إسلام ويب

مفاهيم غائبةللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ترتبط القضايا الدعوية بالهمة والاهتمام، ويحتاج القائم بالدعوة إلى خبرة وتأهيل ومتابعة، واختيار مجال مناسب له من مجالات الدعوة الكثيرة. لكن قد تنشأ في مسيرة الدعوة كثير من الأخطاء الناتجة عن غياب بعض المفاهيم التي لا غنى عنها. وفي هذه المحاضرة بيان لبعض تلك المفاهيم، وللأخطاء الناتجة عن غيابها، والمتعلقة بآداب الاختلاف، ومن هو القائم بالدعوة، وضوابط الجهاد، وغير ذلك.

    1.   

    خطأ حصر وتحديد مجالات الدعوة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    إنها لمناسبةٌ سعيدةٌ، وموقفٌ مشرفٌ أن يقف الأخ بين يدي إخوانه، وفيهم من هم خيرٌ منه وأعلم وأتقى لله منه؛ لأجل التواصي وسماع الموعظة والذكرى، وإن الإنسان ليملُّ الانتظار والإطالة إلا في عبادة، أو في انتظار عبادة، وإن الإنسان ليكره الزحام إلا في طاعة ولسماع ذكرى، وإن الواحد ليحمد الله عز وجل أن تمضي هذه الساعة من عمره ودهره وحياته وهي شاهدةً له بأنه ما قضاها أمام ملهاة أو معصية، ولا في سماع باطلٍ أو ساخطٍ من القول، وإنما قضاها بعد عبادةٍ في ذكرٍ ينتظر بعدها عبادة، وإن ذلك -كما في الحديث- مما يرفع الدرجات، ويمحو الله به الخطايا، ذلكم هو الرباط كما قال صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: كثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء على المكاره، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط).

    أيها الأحبة! إنها نعمة عظيمة أن نجتمع وإياكم في طاعة، ولسماع طاعة، ولنحقق طاعة، ولنعمل في طاعة، ونحن نعلم أن الكثير من عباد الله في معصية، وإلى معصية، وعلى معصية، أو في تحقيق معصية، أن تكون من المصطفين الذين أكرمهم الله بهذه الهداية، ومنَّ عليهم بهذه الاستقامة، إنها لنعمةٌ وأي نعمةٍ، بل وأعظم بها من نعمة.

    أحبتنا في الله! حديثنا اليوم محصلة موجزة، وتجربة قصيرة متواضعة من خلال زيارات ولقاءات وكلمات، أو محاورات بين بعض الإخوة ومع كثير من الأحبة، تبين لي أن ما تسمعون الليلة وإن كان معلوماً لدى الكثيرين بحمد الله، إلا أن الكثير أيضاً يغيب عن أذهانهم الكثير مما نسمعه اليوم، وبعضهم لا يتصورونه بوضوح كامل، أو بأفق واسع، ولأجل هذا سميناه بـ(المفاهيم الغائبة) وليس هذا من باب الاستغراق، ولكن لعل في الإشارة ما يغني عن التفصيل في كل العبارة، وكفى من القلادة ما أحاط بالعنق.

    أيها الأحبة! التعبير بالمفاهيم لأجل التواصي والتذكير بدلاً من النقد والانتقاد مع اعتقادنا جميعاً أن النقد الذاتي مطلوبٌ، ولَأن ننتقد أنفسنا خيرٌ من أن يقع أعداؤنا على مواقع الضعف فينا، ولَأن نبادر إلى التواصي بيننا خيرٌ من أن يجدها الأعداء مسبة، أو مثلبة يتشمتون بنا فيها، وهذا الذكر لهذه المفاهيم مع احترام العمل القائم والجهد المبذول، والحديث سهل والعمل عسير،وليس بيسير إلا على من يسره الله عليه.

    أقِّلوا عليهم لا أبا لأبيكمُ     من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا

    أيها الأحبة! طرح هذه المفاهيم أراها تصحيحاً لتصور خاطئ، أو توسيعاً في مجال ضيق، أو تذكيراً بأمر غائب، وبالجملة فالموضوع لا يخرج عن إطار التواصي الذي هو من صفات المؤمنين كما أخبر سبحانه عز وجل بقوله:

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم.

    وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].

    وطرح هذه المفاهيم من باب التذكير بها لا يخرج عن إطار الذكرى لقول الله عز وجل: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55].

    وأبدأ في سرد هذه المفاهيم، وربما لا تأتي مرتبةً، ولكن لعل ذلك من التشويق والتنويع، فمن ذلك: أنني رأيت كثيراً من الأحبة والفضلاء والغيورين والمتحمسين يتصورون حصر الجهد في الدعوة في مجالات محدودة معدودة، وإذا لم يتحقق النشاط، أو النماء، أو الامتداد، أو الحركة، أو العمل في هذه المجالات المحدودة، يرى أنه لا مقام، ولا مكان، ولا سبيل إلى الدعوة إلى الله عز وجل.

    وأرى أن ذلك تحجير لواسع، بعضهم يرى أن الدعوة فقط في المحاضرة والندوة وتوزيع الشريط والكتاب، وفي الحقيقة أن هذا حصرٌ، ومن يرى أن الدعوة فقط في هذه المجالات فهو كمن يجعل البحار في قِرَب، أو يجعل المحيطات في أنهار، الدعوة محيطٌ متدفقٌ واسعٌ، وبحرٌ أمواج خيره وبره ونفعه متلاطمةٌ تجيء بالخير بإذن الله عز وجل، وليس محصورةً في هذه المجالات فحسب.

    أهمية خطبة الجمعة ودورها في الدعوة

    فعلى سبيل المثال لا الحصر: هناك خطبة الجمعة، وما أدراك ما خطبة الجمعة؟ إنها من أجل وأرقى وأعلى وأسمى وأهم مجالات الدعوة إلى الله عز وجل، ولو أننا تواصينا مع خطبائنا، ومع الذين يعتلون المنابر في مجتمعاتنا بالعناية بها، بتقديم الفائدة، واقتراح الموضوع، وتحديد العناصر، وتقريب الكلمة، والمعنى والقضية، واقترحنا عليهم ما يهم، لكان في ذلك خيرٌ عظيمٌ.

    إن خطبة الجمعة حضورها واجبٌ، والإنصات لها واجب، ويحضرها من لا يحضر الدروس والمحاضرات، ويحضرها من لا يقرأ الكتاب، ولا يسمع الشريط، بل يحضرها من قد لا يصلي الصلوات الخمس مع الجماعة، فأهم جمهور، وأهم المستمعين لمادة الدعوة وقضايا الدعوة هم المصلون يوم الجمعة، فالعناية بهذا الأمر مهمٌ جداً.

    وإني لأعجب أن أجد كثيراً من الإخوة ربما يهتم أحدهم بالمحاضرة اهتماماً لا يهتمه لخطبة الجمعة، وأرى أن ذلك من عدم فهم الأولويات وترتيبها، بل لو قال قائل: إنني مشغول بالجمعة، ولا أرى شغلاً بغيرها، قلنا: ليس هذا ببدع، ولا غريب، ولا عجيب، فهي مجال مهم، إنها رسالة إلى جميع الناس في ساعة واحدة في زمن معين، لا تجد ذلك في دين من الأديان، ولا في عقيدة من العقائد، هبوني وأروني واذكروا لي ملة، أو ديانة، أوحزباً، أو مذهباً، أو طائفة تستطيع أن تجمع أتباعها وأنصارها ومؤيديها ومعتنقيها في ساعة على وجه الأرض أو المعمورة، لا تجد ذلك، لكن في هذا الدين تجد ذلك.

    خذ على سبيل المثال: ترى في هذه البلاد في المملكة العربية السعودية من الشمال في أقصى طريف والقريات إلى الجنوب في آخر شرورة ونجران وما وراءها، ستجد أنه من الساعة الثانية عشر إلا ربع مثلاً إلى الساعة الواحدة إلا ربع الناس كلهم في المسجد، هذا مؤتمر خطير، واجتماع خطير، وهذه مسألة مهمة، وهذا حشد لا يمكن أن يحققه الإنسان بالإعلانات على المحاضرات، ولا بالدعوة إليه عبر الإذاعة، أو عبر وسائل الإعلام، لكنه يتحقق بحي على الصلاة حي على الفلاح، فيتحقق هذا الاجتماع العظيم الكبير، ثم لا نجد كثيراً من إخواننا يهتم بهذا الاجتماع ويعطيه حقه، أو يوفيه قدره، أو ينـزله مكانته التي ينبغي أن يُنزل إياها.

    قد يقول أحدكم الآن: لو كان الحضور من خطباء الجمع لكان هذا سائغاً.

    أقول: نعم يا أخي الحبيب. في الحضور من هم من الخطباء، وأنتم ممن يصلون مع الخطباء، فإذا كنا جميعاً نعتني بهذه الخطبة، ونعين الخطيب على تحضيرها وإعدادها وأدائها، وتقديم الأفكار والعناصر، واقتراح الموضوعات المناسبة، وتقريب ما يعينك في الخطبة، القضية الواحدة التي تطرح في الخطبة تحتاج إلى الأدلة من القرآن والسنة، وإلى الكلام من سير السلف والصالحين، وإلى القصص الواقعة الحادثة في هذا الصدد، وإلى شيء من العناية بسبك العبارة والأسلوب، فلو أننا اعتنينا واعتنت كل مجموعة منا بخطيب حيهم وإمام حارتهم مثلاً، وأعانوه على إعداد هذه الخطبة؛ لكُنا نحن وهذا الخطيب شركاء في الأجر العظيم حينما يقول خطبة تربوية نافعة تدعو العباد إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وتدعو العباد إلى نبذ الغفلة والضلالة والهوى، والعودة إلى الاستقامة والجد والاجتهاد في الطاعة، نشترك معه في الأجر والثواب، ولا أظن أن عاقلاً يأنف أو يستنكف أن يقبل نصيحةً تأتيه من أحد إخوانه، بل علينا أن نعلن وأن نفتح هذا الباب لمن كان عنده نصيحة في أمر ينفع المسلمين.

    والخطيب مسئول عن هذه الكلمة، ومحاسبٌ عليها في الدنيا والأخرى، لكن هذا لا يمنع من أن نعينه وأن نقدم له الأفكار المهمة سواءً بالعناصر المحررة، أو بالأرقام والحسابات والإحصائيات، كل ذلك أيها الأحبة نافع ومهم، ويحول هذا الاجتماع الأسبوعي في ساعة واحدة على مستوى هذه المملكة بكاملها إلى اجتماع يطرح قضايا مهمة وعالية وجيدة جداً، أنا لا أقول: جميع الذين يخطبون لا يعتنون بذلك حاشا وكلا، بل الكثير والكثير من إخواننا ومشايخنا وخطبائنا يعتنون، لكن هذا أيضاً لا يعني أنه لا يوجد من لا يبالي، أو لا يعتني، أو لا يهتم، فواجبنا أن نهتم بهذا الموضوع، وأن نعتني به غاية العناية، فهو من أكبر وأضخم وأهم، بل وأخطر مجالات الدعوة هي خطبة الجمعة، فألا من مشمرٍ ومهتمٍ ومعتنٍ بهذه القضية.

    وجود مجالات دعوية تناسب الجميع

    كذلك أيها الأخ الحبيب حينما أتحدث إليك، أو أحاورك في أمورٍ ومجالاتٍ دعوية ربما تسمع من بعض الإخوة القول بأنه لا يحسن هذا المجال، ولا يحسن هذا المجال، وهل كانت الدعوة محصورة فقط في مجال تحسنه؟!

    لا أظنك عيياً عاجزاً أخرقاً لا تستطيع أن تحسن مجالاً من مجالات الدعوة، وأقلها مجال المراسلة سواء كانت مراسلة في الداخل أو في الخارج.

    إن كثيراً من الذين ضلوا ومنهم من أضلوا عن سواء السبيل عادوا إلى المحجة، وإلى الطريق البين، وإلى البرهان الواضح، وآبوا من الزيغ إلى الهداية، ومن الانحراف إلى الاستقامة برسائل متتابعة طرقت أسماعهم عبر شريط، وطرقت قلوبهم عبر أحرف مكتوبة، ملؤها المحبة، عبقة بالأخوة والرأفة والرحمة والحنان، فيا أيها الأحبة، ليس من الضروري أن نكون خطباء حتى نقوم بالدعوة، على الخطباء مسئولية، ومن لا يحسن الخطابة أظنه يحسن الرسالة، ومن لا يحسن الرسالة أظنه يحسن القراءة، فيختار رسالة معدة في هذا الأمر، أو يستشير، أو يسأل فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الأنبياء:7] كيف ينصح ضالاً واقعاً في هذا الإثم، أو من زل ووقع في هذا الذنب العظيم؟ فيأتيه التوجيه: عليك بالرسالة الفلانية، الكتيب الفلاني، انقل من الشريط الفلاني، قدم من هذا الشيء الفلاني، وابعث به مع هدية متواضعة، أو بدون هدية، ستجد أن ذلك بإذن الله من أسباب الفلاح والنجاح في الدعوة، ولا تظن أن كل رسالة سوف تأتيك برجل ملتزم ومهتد، اجعل في بالك أنك ربما ترسل مائة رسالة، فلا يستجيب إلا واحد، وألف رسالة، فلا يستجيب إلا اثنين، أو ثلاثة، ولن تكون أفضل من رسل وأنبياء هم صفوة الله من خلقه وخيرة خلق الله، يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: (ورأيت النبي يأتي يوم القيامة ومعه الرهط والرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد).

    إذاً: اليوم قضايانا الدعوية مرتبطة بالهمة والاهتمام، ولا أظنها ترتبط ارتباطاً كلياً تاماً ببعضها البعض، نعم الإجادة والقدرة أمر مهم، لكن ليس ذلك هو كل شيء، لأنك إن عجزت عن هذا المجال ستقدر في مجال آخر، لكن إذا وجد الاهتمام فإنك بإذن الله عز وجل ستجد المجال المناسب بحجم قدراتك وظروفك.

    على سبيل المثال: الكثير بلا حصر من الشباب يرغبون في الزواج، لكن ليس كل هؤلاء الشباب يستطيعون أن يتزوجوا الفتاة الحسيبة النسيبة، المتعلمة الجميلة، الفاخرة الراقية.. إلى آخره، لكن مع ذلك يتزوج الإنسان بقدر ظروفه، وبقدر إمكاناته، ويحقق الهدف الذي يصبو إليه، لما كانت رغبة شخصية وفطرة غريزية، ونداء قائماً في البدن والروح والجسم استطاع الإنسان أن يصل إليه، وإن لم يصل إليه بكل المواصفات والمقاييس التي يريدها، لكنه حقق ذلك، لأن الرغبة مستمرة وملحة وقائمة، فكذلك إذا كانت الرغبة في الدعوة إلى الله عز وجل ملحة وقائمة تصبحك وتمسيك وهي همك، وتراها في المنام، وتتمناها، ومرتبطة بشعرك وقصيدتك وقراءتك، وتتألم لما يؤلم المسلمين؛ حينئذٍ ستجد مجالات كثيرة في الدعوة إلى الله عز وجل، والمقام يضيق بذكر مجالات عديدة للدعوة، وأحيل إلى شريط سبق أن ألقي منذ زمن لا بأس به بعنوان"مجالات جديدة للدعوة" انظر هذه المجالات فستجد أنك لن تعجز عن واحد أو آحاد من هذه المجالات.

    تعدي القيام بالدعوة إلى غير البشر

    أيها الأحبة! إني أقول لإخواني الشباب الذين فيهم الخير والصلاح والاستقامة والغيرة على الإسلام والمسلمين، أقول لهم: لماذا وقف الالتزام إلى حد الأمور الشخصية فقط؟ لماذا لا يكون الواحد إيجابياً وداعياً ومتحركاً؟ إن الجن وهم الجن لما سمعوا الوحي تحركوا ودعوا أقوامهم، والله عز وجل يقول: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [الأحقاف:29] فهم حضروا، وأنصتوا ليتدبروا ويفهموا مقاصد الخطاب، وما فيه من الأمر والنهي والحكم، ثم ماذا بعد ذلك؟ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ [الأحقاف:29-31] فأفادوا أنهم سمعوا وحياً وخيراً وهدى، ثم دعوا قومهم إلى الاستجابة: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف:31].

    ثم ماذا بعد ذلك؟ قالوا لقومهم: وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ [الأحقاف:32] هؤلاء وهم جن لما سمعوا الوحي أنصتوا وتدبروا وولوا إلى قومهم منذرين.

    لا يكن الهدهد خيراً منك، فقد نصح وتكلم ودعا وسعى، وكانت نصيحة هذا الطائر سبباً في إسلام مملكة كاملة كانوا يسجدون للشمس من دون الله، سليمان عليه السلام لما تفقد الهدهد، وتفقد الطير، فقال: ما لي لا أرى الهدهد؟ فلما بحث عن هذا الهدد أين كان؟ أين ذهب؟ فجاء إلى سليمان عليه السلام الملك النبي، وقال: أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [النمل:22-24] هذا هدهد يدعو وينكر منكراً، وأكبر المنكرات هو الشرك بالله عز وجل: وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ [النمل:24] إلى أن قال: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النمل:25] ويستدل بأفعال الرب على استحقاق الخالق للعبادة عز وجل.

    مقترح في الدعم المادي للدعوة

    أيها الأحبة! هذه من القضايا المهمة، لأننا نجد فتوراً وكسلاً في أمر الدعوة إلى الله عز وجل، ولكن ينبغي أن نتواصى، وأن نهتم سيما والدعوة هي أمر الله لنبيه للمؤمنين من بعده: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:104].. ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل:125].. وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً [فصلت:33] (من دعا إلى هدىً، فله أجره وأجور من تبعه إلى يوم القيامة) (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حُمر النعم).

    فيا أحبابنا! الدعوة مسئولية مهمة، لكن أنا أقول لك: متى تصبح الدعوة قضية مهمة؟

    حينما تجعل للدعوة اهتماماً شهرياً في ميزانيتك، وذلك فرع عن الاهتمام القلبي في شخصيتك وروحك ستجد أن الدعوة مهمة، الواحد يخصص من دخله للكهرباء وللماء، ويخصص من دخله لراتب الخادمة لصيانة سيارته، فهل تخصص من دخلك للدعوة إلى الله عز وجل؟ هل فعلاً شهرياً إذا قبضت راتبك، أو الدخل الذي يأتيك تقول: هذا للدعوة إلى الله عز وجل، أكفل به داعية في أي مكان خارج البلاد، أو أشتري به شريطاً نافعاً أوزعه على الشباب، أو كتيباً، أو رسالةً، أو أفكر كيف أشغل هذا الجزء اليسير من الدخل في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وما يدريك لعل الله أن يهدي بهذا أقواماً أنت لا تعرفهم، ويهدي بذلك آخرين من ورائهم لا تعرفهم تلقاهم يوم القيامة هم وأعمالهم ومن هدى الله على أيديهم في موازين أعمالك الصالحة، والدعوة- كما تعلمون- هي خيرٌ ينفع العبد بإذن الله عز وجل، لأنها أعظم أجراً في أقصر زمنٍ وأقل مدة، فأسأل الله ألا يحرمنا وإياكم هذا الأجر العظيم.

    1.   

    آداب الخلاف في فقه النوازل

    أيها الأحبة! من المفاهيم الغائبة عند كثير من شبابنا اليوم: أنه حينما تقع في هذا الواقع نوازل، أو تحدث أمور ليس فيها حكم قطعي بنص قطعي الدلالة والثبوت .. حينما تقع مثل هذه الأحداث أو الوقائع لا شك أن الناس تتباين آراؤهم وأقوالهم، بل وربما تباينت آراء وأقوال أهل العلم فيها، فيقع شيء من الاختلاف في وجهات النظر، فتعجب من وجود بعض الشباب يتحمس إلى أقصى اليمين لبعض الآراء، وتجد آخرين يتحمسون إلى أقصى اليسار لبعض الآراء، ولا يمكن أن تكون بينهم مسافات للتقارب، أو قناعات أنني على صواب ورأيي يحتمل الخطأ، وأنك على خطأ ورأيك يحتمل الصواب، لا أبداً. لا يرى الحق والقول والصدق إلا عنده، وما سوى ذلك وكل ما عند غيره فهو باطل، وعلى مبدأ ضال، وإن لم تكن معي فأنت ضدي.

    وهذا لا ينطبق خاصة إلا في المسائل التي تجِد في الواقع، ولا تكون فيها أحكام قطعية ثابتة.

    أما المسائل التي أحكامها قطعية بدلالة قطعية بثبوت قطعي فلا يختلف فيها أحدٌ من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، لكن هناك نوازلاً ومواقفاً وأحداثاً وأموراً عجيبة غريبة تقع في واقع المسلمين اليوم بالتأكيد سيختلف فيها المسلمون، وتتعدد فيها الآراء، لكن إذا تنوعت هذه الآراء هل من حقنا أن نلزم الناس جميعاً أن يكونوا معنا على رأي واحد؟

    الجواب: لا. وهذا ليس بصحيح ما لم يكن الخلاف في هذا الأمر يفضي إلى فتنة، فحينئذٍ الذي يجمع الناس على أمرٍ عامٍ، به يتعاملون، وإليه يختصمون، أو يحتكمون هو الحاكم أو المفتي الذي يعينه هذا الحاكم، وكما في القواعد الفقهية والشرعية: حكم الحاكم يرفع الخلاف، فله أن يلزم الناس في المسائل الاجتهادية برأي يجتمع الناس عليه دفعاً للفتنة، ولا حاجة إلى الإنكار الشديد.

    أعود إلى قضية الخلاف في المسائل: لا حاجة إلى الإنكار الشديد في مسائل الخلاف، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يقول: ومسائل الخلاف لا ينكر فيها باليد، ومعنى كلامه: لا يلزمك أن تجمع الناس فيها على رأيك، وإنما كلٌ يورد ما عنده بالأدلة، ونحن على يقين بين القطبين، وبين الطرفين، وبين النقطتين مسافة طويلة يمكن تصور وجود الخطأ الكبير والصواب القليل فيها، ووجود الصواب الكبير والخطأ القليل فيها، فواجبنا حينئذٍ أن نقرب هوة الخلاف ولا نوسعه.

    تجاوز الاختلاف المشروع إلى التدابر والقطيعة

    العجيب الذي يقع: أن ترى من بعض الشباب حينما يقع الخلاف أنهم يتدابرون ويتقاطعون، ويغتاب بعضهم بعضاً، ويتكلم بعضهم في عرض بعض، وربما أصبح هذا البر الطيب المبارك الخير يتكلم في عرض آخر مثله، وله مثل هذه الصفات، ولا يتكلم في عرض فاسق أو فاجر، وليست هذه دعوة إلى الكلام بأعراض الفساق والفجار أبداً، إنما هي دعوة إلى العمل، الكلام يا أحباب لا ينتج ولا يقدم شيئاً، نريد عملاً جاداً يفضي إلى تحقيق نتائج ترد عباد الله إلى عبادة الله وحده لا شريك له، إن الله عز وجل قال: وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [هود:118-119] لكن الله سبحانه وتعالى نهى عن التفرق، فالخلاف ممكن، والتفرق ممنوع وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103].. وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46].. إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام:159] فالخلاف وارد، ولا يمكن في مسألة اجتهادية أني ألزمك برأيي، ولا يمكنك أنت أنك تلزمني برأيك، إذا كان الخلاف سائغاً، وفي مسائل لا ترتبط بمصير أمة، أو بمصلحة مجتمع بالكامل، أما إذا كانت هذه المسألة التي اختلف فيها المختلفون مرتبطة بمصير أمة، أو بقضية استراتيجية كقضية أمن، فحينئذٍ نرجع إلى عالم قد تعلقت الأمة برقبته، وأصبح قوله وفتواه بمنزلة حكم الحاكم الذي يرفع الخلاف، وإذا أمر ولي الأمر بلزوم قول هذا المفتي، لزمنا جميعاً أن نعمل به، وكلٌ يحمل في قلبه ما يعتقد.

    أهمية الحفاظ على الأخوة مع المخالفين

    أيها الأحبة! يقول يونس بن عبد الأعلى المصري الشافعي رحمه الله: ما رأيت أعقل من محمد بن إدريس الشافعي -الإمام الشافعي رحمه الله- اختلفت معه في مسائل كثيرة فتفرقنا، يعني: ما اتفقنا عليها، فلقيني ذات يوم وأخذ بيدي وقال: يا أبا عبد الله ألا يستقيم أن نكون إخوة وإن لم نتفق في مسألة.

    اليوم الواقع في الحقيقة يندى له الجبين، أن تجد هذا ملتحياً، وهذا ملتحياً، وهذا يتبع السنة، وهذا يتبع السنة، وهذا على خير، وهذا على خير، وربما بينهم من الفرقة والخلاف ما يجعل بعضهم لا يلقي السلام على صاحبه، ولا يشمِّته، ولا يعوده في مرضه، وربما لا يتبع جنازته، وربما أسقط حقوقه وأهدر واجبات له، وربما احتقره (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) ولم هذا كله؟

    لأنه اختلف معه، وهل الخلاف مبرر لأن نقع في هذا الأمر؟ هل هذا مبرر لَأن أغمطك حقك، ولا أنزلك قدرك؟ أستغفر الله وأتوب إليه.

    سئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، إمام أهل السنة عن إسحاق بن راهويه وهو إمام من أئمة الحديث، فلما سئل عنه قال الإمام أحمد -مع أنه بين الإمام أحمد وبين إسحاق بن راهويه خلاف في مسائل- قال: لن يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق بن راهويه، وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضاً.

    فيا أحبابنا! هل نجد في أنفسنا هذه الروح؟ هل نجد في أنفسنا هذه السعة لتحمل شخصية ورأي المخالف؟

    هذا للأسف يكاد أن يكون نادراً، ويصبح الاعتدال بين كثير من القضايا المتلاطمة ذات الأطراف المتباينة أمراً عسيراً حينما نحمل مثل هذه النفسية.

    أيها الأحبة! إن هذه القضية: وهي عدم تصور الوفاق والاجتماع حتى مع الخلاف في بعض الآراء الاجتهادية والمسائل؛ جعل بعض شبابنا لا يبالي بإخوانه، ولا بقدرهم، ولا بمنزلتهم، ولا بمكانتهم، ولا يغار على أعراضهم، وهذا أمرٌ خطير، فالذي يتقي الله عز وجل، ربما تراه يخالف هذا الشخص، أو هؤلاء الأشخاص في آرائهم، في أفكارهم، لكنه يتقي الله في أعراضهم، ويتقي الله فيهم إذا غابوا، فيذب عنهم إذا حضر مجلساً، ولا يسمح أن يتهموا، أو أن يقال فيهم ما يقال، بسبب ماذا؟ لأن الخلاف ليس بينه وبينهم في عداوة شخصية، بل إنما الأمر يعود إلى دليل واجتماع وفكر ورأي يراه مدعماً، ويرى الآخرين يختلفون فيه، ولكنه لا يوافقهم على ذلك، فخلافه لا يبيح أعراضهم ولا يسقط حقوقهم.

    ثم أيها الأحبة قد كثر الخلاف في آخر الزمان، وفي الآونة الأخيرة كثرت المسائل التي اختلف فيها فلان مع فلان، وفلان قال كذا، وفلان قال كذا، ثم أي شرخ من تصدعات الخلاف يفتح علينا شروخاً عديدة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والعجيب أننا نرى دولاً تحاربت وتصارعت، ثم اصطلحت واتفقت وتصالحت!

    فيا أيها الأحبة! إذا كان هذا على مستوى الدول والأنظمة .. تقاتلت وتحاربت، ثم تصالحت وانتهت، لأجل ماذا؟

    لأجل المصالح، أو لأجل القناعة بعدم جدوى العداوة، أفلا يليق بنا أن نصلح ذات بيننا، وأن نضيق هوة الخلاف؟

    نعم والله أيها الأحبة، فتجد بعض الشباب يختلفون على قضية ما، ومنشأ خلافهم هو بسبب اختلاف أناس أكبر منهم فيها، اختلاف أنظمة، أو دول، أو فقهاء، وسمها ما شئت، فبعد ذلك يصطلح هؤلاء المختلفون ولا يزال هؤلاء المساكين على شجار وشقاق بينهم.

    سبحان الله! أصحاب القضية اتفقوا وانتهوا، وأنت لا تزال ترفع راية الخلاف والنزاع والشجار، هذا يذكر بالطرفة التي تسمعون بها، أو تعرفونها: الرجل الذي كان في محطة القطار، ومعه ثلاثة أو أربعة يأكلون وجبة، ولما سمعوا صوت منبه القطار أخذوا يتراكضون، فركبوا جميعاً إلا واحداً رجع وهو يضحك، قالوا: لماذا تضحك؟ قال: أنا المسافر وهؤلاء أتوا ليودعوني، فالذي جاء يودع ركب القطار وذهب به، وصاحب القضية لا يزال قائماً، يعني: اقلب هذه الطرفة على هذا الواقع وستجد أصحاب القضايا الكبار الذين اختلفوا قد اتفقوا، وانتهى الخلاف فيما بينهم، لكن الذين ورثوا الخلاف لا زالوا يجترونه، ولا يدرون هل اتفق من فوقهم أم لم يتفقوا.

    والسبب أن الواحد لا يفكر بعقله وإنما يفكر بعقل غيره، وقد نسي أنه يوم القيامة لن يسأل غيره عنه إلا بما أغواه فيه، أو أضله به، لكن أيضاً المسئولية والمحاسبة فردية، فنسأل الله لنا ولكم البصيرة.

    ومن الأمور التي تعين أيها الأحبة: أن يلتفت الواحد إلى الدعاء والإلحاح على الله أن يهديه إلى الحق فيما يختلف فيه الناس، إن النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح دعاء القيام: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل فاطر السماوات والأرض، رب كل شيءٍ ومليكه، اهدني لما اختلف فيه من الحق، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون).

    عدم إلزام الناس بما تراه

    إن هذه المسائل التي يختلف فيها الناس لن يسألك الله عز وجل عنها، لماذا لم تتبن هذا الرأي؟ بل بوسعك أن تعرض عن هذا الاختلاف كله، ولن يسألك الله يوم القيامة: لماذا لم تأخذ بهذا الرأي، لا سيما إذا كان لا يتطرق إليك الأمر مباشرةً؟

    فالآن تجد بعض الناس يقول: ما رأيك في فلان وعلان؟ تقول: يا أخي! لن يسألني الله عنه يوم القيامة، إن كان صالحاً فالله وليه، وإن كان غير ذلك فحسابه على الله عز وجل، أنا لست ملزماً أن أحمل راية عداوة، أو راية موالاة أو معاداة، يعني: لست مسئولاً أن تعرض عليك قائمة، فيقال: ما رأيك في كل من: 1، 2، 3، 4، 5، 6، يقول الشيخ الشنقيطي رحمه الله فيما يذكره الدكتور/ عبد الله الأمين عن سيرة والده في شريط أكرر النصيحة بسماعه اسمه/ العقد الثمين في سيرة الشيخ الأمين، يقول: كان رحمه الله يقول: يا ولدي إن الله لن يسألك يوم القيامة لماذا لم تشتم فرعون؟ فكذلك بعض الشباب ما رأيك في طالبان ؟ ما رأيك في رباني ؟ ما رأيك في حكمتيار ؟ ما رأيك في فلان؟ يا أخي افرض أني ما أعطيت رأياً في هؤلاء جميعاً، لن أمدح هذا، ولن أشتم هذا، ما شققت عن قلوبهم ولا عندي شيء، قد يكونوا قالوا شيئاً يوجب مدحهم أو قدحهم، لكن ما بلغني، أنا غير مسئول عن ذلك.

    فيا أخي الحبيب! عليك بما ينفعك، والحذر من المبادرة والمعاجلة بالقول، تجد البعض- سامحه الله وهاده- إذا حصلت نازلة، أو وقعت واقعة تتعلق بآراء وأشخاص وقضايا معينة، لا بد أن يجمع الناس ويلزمهم برأيه، والمسألة فيها سعة عريضة، أنا جذيلها المحكك، وأنا عذيقها المرجب، وأنا ابن بجدتها، وأنا فارس ميدانها، وأنا حذام

    وإذا قالت حذام فصدقوها     فإن القول ما قالت حذام

    ويريد أن يجمع الناس على رأيه، هذا ليس من حقك يا أخي، الناس لديهم عقول، وتتباين عقولهم في الفهم، والاستنباط، والدلالة، ولولا ذلك ما اختلف أئمة الإسلام، ولما تباينت أحكامهم في ثبوت النصوص والأدلة، ولما تباينت أحكامهم في فهم الدلالات من النصوص والأدلة، فكذلك الاستنتاجات من البشر في قضايا ربما لا تصل إلى أمور العقيدة من حق الناس أن يختلفوا فيها، وإن وقع الخلاف فالحذر أن يكون سبباً في الفراق، الخلاف وارد، لكن أن يكون الخلاف سبباً في السب، أو الشتم، أو الغيبة، أو النميمة، أو إسقاط الحقوق، والتجرؤ على الأعراض، فإن ذلك أمرٌ خطيرٌ أيها الأحبة.

    أهمية سؤال أهل العلم عند الالتباس

    حينما تجد نفسك ملزماً بأن تقول قولاً وليست لديك الآلة والقدرة والتجربة والمعلومات الكافية، حينئذٍ مثل ما قال الشيخ/ ابن عثيمين : هذا صنفٌ يلزمه السؤال فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الأنبياء:7] وبعد ذلك إذا رأيت أهل الذكر مختلفين وأنت تقول: أنا لا أدري أميل مع من، أو أقول بقول من، أقول: اعرض هذا الرأي على أقوال أهل الذكر وأحكامهم فهذه مسألة اجتهادية.

    أعطيك مثالاً: عرضت مسألة من مسائل سمها ما شئت مثلاً مسألة التأمين، أو مسألة معينة، فأقول لك: رأي هيئة كبار العلماء الشيخ/ ابن باز ، الشيخ/ ابن عثيمين ، الشيخ/ ابن فوزان ، والشيخ/ ابن غديان ، والشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ ، والشيخ فلان، والشيخ فلان، ورأي المجمع الفقهي، ورأي كثير من علماء الإسلام أن ذلك ممنوع لما فيه من غرر ورهان، أو مقامرة، أو جهالة، ويأتي اثنين، ثلاثة، أربعة، خمسة، عشرة من العلماء المشهود لهم بالعلم، فيقولون: لا، هذا أمر جائز، تقول: والله أنا عامي أصدق من؟ أقول بقول من؟ أقول: انظر إلى هذا الفريق والجمهور الكبير من العلماء والأئمة والمجتهدين، أظن أن النفس تطمئن إلى الميل إلى قولهم وفتواهم.

    وقس على ذلك أي قضية وأي نازلة، إذا كنت مضطراً للكلام فيها، فانظر إلى الجمع الغفير والكم الهائل من العلماء وأئمة الإسلام، فإذا نظرت قولهم في هذه المسألة معيناً، فاتبع ذلك القول المعين، وستجد أنك بإذن الله عز وجل أمام الله بمعذرة، لأنك نظرت إلى هذه المسألة فلم تستطع أن تقول فيها بقول أو باجتهاد من عندك، لأنك قاصر عن الاجتهاد، ثم نظرت إلى من حولك، فوجدت مائة يقولون بهذا القول، وخمسة أو عشرة يقولون بالقول الآخر، فقل بقول هؤلاء المائة، ولا يضيرك عند الله أن تقول: قلت بقول هؤلاء، بل هذا في أمور الدنيا، الآن الواحد لو أراد أن يستشير في علاج أو دواء معين، وقال: ما رأيكم؟ يسأل هيئة استشارية طبية، ويقول: ما رأيكم في استعمال هذا الدواء؟ فتقول له هذه الهيئة: مائة طبيب ينصحونك بعدم تناوله، وخمسة أطباء ينصحونك بتناوله، فهل من العقل أنك سترمي بقول مائة طبيب عرض الحائط، ثم تأخذ بقول هؤلاء الخمسة؟ هذا في بدنك وصحتك، ستأخذ بقول من توافرت عقولهم وأقوالهم بهذا، فكذلك من باب أولى في دينك ودنياك ومعادك.

    مسألةٌ تتفرع عن هذه القضية -وهي من المفاهيم الخاطئة-: يظن بعض من يسمع بمثل هذه القضايا أن من واجبه أن يتحيز لأحد الفريقين، وأن يتعصب، لا أبداً هذه مسألة لن يسألك الله عز وجل عنها يوم القيامة، أنت ما تتفرج على حلبة مصارعة، يلزمك أن تشجع فلاناً ضد فلان، وفلاناً ضد فلان، ولا يمكن أن تضرب هذه القضايا الخلافية بحلبات المصارعة، بل إذا أردت أن تتدخل في هذه القضية فليكن تدخلك من منطلق قول الله عز وجل: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء:114] إذا وجدت هذا الخلاف قد أفسد ذات البين، وأردت أن تتكلم، فلا تزد النار وقوداً، وإنما اجعل كلامك باباً للتوفيق والتقريب في إصلاح ذات البين بإذن الله عز وجل.

    فلا يلزمك حينما تسمع بفرقة، أو فتنة، أو اختلاف أن تتحيز لأحد أطرافه إلا إذا رأيت أن الحق الواضح البين مع فريق قد ذهب جمهور العلماء والثقات والأثبات والكبار إليه، فحينئذٍ لك أن تميل، وأن تطمئن إلى هذا القول، وأن تعمل به، وليس ذلك بغريب بإذن الله عز وجل.

    كيفية اختيار مجالات العلم والدعوة

    مسألة أخرى: ستجد حينما تقع مثل هذه القضايا ردوداً ومرادات ونحو ذلك، تجد بعض الشباب لا شغل له إلا دراسة الردود والقيل والقال، حسناً اسأله أولاً عن تأسيس علمه، كيف أسس علمه في الفقه؟ كيف أسس علمه في المصطلح؟ كيف أسس علمه في العقيدة؟ كيف أسس علمه في اللغة؟ كيف أسس علمه في القواعد الشرعية الفقهية وأصول الفقه؟ لا تجد عنده تأسيساً، لكنه يريد أن يشتغل برد فلان على فلان، وقال فلان على فلان، وأشغل حياته بذلك، مع أن نقل الردود ما يسعف عن الله عز وجل، ولئن تلقى الله يوم القيامة وأنت لا تعرف رداً على هؤلاء المختلفين، أو لم تسق رداً بينهم، لن يحاسبك الله على ذلك، لكن ينفعك عند الله عز وجل أن تكون قد أسست علماً رصيناً متيناً مكيناً في العقيدة، والتوحيد، والعبادة، والفقه، واللغة، والمصطلح.

    فأسأل الله عز وجل أن يؤلف قلوبنا، وأن يهدينا إلى الصواب.

    كذلك من المفاهيم التي أدركتها ولاحظتها وربما يقع بعض الشباب فيها: التهوين من شأن بعض المجالات، وعدم الالتفات إليها، والقول بالتركيز على مجالات معينة.

    هذا ليس بصحيح، أنا لا أحسن إلا هذا المجال، فلماذا تهون من شأنه، تريد أن تثبطني حتى أتركه، فلا أعمل، أنا لا أحسن إلا هذا المجال، قد تكون أنت قادراً على مجالات عديدة في الدعوة مثلاً، لكنني أنا لا أستطيع أن أحسن من الدعوة إلا مجالاً واحداً، فلماذا تهون من شأنه؟ بل إذا وجدتني على ثغرة قد عضضت بالنواجذ عليها، فأعني وثبتني واشكرني وأيدني، فإن لم يكن ذلك عندك.

    لا خيل عندك تهديها ولا مالُ     فليسعف النطق إن لم تسعد الحالُ

    إذا لم تستطع أن تدعمني وتؤيدني على هذا المجال الذي أنا فيه بكلمة طيبة، فإن بخلت وعجزت بكلمة طيبة (فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت).

    أنا أضرب مثالاً من الواقع: شاب يقول لآخر: لماذا تعمل في مكاتب هذه الجالية؟ ليسوا غير هنود رائحين وهنود قادمين وطالعين ونازلين!

    وهل دعوة غير المسلمين إلى الإسلام أمر هين؟

    مثلاً بعض الشباب يرى في باله أنه لو استطاع أن يكبس أو يكتشف أو يداهم شبكة دعارة أن ذلك هو أخطر وأهم وأكبر مجال يستطيع أن ينصر فيه الدعوة إلى الله جل وعلا، لكن أن يسلم على يده هندي، أو هندوسي، أو بوذي، أو وثني، أو نصراني، أو يهودي، هذا مسألة لا تقوم ولا تقعد عنده، لا يا أخي هؤلاء على ضلالهم ودعارتهم على سبيل المثال لا يزالون مسلمين، وهم فساق وعصاة ومرتكبو كبيرة، لكن هذا ترك الكفر إلى الإسلام،كان يسجد للصليب، فأصبح يسجد لله، كان يخضع للأوثان، فأصبح يخضع لله عز وجل، فلماذا تهون من هذا المجال؟

    يعني: لا بد أن نؤمن بقدرات وإمكانيات وتخصصات كل في مجاله، بل هذا يدعو إلى النظر في فقه الأولويات والاهتمام به، هل يستطع أحد أن يقول: إن الاهتمام بإنكار منكر أعظم وأجلّ وأعلى قدراً من دخول كافرٍ في الإسلام؟ طبعاً لا، لكن هذا لا يعني أن الذي يعمل في الجاليات يثرب على أهل الهيئات والحسبة الذين يطاردون أهل الكبائر والمنكرات، بل أولئك على ثغر، وأنت على ثغر، وهذا الذي يتربى عند العلماء في حلق العلم على ثغر، وهذا الذي يعمل في الأعمال الخيرية على ثغر، وهذا الذي يعمل في كفالة الأيتام على ثغر، وهذا الذي يدعو في السجون على ثغر، وهذا الذي يخالط الشباب ويدعوهم ويكلمهم ويدعوهم بلغتهم والمستوى الذي يفهمونه على ثغر، وكلٌ على ثغر، فإياك أن تهون من شأن مجال يعمل فيه واحد من إخوانك.

    ليس هذا- كما قلت- بدعوة إلى أن يجتمع الناس في مجلس واحد، وهو أيضاً تحذيرٌ من أن يهون بعضنا من مجال يشتغل فيه البعض الآخر، إنما من واجبا أن نحترم القدرات والمهارات، وأن نوظف الطاقات كلٌ في المجال الذي يصلح له بإذن الله سبحانه وتعالى.

    انصراف الناس عن العمل والدعوة

    أيها الأحبة! أعود لأقول مذكراً بالحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن عبد الله بن عمر : (الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة).

    أذكر كما علمت أن أحد الإخوة خطب خطبة جمعة، وبعد الجمعة قال: أيها الأحبة -في مسجد لا يقل عدد المصلين فيه عن ثلاثة آلاف مصلٍّ أغلبهم من الشباب- إننا نفتح مجال المشاركة والمساهمة معنا في مكتب الدعوة وتوعية الجاليات في شعبة متابعة المسلم الجديد، فنريد من يعمل أو يتابع معنا، فلم يتقدم إلا ثلاثة من ثلاثة آلاف، نحلل هذه الظاهرة: إما أن يكون الجميع مشغولين بالدعوة كل واحد منهم في مجال آخر، هذا يعمل في تحفيظ القرآن، وهذا تجويد، وإما أن يكون هؤلاء الثلاثة الآلاف بعد أن نخرج منهم ألفاً هم كبار في السن، ويبقى ألفان إما أن يكونوا مشغولين فعلاً بمجالات الدعوة، ليس لديهم وقت فراغ يعملون، أو أن يكون هؤلاء لم يهتموا بالعمل في الدعوة إلى الله عز وجل، وهذه مسألة خطيرة!

    لو كان الثلاثة الآلاف هؤلاء كلهم يعملون في الدعوة، لرأيت أمراً آخر.

    إذاً الواقع أيها الأحبة: لم تعد عندنا تلك الحرقة، وذاك الحماس، وتلك الإيجابية، وذلك التعاون والتخطيط والترتيب، وتلك المتابعة من أجل تحقيق عمل دعوي، أعرف في حي من الأحياء أحد الإخوة على ثغر دعوي، جندي مجهول، ماذا عنده؟ يعلم أطفالاً كتاب الله عز وجل و(خيركم من تعلم القرآن وعلمه) ويأخذهم في كل أسبوع في رحلة يقرأ عليهم من الأحاديث،ويشرح لهم، ويلعب معهم الكرة، ويعطيهم الجوائز، وهو على هذا العمل سنين مستمر عليه، يا ليت كل واحد يأخذ له مجالاً دعوياً، ويعمل فيه! لكن للأسف إلى الآن ما تحركت هذه القضية في قلوبنا الحركة المناسبة، أو بالقدر المطلوب.

    1.   

    خطأ حصر القيام بالدعوة على فئة معينة

    كذلك أيها الأحبة من الملاحظات: أن تجد من يرى حصر انتفاع الإسلام والدعوة في فئة معينة، يعني: يتصور أنه يمكن يخدم الإسلام فقط أصحاب الفضيلة العلماء الأجلاء، أو القضاة الأكابر، أو... أو... إلى آخره، يعني: لا يتصور أنه يمكن أن يخدم الإسلام من جميع البشر الذين أمامه.

    أيها الأحبة! أنا إذا تصورت أنني لا أستطيع أن أوظف جهود الحاضرين لخدمة الإسلام والدعوة إلا من خلال مواصفات معينة، فمن تنطبق عليهم هذه المواصفات هم الذين سيخدمون، والبقية لن يعملوا شيئاً أبداً، وإذا تصورت أن جميع الحاضرين بإمكاني أن أوظف جهودهم، فأنا أستطيع أن أوظف جهوداً ضخمة وخطيرة وجبارة في خدمة الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، إذاً من أين ينشأ الخلل؟

    ينشأ من أنك تتصور أن خدمة الإسلام ونفع الدعوة لا يمكن أن تحصل إلا من عدد محدود، أو من طائفة معينة، والبقية لا، وبعبارة أوضح وأشمل: ينبغي أن تتصور أن الفاسق يمكن أن يخدم الإسلام، والفاسق يمكن أن يعينك في أمر ترجوه عند الله سبحانه وتعالى، ففسقه له وحسناته لله عز وجل، لكن تنفعه بإذن الله سبحانه وتعالى، وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة:102].

    لماذا لا نتصور أن الإنسان إذا كانت عنده معاص، أو منكرات أو فسق أنه لا يمكن أن يكون عنده عمل صالح؟ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ [الزلزلة:7-8] بل إن بعض الذين عليهم سمات الفسق الظاهر، أو شيء من هذا تستطيع أنك تكلمه أحياناً، وتشعره بأنه يستطيع أن يتبنى قضايا دعوية، أو أموراً مهمة، فتجد فيه إيجابية، إذاً لماذا نعجب؟

    إسلام نصراني على يد فاسق

    في مدينة الرياض رجل يشرب الخمر (سكير) لكن فيه خيراً وهو حبيب لطيف، لكنه يشرب الخمر دائماً، فشرب ذات يوم، واتصلت زوجته بأحد الإخوة متضايقة من حاله، فجاء إليهم، فوجد هذا الرجل، ووجد معه السائق -وكان نصرانياً- وجد الرجل جالساً مع السائق يتحدث معه، فعجب كيف يتحدث وهو سكران؟

    فإذ به يدعوه إلى الإسلام -والذي لا إله إلا هو أيها الأحبة إن هذه قصة حقيقية- وهو ليس لديه تلك الحقائق عن الإسلام، لكن يقول: اسمه راجو، وراجو هذا أسلم في مكتب الدعوة وتوعية الجاليات في البديعة، ومحضر وشهادة إسلامه موجودة، فيقول: يا راجو! لابد أن تسلم! الرجل في حالة سكر، ليس في حالة طبيعية، طبعاً هو كان يدعوه قبل سكره، يعني: ما جاء الفتح بالدعوة يوم سكر، لا يأتي أحد الناس يقول: أنا عجزت أن أدعو! لا بد أن أشرب كأساً!!! لا، الرجل كان يدعو هذا النصراني في أوقات صحوته، كلما رآه قال: يا راجو أسلم، يا راجو أنت لماذا لم تسلم؟ يا راجو لابد أن تسلم! المهم سكر ذاك اليوم، وجلس يكلمه ويكلمه، ولما جاء الأخ ودخل عليه وجد هذا الأخ راجو متهيئاً تماماً للإسلام، فأخذه وأكمل له اللازم وأنطقه الشهادتين، وأحاله إلى مكتب الجاليات، كيف أسلم؟ والله ما أتته رسالة ولا أعطي كتاباً، لكن هذا الفاسق الذي يشرب الخمر كان يدعوه إلى الإسلام، فأسلم على يده.

    إذاً أيها الأحبة! لا نتصور أن من يفعل المعصية لا يمكن أن يفعل الطاعة، لا نحرم المسلمين من نفعه وخيره، ألم يكن الصحابي يجلد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول أحد الصحابة: [أخزاه الله ما أكثر ما يؤتى به في الخمر] فقال صلى الله عليه وسلم: (لا تعينوا الشيطان على أخيكم) ما قال لهم: يستاهل، وما حفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم طرده عن مجلسه، وما حفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم تبرأ منه، وما حفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنت صحابي معنا وفي الخلف تشرب خمر؟ سبحان الله العلي العظيم!

    إمكان وقوع الخير من جميع فئات المسلمين

    لماذا لا نتعامل مع المجتمع من حولنا بكل إمكانية وطاقة ومقدرة ونستثمر الجوانب الخيرة فيه، قد يكون عنده تقصير في جوانب، لكن عنده جوانب إيجابية هل تحسسناها؟ هل بحثنا عنها؟ هل التمسناها؟ فإذا حركت هذا الخير في نفسه، طبعاً هذا لا يعني أنك لا تنكر عليه، لا يفهمنا أحد فهماً خاطئاً، بأنك خلاص تقول: والله ما دام هذا الرجل عاصياً أو فاسقاً وحصل منه خير، إذاً لا تنكر عليه المعصية، لا. إنما استثمر ما عنده من الخير أولاً، ابدأه بالخير الذي عنده، وانظر كيف تنكر هذا المنكر الذي وقع فيه بالحكمة والموعظة الحسنة، فإن في ذلك خيراً عظيماً أيها الأحبة.

    خلاصة الأمر: أن البعض لا يتصور خدمة الإسلام، أو نفع المسلمين، أو إمكان نفع الدعوة، أو فعل الخير إلا من رجل صالح، لا. بل يمكن أن يقع الخير من صالح سابق بالخيرات، ومن ظالم لنفسه، ومن مقتصد، وهذا في نفس الوقت يجعلنا نخاف، لأننا لا نتكلم وننظر إلى الآخرين، النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إن الله لينصر هذا الدين بالرجل الفاجر) فخف على نفسك أنت أن تكون ذاك الفاجر الذي ينصر به الدين، الله عز وجل يقول في المنافقين: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ [المنافقون:4] لماذا لا تخاف على نفسك، وتخشى الله أن تكون ذلك المنافق الذي إذا تكلم سمع له الناس؟ وفيك نفاق قد تأصل وأنت لا تدري، هذا الكلام ليس حكماً على الآخرين فقط، بل هو أيضاً خوفٌ على نفسك، ورغبة في إصلاح الآخرين، والاستفادة من الخيرات الموجودة فيهم بإذن الله عز وجل.

    عموم خطاب القرآن للأمة بالإيمان

    إن الأمة كل الأمة تخاطب بالقرآن العظيم"يا أيها الذين آمنوا" وهل كل الأمة على درجة الإيمان الكامل بأركان الإيمان وأحكامه وآدابه وشرائعه؟ لا. ومع ذلك خوطبت الأمة بالعموم تغليباً، خوطبت بالجانب الخير فيها، دخل في هذا الخطاب الفساق أهل المعاصي الذنوب، وينادون باسم الإيمان، لماذا؟ تغليباً في الخطاب للجانب الخيّر فيهم، فلماذا لا نغلب في خطابنا واستثمار الطاقات الموجودة في مجتمعنا، أن نغلب الجوانب الخيرة في الناس، فإن ذلك خيرٌ عظيمٌ بإذن الله عز وجل.

    أقول: إذا فهمت هذه القضية، فإن ذلك يجعلك تستثمر أكبر عدد ممكن من الناس، إذا كان عندك في العمل مائة زميل من زملائك في العمل فيهم عشرة متدينين إن كنت تنظر أنه لا يمكن خدمة الإسلام إلا من خلال هؤلاء المتدينين، فأنت تستثمر عشرة، وإن كنت ترى أنه يمكن أن تستثمر جميع الطاقات الموجودة في هؤلاء، فأنت تستثمر هؤلاء العشرة بدرجة ثمانين في المائة، وتستثمر التسعين بدرجة عشرين أو ثلاثين أو أربعين في المائة بمقدار الخير الموجود فيهم، لكن انظر من أي جانب تدخل، قد يكون هذا الشخص الذي لا تعده متديناً لا يحب الشريط، ولا الكتاب، لكن يمكن أن يكفل داعية، قد لا يحب شيئاً اسمه الكفالات، يمكن أن يهدي شريطاً أو ينسخ شريطاً، أو يعطيك آلة تسجيل ترسلها إلى بلدة مسلمة محتاجة، المهم أنك ستجد أن هناك مجالات خيرة تستفيد فيها بإذن الله سبحانه وتعالى.

    دعوة الأفراد ودعوة الجماعات

    أيضاً من المفاهيم الغريبة والعجيبة، وهذه لاحظتها في الخارج كثيراً: أن يتصور البعض أنه لا يمكن أن تتم الدعوة إلى الله إلا من خلال جماعة، أو حزب منظم، فيتصور البعض أنه لا يمكن أن يدعو إلى الله، أو يشارك في الجهود الدعوية إلا بعد أن ينخرط في سلك الجماعة، وأن يلتزم بأحكامها وأوامرها، ونقول: هذا ليس بصحيح.

    بل هناك أشخاص نراهم أكبر من أفكار الجماعات، ونراهم أوسع آفاقاً من أفكار هذه الجماعات، بعض الأشخاص الله سبحانه وتعالى أعطاه فكراً كبحر يتدفق، والجماعة قوالب معينة، فكيف تريد أن تجر هذا البحر وهذا الفكر، وهذه الفتوحات، وتجعله في قالب جماعة، أو حزب، أو مجموعة منظمة معينة؟

    الجواب: يمكن أن تدعو إلى الله جل وعلا من خلال هذه الجماعة ومن خارجها، والأدلة والشواهد على ذلك في تاريخ الإسلام كثيرة، أنا أقول هذا أيها الأحبة لماذا؟ لأن بعضهم في ريبة من أخطاء جماعته، أو أخطاء حزبه، يريد أن يترك هذا الحزب، أو أن يترك هذه الجماعة مثلاً، ولكن يظن أنه إذا تركهم فلن يستطيع أن يدعو، أو يؤثر، أو يعمل، لا، الجواب: أنه يمكن أن يعمل، وأن يلتزم، بل بعضهم يظن أنه لو ترك هذه الجماعة، لم يعد أمامه خيار آخر إلا أن ينحرف، وأن يضل ضلالاً بعيداً، هذا ليس بصحيح، بل الشريعة والعبادة والدين واضح وجلي بحمد الله عز وجل، ومجالات الدعوة- كما قلنا- متاحة، وتستطيع أن تدعو إلى الله سبحانه وتعالى دون الانخراط في هذا الحزب أو في هذه الجماعة، وهذا ليس من باب الحرب على الجماعات، بل في الجماعات حسنات وسيئات، وعندها صواب وخطأ، والحق مقبول، والخطأ مردود، ولكن المقصود بيان إمكان العمل بسهولة تامة، وتأثير بالغ دون أن يرتبط الإنسان بهذه الجماعة.

    أما فيما يتعلق ببلادنا في هذه المملكة الطيبة المباركة الذي أراه أننا في بلاد لا يسوغ لنا أن نعمل في ظل جماعات منظمة أو أحزاب، هذا طبعاً كما أعلم غير موجود ولله الحمد، ليس هذا اتهاماً، لكن لو أراد أن يقول ذلك، نقول: لماذا نكون جماعة؟ نحن بلاد مسلمة، ودولة مسلمة، وعندنا خير، وأخطاء، وحسنات، وسيئات، وسيئاتنا وأخطاؤنا لا تخرجنا عن صفة الإسلام، والحسنات الموجودة عندنا تستطيع أن تستثمر جهودك من خلالها، أومن خلال قنواتها، فأنت على خير عظيم بإذن الله عز وجل، فينبغي أن ننتبه لهذا، وحينما أقول ذلك، أدعو حتى لا يقع أحد في أمر جهل منه.

    أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى     فصادف قلباً خالياً فتمكنا

    ربما شاب غرير يسافر إلى الخارج، ثم يلقى جماعة يقولون له: تعال معنا نريد أن نكون جماعة، تعال بايعنا عندنا أمير، ومسئول، ونقيب، و... قل له: يا أخي الحبيب! أنا في بلد مسلمة لا أحتاج إلى ذلك، اسألهم. قل: هذه الجماعة من أجل ماذا؟ يقولون: من أجل إقامة دولة مسلمة، قل: الآن أعيش في دولة مسلمة، الجهود التي تريدني أن أفعلها في إقامة دولة مسلمة هي موجودة، جهودي أوجهها في إنكار المنكر، والأمر بالمعروف، وإصلاح الخطأ، وتكثير الخير، وتقليل الشر ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، لا أن أتصور أنني ينبغي أن أعيش بكيان أو بتنظيم معين داخل هذه الدولة معاذ الله، وعلماؤنا الأفاضل وكبار العلماء قد نهوا عن ذلك، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح الإمام مسلم : (لا حلف في الإسلام) في عصور الخلافة، في عهد أبي يكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، في عهد عمر هل وجدتم بعض الصحابة ذهب يصنع له جماعة من أجل أن ينكر منكراً؟ لا. ينكر المنكر مباشرة بأساليبه، بأحكامه، بآدابه، بضوابطه، من يوفق إلى الخير يهد إليه، من يحقق الله على يده خيراً فالحمد لله، من يعجز عن ذلك، أو يبتلى، أو يحصل له ما يحصل، يصبر على ما يأتيه، وهذه سنة الله في خلقه.

    1.   

    خطأ تعليق العمل للإسلام بالجهاد

    كذلك من الغرائب، أو هي من العجائب: تعليق العمل للإسلام بالجهاد، فإذا لم يكن هناك جهاد فلا دعوة، ولا عمل، ولا جهد أو غير ذلك.

    وهذا ليس بصحيح، إن الجهاد وسيلة لتبليغ الدعوة، فإذا حصل البلاغ بغيره حصل الخير، وأقول هذا الكلام، لأن كثيراً من الشباب الذين بارك الله فيهم، ونفع بهم، وسدد رصاصهم، وأبلوا بلاءً حسناً في حرب الشيوعيين والروس مثلاً في أفغانستان تجد بعضهم لما رجع من أفغانستان ، جلس بدون عمل دعوي، لماذا لا تعمل؟ يعني ما هناك عمل إلا في جانب عسكري وإلا فلا يمكن أن تجد عملاً آخر، لا. الجهاد مرحلة متقدمة عند تعذر الدعوة، أنت الآن في بلاد فيها مجالات دعوية كثيرة متاحة ومفتوحة، فبادر يا أخي الكريم بالعمل، ولا تجعل هذا الفكر يتسلط عليك، ترصد أو قصف، أو أسرى أو ألغام إذاً لا عمل! لا. ستجد مجالات للعمل كثيرة بإذن الله.

    بل إن هذا الفكر، وهو قول الإنسان: ليس هناك جهاد، إذاً لا أستطيع أن أعمل، ربما يدعوك إلى أنك تذهب تحرض أقواماً عاجزين عن الجهاد، أو هم أقليات في بعض البلاد تذهب وتحرضهم على أن يفعلوا عملاً وهم لا يستطيعون مواجهة هذا العدو الكبير، ثم بعد ذلك ما ذا يحصل؟

    إذا- لا قدر الله- حصل هذا لأنه إنسان متعلق بالجهاد وانتهى الجهاد، وما هناك عمل جهادي، ولا يريد أن يعمل إلا في ظل الجهاد، وفي غير الجهاد لا يتصور أن هناك عملاً ودعوة، يذهب ويحرض أناساً في أي جهة من الجهات، وبعد ذلك يصدقونه ويتحركون معه، وهو مجموعة أقلية مسلمة فقيرة ضعيفة مريضة ليس لديها أي إمكانيات تبدأ تتحرك... وجدوا لهم خمسمائة رشاش، وألف قذيفة، وصاروخين استنجر، هيا باسم الله نبدأ بالجهاد، لا يا أخي الحبيب هذا أمر يحتاج إلى نظر، وتأمل، ودراسة، فلا يلزم من انتهاء الجهاد في أفغانستان، أو البوسنة أن تفجر الجهاد في مكان آخر، وأنت لا تدري عن أوضاعهم وظروفهم، ولا تدرس أحوالهم، ولا تعرف من يمدهم، ولا تعرف من يقف معهم، ولا تعرف هل من بينهم من هو قادر على أن يقيم مثل هذا العمل، أو لا يقيمه، فتـزج بهم في معركة غير متوازنة ومشاريع عسكرية غير مدروسة، وهذا أمر خطير، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    غربة الإسلام المعاصرة

    كذلك أيها الأحبة من المفاهيم العجيبة حول قول النبي صلى الله عليه وسلم: (بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء).

    بعض الإخوة يتصور أن غربة الإسلام غير موجودة، يقول لك: يا أخي انظر هذه محاضرة، وهذا المجتمع كل الناس حاضرين ولله الحمد، والمسجد ممتلئ، وهناك محاضرات، وهناك ندوات، ولماذا الكلام عن غربة لإسلام؟ ولماذا تتكلم عن غربة الإسلام؟

    الخطأ يأتي هنا، لا تحكم بغربة الإسلام وعدمها من خلال بيئتك المحافظة، أو الملتزمة، أو التي فيها أعمال دعوية، أو نشاط دعوي معين، انظر إلى غربة الإسلام والمسلمين أحياءً وأمواتاً في كثير من البلدان في الخارج، يعيشون غربةً حقيقيةً لا يستطيع أحدهم أن يأمن على نفسه ودينه، في بعض البلدان أحدهم لو صلى الفجر مرات متوالية لأصبح متهماً، وفي بعض البلدان الفتاة المحجبة تبتلى وتسجن وتؤذى، هذه غربة حقيقة، لا تنظر إلى مجتمعك، وتقول: والله أنا في خير، وما هناك غربة في الإسلام، لا. الغربة موجودة، لكن لا تنسب الوضع إلى مجتمعك فقط، انظر إلى مجتمع المسلمين عامةً، وانظر إلى حياة المسلمين عامة؛ ستجد الغربة الحقيقية التي ربما جعلت الجيل الثاني، والثالث من أبناء المسلمين يتنصرون، تصوروا في الأرجنتين، وتشيلي، وأمريكا الجنوبية عوائل مسلمة هاجرت، فكانت النتيجة المفجعة المؤلمة أن الجيل الثالث من أبناء هذه العوائل أصبحوا نصارى بأسماء نصارى، وأجدادهم مسلمون بأسماء مسلمين، الغربة موجودة.

    البعض عندما تكلمه عن غربة الإسلام، يقول لك: يا أخي نحن بخير والحمد لله، حسناً هل الإسلام كله بلادنا؟ حينما تتكلم عن المسلمين فلا تتكلم عن المسلمين فقط في حدود المملكة، بل تكلم عن المسلمين عموماً، فتتكلم عن غربة المسلمين، نعم في بعض البقاع هم بخير، وفي بقاع كثيرة هم في فتن وبلاء وشر الله به عليم، فينبغي أن ننتبه لهذه القضية.

    وأقول: هذا الشعور بعدم الغربة استناداً إلى ما ترى من واقع الخير- ولله الحمد- يجعلك لا تهتم ولا تبالي بأحوال المسلمين، ولا تتألم بآلامهم، بل لا بد أن تستحضر غربة الإسلام في هذا الزمن، وغربة المسلمين في هذا الزمن حتى يتحرك الجسد، أليس المسلمون كما قال صلى الله عليه وسلم: (كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) نعم. فهناك أعضاء متألمة من جسد الإسلام والمسلمين اليوم يتألمون ويتأوهون ويبكون ويسكبون العبرات، ويصيحون، ولا يجدون من يغيث، أو ينجد، أو ينصر، ولا أدَل على ذلك من الذي يحدث الآن في فلسطين من حال إخواننا المسلمين اليوم، ولكن وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:216].. فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً [النساء:19].

    الحاجة الدائمة للجهاد

    أيها الأحبة! إننا ما كرهنا مجيء من حرشوا على هؤلاء أمنهم وأوطانهم، أو بلادهم حتى تتحرك الغيرة الحقيقية، وأن يعلم المسلمون أن أوهام السلام الدائمة هذه غير واردة إطلاقاً، لا يمكن أن يعتقد مسلم يؤمن بالقرآن والسنة أنه سيتم سلام دائم لا يخدشه حربٌ أبداً، لأن هذا الاعتقاد يناقض الإيمان بالحديث (تقاتلون اليهود، فينصركم الله عليهم، ويقاتل معكم الشجر والحجر، حتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم! يا عبد الله! ورائي يهوديٌ تعال فاقتله) الذي يتصور أنه يمكن أن تعيش البشرية في ظل سلام إلى أن تقوم الساعة مع اليهود، هذا غير وارد أبداً، وهو مخالف لنصوص الكتاب والسنة، ربما يقع سلام في أزمان معينة، لكن لن يدوم، لن يستمر إطلاقاً، وهذا هو اعتقادنا.

    أيها الأحبة! أيضاً من القضايا التي نلاحظها أن بعض المسلمين عنده غيرة، أو اجتهاد، أو نوع من الحركة، ولكن مثل: المسحة الطبية صالح للاستعمال لمرة واحدة فقط، بعض الإنسان عنده غيرة واحدة فقط استهلكها في أفغانستان، ما بقي عنده أي تحمس سواءً للبوسنة ، أو للشيشان، أو لـفلسطين، أو أورونيا، أو آراكان، أو بورما، أو الفليبين، أين الغيرة؟ استهلكناها في أفغانستان، أين العواطف والمشاعر الجياشة؟ ذهبت في قضية أفغانستان ، هذا ليس صحيحاً، الغيرة المطلوبة من المسلم ينبغي أن تكون متجددة في كل عصر عاش فيه، في كل زمان عاش فيه، وكذلك في كل قضية من قضايا المسلمين ليحقق هذا التآلف، وهذا الترابط الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    أهمية تحري الدقة في وصف الواقع

    من العجائب والغرائب: أن نجد عند بعضنا مبالغةً في وصف الواقع، وتزيّداً واستطراداً في وصف الأحداث ونقلها، والواجب أن نكون أُمناء في الكلمة، وأن نصف الواقع بدقة، وأن ننقل الحدث حينما تدعو الحاجة لنقله بدقة، وألا نبالغ أبداً، صف ما رأيت، وانقل ما سمعت ولا تتجاوز.

    إن المبالغة في وصف الأحداث قد تفضي إلى التثبيط والإرجاف والتخويف والإضعاف، وإن التهوين والتساهل في نقل الأحداث، ووصف الواقع قد يفضي إلى عدم أخذ الحيطة الكاملة والأهبة التامة أيضاً، فحينما نكون دقيقين في وصف واقعة معينة، فإن ذلك يجعلنا أمناء في نقل الكلمة، ونجعل الآخرين يأخذون للقضية أو للحدث حقيقتها التي لا زيادة فيها ولا نقصان.

    فلو أن واحداً من الناس يقول: يا إخوان! شبَّ حريق في العمارة الفلانية -واشتعلت الأدوار الثلاثة، والأبواب، والنوافذ، فيأتي الإنسان الذي عنده رغبة في إطفاء الحريق، يقول: ماذا بقي؟ القضية انتهت والمبنى انتهى واحترق، إذاً لا حاجة، ما تجد عندك حرقة لأن تبادر، لأن المبنى احترق وانتهى، وفي الحقيقة أنه ما احترق إلا دور واحد، أو دوران فقط، فلو نقلت إليه الحقيقة، لبادر لاستدراك ما يمكن استدراكه من البناء دون أن يحترق، ويأتي آخر، يقول لك: والله إنه حصل حريق، لكنه في نافذتين وباب فقط، ولا أكثر، أو المبنى سليم، فهذا الذي يرغب أن يتحرك للإطفاء، يقول: مجرد نافذتين وباب، لا تحتاج إلى هذا الجهد كله، الناس الذين حوله يستطيعون أن يصلحوه، فانظروا من أين جاء الخلل: لما بالغنا في نقل الحدث أصبح فيه إرجاف وتثبيط ويأس، وعدم تفاؤل وإمكانية، أو غلب على الظن أنه ما عادت هناك إمكانية للسيطرة على هذا الحريق، ولما هونا من شأن الحدث، أصبح الأمر هيناً وكلناه وأسندناه إلى الذين بجواره، لكن إذا نقلنا الحدث بدقة، فإن ذلك يدعو إلى أن كلاً يأخذ أهبته، ويستعمل قدرته، ويشارك بحسب طاقته.

    أقول هذا الكلام أيها الأحبة! ونحن نلاحظ أن هناك أحياناً مبالغات في نقل بعض الأحداث، ووصف بعض القضايا والوقائع، والواجب أن نكون دقيقين في نقل الكلام والأحداث، لست بحاجة أن أضرب الأمثلة مثلاً بقضية أفغانستان، فأذكر أن الكثير وأنا كنت واحداً من هؤلاء وهذا ليس والله دعوى أو بدافع كذب -معاذ الله- ولو كذب الإنسان ما كذب في منبر ولا في بيت الله، لكن بدافع الحماس يُحدث الناس على القضايا بما يُتفاءل به، تحدث الناس عن القضايا أنه سيكون كذا، وسيكون كذا، والأمل أن يحدث كذا، والأمل أن يحدث كذا، وأطلنا الحديث في الآمال والتفاؤلات، وما كان الحديث دقيقاً في وصف الواقع، فلما جاءت الغرائب والعجائب، قلنا: كيف حصل هذا؟ لو كنا أيام أفغانستان نسمع وننقل ونتداول الواقع بدقة بحسناته وسيئاته ما كان الذي يحدث اليوم أمراً عجيباً ولا غريباً علينا، لكن كنا نتكلم عن الواقع بنفس فيها تفاؤل، وأنه سيحدث كذا، وسيكون كذا بإذن الله، وهذا يدل على كذا، لم تكن هناك دقة في وصف الواقع، لكن نقول: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ [البقرة:143] لن يضيع كل جهد من جهاد، أو حماس، أو تبرع، أو بذل، أو عمل يرجو به الإنسان وجه الله عز وجل، حتى وإن تقاتل المجاهدون، أو اختلفوا، أو قامت بينهم الفتن، نسأل الله أن يصلح أحوالهم بإذن الله عز وجل.

    1.   

    القبول بما تيسر من العمل

    ومن القضايا والمفاهيم الغائبة: أن البعض يطمح إلى أعلى درجات العمل أو عدم العمل.

    يعني: إما أن يركب سيارة شبح (ستمائة إس إي إل) أو يمشي حافياً، وينيت، كرسيدا، بيجو، هذه غير واردة، إما شبح ستمائة أو المشي حافياً، حسناً يا أخي الحبيب أليست هناك درجات في وسائل النقل بين هذه السيارة وبين أن تمشي حافياً؟ إما أن تلبس حريراً أو تتعرى!! هذا ليس بصحيح.

    تجد البعض مثلاً تقول له: العمل، الدعوة، النشاط، يقول لك: انظر يا أخي متى ما صارت الأمور كذا وكذا وكذا -وأعطاك مواصفات مثالية متكاملة رائعة لمجتمع لا ينقصه شيء- وإلا فلن أعمل، أساساً لو كان الوضع هكذا ما احتجنا إلى عمل.

    فيا أخي الحبيب! عود نفسك أن تعمل في ظل القدرات والظروف والأجواء المتاحة أمامك، أنت الآن تقود سيارة نزل الضباب، تهدئ السرعة، ارتفع الضباب، تستطيع أن تسرع قليلاً، زاد الضباب، تمشي رويداً رويداً، لو تمشي عشرة كيلو متر في الساعة، فدائماً ضع هذا أمامك إمكانياتك المادية، اندفع بقوة إذا ارتفع الضباب، ضباب الفقر وإمكانياتك المادية ضعيفة، اعمل في ظل هذه الإمكانيات المادية لنـزول ضباب الفقر مثلاً، وبهذه النفسية يكون عندك استعداداً أن تعمل صيفاً وشتاءً ليلاً ونهاراً في جميع الأجواء والظروف، وتستمر على العمل بإذن الله عز وجل، لأن البعض إما أن يعمل في كل مجال، وفي كل ميدان وبأعلى طاقة، وإما ألا يعمل، وأقول: هذا من المفاهيم الغائبة، وربما هو من وسوسة الشيطان أيضاً الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً [البقرة:268] فمبدأ:

    و نحن أناسٌ لا توسط بيننا     لنا القبر بين العالمين أو الصدر

    يا إما أعلى قمة، أو القبر، هذا ينبغي أن نزيله في الدعوة إلى الله عز وجل، وأن يكون مبدؤنا في الدعوة: أن تعمل في كل مكان بقدر الإمكانيات والمجالات والظروف المتاحة بإذن الله عز وجل.

    1.   

    ترك العجلة ومراعاة عامل الزمن

    من الغرائب: العجلة، العجلة (ولكنكم قوم تستعجلون) خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء:37].

    فلا تكن عجلاً في الأمر تطلبه     فليس يحمد قبل النضج بحران

    ينبغي للإنسان أن يعطي الأمور قدرها، الصغير لا يكبر إلا في ظل زمن، البيت لا يبنى إلا في زمن، الإنسان لا يأخذ الشهادة الجامعية إلا في زمن، ستجد أن الزمن ظرف وعنصر رئيسي في كثير من القضايا، ولا تبلغ الأمور أشدها وتستوي جيداً إلا بمرور الزمن، فكذلك العمل والدعوة والإصلاح وكثير من القضايا تحتاج إلى صبر، وتحتاج إلى زمن، وتحتاج إلى تفاؤل، وعود نفسك على التفاؤل يا أخي، إن تشاءمت فإنك تقتل نفسك، وإن تفاءلت فأنت تدفع نفسك، وتتنفس عبيراً ونسيماً طلقاً بإذن الله عز وجل، تستطيع أن تقول: نصف هذا الكأس فارغ متشائماً، وتستطيع أن تقول متفائلاً: نصف هذا الكأس مملوء، تستطيع أن تقول في العسل:

    تقول هذا مجاج النحل تـمدحه     وإن تشأ قلت ذا قيء الزنابير

    ذماً ومدحاً وما جاوزت وصفهما     والحق قد يعتريه سوء تعبير

    تستطيع أن تقول إذا كنت محباً لأبيك: هذا والدي، وتستطيع أن تقول: هذا زوج أمي، القضية واحدة، لكن بحسب ما في نفسك وما في شخصيتك من التفاؤل ينعكس على أسلوبك وعباراتك، وبحسب ما في نفسيتك وشخصيتك من التشاؤم ينعكس أيضاً على أسلوبك وعباراتك.

    1.   

    التمسك بالدعوة في جميع المواقف

    في الختام ينبغي ألا تجعل ضعف موقفك سبباً في قعودك عن الدعوة إلى الله عز وجل، لا يمنعك من الدعوة ضعف موقفك، أو ضعة موقعك كأن تكون صغيراً بين كبار، أو فقيراً بين أغنياء.

    نعم أيها الأحبة! هل تتصورون موقفاً أضعف وأحط من موقف تلك المرأة التي كانت على فراش الزنا بين رجلي الزاني، على حالة من الفقر والضعف، ومع ذلك ماذا قالت؟ كما في قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، فانحدرت صخرة من الجبل، فانطبق الغار عليهم بهذه الصخرة، وقالوا: إنه لن ينجيكم مما أنتم فيه إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، الأول توسل إلى الله ببره بوالديه، والثاني توسل إلى الله عز وجل بأنه أعطى الأجير أجره، والثالث توسل إلى الله بأنه كانت له ابنة عم، وكانت على أحسن ما تكون عليه النساء، وأنها كانت تحتاج إليه، فيراودها عن نفسها، فتأبى وتتمنع، وأنها جاءته في سنة قحط أو جدب، فأرادت منه الإعانة أو المال، فقال: لا أعطيك حتى تمكنيني من نفسك، فتحْت ذِلة الحاجة ووطأة الفقر وجدب السنين وقحط الأرض، رمت بنفسها تحت قدميه، فلما تمكن منها، ما كان موقفها الضعيف الذليل صارفاً لها عن الدعوة، بل في تلك اللحظة التي هي في أحط موقف، قالت: اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه، حتى في اللحظات الأخيرة من الضعف والهوان، فنفعت تلك الرسالة، وتلك الدعوة، وتلك الكلمة، فقام وتركها وترك المال.

    إذاً: لا يمنعك ضعف موقفك وموقعك من الدعوة إلى الله عز وجل.

    وكما مرَّ بنا: إن موقف الهدهد الطائر أمام الملك النبي سليمان عليه السلام ما منعه من أن يدعو وأن يبين، وموقف النملة تحت جيش جرار يهز الأرض، ما منع النملة أن تنصح قومها يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ [النمل:18].

    أهمية وضوح الموقف

    أيها الأحبة وختاماً: وضوح المواقف أمر مهم جداً:

    إن الكثير من الشباب لا تجده ينطلق في الدعوة، وحياته، وتعامله من مواقف واضحة، على سبيل المثال: وأنا أقول هذا الكلام ديانةً، لأنني أعتقده عقيدة أدين الله عز وجل بها، يعني: ستجد البعض حينما تناقشه في مسألة، تقول: هذا أسلوب لا يليق، أو لا يناسب، لماذا؟، تقول: لأننا في مجتمع فيه حاكم شرعي، وله بيعة، وله سمع وطاعة، وقد اجتمعت الأمة هنا عليه، وأهل الحل والعقد قد بايعوه، فأنت تعتقد أن هذا الأسلوب لا يناسب، ولا يجوز، ولا يرضي، فلا تجده يسلم لك، ولا تجده يفصح عما في نفسه مثلاً، فالغموض واللعب بالمواقف هذا لا يصلح، كن واضحاً وضوحاً جلياً جيداً، عندما يقولون: ما هو موقفك من هذه القضية؟ ترفعها بكل وضوح، موقفك من أهل البدع؟ وموقفي واضح، موقفك من الفاسق، كيف تتعامل في خيره وتنصحه وتتقي شره؟ لا بد أن تكون واضحاً، هذا الوضوح ينعكس أخي الحبيب على أسلوبك.

    أذكر- والشيء بالشيء يذكر- أن المارق المسكين هذا الذي اسمه المسعري صاحب لجنة الحقوق جمعني به مجلس قبل أن يفعل فعلته هنا، فأخذ يتكلم حديثاً اشمأززت منه، فقلت له: يا أبا فلان، يا دكتور أنا أوافقك بشرط أن توضح لي الآن موقفك، هل أنت ترى بيعة وسمعاً وطاعةً، وتوافق ما أجمع وأطبق عليه كبار العلماء الأخيار الأبرار الصالحين، أم لا؟ قال: لا، لا، لا، هذه قضية ما لها داعي، ولا تدخلها في حديثنا، قلت له: لا، اطرح هذه القضية أولاً، فإذا اتفقنا عليها، تفرع عنها أسلوبنا في الدعوة، فإن أسلوبك في الدعوة فرع عن موقفك من الوالي، أو الإمام، أو الحاكم، إن كنت ترى بيعته، فأسلوبك يختلف، ويتمشى بحسب أوضاعك، وإن كنت لا ترى ذلك، فأسلوبك يختلف أيضاً، ليس هذا باتهام لأحد، أو بقول على أحد، لكن أنا هذا الحديث الذي دار بيني وبين هذا الرجل، ولا أعممه على أحد أبداً، فأقول: لا بد أن يكون الإنسان واضحاً في مثل هذه القضايا لمصلحة الدعوة إلى الله عز وجل، ولمصلحة استمرارك في العمل الدعوي، وإذا كتب على الإنسان ما كتب، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    أيها الأحبة! هذا بعض ما جمعت في هذه القضايا أو هذه الأمور التي وجدتها إما مفاهيم غائبة، أو أخطاء يقع فيها الكثير، فأسأل الله عز وجل أن يجعلها خالصة لوجهه، وأن ينفعنا وإياكم بها، وأسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته واسمه الأعظم أن ينصر المسلمين في كل مكان، وأن يرحم المستضعفين في كل مكان، وأن ينصر المجاهدين في فلسطين، وأن ينتقم من اليهود عاجلاً غير آجل، وأن ينصر إخواننا في الشيشان، وفي الفليبين، وفي كل مكان يا رب العالمين.

    اللهم لا تدع لهذه الوجوه ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أيما إلا زوجته وأسعدته يا رب العالمين، ورزقته ذريةً صالحةً بمنك وكرمك يا رب العالمين.

    اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجمع شملنا وعلماءنا وحكامنا على طاعتك، ولا تفرّح علينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه.

    أرقام تتحدث عن حال المسلمين في البوسنة

    أيها الأحبة قبل الإقامة هذه رسالة كريمة من أخ كريم وهو الشيخ/ عبد الكريم بن سعد المقرم مدير مكتب منطقة مكة المكرمة للهيئة العليا لجمع التبرعات لمسلمي البوسنة والهرسك، يقول فيها -الخطاب إن شاء الله إلى الجميع-: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    لقد خلفت الحرب الطاحنة التي دارت رحاها أكثر من ثلاث سنوات في جمهورية البوسنة والهرسك الكثير من المآسي والمعاناة التي جفت في ذكرها المحابر، وتكسرت في وصفها الأقلام، وضاقت بحروفها وجملها الدفاتر والأوراق، وإليكم هذه الأرقام الناطقة لتتصوروا معنا فظاعة ما حدث:

    مائة شخص كانوا يموتون يومياً بسبب الجوع.

    مليونان ومائة وثلاثون ألف لاجئ داخل البوسنة وخارجها.

    أربعة عشر ألف وثلاثمائة وخمسة وسبعون نوموا في المستشفيات بسبب الأمراض والإصابات.

    مائتان وخمسة وسبعون ألف قتيل.

    خمسون ألف طفل وشاب معوق.

    ألف مسجد تم تدميرها.

    خمسة وثلاثون ألف طفل ماتوا برصاص القناصة.

    تسعون بالمائة من أطفال البوسنة كانوا يعيشون في خنادق تحت الأرض.

    خمسين في المائة من أطفال البوسنة شاهدوا مقتل أقاربهم وجيرانهم.

    أربعون في المائة من أبناء البوسنة فقدوا الأب والأم.

    نسأل المولى جلت قدرته أن يرفع البلاء، وأن يكشف الهم، وأن يزيل المحن عن المسلمين في كل بقاع الأرض، والهيئة العليا بتوفيق الله، ثم بدعم متواصل من حكومة خادم الحرمين الشريفين أيده الله والمحسنين في هذا البلد تقوم بدور عظيم لدعم صمودهم وتخفيف آلامهم ومواساتهم بما تقدمه هذه الهيئة المباركة من مساعدات إنسانية في مجالات الطب والتغذية والتعليم مع الدعوة إلى الله، وذلك بتبصيرهم بأحكام الدين، وتدريس القرآن في المساجد... إلى آخر هذا الخطاب.

    يقول: وحيث إن الله تعالى وفق قادة هذه البلاد الكريمة لنصرة قضايا المسلمين في كل مكان، وجعل أبناء هذه الديار كالبلسم الشافي لجراح المسلمين، وهذه نعمة من نعم الله، فعليه نأمل من إخواننا التعاون معنا في تحريك المشاعر الإسلامية والإنفاق في سبيل الله والعناية بالبذل، وتسليم التبرعات لمندوب المكتب علماً بأن الجمع سيكون في صناديق مغلقة، وسيتم فتحها وجردها بإشراف لجنة مختصة في مقر المكتب.

    لذا أيها الأحبة أدعوكم ونفسي أن تتبرعوا، وأن تبذلوا ما استطعتم لهذه اللجنة الموفقة المباركة، أسأل الله أن يدفع بذلك البلاء عنا وعنكم، واعلموا أن الصدقة تطفئ غضب الرب، وتدفع أنواع البلاء، وتدفع ميتة السوء، أسأل الله أن يكفينا وإياكم كل شرٍ.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.