إسلام ويب

كيف تدعو فرداً؟للشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الدعوة إلى الله هي دعوة للخروج من ظلمة المعاصي إلى نور الهداية، ومن سراديب الجهل إلى ساحات العلم والمعرفة بالله ورسله وشرعه. وكما أن الدعوة الجماعية لها تأثير فكذلك الدعوة الفردية هي أصل التأثير وأنفع الدعوات؛ باستقراء حال كثير من المهتدين، وإذا كان نفع الشخص في الدعوة الجماعية عميقاً فهو أعمق في الدعوة الفردية.

    1.   

    الدعوة إلى الله: مفهومها وأهميتها

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى أزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله اتقوا الله حق التقوى، فهي سبيل النجاة لأولى القلوب السليمة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    معاشر المؤمنين! لا يخافكم أن دعوة عباد الله إلى طاعة الله من أجَلِّ الأعمال وأفضل القربات، كيف لا وهي وظيفة الأنبياء، ومهمة الرسل، وديدن العلماء، وميراث ورثه الدعاة، دعوة عباد الله إلى طاعة الله، ذلكم الجواب الذي تحدث به الصحابي الجليل حينما قابل قائد الفرس، وقال ذلك القائد: ألم تكونوا جياعاً، فكنا نعطيكم كل عام ميرة أصواعاً من بر أو شعير فتكفيكم، فما الذي جاء بكم؟

    فقال الصحابي الجليل: [جئنا إليكم لنخرج من شاء الله من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها].

    أيها الأحبة! الدعوة إلى الله جل وعلا دعوة إلى النور وهجر للظلمة.

    الدعوة إلى الله جل وعلا دعوة إلى العلم وقطيعة للجهالة.

    الدعوة إلى الله جل وعلا دعوة إلى الاجتماع وتحذير من الفرقة.

    الدعوة إلى الله جل وعلا دعوة إلى العمل وتطليق للبطالة.

    الدعوة إلى الله جل وعلا دعوة إلى التعاون وهجر للأثرة والأنانية.

    كيف لا وهي تدور في محورها على عبادة الله جل وعلا، وعبادة الله سبحانه وتعالى محققة لكل خير طاردة لكل شر.

    أيها الأحبة! يقول الله جل وعلا: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33] ويقول جل وعلا: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] ففي هذا خطاب يوجه الطاقات إلى أن توظف في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ويرسم لها طريق الدعوة وسبيلها ووسائلها، ويبين فضلها، وجليل منزلتها ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ [النحل:125] وبدأ بالحكمة قبل الموعظة، والموعظة مشتملة على العلم والبصيرة، لأن الاختيار والتوقيت، ومعرفة السبيل، وكيفية التطبيق والأداء أمر مهم جداً، الحكمة: فعل ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي، الحكمة: وضع الأمر في نصابه وفي موضعه، وعلى السبيل والطريقة التي تضمن بإذن الله نجاحه.

    فاختيار الوسيلة أمر مهم لا يغني عن وجود العلم، ووجود العلم لا يغني عن الحكمة والوسيلة، وكل أمر من الأمور لا بد فيه من صحة الوسيلة وصحة النية كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: كل أمر من الأمور لا بد فيه من صحة المقاصد، وصحة الوسائل، وإن صحة الوسائل لا تعفي ولا تغني عن صلاح المقاصد، وإن صلاح المقاصد، لا يغني ولا يعفي من صحة الوسائل.

    وهذا أمر جلي واضح حتى في أبسط الأمور وأيسرها، فمن أراد ونوى وقصد السفر، فإن قصده السفر لا يغنيه عن تحديد وسيلته المناسبة، ومن اختار وسيلة مناسبة في السفر دون تحديد للوجهة والمقصد، فهو ضائع هائم على وجهه.

    يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: (من دعا إلى هدى فله أجره وأجور من عمل به إلى يوم القيامة) ويقول صلى الله عليه وسلم لـعلي، والخطاب لعموم الأمة: (لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حُمُرِ النعم).

    أيها الأحبة! لن نطيل في بيان فضل الدعوة، وأهميتها، ومكانتها، ومنزلتها، فهي أمر واجب وجوباً عينياً لا تبرأ ذمة الحاكم والمحكوم إلا بالقيام به، لا تبرأ ذمة الراعي والرعية إلا بأدائه، لا تبرأ ذمة الرئيس والمرؤوس إلا بالعمل له والدعوة إليه، وتيسير سبله، وفتح أبوابه، وتنويع مجالاته، الدعوة إلى الله أمر مهم وخطير وجليل وكبير ينبغي أن يلج كل مجال، وأن يدخل كل مضمار، وأن يحل في كل مساحة وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:104] وواجب الدعوة واجبان:

    واجب يتعلق بولي الأمر ومن عينه ولي الأمر مسئولاً محاسباً متابعاً منظماً معداً لأمر الدعوة إلى الله.

    وجانب آخر من الدعوة يتعلق بكل فرد، يتعلق بالذكر والأنثى، والفتى والفتاة، والرجل والمرأة، قال ربنا جل وعلا: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج:41].

    فهذا دليل صريح على أن شقاً وجزءًا وجانباً عظيماً من الدعوة يتحكم في الحاكم وأجهزته وكل دواوينه المتعلقة بهذه المهمة، يتحملون فيها عبء وشرف التكليف في هذا السبيل، ويقول تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة:71] فهذا دليل أيضاً على أن واجب الدعوة لا يقتصر في وجوبه ومسئوليته والمحاسبة عنه على الحاكم وأجهزته، بل يتعدى الوجوب إلى سائر الأمة، فكل مؤمن وكل مؤمنة مسئول عن الدعوة سبحانه وتعالى.

    وهذان الدليلان على سبيل المثال لا الحصر، لأن الأدلة من القرآن والسنة متواترة متضافرة مشتهرة على توزيع هذه المسئولية. ألا وهي مسئولية الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    الأسلوب الناجح في الدعوة إلى الله

    أيها الأحبة! ولنا وقفة بعد هذا لنتكلم في واحد من أساليب الدعوة إلى الله، لقد ظن أو علم كثيرٌ من الناس بما رأوا من المحاضرات، والندوات، والكلمات، واللقاءات، وطباعة الكتب، وتوزيع الأشرطة أن هذه من أساليب الدعوة إلى الله، وهذا أمرٌ صحيحٌ، ولكنهم ظنوا أن وسائل الدعوة تقف عند هذه الوسيلة الجماعية، أن الدعوة في وسيلتها وطريقتها مخاطبة للجماهير، مخاطبة للجموع، حديث مع الفئام، ومن ظن أن الدعوة اقتصرت على هذه الوسيلة فقد أخطأ وأساء فهماً.

    أهمية أسلوب الدعوة الفردية

    أيها الأحبة! هناك وسيلة مهمة من وسائل الدعوة إلى الله أوصيكم ونفسي بها، وأُحملكم ونفسي مسئوليتها، والدعوة إليها، ونشرها، والعناية بها ألا وهي: الدعوة الفردية، فإن كثيراً من الناس لا يعلم عن هذا شيئاً، وبعض الناس يظن أن الدعوة بالوسيلة الفردية استعمال لوسيلة ضعيفة غير مؤثرة، وليس هذا بصحيح، بل إن الرجال الأشاوس الأفذاذ الذين نفعوا الأمة لو رجعت إلى تاريخهم لوجدت أصل تربيتهم دعوة فردية تلقوها من عالم في حلقة علمه، وإمام ترسموا خطاه في منهج سلوكه في حياتهم.

    إذاً: الدعوة إلى الله بالوسيلة الفردية لا تغني عنها الوسائل الجماعية في الدعوة، من الممكن والميسر أن توزع مئات أو آلاف الأشرطة، ومئات أو آلاف الكتب، وتخاطب المئات أو الآلاف من الناس في محاضرة أو ندوة، ولكن ثق وتيقن واعلم أن عدداً كبيراً من هؤلاء لم تنفذ رسالة الدعوة إلى قلوبهم، ولم تبلغ صميم أفئدتهم؛ الأمر الذي يشكك في أثر هذه المواعظ على جوارحهم وحواسِّهم.

    أما التربية الفردية، أما الدعوة الفردية، فلها- بإذن الله- منزلة ومنفعة عظيمة، ولست بهذا أقلل من شأن الدعوة إلى الله بالوسائل العامة، أو بطبع الكتب وتوزيعها، ونسخ الأشرطة وتوزيعها، أو مخاطبة الجموع عبر الخطب والمحاضرات والندوات، ولكن ينبغي أن يكون لكل داعية ولكل فرد منكم جهد واضح، ومعالم بينة في الدعوة إلى الله بالوسيلة الفردية.

    أتدري ما هي الدعوة الفردية؟

    اتصال فردي بواحد أو اثنين، فإن ذلك أدعى- بإذن الله- إلى التأثر، وإن ذلك- بإذن الله- أدعى إلى التربية الحقيقية، والاستقامة النافعة، ولها أثرٌ بالغٌ، قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ [سـبأ:46] الدعوة إلى الله بالوسيلة الفردية دعوة إلى مخاطبة العاطفة والفكر، دعوة إلى مخاطبة القلب والعقل، وتأثيرٌ على السلوك، واقتداءٌ في المعاملة، ولأجل ذلك كان الاقتداء من أجلِّ طرق التأثر والتأثير في الدعوة: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ [الأحزاب:21] ويقول الله تعالى لنبيه، والخطاب للنبي بالأصالة، ولعموم الأمة بالتبع: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28].

    الدعوة الفردية: صورة من صور تطبيقها

    ترى شاباً منحرفاً وفي علمك أن من نفسك القدرة-بإذن الله- على التأثير عليه دون التأثر به، أو ترى شاباً فيه علامات خير، ولم توجه طاقتك بالكامل إليه، فتبدأ بالتعرف عليه أولاً، وكسب محبته ثانياً؛ لأنك لن تؤثر على أحد ما دام يبغضك، ولن تؤثر على أحد ما دام يكرهك، ولن تؤثر على أحد ما لم تكسر حواجز تمنع رسالتك من نصيحةٍ أو كلمةٍ إلى قلبه، فلا بد من كسب محبته بهدية، برسالة، بدعوة، بمناسبة، بأي وسيلة من الوسائل المشروعة التي تمكن لك في قلبه موقعاً ومكاناً، ثم بعد ذلك اعقد العزم على أن يكون ذاك الشاب، أو ذلك الرجل، أو ذلك الذي قصدت دعوته، اعقد العزم على أن يكون رفيقاً لك لمدة سنة كاملة، بمعنى الرفقة والملازمة والمتابعة، فتأخذه معك في محاضرة عامة، وتزوره ويزورك، وتتفقد المكتبات التجارية لترى ما فيها من الكتب، ولو شئت لزرت غيرها من المكتبات الخيرية، تذهب وإياه إلى درس، أو اثنين، أو ثلاثة من الدروس العلمية الشرعية في الفقه، أو العقيدة، أو النحو، أو غيرها، فيكون تلميذاً ملازماً، لهذا تجعل بينك وبينه وترسم معه منهجاً تحفظ فيه معه أجزاء من القرآن، وأحاديث من السنة، ونصوص من المتون، بمعنى اجعل هذا الرجل أو اجعل هذين الرجلين قضيتك هذا العام.

    إننا أيها الأحبة لو سلكنا هذا الطريق، لنمى الخير بطريقة الأعداد المضاعفة المركبة، فلو اجتهد عشرة من الشباب على عشرة مثلهم، لكانت حصيلة هذا الجهد- بإذن الله- عشرين من المهتدين، ثم إذا اجتهد العشرون، كانت حصيلة سعيهم أربعين، فثمانين، فمائة وستين، وهكذا يتضاعف الخير بهذه الوسيلة المهمة.

    نعم، لك أن تقول: شتان شتان بين أن أفرغ جهدي ووقتي لدعوة واحدة أو اثنين، وبين أن أقف خطيباً، أو محاضراً، أو متحدثاً أمام ثلاثة آلاف، أو أربعة آلاف، لا شك أن الأرقام هنا بينها بونٌ شاسعٌ، وفرقٌ واسعٌ، ولكن ثق أن الجماهير- في الغالب- عاطفتها وقتية، في الغالب من تأثر منها فإنما يتأثر في لحظة سماع الموعظة أو الخطبة أو النصيحة، وليس هذا تقليل لشأن الخطبة أو المواعظ، ولكن ذلك -كما قلت- يوجه، ولا يغني عن الدعوة إلى الله بالوسيلة الفردية.

    بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    أثر الدعوة الفردية على المدعوين

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.

    أيها الأحبة في الله! إن الشريط والكتاب له أثرٌ بالغ، ولكن الشريط يخاطب حاسة السمع، والكتاب يخاطب العقل بواسطة البصر، وأما الدعوة الفردية فهي دعوة تخاطب السمع والبصر كل صفة قابلة للتوجيه والتأثر في المدعو، لذا كان لزاماً أن يتحمل كل واحدٍ منا، وكل من ينسب نفسه إلى هذه الأمة المباركة، إلى هذه الدعوة السامية وإلى هذه الأمة الوسط أن يتحمل كل واحدٍ منا مهمةً ودوراً عظيماً في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، لا تكتفي برسالة ترمي بها لصاحبك، أو بشريط يوزع في مناسبة، أو كتاب تسلمه في يده، بل إنا نسألكم، ونسأل من يعدون أنفسهم مستقيمين، أو يعنون بأمر الدعوة، ويهتمون بأمر الإسلام والمسلمين، نقول: إلى جانب كل جهودكم أين جهودكم في الدعوة الفردية؟

    العلم ميراث، بل حتى أمور الدنيا ميراث، تجد أنواعاً من الصناعات والحرف يتوارثها حفيدٌ عن أب، وأبٌ عن جد، وجدٌ عن أجداده، فالدعوة تلزم من كل واحد قادر أن يجعل له تلاميذ أن يكون له أصحاب يتعاهدهم كما يتعاهد الزارع زراعته، يهتم بهم كما يهتم التاجر بثروته، يتفقدهم كما يتفقد المستثمر أمواله، تحج بهم ومعهم، تعتمر بهم ومعهم، لا تنقطع عنهم في الأسبوع المرتين والثلاث، تحضر معهم ويحضرون معك دروس العلماء وطلبة العلم، تذهب وإياهم إلى المحاضرات والحفلات والمهرجانات النافعة حتى لو اقتضى الأمر أن يكون حظك في تسوق بعض حاجاتك وبعض حاجاتهم على وجه من الذهاب سوياً وجميعاً ففي هذا خير.

    أيها الأحبة! إن التربية الحقيقية هي ثمرة من ثمار الدعوة الفردية، الكلمات العامة في المناسبات العامة تخاطب خطاباً عاماً وخطاباً خاصاً، ولكنها لا تحيط بحياة المدعو، فلهذا الذي يسمع كلامك الآن يتأثر بك قليلاً، فلما يعود إلى شاشته يجلس متكئاً واضعاً رجلاً على رجل ليسمع ويرى نقيض وخلاف كل ما خطبت عنه، أو تكلمت فيه، وربما ارتكب شيئاً من الأفعال التي حذرت منها، أما الدعوة الفردية إلى جانب هذه الوسائل المباركة، فإنها تأثير على الوجدان، تأثيرٌ على الفكر الذي يتحكم بالحواس والجوارح، تأثيرٌ على القلب، تأثيرٌ على المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله.

    إننا لا نريد النتائج بالعشرات، أو بالمئات، وإنما نسأل كل شاب من الشباب -والخطاب للشباب وللشابات، والرجال والنساء، والكبار والصغار- ونخصهم بهذا الخطاب؛ لأنهم أحرى وأدرى وأقوى على اختيار هذه الوسيلة وتطبيقها: هل جعلتم في برنامجكم، وأنتم في بداية هذا العام الهجري (1414هـ) وتستقبلون إجازة عظيمة، هل جعل كل واحد منكم في ذهنه أن يجعل محصلة عمله، وثمرة جهده في هذه الإجازة واحداً، أو اثنين من الشباب يرافقهم ويلازمهم، ويعتني بهم، ويحل مشاكلهم، ويجتهد في فهم أمورهم، وتأثيره على سلوكهم؟

    ثقوا أيها الأحبة أننا وأنكم ستجدون أثراً مضاعفاً مركباً في هذا المجتمع، فكل سنة تجدون صوراً، ومزيداً من الصور المشرقة في صلاح الأمة، وهذا لا يغني عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بمعنى أنه لا يغني عن وظيفة الحسبة، وهذا لا يقلل أو يغني من الدعوة بالأساليب الجماعية كالخطب والمحاضرات، والندوات، واللقاءات، وتوزيع الكتب والأشرطة، ولا يغني عن غيره من الوسائل، ولكن الوسائل مجتمعة بدون استخدام هذه الوسيلة -أي: الدعوة الفردية- تبرز وتبين أن النتيجة ربما كانت ناقصةً، أو ليست في حجم ما نطمح إليه ونرغب فيه.

    لذا أيها الأحبة أعيد وأكرر، وأزيد وأبين، وأخص الشباب بهذا ألا يكون نصيبكم من الالتزام فقط التزامكم الشخصي، وذهاب الواحد بنفسه إلى حلقة العلم منفرداً وعودته منفرداً، ذهابه إلى المكتبة منفرداً وعودته منفرداً، ذهابه إلى المعهد العملي أو المركز الصيفي منفرداً وعودته منفرداً، ذهابه إلى العمرة منفرداً وعودته منفرداً، بل لا بد أن يجعل معه واحداً أو اثنين يذهب بهم إلى حلقة العلم والمحاضرة والمعهد، والمركز، والحج والعمرة، والسفر، وزيارة العلماء وطلاب العلم.

    وهنيئاً لك يوم القيامة يوم أن تقف بين يدي الله جل وعلا في وقت ذهلت فيه كل مرضعة عما أرضعت، ووضعت كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى من شدة عذاب الله وهول ما يرون، في وقت كل يفر من صاحبه، الأم تفر من ابنها، والزوج من زوجته، والأخ من أخيه، في ذلك الوقت ستجد صيامك وصيام هذا الذي أثرت عليه في موازينك، ستجد تهجدك وصلاتك، وتهجد اثنين ممن أثرت عليهم، ستجد علمك وعلم اثنين أو ثلاثة ممن أثرت عليهم، ولو صدقت النية لكان لك في نهاية كل سنة ميزانية ثرية، وميزاناً يخبرك أنك رابح حيث كانت نتيجة سعيك، ومحصلة عملك أن اهتدى على يديك في هذا العام اثنين، واهتدى على يديهم عشرين، وعلى يد العشرين آخرين، فيكون الجميع في ميزان أعمالك يوم القيامة.

    أرأيتم كيف تكون الدعوة من أجَلِّ الأعمال، وأربح البضاعات، وأجّلِّ القربات، أرأيتم كيف أن الحسنات في الدعوة إلى الله تضاعف مضاعفةً مركبةً لا حصر لأرقامها إلا بعلم الله جل وعلا إذا صدقت النوايا، وصحت الوسائل.

    فيا شبابنا، ويا رجالنا، ويا أبناء أمتنا، ويا معاشر المؤمنين والمؤمنات .. الدعوة الفردية، وهذا الخطاب يصح أن يوجه للمرأة، وللنساء، فللمرأة أن تؤثر على صاحبتها بزيارتها، واستضافتها، وحضور المحاضرات معها، إني أعجب يوم أن تجد منتقداً ينتقد فتاةً تحضر محاضرة، أو ينتقد امرأةً قد سجلت اسمها في مدرسة تحفيظ القرآن، أو في مركز صيفي يعنى بتحفيظ القرآن الكريم، لكنه ما انتقد تلك التي حظ السوق منها خمسة أيام من الأسبوع، وحظ حديقة الحيوانات يومين من الأسبوع، وحظ الملاهي اثنين أو ثلاثة، وحظ المناسبات والزيجات في الفنادق وقصور الأفراح أياماً متعددةً، تجد عجباً! لا تجد من ينكر على تلك المرأة التي ضاع ليلها ونهارها بين الحدائق والمناسبات والأسواق، ولكن يقول بعضهم: ما سمعنا بالتزام امرأة تحضر محاضرة، أوليس خيراً لها أن تسمع إذاعة القرآن الكريم فقط؟ ما سمعنا بامرأة تخرج إلى ندوة نسائية، أولا يكفيها أن تسمع الشريط بعد تسجيله؟ ما سمعنا بامرأة كذا وكذا، لكنه يعلم علم اليقين حال تلك التي خرجت لتفتن الرجال وتفتن نفسها، وأن شر البقاع عند الله أسواقها، وأن شر فتنة أنزلت على هذه الأمة المال والنساء، فلا ينكر من هذا قليل ولا كثير، لكنه ينكر على الفتاة الصالحة، وعلى المرأة المسلمة المتدينة، ينكر عليها اهتمامها بالدعوة الفردية أيضاً، فالخطاب للجميع أن يتبنى كل واحد في كل عام رجلاً أو رجلين، والفتاة تتبنى صديقةً أو صديقتين، امرأةً أو امرأتين، فتعتني ويعتني الكل بصاحبه عنايةً فائقةً، وإن النتيجة-بإذن الله- نافعة.

    1.   

    لا يجدي تعداد الأخطاء ولكن علاجها

    إن مهمتنا في الدعوة تعبيد الناس لله سبحانه وتعالى، وإن وظيفة الأنبياء هي تعبيد الناس لله وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25] وليعلم كثيرٌ من الشباب أنه ما ضره ولن يضره أن يعرف الكثير أو القليل عن أخطاء الحكام والحكومات، ولن يضره أن يجهل الكثير أو القليل عن المخالفات في أي مجال من المجالات المتعلقة بفلان أو علان، ولكن سينفعه -بإذن الله- اشتغاله بالدعوة إلى الله، اشتغاله بتعبيد الفرد لله، وتعبيد الفتاة لله، اشتغاله بتطويع السمع والبصر واليد والرجل والحواس لله سبحانه وتعالى، اشتغاله بأن يعبد الله على بصيرة، أن تؤدى الصلاة كما صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يشتغل العبد بطاعة الله وتطبيق أوامر الله، ولن يضره لو جهل أخطاءً من حكام، أو حكومات، أو مسئولين، أو مؤسسات، أو هيئات.

    من المؤسف أن تجد قليلاً يرى أن الدعوة هي اشتغال في المجالس بأخطاء فلان وعلان، وزلات فلان وعلان، والهيئة الفلانية، والمؤسسة الفلانية، والرجل الفلاني، والمسئول الفلاني، وقس وألحق ما شئت من الألقاب والهيئات بعد هذا، ولكن اعلم أن هذا لن يكون في موازينك يوم القيامة.

    لو أخذت عشرةً أو عشرين من الشباب، وأعلمتهم باختلاس مالي، وأخبرتهم عن سرقة، وحدثتهم عن تلاعب، وأشغلتهم بأي أمر من هذه الأمور وأضرابها وأصنافها، فإن ذلك لن يؤثر في سلوكهم في حياتهم. لكن لو امتلأت قلوبهم حباً في الجنة، وخوفاً من النار، لانعكس هذا على صلاح سلوكهم، وانعكس هذا على بيان البصيرة والطريقة الصحيحة في دعوة أولئك المخطئين أو المختلسين أو الواقعين في المنكرات، كثيرٌ من الناس يظن أن الدعوة اشتغال بأخطاء الأشخاص والهيئات والمؤسسات، وليس هذا بصحيح، الدعوة تعبيد الناس لله، الدعوة تطويع الناس لله، الدعوة تسخير النعم في طاعة الله سبحانه وتعالى، هذا هو المهم والخطير الجليل الذي سوف ينفعنا وينفكم بإذن الله.

    يقول الإمام الجهبذ العلامة رحمه الله رحمةً واسعةً محمد الأمين الجَكني الشنقيطي صاحب"أضواء البيان" والكتب المعروفة، يقول لولده: يا بني إن الله لن يسألك يوم القيامة لماذا لم تشتم فرعون -هل يوجد طاغية أشد طغياناً منه، وأضل ضلالاً منه؟- ولكن الله سيحاسبك على عرض كل مسلم زللت فيه.

    وهذه مسألة مهمة.

    إذاً: فالتربية والدعوة الفردية حينما نتحدث عنها هي دعوة إلى التربية بمعناها الحقيقي، دعوة إلى تعميق التقوى والمراقبة والمحاسبة والخوف من الله جل وعلا.

    أما أن تعلم الشباب بما ظهر من ألوان وأصناف الفضائح والجرائم والمنكرات سواء في مجلات أجنبية، أو بما يتناقله الناس إن صدقاً، وإن كذباً، لكن ثم ماذا؟

    تجد واحداً يتحدث عن تلك الفضيحة الفلانية، وهو يشعل سيجارته ويتعاطى شرب الدخان، وما أثر ذلك على سلوكه، ويرى زوجته تنظر في صور الرجال الممكيجين الذين تجملوا بالمكياج ومساحيق التجميل ولا يغار عليها، وهو يعلم ويعرف عن كثير من الأخطاء، ولكن ما أثر ذلك في سلوكه، ويرى ابنته تخرج إلى السوق ويكثر خروجها وما أثر في سلوكه، والشاب يرى هذا من أخته ولا يغار أو ينكر عليها، هذه هي الدعوة التي لا تؤثر في النفوس أي شيء؟

    إذاً: الدعوة الحقيقة التخويف بالنار، والترغيب بالجنة، وتعبيد الخلق لله، وتسخير الجوارح في طاعة الله، وتعميق المراقبة لله، تعميق التقوى في النفوس بحيث إذا ازدانت، وازدهرت، وتزخرفت المعصية، وغلقت الأبواب، وحضرت الشهوة، وقام الشيطان، ودعي المسلم إلى المعصية، قال: إني أخاف الله، قال: معاذ الله، قال: رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ [القصص:17] هذه ثمار الدعوة.

    أما أن نظن أن من أهم وأصول الدعوة بيان الأخطاء، والفضائح، والمشكلات، ونظنها وقوداً وزاداً نربي به الجيل والأمة، فثقوا -والله- وأدين لله بهذا الكلام، أقوله تعبداً: أنك لو أخذت شاباً عمره من العشرين إلى الثلاثين، وأنت تبين له فضائح الأنظمة، وأخطاء الحكام، ومصائب الهيئات، وأفعال المؤسسات والمعارف حتى بلغ الثلاثين من عمره، فلن يؤثر هذا في سلوكه شيئاً، سيمتلئ قلبه غيظاً وحقداً وكمداً وحسداً وبغضاً، ولن يؤثر في واقعه شيئاً، اللهم إلا نشر الحسد، والتشاؤم، والإحباط، وعدم التفاؤل في صلاح الأمة.

    أما لو أشغلته بحفظ القرآن والسنة، وتعبيد جوارحه لله، ومراقبة الله، وفعل مرضاة الله، ولا يمنع ذلك إن علم، أو إن رأى خبراً، أو سمع أمراً، فله أن يحكم عليه، إن رأى أمراً، أو سمع به في شاشة، أو مجلة، أو جريدة، لا يعني ذلك أن يسكت عنه، ويقول: ليس من المصلحة أن نحكم عليه بأنه حلال أو حرام، إذا رأى ما يخالف شرع الله فسئل عنه، أو أراد أن يبين حكمه لنفسه، أو من حوله، يقول: هذا لا يرضي الله، هذا لا يجوز، هذا يسخط الله، هذا كبيرة من الكبائر، هذا أمر خطر، هذا يسبب الهلاك والفساد، ويقف عند هذا الحد، ولا يجعل شغله الشاغل الكلام عن الآخرين، لا يجعل شغله الشاغل في تربية من حوله، ودعوة أبنائه، أو إخوانه، هذه القضية، ففي هذا أمرٌ مهمٌ جداً جداً.

    أسأل الله أن يسددنا وإياكم إلى الوسيلة والطريقة النافعة في الدعوة إلى الله، وأسأله سبحانه وتعالى أن يهدينا لمعرفة أسباب مرضاته، ولزومها، وتنجب أسباب سخطه والبعد عنها.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين.

    اللهم انصر المسلمين في كل مكان، اللهم انصر المسلمين في البوسنة والهرسك، اللهم انصر المسلمين في الفلبين، وكشمير، وأركان، وطاجكستان، اللهم اجمع شملهم في أفغانستان، وانصر المجاهدين في فلسطين، وإريتريا وأرومو، وسائر البقاع يا رب العالمين.

    اللهم أهلك أعداء المسلمين، اللهم عليك بالهندوس والصربيين، اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم فرق شملهم، وشتت جمعهم، وقسم دولهم، واجعلهم غنيمةً للمسلمين يا رب العالمين.

    ربنا لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أسيراً إلا فككته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا متزوجاً إلا ذريةً صالحةً وهبته، ولا أيماً إلا زوجته.

    اللهم اجمع شملنا وحكامنا وعلمائنا ودعاتنا على طاعتك، وسخر لنا ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأراضين بقدرتك.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.