إسلام ويب

من يحقن دماء المسلمين؟للشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هذه خطبة تتحدث عن مآسي المسلمين في أرض البلقان -البوسنة والهرسك- كما تتعرض لبعض جرائم الصرب في حق إخواننا المسلمين هناك. ثم هي نداء إلى كل مسلم غيور، من أجل أن يبذل كل ما يستطيع في سبيل نصرة إخواننا في أرض البلقان. وقد كان هناك تعقيب للشيخ عمر أحمد سيف تحدث فيه عن فضل الجهاد والمجاهدين، وعن الشرك وبعض أقسامه.

    1.   

    مآسٍ من أرض البلقان

    الحمد لله مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء, وينزع الملك ممن يشاء, ويعز من يشاء, ويذل من يشاء, وهو على كل شيء قدير، الحمد لله الخالق من العدم، ومسدي النعم، ودافع النقم، ومبيد العصاة من الأمم، الحمد لله حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شاء ربنا من شيء بعد، الحمد لله حتى يرضى، والحمد له إذا رضي، والشكر له إذا رضي.

    أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نرجو بها النجاة يوم القيامة، والفلاح في الدنيا والآخرة، أشهد أن لا إله إلا الله، واحد في ربوبيته، فلا مالك ولا مدبر ولا متصرف ولا محيي إلا هو، واحد في ألوهيته، فلا يعبد ولا يذبح ولا ينذر لغيره، الحمد لله، واحد في أسمائه وصفاته، جل عن الشبيه وعن الند وعن المثيل وعن النظير: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].

    وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، كان بنا براً رءوفاً رحيماً: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128] صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فلا نجاة -والله- إلا بها، يوم تضيع الأحساب، ولا تنفع الأنساب، وتتطاير الصحف، ولا ينفع خليلٌ خليلاً: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج:1].

    عباد الله: يقول الله جل وعلا: وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً [النساء:75] وقال تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:39].

    معاشر المؤمنين: وما تزال أنهار الدماء تجري، وما يزال الجرح النازف صبيباً سكيباً على أرض البوسنة والهرسك، الذي لا يحيط مدى وصفه إلا الله جل وعلا.

    أين ذهب دعاة حقوق الإنسان

    عباد الله: وما تزال جهود الأمم الأوروبية المشتركة، دعاة الديمقراطية، وأساطين حقوق الإنسان، ما زالت تواصل سعيها، حتى أمنت أرواح الكرواتيين، واطمأنت على دماء النصارى، وبعد ذلك لم تبالِ ولن تبالي بأي واد هلك المسلمون، وبأي نهر جرت دماؤهم، ومن ذا ينتظر من العدو رحمة؟ ومن ذا ينتظر من الحاقد براً؟

    عباد الله: إخوانكم الذين سمعتم وقرأتم وعلمتم عن أحوالهم، لا تزال الأحوال في ضعف ونقص وهلاك، وقبل يومين أو ثلاثة وصل إلى جدة واحد من الأفاضل الذين زاروهم هناك، وقال: إن دام الأمر على هذه الحال، فتقبلوا العزاء في كل المسلمين في جمهورية البوسنة والهرسك، إذ أن الحرب ضارية، والعداوة مشتعلة، ولا تفرق بين حبلى أو حائل، أو صغير أو كبير، أو عجوز أو فقير، فإنها حرب تمشيط وتصفية، عودة صليبية كما حصل للمسلمين في الأندلس ، في الوقت الذي نرى فيه شعارات حقوق الإنسان ترفع، وفي الوقت الذي نرى فيه الهيئات تتخطى ملايين الأميال لكي تعالج قضايا بعيدة معالجة الشطط والحيف والجور والإثم، وتغمض بعين ملؤها الحقد، تغمض عما يدور بجوار منطقة أوروبا أو في وسط دول البلقان .

    صرخة من سراييفو

    معاشر المؤمنين: باختصار وضع البوسنة والهرسك الآن أموال للنهب والسلب، وبيوت للدمار، وصبايا للاغتصاب، وأحداث للفواحش، وشيوخ للهوان، وعجائز للتشرد، ونساء للترمل، وأطفال لليتم.

    إن دام هذا ولم يحدث له غيـرٌ     لم يبكَ ميت ولم يفرح بمولود

    معاشر المؤمنين: نشرت إحدى الجرائد، وهذا غيض من فيض، وقليل من كثير من حقائق ما يدور, أن عروساً دخل عليها الصربيون فلم تجد بعد مذبحة عظيمة, وبعد هتك ما ترك فيها عفة، كفنت أسرتها بثوب زفافها.

    وفي سراييفو العاصمة دماء, وخطف, واغتصاب, وتهرب الأم التي تهيأت للمخاض، وتجد آلام الطلق, تخرج هاربة من البيت، فيقعدها المخاض على الأرض، وتخر جاثية، فتلد في الطريق، تتشحط بنزيف ومرض ولا تجد من يغيث، وتترك طفلها بحبل سرته، مرتبط بها، تحت رحمة أقدام الغادين والرائحين!!

    معاشر المؤمنين: أهذا شيء يخطر بالبال أن يقع بالمسلمين؟!

    قل للغفاة عن الجهاد ألـم تروا     ماذا يراوح دينكم ويغادي

    أأموت في كف اللئام وأنتـم     حولي ولم يهززكم استنجادي

    كم واحد منكم وممن سمعوا الصيحات حمل اللواء، وأقام الليل، واجتهد في الدعاء، وقاد حملة التبرعات، وبذل ما يستطيع، أم اكتفينا بخطبة وقتية، ومشاعر آنية، وبعد ذلك كأن شيئاً لم يكن.

    أأموت في كف اللئام وأنتـم     حولي ولم يهززكم استنجادي

    صرخات المسلمين في البوسنة والهرسك، تنادي كل مسلم في قلبه لا إله إلا الله محمد رسول الله، وتقول له:

    أأموت في كف اللئام وأنتـم     حولي ولم يهززكم استنجادي

    أأرد عن داري أأقتل صابراً          بيد الحقير أتستباح بلادي

    يا نائمين على الحرير وما دروا     أنا ننام على فراش قتاد

    متلفعين دم المعارك ما لنـا     إلا الحصى في القفر ظهر وساد

    نغدو على النيران يذكيهـا لنا     غدر اللئام وخسة الأوغاد

    ونبيت لا ندري أنصبح بعدها     أم أن عين القتل بالمرصاد

    يا نائمين وما دروا أنا هنا     لسنا نذوق اليوم طعم رقاد

    أبناء البوسنة والهرسك في أحضان المنصرين

    معاشر المؤمنين: من تنتظرون وما تظنون؟ من تتوقعون أن يعمل في ظل هذه الظروف، إلا من رحم الله من المسلمين؟ بدأت الأميرة اليزابيث مع مطلقة المليونير الأمريكي إيفان ترامب، بدأت بحملة شعبية في لوس أنجلوس لجمع التبرعات لأطفال البوسنة والهرسك، كافرة تقود حملة لإغاثة أطفال المسلمين! وأين أنتم معاشر المسلمين؟! والحملة في برنامجها شراء سيارة لنقل الضحايا، ولماذا الحملة لأجل الأطفال؟ معلوم أنها حملة لجلب الأطفال وتربيتهم في معاهد فيالق السلام، ورسائل الإصلاح، وصوت الأناجيل، ومحاضن التبشير والتنصير، ما كانت حملة رحمة، ولا حملة إنسانية، وإنما حملة لأجل قطف ثمرة ريعان الصبا، وتفتح الطفولة على مبادئ ومعتقد الأرثوذكس والبروتستانت والكاثوليك، وأما الهيئات الإسلامية مع وجودها في الساحة، إلا أن جهدها لا يكاد يذكر بالنسبة لواقع المصيبة، وواقع الحملة الصربية الشعواء.

    من المسئول عما يحدث في أرض البلقان

    معاشر المسلمين: من الملوم؟ من الآثم؟ من الذي يتحمل مسئولية هذا الهدر لأرواح المسلمين، وهذا النزيف لدمائهم، من يتحمل هذا؟!

    كل مسلم قدر على شيء تجاه هؤلاء فقصَّر أو بخل به، أو قعد عن القيام به، يناله من الإثم بقدر ما تحمل من المسئولية، وبقدر ما قدر عليه من الواجب، لن نعلق المسئولية على أحد بعينه، كل واحد منا يسأل نفسه وليسأل نفسه: ماذا استطعت أن تفعل وبم؟

    معاشر المسلمين: لقد كان بوسع الرئيس علي عزت بيقوفتش ، والمسلمين في البوسنة والهرسك، لقد كان بوسعهم أن يمدوا يد الخيانة والنفاق، ويد العمالة ويعلنوها دولة الأديان، كما تنادي بعض البلدان على مبادئ البانش سلا، والمبادئ الخمسة، وتعايش الأديان في ظل سلمي، لقد كان بوسعهم أن يعلنوها دولة الأديان، ودولة النصارى، ودولة الإسلام، ودولة العلمانية، ودولة الوثنية ، ودولة كل بدعة, وكل ملة، وكل نحلة، ولكنهم أعلنوها فقط دولة إسلامية، فكان جزاؤهم ما ترون، ولو باعوا دينهم بعرض من الدنيا قليل، لكان أول من يفادي عنهم حلف الناتو ، ودول الكمنولث، وأول ما يدعمهم السوق الأوروبية المشتركة، وتكون قضاياهم على أولويات مقاعد الهيئات الدولية.

    ولما اختاروا الإسلام اختير لهم أن يكونوا في إرشيف القضايا، كقضية فلسطين ، وإن حركت أوراق الصادر والوارد في القضية، أما صُلب القضية فلا حوار ولا جدال حوله.

    معاشر المؤمنين: ومع هذا فثقتنا بالله أن النصر للمؤمنين، وأن العزة للمسلمين: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء:105] وثقتنا في الله بقوله: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا [القصص:5] ألم يستضعفوا؟ بلى. أليس وعد الله حق؟ بلى. وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ [القصص:5].

    معاشر المؤمنين: والله لو اختار المسلمون في البوسنة والهرسك، أن يعلنوها علمانية، أو يعلنوها دولة الأديان، لتكفل النصارى بأبنائهم، ولتحركت حقوق الإنسان لنجدتهم، ولحسمت قضاياهم في أول قطرة أريقت منهم، أما وقد أرادوا الإسلام فلا سبيل إلى الرحمة والنجدة: هَاأَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ [آل عمران:119] في المحافل .. في الهيئات .. على جدران الصحف وأوراق المجلات: قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ [آل عمران:119].

    وكيف نظن بنصراني حاقد أنه قد رضي عنا، وقول الله أبلغ: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120]؟!

    1.   

    نداء إلى كل مسلم

    ولكن يا عباد الله! أين الرجال؟ أين الشباب؟ أين الشابات؟ أين المعلمات؟ أين الصالحات؟ أين الغيورات؟ أين المثقفون؟ أين المتدينون؟ أين المتعلمون؟ أين كل مسلم مهما بلغت ذنوبه، وظهرت معاصيه، وفشا فسقه، أين هو عن هذه النجدة؟! إن المعصية لا تمنع الطاعة، وإن السيئة لا تمنع الحسنة، بل ذلك سبيل إلى محو المعاصي والسيئات.

    أين الرجال الذين أسروا ضباط الروس في أفغانستان ؟ أين الشباب الذين كسروا فلول الصاعقة، وكانوا سبباً من أسباب انهيار دولة عظمى، ودمروا صنم لينين ؟ أين الذين ذبحوا الشيوعيين على الطريقة الإسلامية؟ أين أولئك؟ هل كلت منهم السكاكين؟ أم تثلمت منهم المدى؟ أين أسامة؟ أين الأسد؟ أين أسود الشباب؟ أين أسود الرجال يا عباد الله؟ إنها صرخة ليست لمن في هذا المسجد وحده، بل لمن سمع النداء: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً [النساء:84].

    من لإخوانكم يا عباد الله؟!

    من للثكالى إذا ناحت نوائحها     من للجراح التي استشرت بوادينا

    من لليتامى إذا سالت دموعهم     على الخدود وقالوا: من يواسينا

    من للضحايا إذا ضجت مرددة     صدى المنية قل اليوم باكينا

    من للسيوف وقد لانت أسنتها     أيغمد السيف قهراً في نوادينا

    أين السيوف على الأعداء مشرعة     بوارق في خضم النقع تهدينا

    الله أكبر يا غارات معتصم     عودي ففي القلب شوق كاد يفنينا

    معاشر المسلمين: لعلها صيحة تبلغ آذان الغيورين، تبلغ آذان الذين دعموا الجهاد في أفغانستان، وشاركوا الجهاد في أفغانستان ، أن ينقلوا رحى الحرب إلى دول البلقان، واعلموا أن الحرب لن تكون فقط على البوسنة والهرسك.

    فالليالي من الزمان حبالى     مثقلات يلدن كل عجيبه

    اللهم عليك بالصربيين، اللهم أنزل عليهم طيراً أبابيل، اللهم سلط عليهم جنودك الذي لا يعلمهم إلا أنت، اللهم اقتلهم بدداً، وأحصهم عدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم ارحم المسلمين في البوسنة والهرسك، اللهم ارحم المستضعفين هناك، اللهم احقن دماءهم، واجبر كسورهم، وفك أسراهم، وارحم ضعفهم، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

    ابذلوا أموالكم ودعاءكم في نصرة المجاهدين

    الحمد لله، الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.

    أمة الإسلام: متى نبلغ مرحلة نتجاوز فيها وصف الأحداث، وتحليل الوقائع؟ متى نبلغ مرحلة يكون الحدث إشارة لانطلاق الفعل؟ متى نبلغ مرحلة تكون الواقعة انفجاراً تجاه المطلوب؟ متى نبلغ مرحلة تكون المذابح والمآسي بداية أو انطلاقة لنقدم ما ينبغي، لنبذل ما يجب، لنتفاعل على الوجه الصحيح، أما أن نتقلب في وصف الأحداث، ونخرج من الجوامع والمساجد، قالوا عن اليوغسلافيين كذا، وقالوا عن الألبان كذا، وقالوا عن الأفغان كذا، ثم نعود بعد ذلك كما قال شاعر قوم عاد:

    وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم     نهاركم وليلكم التنامي

    نتقلب على الفرش، وبين الضياع والزوجات.

    معاشر المؤمنين: علينا أن ننتقل من مرحلة وصف الأحداث، ليسأل كل واحد منا نفسه: ماذا علي أن أفعل؟ وماذا ينبغي لي؟ فإن سمعت الجواب وإلا فاسأل، حتى تبلغ الجواب.

    معاشر المؤمنين: تعودنا في أحداثنا أن نكون كما قيل: أوسعتهم شتماً وأودوا بالإبل، إننا لو لعنا الصربيين من الآن إلى ألف سنة قادمة، هذا لا يغني عن خطوة إيجابية في كفالة يتيم، أو تجهيز مجاهد، أو إرسال سلاح، أو شراء عتاد ينفع إخواننا هناك، أما أن نردد المآسي، وأن نذكر المصائب، فنحن كمن يصف سيارة اتجهت لكي تدهس بيته وأولاده، فأخذ يرقب النافذة، ويقول: السيارة اقتربت، السيارة دنت، السيارة وصلت، إلى أن تدهسه وبيته في مكانه، هذا لا يجدي ولا ينفع.

    عادتنا أن نصف الأحداث وننتظر غيرها، كما قال القائل:

    حرب حزيران انتهت

    وكل حرب بعدها ونحن طيبون

    تغلل اليهود في بلادنا ونحن عائدون

    ناموا على فراشنا ونحن راجعون

    وصوت فيروز من الفردوس يأتي عائدون

    حرب حزيران انتهت

    جرائد الصباح ما تغيرت

    الصور العارية النكراء ما تغيرت

    إذا خسرنا الحرب لا غرابه

    لأننا ندخلها بكل ما يملكه الشرقي من مواهب الخطابه

    بالعنتريات التي ما قتلت ذبابه

    بمنطق الطبلة والربابه

    إنا نتوق لألسن بكم على أيد فصاح

    الكفر جمع شمله فلمَ النـزاع والانتطاح

    يا ألف مليون وأين هم إذا دعت الجراح

    هاتوا من المليار مليوناً صحاحاً من صحاح

    من كل ألف واحداً نغزو بهم في كل ساح

    ولكن كما قال صلى الله عليه وسلم، في الحديث الذي يرويه الإمام أحمد في المسند عن ابن عمر : (الناس كإبل مائة، لا تكاد تجد فيها راحلة) ولكن قبل أن نفيض في هذا السؤال، وندع لكم الجواب، ولنسأل بهمسة: هل نحن جادون في خدمة الإسلام؟

    هل نحن جادون في التضحية للإسلام؟ إن من ادعى الصدق سيسأل: لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ [الأحزاب:8] إن العمل لا يقبل إلا بإخلاص وصدق، ومن ادعى الصدق فسوف يسأل: لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ [الأحزاب:8] أسأل الله جل وعلا أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه.

    أحبابنا! الدعاء.. الدعاء في كل سجود في الفرائض، وفي الوتر والنوافل والرواتب، قال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ [الفرقان:77].. وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60].. وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186].. أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62] وهل ضرورة واضطرار أعظم من هذه؟ لا والله.

    فيا عباد الله: الدعاء الدعاء، والله لأن تجمع أطفالك وصبيانك المميز وغير المميز, والصغير والكبير، ثم ترفع يديك وتدعو وهم يؤمّنون، لهذا مما تبذله وتقدمه لإخوانك في يوغسلافيا .

    كذلك -أيها الأحبة- ماذا خصصنا من أموالنا شهرياً حتى تنجلي هذه الغمة؟ مصيبة ليس لها من دون الله كاشفة، ماذا قدمنا؟ نخصص للخادمة كل شهر خمسمائة ريال، ونخصص للسائق كل شهر ألف ريال، فماذا خصصنا للضحايا والأيامى واليتامى الأرامل والمنكوبين والمساكين، مرة واحدة أدخلنا اليد في الجيب، ثم قذفنا بمائة أو أكثر أو أقل وانتهت العهدة، وكأنها شقت عنان السماء.

    لا بد أن يستمر البذل، ولأجل ذلك فسنستمر في هذا المسجد في كل شهر جمعتان، الجمعة الماضية وقبل الماضية والجمعة القادمة، وسنستمر بعد كل جمعة، سنجمع لهذه النازلة إلى أن يأذن الله بالفرج، إلى أن نعذر, ولا أدري كيف نعذر ونحن نقدر على ما هو أكبر.

    معاشر المؤمنين: هذا أقل ما نفعله، ألا تجتمعون على طعام إلا وقد بذلتم شيئاً من قيمة ما تلذذتم به، لكي يواسى به من جرح هناك، ولا زواج ولا زفاف ولا عقيرة أو تيرة أو وكيرة أو أي مناسبة، إلا وقد بذلتم من الأموال ما تتذكرون به أثناء لذتكم بالطعام والشراب، تتذكرون به من يتضورون جوعاً، ويموتون حفاة عراة، وينبغي أن نستمر.

    فينا -معاشر المسلمين- مللٌ من قضايانا، كثير من الناس ملّ قضية فلسطين ، وإن جاوزت الستين عاماً، وكثير من الناس بلغ قلبه حنجرته، وظن بالله الظنونا، لما بلغ الجهاد عنق الزجاجة، وتآمرت الهيئات الدولية، وبعد هذا كله أذن الله بفرج من عنده، إذا انقطعت أسباب الأرض، تفتحت أبواب السماء، ولا يبلغ العبد حقيقة التوكل، إلا إذا قطع التعلق والرجاء والطلب من البشر، وتعلق بالله جل وعلا، حينئذٍ: فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ [القمر:10-11].

    1.   

    الابتلاء قد يكون بالسراء أو بالضراء

    أيها الأحبة: لنتعلق بالله، ولنعلم أن أسبابنا مما نتعبد به الله، وليست الأسباب هي كل الحدث، أو ما يغير الحدث، لكنها ابتلاء وامتحان من الله لنا، إن الله قادر أن يقتل الصربيين بغاز في السماء يهلكهم، إن الله قادر على أن يفجر بركاناً أو يحرك زلزالاً، أليس الذي يجعل الجبال كالعهن المنفوش يوم القيامة قادر على أن يحرك جبلين أو ثلاثة؟ أو يزلزل الأرض من تحت أقدامهم فيهلكوا؟ بلى. ولكن ليبلوكم.

    قد ابتلاهم الله بالضراء، وابتلينا بالسراء، ولكل بلوى فعل، ففعل من ابتلي بالسراء صبر، وفعلنا في السراء شكر، وحقيقة الشكر أن نبذل، ليس شكر اللسان:

    قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت     ويبتلي الله بعض القوم بالنعم

    فماذا قدمتم يا معاشر المؤمنين؟ اسألوا أنفسكم، واعلموا أن المطاف والمرحلة قادمة على ألبانيا، وستذكرون ما أقول لكم، وأفوض أمري إلى الله، والله بصير بالعباد، إن هذه الحملة ليست حملة على اليوغسلافيين البوسنة والهرسك لأنهم البوسنة والهرسك، بل إنها حملة لأنهم مسلمون، لأنهم يريدون الإسلام، وفي ألبانيا ثلاثة مليون وستمائة ألف مسلم قد ينتظرهم الدور، وفي غيرها من دول البلقان ، أترضى أوروبا الصليبية أن تقوم دولة أصولية إسلامية في وسط أوروبا ، لا. لن ترضى أبداً؛ ولأجل ذلك فإذا جاءكم صريخ الألبان يدعوكم إلى النجدة كما جاء صريخ البوسنة والهرسك، فابذلوا وادعموا وأعطوا السلاح والمال، قبل أن تحل المعركة، ليس بإخوانكم في البوسنة والهرسك جبن، بل والله إنهم الآن يقاتلون ببسالة، وقد حمي وطيس القتال، ولكن عزل ليس معهم بندقية أو رشاش، وقيمة الرشاش مائة وخمسين دولار فقط هناك، عجزوا عن تأمين رشاش لكل بيت، حتى يدافع الناس عن أنفسهم وأعراضهم، ومع هذا كله فالقصف ليس في حرب المدن، بل بالراجمات والصواريخ والمدافع الثقيلة.

    لا يجدي وصف الأحداث، ولا ينفع كثرة الكلام، نريد عملاً وفعلاً، نريد من كل واحد منكم، وكل من يسمع هذا الكلام أن يقدم ميزانية شهرية للهيئات الإسلامية، التي تبذل وتدعم وتقدم النجدة والفزعة في هذه البلية، هذا ما ننتظره.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً فاشغله في نفسه، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميراً عليه، اللهم أهلك العلمانيين، اللهم سلطهم على بعضهم، اللهم افضحهم بأقلام بعضهم، اللهم سلطهم على بعضهم، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك يا رب العالمين، اللهم انصر المسلمين في البوسنة والهرسك، اللهم فرج كربتهم، اللهم اكشف الغمة عنهم، اللهم اجبر كسرهم، اللهم تكفل بأيتامهم، اللهم استر نساءهم، اللهم ارحم شيوخهم وعجائزهم.

    اللهم عليك بالصربيين، اللهم سلط عليهم جنودك يا رب العالمين، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، اللهم سلط سلاحهم في جباههم، اللهم اجعلهم غنيمة للمسلمين، اللهم بدل ضعف المسلمين قوة، وشتاتهم دولة، وذلتهم عزة، وفقرهم غنى، وجوعهم شبعا، وعطشهم ريا، بمنك وكرمك يا رب العالمين.

    اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً فجازه اللهم بالحسنات إحسانا، وبالسيئات عفواً وغفرانا، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم تمم نصرهم، اللهم أقم على الحق دولتهم، اللهم اجمع شمل قادتهم، اللهم اخزِ شيطانهم، اللهم اطرد المنافقين والمفسدين من حولهم، اللهم اجمع شملهم، اللهم بصرهم، اللهم بين لهم، اللهم اهدهم، اللهم اجمعهم على الهدى يا رب العالمين، اللهم لا تخيب ظنون وآمال المسلمين فيما عندهم من الهدى والخير يا رب العالمين.

    اللهم توفنا وأنت راضٍ عنا، إلهنا اختم بالسعادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل اللهم إلى الجنة بعد الشهادة مصيرنا ومآلنا بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين، اللهم أمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم سخر لنا ولأئمتنا ودعاتنا وحكامنا ملائكة السماء بقدرتك، وجنود الأرضين بقدرتك، واجعل ذلك في طاعتك يا رب العالمين، اللهم ولِّ علينا خيارنا، واكفنا شرارنا، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

    إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارضَ اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر , وعمر , وعثمان , وعلي ، وارضَ اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.

    إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

    1.   

    تعقيب للشيخ: عمر أحمد سيف عن الجهاد وأقسام الشرك

    السَّلامُ عَلَيَّكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ..

    الحمد لله, الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض, وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير, يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينـزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور, الحمد لله القائل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التوبة:38-39].

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل: هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38].

    وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله, أرسله شاهداً ومبشراً ونذيراً, وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً, وأمره أن يقول: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [الأنعام:50], وأمره كذلك بأن يكون أول من أسلم, وأن ينفذ أمر الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في ذروة سنام الإسلام فقال: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً [النساء:84] صَلَّى اللهُ عليه وعلى آله الأطهار, وأصحابه الأبرار, الذين آمنوا به ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه وعمموه ونشروه في الأقطار.

    فضل الجهاد والمجاهدين

    إخواني في الله، أحبابنا في الإيمان! لقد جئت إلى هذا المسجد وأنا أسمع لخطيبنا المسطع, والشاب النبيل المجاهد الأخ: سعد البريك , وفي نفسي وذهني كلمات هيئتها لأقولها, ولكني حينما سمعت هذه الخطبة التي أخذت بمجامع القلوب, ووصلت إلى الأعماق, ولم تترك مقالاً لقائل.

    سمعت هذه الخطبة بهذا اللفظ البليغ الوجيه, فسرى في جسمي سرور كما تسري الكهرباء في مسالكها, لشيئين:

    الأولى: أني وجدت واطمأن قلبي بأن هذه الأمة لا زال بها الخير والحمد لله تَبَارَكَ وَتَعَالَى, وما دام فينا أمثال هؤلاء الخطباء الذين يحرضوننا على التمسك بكتاب الله وسنة رسول الله, وإحياء سنة الجهاد, هذه السنة والفريضة الغائبة التي يقول فيها الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا) ويقول فيها صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلِيهِ: (من مات ولم يغزُ ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق) والعياذ بالله.

    سرى في جسمي سرور عظيم, وعلمت أن في الزوايا قضايا, وأن الخير في هذه الأمة -بحمد الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لا زال يفيض ولهم آذان، أمثال هؤلاء الشباب الذين يحملون مشاعل العلم, ويقولون كلمة الحق لا يخافون في الله لومة لائم فنحن على هدى, ونحن على حق, كثّر الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى من أمثالهم, وجزى الله خطيبنا خير الجزاء, وبارك الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في علمه وفي عمره, ونفع به وبإخوانه الأجلاء.

    إخواني في الله: ماذا أقول؟ لم يترك خطيبنا مقالاً لقائل, وطرق لنا أعلى فريضة في الإسلام التي لا يعادلها شيء بنص قول الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى وقول رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فربنا يقول: لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [النساء:95-96] فهذا الفرق بين المجاهدين والقاعدين حينما يكون الجهاد فرض عين, أي: يوجد في الأمة من يسد الثغور, ويقص رأس الأعداء, ويقف في وجوههم, في تلك الحالة يكون الجهاد فرض كفاية وربنا تَبَارَكَ وَتَعَالَى يذكر فضل المجاهدين في هذه الحالة ويستثني أولي الضرر ممن قال فيهم: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ [الفتح:17].. وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ [التوبة:92] إذ ذكر الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى هؤلاء, فالمجاهدون بالفعل يسبقونهم بدرجة, وأما الآخرون من العلماء والحكام والأطباء والمهندسون وغيرهم, فهؤلاء يخدمون، لكن المجاهدين يفضلون عنهم بدرجات عظيمة, بدرجات منه ومغفرة ورحمة.

    وقد قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن في الجنة مائة درجة ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله).

    وجاء رجل إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في صحيح البخاري براوية أبي هريرة رضي الله عنه قال: (دلني على عمل يعدل الجهاد؟ قال: لن تجده, فلما ولى دعاه, قال: كيف قلت؟ قال: دلني على عمل يعدل الجهاد؟ قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تقوم ولا تفتر, وتصوم ولا تفطر؟ قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال: أما إنك لو فعلت ذلك ما بلغت درجة المجاهد في سبيل الله) وفي رواية ذكرها الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث في الجزء السادس, قال: (أما إنك لو فعلت ذلك ما بلغت عشر درجة المجاهد في سبيل الله).

    ورضي الله عن الإمام المجاهد عبد الله بن المبارك حينما كتب إلى الفضيل بن عياض وهو يتعبد في مكة:

    يا عابد الحرمين لو أبصرتنا     لعلمت أنك بالعبادة تلعب

    من كان يخضب خده بدموعه     فنحورنا بدمائنا تتخضب

    ماذا أذكر في فضل الجهاد؟ قد ذكره الشيخ بارك الله فيه, وأطلق وبين, ونادى وأبلغ, وماذا أجد في ذلك؟ ولكنني أقول كما قال الشاعر:

    ربَّ وامعتصماه انطلقت     ملء أفواه الصبايا اليتم

    لامست أسماعهم لكنها     لم تلامس نخوة المعتصم

    نسأل الله أن يوقظنا من غفلتنا, وأن يلهمنا رشدنا, وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه.

    فالجهاد هو أعلى ذروة سنام الإسلام, ولا يعدله عمل من الأعمال مهما كان ذلك العمل, كيف لا ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (والذي نفسي بيده لولا رجال من أمتي لا يستطيعون الخروج معي ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله, ولوددت أن أقتل في سبيل الله, ثم أحيا ثم أقتل, ثم أحيا ثم أقتل, ثم أحيا ثم أقتل) كررها ثلاثاً صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلِيهِ يتمنى الشهادة, مع أنه صاحب المقام المحمود, وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر, وهو الذي قال له: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ [التحريم:8].

    الشرك وأقسامه

    إخواني في الله: الإسلام أوامر ونواه, وباب النواهي واجتنابها أهم من باب الأوامر, باب الأوامر ذروة سنامها الجهاد في سبيل الله, وقد ذكرني الشيخ -بارك الله فيه, وزاده من علمه- وقد حذر, وأنذر, وبشر, وبين طريق الخلاص- أننا يجب أن نجاهد بأموالنا وأنفسنا وألسنتنا وبكل ما نستطيع.

    وباب النواهي أعظمها الذنب الذي لا يغفره الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى وهو الشرك بالله, نسأل الله السلامة والعفو والعافية: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً [النساء:48] والله تَبَارَكَ وَتَعَالَى يقول في الحديث القدسي: (يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي, يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني لغفرت لك ولا أبالي, يا بن آدم! لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لقيتك بقرابها مغفرة) اللهم اجعلنا من الموحدين.

    وفي علمنا جميعاً ولا أفيدكم أن الشرك ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    شرك في الاعتقاد, كما تعتقده عباد الشمس والقمر والجن, حيث جعلوا إلهاً للخير وإلهاً للشر كما قال الشاعر:

    جعلوا الضياء تخلق الخير وظلمة تخلق الشر

    فمن اعتقد أن هناك خالقاً وفاعلاً غير الله تبارك وتعالى فهو كافر مشرك بالله: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الروم:40] خلقك وحدك, هذا شرك, من ظن أن هناك خالقاً غير الله يقلب الليل والنهار, يسخر الشمس والقمر, يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته, ينزل الأمطار فهو كافر مشرك! نعم. قد يتسرب إلى قلوب بعض الجهلة أن كثيراً من النصارى اخترعوا اختراعات كثيرة, وأنهم.. وأنهم..

    ولكننا نقول له:

    وكل اختراع جاء منهم فـإنه     من الله مخلوق فما خلقوا غيرا

    ولكنه أوصافه قد تبدلت     وخالق أصل خالق كل ما يطرا

    وإن أنكروا من غيهم خلق ربنا     جميع الذي فيهم وفي غيرهم أجرى

    فقولوا لهم فيلخلقوا لي شعيرة     ومنهم أصول الخلق أو يخلقوا برا

    ومع كونهم بالطب فاقوا وخيلوا     بتصوير أمر كونه ذلك الأمرا

    لو اجتمعوا من أول الدهر جملة     لما اخترعوا روحاً إذا صوروا ذرا

    وقد صوروا عيناً لفاقد نورهـا     وما جعلوا نوراً فما برحت عورا

    والله تبارك وتعالى تحدى البشرية والناس جميعاً فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج:73] هذا الذباب الصغير الحقير الذي تراه يقع تيجان الملوك, وعمائم العظماء, ربنا ضرب به مثلاً: لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً [الحج:73] نعم. لو كان هناك مسرح طوله وعرضه آلافاً من الكيلومترات, وأرادوا أن يخلقوا ذباباً أين سيضعون الرأس في ذلك الجسم الصغير؟ أين سيضعون العين؟ أين سيضعون الشرايين التي ستنقل الدم؟ أين سيضعون حاسة السمع؟ أين سيضعون حاسة الدماغ؟ أين سيضعون الرئة والقلب والكليتين والمعدة, الذكر, الأنثى؟ هذه الذبابة الصغيرة لو رأيتها بالميكرسكوب الذي يضخمها خمسين مرة, لرأيت جميع ما فيها من الأعضاء, وهي مصغرة ولها يدان وأربعة أرجل, وهي تمسح في كل مرة عن عينها التي ليس فيه أجزاء, ولهذه الأرجل عظام ولها مفاصل ولها عروق ولها جلد, ولها مخ يسري فيها, فكيف سيضعون كل هذا ويصورون الذبابة الصغيرة في هذه الأعضاء؟!

    فعجزهم ربنا بهذا الجسم الصغير, بل قال لهم أعظم من ذلك, أنه حينما يكون بجانبك شيء من العسل أو اللبن أو الفاكهة أو الخبز يأتي الذباب فيأخذ منه قطعة صغيرة لا تراها العين, يأخذها ويهرب، فقال لهم سبحانه وتعالى: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ [الحج:73] فأنت تقدر أن تسحق هذه الذبابة بوسائل كثيرة, ولكن هل تقدر أن تأخذ ذلك الجزء الصغير الذي سلبه منك الذباب وترجعه إلى حيزك وتنتفع به؟! لا. إنه بمجرد أخذه يضيع في جسمه ويصير مادة أخرى, فقال جل وعلا: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج:73].

    فالذين لا يعرفون ربنا خسروا الدنيا والآخرة, لا تظن أن الله بعيد منك, ضع يدك على قلبك وانظر هذه النبضات, حياتك أنت متوقفة على جريان الدم والنفس, لو انقطع النفس لانتهيت, ولخرجت من دار الدنيا إلى دار الآخرة, ولو وقف قلبك لحظات من الذي يسير هذا القلب؟ هل هناك فيلسوف أو كافر أو ملحد أو أي مخلوق يقدر أن يقول: إنه يقدر أن يتحكم في نبضات قلبه؟ لا. إذاً من الذي يسيره؟ اقرأ قول الله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16] جل الله العظيم.

    خلقنا بغير اختيارنا, وسنموت وسنخرج من الدنيا بغير اختيارنا, وسنقف بين يديه تبارك وتعالى في اليوم الذي ترجف فيه الأرض والجبال بغير اختيارنا.

    الشرك الثاني: شرك الوسيلة, وهو الذي وقع فيه أكثر المشركين, إنهم لا يقولون: إن الملائكة أو النبيين أو الصالحين يخلقون أو يرزقون ولكنهم يقولون: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3] هذا له مكانة عند الله, ونحن مذنبون لا نقدر أن نعبد الله, ولكننا نتقرب إلى هؤلاء ونعبدهم, وهم يشفعون لنا عند الله تبارك وتعالى: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [الزمر:43-44] وهؤلاء الذين عُبِدوا من كان منهم عاقلاً سيوقفه الله تبارك وتعالى في ذلك اليوم الذي يقول الله فيه: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المائدة:116-117] تبرأ منهم: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ [البقرة:166].

    وسيقيم الله الملائكة -لأن جماعة من العرب كانوا يعبدون الملائكة- ويقولون: بنات الله, فالله تبارك وتعالى في ذلك اليوم قال: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ * فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرّاً وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [سـبأ:40-42] وبقية المعبودات التي لا تعقل، يقول سبحانه: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ [الصافات:22-24].

    ويقول سبحانه: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ [الأنبياء:98-99] ليبين الله تبارك وتعالى ذلتهم وخستهم، حتى الشمس والقمر يكوران في النار؛ لأنهما عُبِدا من دون الله تبارك وتعالى.

    - الشرك الثالث: شرك الرياء, وهو الذي يجب أن نحذر منه, وشرك الرياء هو أن تتظاهر بالتقرب إلى الله تبارك وتعالى بالأعمال الصالحة كالصلاة والصوم والزكاة والحج وغيرها, وأنت لا تريد التقرب بها إلى الله, بل تتقرب بها إلى الناس لتخدعهم إما ليؤمنوك, وإما ليعطوك مالاً, وإما لأنك تخافهم, فهؤلاء هم المنافقون الذين قال الله فيهم: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [البقرة:8-9] قال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً [النساء:142].

    وقد يكون كثير منهم يتكلم باسم الإسلام, ويدخل المساجد, ويصلي الجمعة, وليس مقصوده بالتقرب إلى الله, ولكن مقصده أن يسمع الخطيب ويتلقف الأخبار التي ينقلها إلى هنا وهناك ليوقع الفتنة ويفرق بين الأمة المحمدية, فهؤلاء المنافقون: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:145] نسأل الله السلامة والعافية.

    طرق تؤدي إلى الشرك

    وهناك طرق تؤدي إلى الشرك, ويجب أن نحذرها، وقد بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (ليس منا من تطير أو تُطير له, أو تكهن أو تُكهن له, أو سحر أو سُحر له, ومن أتى كاهناً وصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) من هو الكاهن؟ هو الذي يدعي معرفة الأمور المغيبة, لأسباب ومسببات, فبعضهم يحصد اسم الشخص وأمه, وبعضهم ينظر في وجوههم ويراقبها, وبعضهم ينظر في الكف والذراع, وبعضهم ينظر في الحصى والمسبحة, وبعضهم يدعي أن له صاحباً من الجن وهو يخبره بالمغيبات, والله تبارك وتعالى يقول: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل:65].

    ولو كانت الجن تعلم الغيب لعلمت بموت سليمان عليه السلام, لقد سخرهم الله لسليمان عليه السلام قال تعالى: يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ [سبأ:13] وقال سبحانه: فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ [سبأ:14] فالجن مقبوضون تحت قدرة الله, لا يقدرون على شيء, ولا يملكون شيئاً, ولا يعلمون شيئاً من الغيب: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل:65].

    فمن جاء إلى الكاهن وسأله عن شيء؛ عن غائب: متى يرجع؟ أو عن مريض: هل يشفى أو يموت؟ يتزوج هذه الزوجة تكون سعيدة أم تكون شقية؟ وغيرها من الأمور المغيبة, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -في معنى الحديث-: (فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد, ومن جاءه غير مصدقٍ له لم تقبل له صلاة أربعين ليلة).

    قال: ومن الكهان أيضاً رجل يدعي أنه له سراً مع الله, وأن الله تبارك وتعالى أكرمه بعلم الغيب كما أكرم الأنبياء والمرسلين, كما أكرم عيسى بن مريم الذي كان ينبئهم بما يدخرون في بيوتهم, وغالب هؤلاء لا يؤدون الفرائض ولا يجتنبون المحارم, وإنما يجعل هذا وسيلة لأكل أموال الناس بالباطل, ويحال أن يرزق الله مثل هذا سراً حتى يلج الجمل في سم الخياط, ومن رزقه الله سراً وكانت بينه وبين الله سريرة لا يجعل كرامة الله وسيلة للناس يبتاع ويشتري بها, ليخبرهم بالمغيبات, وليقضي لهم الحوائج ليأخذ بذلك عرضاً من الدنيا قليلاً, نسأل الله السلامة والعفو والعافية.

    إخواني وأحبابي: إن أول ما نتواصى به أن العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً لوجه الله الكريم, فاعبدوا الله وحده لا شريك له, وأن يكون على منهاج محمدٍ بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه, قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31].

    وأنا لا أطيل عليكم, ولكنني أختم بهذه الكلمة بحديث عظيم أخرجه الإمام الترمذي في سننه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً, فقال لي: (يا غلام! ألا أعلمك كلمات؟ احفظ الله يحفظك, احفظ الله تجده تجاهك -في الدنيا .. في البرزخ .. في الآخرة- إذا سألت فاسأل الله, وإذا استعنت فاستعن بالله, واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك, وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك, رفعت الأفلام وجفت الصحف).

    اللهم اجلعنا من الموحدين, اللهم أجرنا من الشرك الخفي والظاهر, نعوذ بك أن نشرك بك شيئاً نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه.

    وكنت أريد أن أشير إليها ولكن لم يدع الخطيب مقالة لقائل, جاء بالأمر كله واستوعب المقال كله, ونسأل الله أن يوفقنا للعمل بما قال, وأن يجعلنا من الذين يقولون ويفعلون, وألا يجعلنا من الذين يقولون ما لا يفعلون, وأن يجعلنا من الصادقين.

    فالفرق بين المؤمن والمنافق في الجهاد يقول الله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات:15] وقال سبحانه: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً [الأحزاب:23] ويقول سبحانه: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر:8].

    والآخرون قال فيهم: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ [محمد:20-21].

    اللهم اجعلنا من الصادقين, ووفقنا لما تحبه وترضى يا رب العالمين.

    إخواني وأحبابي: هذا ابتلاء للمؤمنين -كما ذكره الشيخ- أن الله تبارك وتعالى يبتلي المؤمنين حيث قال: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214] وإذ أننا نقرأ في القرآن المجيد قصة أهل الأخدود في نجران الذين أحرقهم ذو نواس بالنار يقول سبحانه وتعالى: قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج:4-8]. وهذا هو مجال الابتلاء, ليتبين الصادق من الكاذب, من الذي يتقهقر؟

    نسأل الله أن يجعلنا من الصادقين, وأن يوفقنا لما يحبه ويرضى, وأن يطيل أعمار علمائنا وشبابنا الذين يدعون إلى الله بهذا الأسلوب الناصع الحاد, نسأل الله أن يكلل أعمالهم بالنجاح.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..