في الله! إن من الغرائب والعجائب في بعض المراكز الإسلامية أن تجد شغلها الشاغل متابعة القضايا السياسية أولاً بأول، ويلج ويفد إلى المسجد أناس لا يحسنون الوضوء، وأناس لا يعرفون الصلاة، وأناس لا يحسنون الفاتحة، وأناس لا يعرفون قراءة القرآن، المهم أن يعرف الموقف من قضية سياسية قديمة أو حديثة قريبة أو بعيدة، وذات يوم وكنت أخطب الجمعة في مركز من المراكز في أورلاندو بعد نهايتها قام رجل يعلق -جزاه الله خيراً وأصلح شأني وشأنه- إذ به يريد أن ينقض الخطبة من أولها ليلفت المسلمين إلى قضية سياسية معاصرة وغير ذلك، حيث قال: ليس المهم أن نتحدث عن هذا فالناس يعرفون هذا، وما هو الذي ليس بمهم في نظره؟ الكلام عن العقيدة، والكلام عن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، ومسئولية المسلمين في المحافظة على أنفسهم وأبنائهم، ومسئولياتهم في الدعوة إلى الله لتوطين الإسلام في المجتمع الذين يعيشون فيه.. هذا ليس بمهم! أما المهم فهو تكفير الحكومات والحكام، وتكفير النظم والأنظمة، والكلام بكل شاردة وواردة غير منضبطة بضابط شرعي، ثم قلنا: وماذا بعد هذا؟ وفي تلك اللحظة إذ بنا نفاجأ بشاب مغربي من الله عليه بالتوبة والهداية من قبل مجيئنا جاء يريد أن يتعلم الصلاة، فإذا به لا يسمع إلا عراكاً وخصومة وجدالاً بين قضيتين، إن هذه الظاهرة وإن كانت بدأت تقل إلا أنها من مساوئ أو من سيئات وسلبيات بعض المراكز هناك.

    المهم أن تعلم ما هي المواقف الساخنة الحديدية من غزة أريحا، أو كامب ديفيد، أو أي قضية سياسية، ونحن نقول ونردد هنا وهناك: ليست مهمة المسلمين أن يمدحوا الظلمة أو يعتذروا عن المخطئين والطواغيت، ولكن ليست -أيضاً- مهمتهم أن يصرفوا عقول وجهد وتفكير أبناء المسلمين -خاصة في تلك البلاد- إلى الانشغال بأخطاء هذه النظم والأنظمة، حاجة الناس أن يعبدوا الله وحده لا شريك له على بصيرة، حاجتهم أن يعرفوا كيف يطبقوا العبادة على متابعة شرعية دقيقة للنبي صلى الله عليه وسلم، ويوم القيامة لن يضيرهم أنهم ما عرفوا عدداً من أخطاء كثير من الأنظمة، وليس بسبب أن يعذبوا لأنهم جهلوا أحوال كثير من النظم والحكام والحكومات، ولكن من قصر في واجب أوجبه الله عليه من عبادة وفريضة، أو وقع في أمر نهى الله عنه من منكر ومعصية أو فاحشة، فإن ذلك يكون سبباً في عقوبته وعذابه.

    هذه من القضايا التي أوصي نفسي وأوصي كثيراً ممن يذهبون إلى بلاد الغرب أن يعتنوا بها، أن يهتموا بأن يسرعوا وأن يشتغلوا مع الناس في تعبيدهم لله، مهمة الأنبياء: ما بعث موسى ليشتم فرعون وقارون وغير ذلك، وما بعث محمد صلى الله عليه وسلم ليشتم أبا لهب وأبا جهل وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط، لكن هذه قضايا ظهرت في الطريق أثناء تبليغ الدعوة، فكان للأنبياء مع الطغاة مواقف وهذا هو الواجب، ولا يسوغ هذا لأحد أن يعتذر عن ظالم أو طاغوت: هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً [النساء:109] لكن باختصار وتأكيد ومزيد منه: إن قضيتنا أن نعبد الناس لله هنا وهناك وفي الشرق والغرب، قضيتنا هي قضية الأنبياء: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59].. وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] ومعنى يعبدون: أي يوحدون، تعميق التوحيد في نفوس المسلمين أمر عظيم، إذ أن مما يؤلمك أيضاً أن ترى قول الله قد تحقق في بعضهم: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106]يقعون في الشرك أو في ذرائعه من حيث لا يشعرون.

    ويا أيها الأحباب! إن واحداً من عوام هذا المجتمع الموحد ليفوق كثيراً من المسلمين في بلاد مختلفة، ولست بهذا أسفه أو أجهل أبناء المسلمين فهناك من هو خير منا، وفيهم من هو أقرب وأتقى وأعلم، وكل بحسب درجاته وعلمه وتقواه إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] ولكن أن نعرف ما هي مهماتنا، مهماتنا التي لأجلها نزلت الكتب وشرعت الشرائع، وخلقت الخليقة، ووجدت الجنة والنار، ويقف الناس فيها للخصومة؛ إنما هي قضية التوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له.

    أيها الأحبة! هذا ما أحببت أن أقوله حتى تعلموا ما هو واقع الإسلام في بلاد الغرب؛ وحتى لا نحكم بالجفاء والتشاؤم الشديد على جهود إخواننا فلهم جهود جزاهم الله خيراً، ولو قال قائل:

    أقلوا عليهم لا أباً لأبيكم     من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا

    لقلنا: صدقت وكنت من الصادقين، ولكن إن وجود العمل والجهود والأنشطة لا يعني أن نتباعد وأن نقول لك: مسلم أن الإيجابيات كذا وأن السلبيات والأخطاء كذا، من واجبنا أن نعمق مزيداً من الصواب والإيجابيات، وأن نكافح بالعمل والعلم والدعوة وحسن البلاغ، والجدال بالتي هي أحسن تلك السلبيات.

    بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    لابد من صرف الجهود في دعوة السود في أمريكا

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.

    أيها الأحبة! إن قضية من القضايا المهمة والخطيرة في تلك البلاد، ومن الأمور التي ينبغي أن تصرف كثير من جهود الدعاة والغيورين إليها؛ ألا وهي قضية السود في أمريكا.. هذه طائفة أغلب المسلمين منها، وطائفة قريبة للإسلام، ويسمون أنفسهم بالمسلمين الأفارقة في عودة وبحث جاد عن الجذور، ما الذي جاء بأولئك إلى أمريكا، وقد ألف كتاب اسمه الجذور وكان قد لقي رواجاً عظيماً بينهم، يخبر المسلمين السود هناك بأنهم جاءت بهم السفن والأساطيل والبواخر الغربية إلى بلاد الغرب، وهناك عملوا سخرة وأذلاء واستعبدوا لبناء كثير وإنجاز كثير من خط البنية أو أسس التنمية هناك.

    ثم بعد ذلك لا يجدون لأنفسهم مكاناً، بل ويجدون عنصرية واحتقاراً وازدراءً، حتى إن بعض المطاعم مثلاً يكتب عليها "ممنوع دخول الزنوج والكلاب" وبعضهم ربما سمحوا للكلاب ولم يسمحوا لهؤلاء بذلك، فهم يكرهون البيض، الكثير منهم يكرهون البيض.

    الأمر الآخر: أنهم يجدون من البيض احتقاراً.

    الأمر الثالث: أنهم يريدون أن يلتفوا على كيان واحد واجتماع واحد، كانت هذه القضية قد أشغلت فكر رجل اسمه أليجا محمد ، وأصل اسمه: علي جاه محمد، هذا الرجل يقال إنه اعتنق الإسلام، ولكنه خبط وضل ضلالاً بعيداً حتى ادعى النبوة ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم بعد ذلك ظهر من أتباعه رجل اسمه مالكم إكس هذا الرجل حج وزار المملكة منذ سنين، ثم بعد ذلك ظهر له أن قيادة السود تحت ذلك الرجل المسمى أليجا محمد أنها في ضلال وخبال، ونسبت أمور كثيرة ليست من الإسلام إليه، فالذي حصل منه أن انشق عنه وخرج عن خطه وتحسن شيئاً كثيراً.

    ثم بعد ذلك استطاع بمنّ من الله وفضل ولدٌ لهذا الرجل الذي اسمه أليجا محمد واسمه وارث الدين محمد هو الذي قاد الحملة ضد أبيه، ومن نعم الله أن من قاد الحملة ضد ذلك الرجل هو ولده إذ لو قادها رجل آخر مثلاً من البيض أو من طائفة أخرى لقالوا: مكيدة أو مؤامرة ضد الإسلام والمسلمين، فلما بين ذلك الابن ضلال أبيه وفساد منهج أبيه ترك الكثير من السود تلك الضلالات وعادوا إلى إسلام صحيح، هذا الرجل يتبعه قرابة المليون ونصف المليون ممن يهتمون بالإسلام على منهج صحيح، ولكن لقلة الدعاة وقلة العلم وقلة الإمكانيات تجد عندهم أخطاء كثيرة.

    وإني أنصح من يهتم بالإسلام في الغرب أن يركز على السود تركيزاً عظيماً فإني أرى أنه سيكون لهم شأن بعد عشرين إلى ثلاثين سنة قادمة، سيكون لهم شأن في نشر الإسلام والدعوة إلى الإسلام هناك؛ لأجل ذلك من واجبنا أن نهتم بهم، لهم في الولايات المتحدة ما يقارب ثلاثمائة مسجد في أنحاء مختلفة بين صغير وكبير، ويلقون دعماً من المسلمين خاصة من هذه البلاد جزى الله من أعان على دعمهم ومن بذل في دعمهم خير الجزاء، ولكن لا يزال الدعم أقل بكثير من احتياجاتهم وكفاياتهم، وإننا يوم أن نقول علينا أن نهتم بالسود لا يعني ذلك أن نناصب البيض العداوة أو لا نلتفت إليهم ففي كثير من المراكز عدد من البيض بل ومنهم علماء، وأعرف عدداً منهم أحدهم كان زميلاً لنا في الجامعة اشتغل بالترجمة وتأليف الكتب عن الإسلام نفع الله به الإسلام والمسلمين، ولكن أولئك السود لهم أهمية بالغة وإقبال سريع، وحماس شديد، واستجابة عجيبة، وطواعية أعجب، حينما تؤثر عليهم وتمسكهم بالمنهج الصحيح من الإسلام فإنك ستجني ثمرة ذلك في توطيد الإسلام.

    إن المهاجرين يوم أن يبنوا مركزاً -جزاهم الله خير الجزاء وأثابهم ونفع بهم وسددهم وحفظهم وذرياتهم- سيهاجرون يوماً، ولكن أبناء المجتمع الأمريكي الذين هم الأمريكان أصلاً، الذين يحميهم النظام والقانون في بعض القضايا ربما ضغطوا بقوة جنسياتهم ومواطنتهم على القانون فأجبروا هذه البلاد على المشاركة في تحمل شيء من نفقة المسجد أو تحمل شيء من نفقة المعلم، ومن استطاع أن يفقه قانونهم استطاع أن يصل إلى أحكام قانونية عليهم تجعلهم يخدمون الإسلام شيئاً ما.

    1.   

    كيفية دعم الإسلام في أمريكا

    زيارة المراكز الإسلامية وتفقد شئونها في الدروس والحلقات

    أيها الأحبة في الله! خلاصة هذا الكلام: لن تكون هذه الخطبة من أجل التعريف بالإسلام في أمريكا، ولكنك لن تستجيب لتوجيه أو إشارات أو إرشادات في دعم الإسلام إلا بعد أن تتصور واقع تلك البلاد، فكيف ندعم الإسلام هناك؟

    الحاجة ماسة إلى زيارات دورية متتابعة لعدد من الدعاة والعلماء، وحينما تكون الزيارة لابد أن يوطن الداعية والعالم نفسه أن يسمع هجوماً، وأن يستمع اتهامات، وأن يسمع عبارات مؤلمة جارحة، في مركز من المراكز قال لي رجل: أنت وأمريكا وإسرائيل سواء، أنتم وأمريكا وإسرائيل سواء. فكيف تجيب على مثل هذا؟

    تجيب عليه بأن تدنيه وتمسح على صدره، وتبتسم بين عينيه، وتناقشه فقرة فقرة ونقطة نقطة حتى تزول الشبهة التي علقت به، إننا ما ذهبنا ملاكمين ولا مصارعين حتى نتهجم عليهم أو نقذفهم بالشتائم والسباب، وإنما الواجب أن تتحمل منهم الخطأ، وأن تترفق بهم، وأن تجادلهم بالتي هي أحسن، ولو اقتضى الأمر أن تصمت في حال لتجيبهم مرة أو تطرح القضية في حال أخرى لكان هذا أمراً حسناً، فحينما يذهب الداعية أو العالم أو طالب علم إلى هناك من واجبه أن يشتغل في الدعوة والتعليم، وأركز على التعليم بإقامة دروس وحلقات، إن محاضرة تلقيها وتمضي أو خطبة تخطبها وتمضي لا بأس بنفعها، ولكن ثبت أن الذي نفع بإذن الله تلك الحلقات والدورات التي أقامتها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية إذ غيرت كثيراً من أفكار بعض المنتسبين إلى تلك المراكز، وأصبح هم كثير منهم العودة إلى المنهج الصحيح بدلاً من الاشتغال بأشكال أو أمور لم تنفع الإسلام كثيراً وإن نفعت شيئاً قليلاً.

    ربطهم بالفتيا من العلماء المعتبرين

    الأمر الآخر أيها الأحبة! بعد حاجتهم إلى الدروس والحلقات التعليمية حاجتهم إلى الفتيا، وليس الإنسان قادراً أن يفتيهم في كل مسألة حلت في بلادهم (وأجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار) لذا كان من ألزم اللوازم أن من ذهب إلى هناك أن يجعل بينه وبين المراكز التي زارها خطاً مباشراً للاتصال المستمر، إذا أشكل عليهم شيء يعدهم بأن يعرضه على العلماء هنا والذين نحسبهم ولا نزكي على الله أحداً من أتقى علماء المسلمين على ظهر الأرض، لماذا نقول: لابد أن نربطهم بالفتيا هنا؟ لأن الفتوى جاهزة في المجتمع الأمريكي، الفتوى التي تعدت حتى المرونة إلى تقطع أجزاء الأحكام.

    الأمر الآخر: الفتوى جاهزة في بلدان كثيرة مختلفة، حتى أباحت لبعض النساء أن تجمع بين صلاة الظهر والعصر عند الشاطئ لأن في أداء كل صلاة في وقتها مشقة، والمشقة تجلب التيسير فلا بأس للفتاة المسلمة حينما تسبح على الشاطئ أن تصلي الظهر والعصر جمعاً، ستعجب من ألوان الفتاوى وأشكالها؛ إذاً فمن ذهب إلى هناك فليربطهم بمن يعرف من العلماء الثقات، من العلماء الصالحين الذين يوثق بعلمهم سواءً في مصر أو في سوريا أو في لبنان أو في أي منطقة أو في المملكة خاصة بالدرجة الأولى، المهم نحن لا نتعصب لجنسية العالم بل نتعصب لعلمه وتقواه، فإذا وجد العالم الذي يتقي الله فاحرص أن يكون بينك وبين أولئك سبباً تربطهم به حتى يفتيهم في حاجاتهم وأسئلتهم، ونوازل تحل في أرضهم تحتاج من الفتوى بالدقيقة بل بالساعة وفي كل يوم.

    وإنني أقترح أن يوجد لوزارة الشئون الإسلامية خط مجاني مباشر لكل مركز من المراكز الإسلامية، أن المركز من هناك يتصل ونحن الذين ندفع فاتورة الاتصال من أجل الإجابة على أسئلتهم وفتواهم من قبل علمائنا الأجلاء نفع الله بهم وجزاهم خير الجزاء.

    العناية بالمساجد والمراكز

    الأمر الآخر -أيها الأحبة- العناية بالمساجد والمراكز، فحينما تسمع كلمة المسجد والمركز إنها في الغالب لا تعني أكثر من مساحة لا تتجاوز الخمسة أمتار في سبعة أمتار، ويسمى هذا بالمسجد، يجتمعون فيه يومي السبت والأحد، يدرسون أبناءهم جزاهم الله خير الجزاء اللغة العربية وشيئاً من أحكام الإسلام، ويضيق ويعج المسجد بهم حينما تكون خطبة الجمعة أو محاضرة أو ضيف زائر يقابلونه أو يسألونه ويستفيدون منه.

    إذاً فالحاجة إلى مساعدتهم من أجل توسيع المساجد والعناية بها، وأهم من بناء المساجد والمراكز: القيادات. قبل أن تبني مسجداً أو تتبنى مشروعاً في بناء مسجد أو الالتفاف إلى مسجد مهمل اسأل من الذي سيتولى المسجد، ربما بنيت مسجداً فتولاه فاجر يسب الصحابة، ربما بنيت مسجداً فتولاه قادياني مخرف، ربما بنيت مسجداً فتولاه صوفي مخلط، إذاً الحاجة قبل بناء المسجد أو المركز ماسة إلى أن تعرف من الذي سيقوم عليه، ومن الذي سيعتني به، وهناك طريقة جيدة: هي أن تربط المساجد التي تبنى من أموالنا أو بجهودنا أو بتبرعات المسلمين أمثالكم أن نربطها هنا، إما بالشئون الإسلامية بعد الإفتاء، أو أن نربطها بجمعية تسجل رسمياً في القانون أو في الحكومة الأمريكية لهذه الجمعية نظام يخضعها لمجلس الأمناء، هذا المجلس له الحق أن يختار الإمامة ويعزلهم، ويختار المؤذن ويعزله، وله أن يحدد المنهج والطريقة، ويأذن بالمحاضرة أو لا يأذن بها.

    إنك تعجب في أن مركزاً من المراكز جاء فاجر يسب الصحابة يخطب في الجمعة، كيف حصل هذا؟! لما فقد ذلك المركز -وهذه نادرة وأندر من نادرة- مجلساً يعتني عناية دقيقة بالمنهج الصحيح سمح لمثل هذا أن يعتلي المنبر، إذاً فالحاجة ماسة ملحة إلى البحث عن الأئمة والقيادات، وإني أعتبر أن التحدي القائم والمواجهة الخطرة في هذه المرحلة خاصة في الدعوة هناك هي: البحث عن القدرات التي تتولى الإمامة والخطابة والتعليم والإفتاء والتدريس في تلك البلاد، وأين من كان يقول يوماً ما: إننا اكتفينا كفاية زادت عن الحد من خريجي المعاهد العلمية والكليات الشرعية وغيرها؟ إن من يسافر إلى بلاد الغرب يجد أننا بحاجة ماسة إلى أضعاف أضعاف الأعداد الموجودة من حملة الشهادات الشرعية والمعاهد العلمية؛ لأن العالم يحتاجنا، العالم يناديكم يا معاشر المسلمين، إن طالباً لا يملك إلا الكفاءة المتوسطة من المعاهد العلمية يصلح ويكون إماماً وخطيباً ومعلماً لكثير من الأحكام، لا تتصور حجم الجهل بالإسلام وأحكام الإسلام هناك، لذا إذا وجد من أبناء المسلمين خاصة ممن طلبوا العلم الشرعي في حلق الذكر عند ركب العلماء واستفادوا فإنهم يؤهلون بإذن الله إلى هناك، والمترجمون بفضل الله على قدرة وإمكانية أن ينقلوا المعلومة بكل سلامة ودقة.

    الحرص على توطين الإسلام في أهل البلد

    الأمر الآخر: إن أولئك يحرصون على توطين الإسلام، بمعنى أن من تولى مركزاً أن يعتني بخمس أسر أمريكية ذات جنسية أمريكية مقيمة أصلاً في البلد فيعتني بها، يدعوها إلى الإسلام، يتكفل بحاجاتها حتى يمسكها بالدين، ثم بعد ذلك لا تسأل عن جهود هؤلاء في نشر الإسلام، يقومون به بإذن الله سبحانه وتعالى، أما أن يكون العمل مجرد جماهيري وخطب وندوات ومحاضرات دون اهتمام موثوقٍ بهم من الأئمة والقيادات في توطين الإسلام وترسيخه بكل منطقة، فإنك تكون كمن يخط في بحر أو يزرع أو يبذر كثيراً من البذور على مسافة طويلة يموت قبل أن يجمع منها رغيف خبز يأكله ليدفع به خطر الجوع.

    هذا فيما يتعلق بالمساجد: الحاجة ماسة إلى الأئمة والقيادات، ولا نشترط أن يكون الأئمة سعوديين، من عرفناه بسلامة المنهج وصحة المعتقد فما الذي يمنع أن نتعاقد معه ونرسله إلى هناك ليتولى هذا المركز ويكون عضواً معنا في رئاسة أو تكوين مجلس الأمناء الذي يدير ويوجه هذه المساجد؟ ثم إن الجمعية حينما تسجل بهذه الطريقة في تلك البلاد تكون معفية من الضرائب، وربما وجدت دعماً إلى حد ما، كما لقيت بعض الجمعيات دعماً لأجل نشاطها في السجون الأمريكية وتحذير الناس من المخدرات وغيرها.

    استيفاد أبناء المسلمين الأمريكان إلى المراكز الإسلامية العربية

    وهنا نقطة مهمة في خدمة الإسلام هناك: أن نستقدم من أبناء المسلمين الأمريكان أنفسهم ليدرسوا الشريعة والعلوم الإسلامية هنا، وإن الحاجة ماسة إلى بذل المنح بالآلاف قبل المئات، الحاجة ماسة أن يمنح أولئك منحاً دراسية حتى يدرسوا هنا، فإن لم يتيسر أن يمنحوا هذه المنح بالآلاف والمئات فلن نعجز أن نستقدم واحداً -مثلاً- إذا رأيت أمريكياً صالحاً فيه خير فما الذي يمنعك أن تستقدمه لعقد عمل؟! يقوم بعمل يسير لمدة ساعات محددة ولكن المهمة الرئيسة له أن يحضر دروس العلماء هنا، تقول له: أنا استقدمك وعلى كفالتي إذا لم يجد منحة، إذا لم يجد الأمريكي منحة ليتعلم الإسلام هنا لا نعرف كيف نستقدمه.. الطريقة سهلة: أن نتفق معه على عقد عمل أن يكون سكرتير أو ناسخ آلة أو وظيفة من الوظائف العادية، ولكن يعلم أيضاً أن من مهمات قدومه أن يدرس الإسلام ويحفظ القرآن ويتقن الشريعة، من خلال برنامج نقدمه نقول: هذا برنامجك وهذا عملك كعملك في وظيفتك أو في مهمتك، في الفجر درس، وفي الصبح عمل، وفي الظهر راحة، وفي العصر درس وفي المغرب درس، يستمر على هذا لمدة سنتين ترده إلى بلاده عالماً يقود جماهير كثيرة من الأمريكان والعرب والمسلمين وغيرهم.

    إذاً أيها الأحبة! بوسعنا أن نشارك، ويا ليت المسلمين يجتهدون في هذه القضية، إذ بهذا نوشك أن تتكون بين أيدينا جامعة أهلية، نعم إن ظروف الجامعات ونظمها وما يتعلق بها قد يحكمها في عدد المقبولين والذين يمنحون المنح، لكن ما الذي يمنع أن يكون عدد كبير من أولئك حينما يقدمون يرتبون في برامج معينة علمية ودراسة على المشايخ وتعليم اللغة العربية حتى ولو بجهد شخصي؟! وهذه قضية -أيها الإخوة- نحن فرطنا بها كثيراً.. خذ على سبيل المثال ولو خرجنا على قضيتنا قليلاً: كم عدد العمال الذين ينظفون المساجد؟ بعدد المساجد الموجودة بـالمملكة يوجد عمال ينظفون المساجد، فلو أن كل جماعة مسجد اهتموا -وهذا ما قصرت فيه أنا أولاً قبل غيري، لا تظنوا أن عاملنا هنا قد حفظ القرآن والسنة- بعاملهم فعلموه اللغة العربية، وزعوا الأدوار بينهم: أنت تعطيه درساً في العربية، وهذا يعطيه درساً في القرآن، وهذا يعطيه درساً في أحكام الإسلام، بعد أن ينتهي عقده والذي يبلغ مدة سنتين يعود إلى الهند أو إلى بنجلادش أو إلى سيلان أو غيرها يعود إماماً وداعية وعالماً ينفع المسلمين هناك .. هذا لو كان الإسلام يهمنا كثيراً.

    أيضاً مما يحتاجه المسلمون هناك أن يفرغ المؤهلون، فإني عجبت من زميل درس معي بالكلية لما وجدته يعمل في وظيفة برمجة الكمبيوتر وهو قادر على أن يتفرغ ويعطي للترجمة والدعوة أمراً كثيراً، فحينما يوجد من أبناء الأمريكان المسلمين سواءً حصلوا هذا بالدراسة هنا أو حصلوه بعلمهم هناك ما الذي يمنع أن يفرغوا إلى أعمال الدعوة وأعمال الترجمة ففي هذا خير عظيم؟

    نشر الكتب الكبيرة في التعريف عن الإسلام

    حاجتهم أيضاً إلى الكتب التي تتحدث عن الإسلام، إن العجب أن تجد مجرد مطويات أو نشرات أو كتيبات تتحدث عن الإسلام، أما المطولات عن الإسلام، كتب كاملة عن الإسلام سواءً في تفسير القرآن العظيم كاملاً، أو في الفقه الشرعي كاملاً، أو في حاجات المسلمين المختلفة كاملة؛ فإن هذا يكون أندر من النادر، وفرحت ذات يوم لما وجدت كتاباً عن الإسلام من أول أحكام الشريعة إلى آخرها فلما قلبت النظر فيه إذ فيه من البدع وفيه من المصائب، وفيه من الأمور التي تفضي -ولا حول ولا قوة إلا بالله- إلى ما لا تحمد عاقبته.

    كذلك حاجة الناس عامة هناك إلى أن تصحح معلوماتهم عن الإسلام، الأمريكان لا يعرفون الإسلام إلا أنه اختطاف وقتل وإرهاب وأمور عظيمة صورها الإعلام وصورها الظالمون، فحاجتنا ماسة لإيجاد محطات إسلامية متخصصة للبث عن الإسلام، وهذا ما استبشرت به يوم أن علمت أن واحداً من المسلمين أو من أبناء المسلمين جزاه الله خير الجزاء قد حرص على أن يؤسس عملاً كهذا، يوجد في بعض القنوات برامج في ساعات محددة بالإيجار للتعريف بالإسلام، ولكن حينما تكون محطة كاملة عن الإسلام باللغة التي يفهمها القوم فإن ذلك سيؤثر بإذن الله، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والله ليتمن الله هذا الأمر، وليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، حتى لا يبقى بيت حجر ولا مدر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل) حتى لا يقول قائل: إن هذه من الأماني العذبة والأحلام الخيالية .. لا، بل نتكلم اليوم ونحن على ثقة أن رايات التوحيد سترفرف في كل بقعة من بقاع الأرض أياً كانت يهودية أو نصرانية أو شيوعية أو بوذية.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء!

    اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجمع شملنا وعلماءنا وحكامنا وأمراءنا ودعاتنا، ووفقنا جميعاً إلى طاعتك، ربنا لا تفرح علينا عدواً ولا تشمت بنا حاسداً.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وانصر المجاهدين في كل مكان، وسدد رصاصهم واجمع شملهم ووحد صفهم، وانصرهم على أعدائهم، ربنا لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا صلاح إلا قضيتها، ولا أيماً إلا زوجته، ولا متزوجاً إلا ذرية صالحة وهبته بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين!

    اللهم صل على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، وأقم الصلاة.