إسلام ويب

لقد كان في قصصهم عبرة [3]للشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • استعرض الشيخ شيئاً من المواقف بين يوسف وإخوته من جهة، وبين يوسف والملك من جهة أخرى عندما مكنه من خزائن الأرض، وأوضح الشيخ في ثنايا الكلام عِظم أخلاق هذا النبي الكريم في تعامله مع إخوانه رغم ما فعلوا به، ثم أنهى خطبته ببعض الفوائد من هذه القصة.

    1.   

    بداية تمكين الله ليوسف في الأرض

    الحمد لله، الحمد لله وحده لا شريك له، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه، وعن المثيل، وعن الند، وعن النظير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

    وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، بلَّغ دين ربه أتم البلاغ، وأوصل رسالة ربه أتم الإبلاغ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله: اتقوا الله حق التقوى.

    معاشر المؤمنين: أرسل الملك رسولاً في طلب يوسف وإخراجه من السجن، فلما جاء الرسول إلى يوسف وأخبره بذلك، وبشره بالخروج، قال: لن أخرج حتى ترجع أيها الرسول إلى الملك، ثم تسأله: ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن؟

    يريد يوسف بذلك أن يتحقق الملك ورعيته من نزاهة عرضه وبراءة ساحته فيما ينسب إليه من جهة امرأة العزيز، وأخرجت يوسف عليهن، فقال الملك: ما خطبكن وشأنكن إذ راودتن يوسف عن نفسه يوم أن أخرج عليكن؟

    فقلن: حاشا لله ما علمنا عليه من سوء، وما هو بمتهم، وعند ذلك ظهر وتحقق ما أرداه يوسف من إعلان براءته على لسان من كاد به، ونطقت امرأة العزيز قائلة: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ [يوسف:51] أي: يوم أن قال: هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي [يوسف:26] وتقول امرأة العزيز: وأعترف بهذا على نفسي ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب في فعل فاحشة، وإنما راودته مراودة فامتنع، ولست أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا من عصم الله ورحمه، وهذا القول هو الأشهر والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام.

    وبعد أن تحقق الملك براءة يوسف عليه السلام، ونزاهة عرضه فيما نسب إليه، قال: ائتوني به أستخلصه لنفسي، وأجعله من خاصتي وأهل مشورتي، فلما كلمه الملك وعرف فضله وعلمه وبراعته، قال له: إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ [يوسف:54] أي: لك عندنا مكانة وأمانة، فقال يوسف عليه السلام: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55].

    1.   

    قصة يوسف مع إخوته

    ثم مكن الله ليوسف في أرض مصر بعد أن جعل على خزائنها يتبوأ ويتصرف ويتنقل فيها حيث شاء بعد ذلك الحصر والحبس والضيق رحمةً له من الله جزاء ما صبر عليه من الأذى من إخوته، والحبس من امرأة العزيز، وليس جزاء الصبر والاحتساب هذا العز والتمكين فحسب، بل إن له في الآخرة أعظم وأكثر من ذلك، وبعد مضي تلك السنين المخصبة وحلول السنين المجدبة عم القحط بلاد مصر بكاملها، ووصل إلى البلاد المجاورة حتى إلى أرض كنعان التي كان فيها يعقوب والد يوسف عليهما الصلاة والسلام، حينئذٍ احتاط يوسف عليه السلام للناس في غلاتهم، وورد عليه الناس من سائر البلدان يطلبون الميرة والقوت لأنفسهم وأولادهم، فكان إخوة يوسف من جملة من ورد إلى مصر حيث بلغهم أن عزيز مصر يعطي الناس الطعام بثمنه، فأخذوا معهم بضاعة يعتاضون بها طعاماً، وركبوا عشرة نفر، وبقي يعقوب عليه السلام ومعه ابنه بنيامين شقيق يوسف، ولما وصل إخوة يوسف أرض مصر، جاءوا إليه فرأوه في أبهته ورياسته، فعرفهم يوسف، ولم يعرفوه لتغير حاله بعد أن فارقوه صغيراً، ولم يخطر على بالهم أن يصل أخوهم يوسف إلى ما وصل إليه مما رأوه من العزة والسيادة.

    قدوم إخوة يوسف إلى مصر لأخذ الميرة

    الحاصل أنهم قدموا على يوسف وهم لا يعرفونه، وذكروا أنهم قدموا إليه للميرة، وأنهم إخوة عددهم اثني عشر، هلك أصغرهم في البرية، وبقي شقيقه عند أبيهم يعقوب ليتسلى به، ثم أمر يوسف بتجهيزهم وتوفية الكيل لهم، وحمل أحمالهم، ثم قال: ائتوني بأخيكم هذا الذي ذكرتم أنه عند أبيكم، ائتوني به لأعلم صدقكم فيما ذكرتم، ثم رغبهم في الرجوع إليه، واصطحاب أخيهم معهم قائلاً: أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ [يوسف:59] ثم رهبهم قائلاً: فإن لم تأتوني بأخيكم هذا، ولم تقدموا به معكم في المرة الثانية، فليس لكم عندي ميرة ولا تقربون، ثم همس يوسف لفتيانه وغلمانه قائلاً: اجعلوا بضاعتهم التي قدموا بها ليمتاروا عوضاً عنها، اجعلوها في رحالهم وأمتعتهم لعلهم يرجعون.

    فلما رجع الإخوة إلى أبيهم، قالوا: يا أبانا منع منا الكيل بعد هذه المرة إن لم ترسل معنا أخانا بنيامين فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [يوسف:63] وسنرجع به إليك، فقال يعقوب عليه السلام: هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ [يوسف:64] وهل أنتم صانعون به إلا كما صنعتم بأخيه يوسف من قبل، تغيبونه عني وتحولون بيني وبينه: فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف:64] بكبر سني وضعفي وحزني على يوسف.

    ولما فتح إخوة يوسف متاعهم، وجدوا بضاعتهم ردت إليهم، فقالوا: يا أبانا ما نبغي؟ أي: وماذا نريد بعد هذا؟ هذه بضاعتنا ردت إلينا، وأتينا بالميرة إلى أهلنا، وزيد لنا في الكيل، وكل ذلك لنا إن أرسلت أخانا معنا، وسنحفظه ونزداد به حمل بعير، فقال يعقوب: لن أرسله معكم حتى تأتوني موثقاً من الله وتحلفون لتأتنني به إلا أن يحاط بكم وتغلبوا جميعاً، فلا تقدرون على تخليصه، فآتوه العهود والمواثيق، فأكدها يعقوب عليهم بقوله: اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [يوسف:66] فوافق بعد ذلك على تجهيز بنيامين معهم، ثم أوصاهم، وقال: يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ [يوسف:67] قال ابن عباس وغيره: [خشي عليهم العين؛ لما كانوا عليه من جمال الهيئة وحسن المنظر وبهاء الطلعة] ثم قال يعقوب: وما يغني هذا الاحتراز والاحتياط في رد قدر الله شيئاً.

    أسلوب أخذ يوسف لبنيامين

    ولما دخل إخوة يوسف عليه ومعهم أخوهم بنيامين، أدخلهم دار كرامته ومنـزل ضيافته، ثم خلا بأخيه وأخبره بشأنه، وما فعل إخوانه به، وقال له: لا تبتئس، ولا تأسف، أو تظهر جزعاً مما صنعوه بي، واكتمه عنهم، وتواطأ يوسف مع أخيه على حيلة يبقيه عنده معززاً مكرماً، فلما جهزهم وحمل أحمالهم، أمر بعض فتيانه أن يضع السقاية في متاع بنيامين، وهي إناء من فضة، وقيل: من ذهب يكيل للناس به.

    فلما أوشكوا على الرحيل، أذن مؤذن ونادى مناد: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ [يوسف:70] فالتفت إخوة يوسف إلى المنادي، وقالوا: مَاذَا تَفْقِدُونَ [يوسف:71] قالوا: نفقد صواع الملك، وهي السقاية التي جعلها يوسف في رحل بنيامين، ولمن جاء بهذه الصواع حمل بعير، وتكفل المنادي بذلك قائلاً: وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [يوسف:72] فقال إخوة يوسف: ما جئنا هنا سارقين، ولا مفسدين، فقال الفتيان: فما جزاء السارق إن كان فيكم من أخذ صواع الملك؟

    فقال إخوة يوسف: جزاء من وجد في رحله فهو جزاؤه، وكان في شريعتهم أن السارق يدفع إلى المسروق منه، وهذا هو ما أراده يوسف عليه السلام، فبدءوا يفتشون أوعيتهم قبل وعاء بنيامين، كأنه لا يعرف من الذي سرق، إذ لو بدأ بتفتيش وعاء بنيامين قبلهم ووجدها فيه، لقال إخوة يوسف: هذا أمر قضي بليل، أو دبر بخفاء، فلما فتش الفتيان وعاء بنيامين وجدوا السقاية فيها، فأخذوا بنيامين منهم بحكم اعتقادهم وإلزامهم بما يعتقدونه، في أن من سرق يدفع إلى المسروق، فقال إخوة يوسف لما رأوا الصواع قد أخرج من متاع بنيامين: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ [يوسف:77] يعنون يوسف عليه السلام يوم أن أخذ صنماً لجده أبي أمه فكسره، فأسرَّ يوسف في نفسه قوله: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ [يوسف:77] ثم قال إخوة يوسف: يا أيها العزيز! إن له أباً شيخاً كبيراً يحبه حباً شديداً، خذ أحدنا مكانه، أو بدلاً منه إنا نراك من المحسنين المنصفين، فقال يوسف: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ [يوسف:79].

    فعند ذلك يئس إخوة يوسف من تخليص أخيهم بنيامين، ثم انفردوا عن الناس يتناجون فيما بينهم، فقال كبيرهم وهو الذي أشار عليهم بإلقائه في البئر بدلاً من قتله: ألم تعلموا أنكم أعطيتم أباكم العهود والمواثيق من الله لتردن يوسف إليه، وقد رأيتم كيف تعذر ذلك عليكم، ومن قبل ذلك تفريطكم في شقيقه يوسف، فلن أبرح هذه البلدة حتى يأذن لي أبي في الرجوع إليه راضياً عني، أو يحكم الله لي بأخذ أخي، ثم قال أخوهم الأكبر: ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ [يوسف:81] وإن كنت لم تصدقنا، اسأل القرية التي كنا فيها، والعير التي أقبلنا فيها، وإنا لصادقون فيما أخبرناك به من سرقته.

    موقف يعقوب من أولاده في فقدهم لبنيامين

    فلما جاءوا إلى أبيهم عليه السلام، قال لهم مثلما قال يوم أن جاءوا بدم كذب على قميص يوسف، قال لهم: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً [يوسف:83] إن الله عليم بحالي، حكيم في قضائه وقدره في أولادي، ثم تولى يعقوب وأعرض عنهم، وذكرته هذه الحادثة بفقده يوسف، فقال يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ [يوسف:84] ساكت حزين كئيب لا يشكو أمره إلى مخلوق، وهذا ملاحظ مشهود إذ قد يقع للإنسان من المصائب والآلام ما يجعله كئيباً ساكتاً لا ينطق بشيء من شدة حزنه وآلامه.

    فقال إخوة يوسف لأبيهم يعقوب: قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ [يوسف:85] إن استمر بك هذا الحال، فقال يعقوب: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [يوسف:86] يريد بذلك تحقيق رؤيا يوسف وظهورها.

    ثم التفت يعقوب إلى أبنائه وقال: اذهبوا وتحسسوا من يوسف وأخيه، لا تيأسوا من روح الله، فذهبوا إلى مصر، ودخلوا على يوسف، وقالوا له: يا أيها العزيز! مسنا وأهلنا الضر والجدب والقحط، وجئنا ببضاعة مزجاة، ومعنا ثمن الطعام الذي نمتاره وهو قليل، فأوف لنا الكيل، وتصدق علينا برد أخينا إلينا، واقبض هذه البضاعة المزجاة منا، إن الله يجزي المتصدقين، ولما ذكروا له ما أصابهم من الجهد والضيق وقلة الطعام، وما أصاب والدهم من الحزن لفقد أولاده، رق قلب يوسف لهم، وقال لهم: هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ [يوسف:89] فعرفوه عند ذلك، وقالوا: أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:90] فقال إخوته: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا [يوسف:91] وإنا لمخطئون فيما فعلناه في حقك، فقال يوسف: لا تثريب ولا تأنيب ولا عتاب عليكم، ثم دعا لهم بقوله: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف:92].

    مجيء يعقوب وأهله وبنيه إلى أرض مصر

    ثم قال يوسف: اذهبوا بقميصي هذا، فألقوه على وجه والدي الذي عمي من كثرة البكاء يأت بصيراً، وائتوني بجميع بني يعقوب، ولما فصلت العير خارجة من أرض مصر، قال يعقوب وهو في بلاد كنعان، قال يعقوب لمن كان عنده من بنيه: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ [يوسف:94] لولا أن تقولوا: إنك كبرت وهرمت.

    فقالوا له: (تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ [يوسف:95] في حب يوسف لا تنساه ولا تصبر عنه، فلما أن جاء البشير الذي يحمل قميص يوسف، وكان هو بعينه الذي جاء بالقميص الذي لطخ بالدم الكذب، فألقى القميص على أبيه، عاد يعقوب بصيراً يرى ما حوله، ثم قال: ألم أقل لكم إني أعلم من الله أنه سيرده إلي.

    فعند ذلك قال إخوة يوسف لأبيهم: يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين، قال: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يوسف:98] أرجأ الدعوة لهم بالمغفرة إلى وقت السحر، ثم تجهز يعقوب عليه السلام مع بنيه وأهله ورحل من بلاد كنعان إلى أرض مصر، ولما أخبر يوسف بقدومهم وقرب وصولهم، خرج لتلقيهم، وخرج الملك، وأمر أمراءه وأكابر الناس بالخروج مع يوسف لتلقي نبي الله يعقوب عليه السلام، فلما رآه أبوه وأمه وإخوته، خروا له سجداً، وكان السجود للكبير جائزاً في شريعتهم، لكن حرم في شريعة الإسلام.

    ثم قال يوسف: يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ [يوسف:100] لأنهم كانوا أهل ماشية وبادية مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ [يوسف:100] إذا أراد أمراً قيض أسبابه ويسره وهو العليم بمصالح عباده، الحكيم في أفعاله وأقواله وقضائه وقدره، وبعد أن استقر يوسف بإخوانه ووالديه، سأل ربه مبتهلاً حسن الختام قائلاً: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف:101].

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    بعض الدروس المستفادة من قصة يوسف

    الحمد لله الواحد بلا شريك، القوي العزيز بلا نصير، والعليم بلا ظهير، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.

    معاشر المؤمنين: لا شك أن هذه السورة العظيمة والقصص الكريم الذي أوحاه الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم قد احتوى جملةً من الدروس والعظات والعبر والفوائد التي لا يحصيها إلا الله سبحانه وتعالى، وإن تعرضنا لشيء منها فما أوتينا من العلم إلا قليلاً.

    لقد اشتمل هذا الطرف الذي ذكرناه في آخر قصة يوسف على جملة من الدروس من أهمها: أنه لا بأس أن يخبر الإنسان عما في نفسه من الصفات الكاملة من العلم وغيره إذا كان في ذلك مصلحة، وسلم من الكذب، ولم يقصد به الرياء، لقول يوسف عليه السلام: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55].

    - ومن الفوائد أيضاً: أن الولاية لا تذم إذا كان المتولي لها يقوم بما يقدر عليه من إقامة الشرع وإيصال الحقوق إلى أهلها، ولا بأس بطلب الولاية إذا علم الإنسان أنه أهل لها، وأعظم كفاءة من غيره.

    - ومنها: أن جباية الأرزاق إذا أريد بها التوسعة على الناس من غير ضرر يلحق بهم فلا بأس بذلك، لأن يوسف أمرهم بجباية الأرزاق والأطعمة في السنين المخصبات للاستعداد به للسنين المجدبات، وقد حصل بذلك خير عظيم.

    - ومنها: أن سوء الظن مع وجود القرائن الدالة عليه غير ممنوع ولا محرم، فإن يعقوب قال لأولاده: (هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ [يوسف: 64] وقال: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً [يوسف:18].

    - ومنها: أن استعمال الأسباب الدافعة للعين وغيرها من المكاره، أو الرافعة لها بعد نزولها غير ممنوع، وإن كان لا يقع شيء إلا بقضاء الله وقدره، والأسباب من القضاء والقدر، وذلك من قول يعقوب: يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ [يوسف: 67].

    - ومنها: أنه ينبغي لمن أراد أن يوهم غيره بأمر لا يحب بيانه أن يستعمل المعاريض القولية والفعلية المانعة له من الكذب، كما فعل يوسف حينما ألقى الصواع في رحل أخيه، ثم استخرجها منه ليوهم أنه سارق، وليس في ذلك تصريح بالسرقة، وإنما استعمل المعاريض، ومثل هذا قوله: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ [يوسف:79] ولم يقل: سرق متاعنا.

    ومنها: أنه لا يجوز للمسلم أن يشهد إلا بما علمه وتحققه برؤية، أو سماع لقولهم: وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا [يوسف:81].

    ومنها: أن الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، وذلك في قول يعقوب لما اشتد عليه ألم فراق يوسف، وتلاه فراق بنيامين، وابيضت عيناه من الحزن، فقال: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [يوسف:86].

    ومنها: أن قرب الفرج مع شدة الكرب، فإنه لما تراكمت الشدائد، وتنوعت المصائب على يعقوب، رجع إلى فارج الهم .. كاشف الغم .. مجيب دعوة المضطرين، وهذه عوائده الجميلة خصوصاً لأوليائه وأصفيائه ليكون لذلك الوقع الأكبر والمحل الأعظم، وليجعل من المعرفة بالله والمحبة له ما يعادل ويرجح بما جرى على العبد بلا نسبة.

    ومنها: جواز إخبار العبد بما يجد، وما هو فيه من فقر أو مرض، أو غيرهما على غير وجه التسخط، لقول يعقوب: يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ [يوسف: 84] وقول إخوة يوسف: مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ [يوسف:88].

    ومنها: فضيلة التقوى والصبر، وأن كل خير في الدنيا والآخرة من آثار التقوى والصبر، وأن عاقبة المتقين أحسن العواقب لقوله تعالى: قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:90].

    ومنها: أنه ينبغي للعبد أن يلح دائماً على ربه في تثبيت إيمانه، وأن يحسن له الخاتمة لقول يوسف وهو نبي كريم: تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف:101].

    ومنها: ما ورد في هذه السورة من الأصل الدال على مشروعية الجعالة والكفالة في قول يوسف: وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ [يوسف:72] فهذه هي الجعالة، وقوله: وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [يوسف:72] فهذا دليل على مشروعية الكفالة.

    معاشر المؤمنين: كتاب الله جل وعلا مليء بالفوائد والآيات والعظات والعبر، ولكننا نخشى أن نكون قد وقع فينا قول الله سبحانه وتعالى على لسان النبي: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً [الفرقان:30].

    إن كتاب الله جل وعلا لمليء بالآيات والعظات والعبر:

    وإن كتاب الله أوثق شافع     وأغنى غناءٍ واسعاً متفضلاً

    إن كتاب الله جل وعلا فيه دواء القلوب، وفيه دواء الأمراض، وفيه الفوائد، وفيه كل شيء من القصص التي ذكرها الله لنبيه، ذكرها لكي يطيب نفسه، وذكرها لكي يهون عليه ما رآه من قومه حينما يذكر قصص الأقوام السالفين مع أنبيائهم، وما يلقى النبي من إخوانه، وما يلقى النبي من أقرب الأقربين إليه، يكون في ذلك شيء عظيم في تطييب نفس النبي صلى الله عليه وسلم، وتهوين ما يلقاه من قومه.

    أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم لكتاب الله من التالين المتدبرين، وأن يجعلنا في فوائده ودروسه من المستفيدين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أرد بولاة أمرنا فتنة، وأراد بعلمائنا مكيدة، وأراد بشباب المسلمين سوءاً، وأراد نساءهم باختلاط أو تبرج أو سفور، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميره، اللهم أدر عليه دائرة السوء.

    اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم احفظ إمام المسلمين، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم وفق إمام المسلمين، اللهم ارزقه بطانة صالحة، وجنبه بطانة السوء، اللهم اجمع شمله وإخوانه وأعوانه، اللهم قرب لهم من علمت فيه خيراً لهم، وأبعد عنهم من علمت فيه شراً لهم ولأمتهم.

    اللهم توفنا على الإسلام شهداء، وأحينا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء، اللهم إنا نسألك توبة وإنابة قبل الموت، وراحة وشهادة للوحدانية عند الموت، ولذة ونعيماً في القبور بعد الموت.

    اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا غائباً إلا رددته، ولا باغياً إلا قطعته برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم اجعلنا من عبادك المحسنين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، اللهم اجعلنا على حوض نبينا واردين، ولكأسه من الشاربين، وعلى الصراط من العابرين، اللهم بيض وجوهنا يوم تسود وجوه الكفرة والمجرمين.

    اللهم أدخلنا الجنة بسلام آمنين، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، اللهم اغفر لموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، اللهم اغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.

    اللهم يا عظيم السماوات والأرض! اللهم يا جبار السماوات والأرض! اللهم إنا نسألك أن ترينا عجائب قدرتك في الشعوبيين الفرس، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أحصهم عدداً، وأهلكهم بدداً، ولا تبق فيهم أحداً، اللهم اجزهم شر ما تجزي به طاغياً في طغيانه، ومتكبراً في كبره، وفاسقاً في فسقه، ومجرماً في إجرامه، وطاغوتاً في طغيانه بقوتك وقدرتك يا قيوم السماء والأرض!

    فإنهم لا يؤمنون بكتابك، ويسبون صحابة نبيك، ويخونون ملائكتك المطهرين، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم عجل زوالهم، اللهم عجل زوالهم، اللهم عجل زوالهم، اللهم أشعل الفتنة بينهم، اللهم أهلك بعضهم ببعض، اللهم اهلك الظالمين بالظالمين، وأخرج أمة محمد من بينهم سالمين، اللهم عجل زوالهم، ربنا إنك لا يعجزك شيء، ربنا يا من أمرك بين الكاف والنون، اللهم إنهم لا يرون لمسلم حرمة، ولا يرون لمسلم ذمة، ولا يرون لكتابك قدراً، اللهم عجل زوالهم، اللهم عجل زوالهم، اللهم عجل هلكتهم، اللهم أرنا هلكتهم على رءوس الخلائق بقدرتك يا جبار السماوات والأرض!

    إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صلِّ وسلم على نبيك محمدٍ صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين!

    إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.