إسلام ويب

قصص وعبرللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في هذا الدرس تجد قصة لفتاة تهاونت بالمعاكسات الهاتفية، فأدى بها ذلك إلى ذهاب عِرْضها ثم ذهاب حياتها، وقصة لمجاهد يحترق بيته فتموت ابنته وزوجته ولكنه يقف صابراً محتسباً أمام قضاء الله وقدره. وبعد ذلك يتحدث الشيخ عن فضل الجهاد والمجاهدين وحث الناس على دعم المجاهدين.

    1.   

    مقدمة في فضل حلق الذكر

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أيها الأحبة في الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، واسمه الأعظم الذي سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب أن يجمعنا في جنته كما جمعنا في هذا المكان، وأسأله سبحانه أن يجعل اجتماعنا وكلامنا واستماعنا هذا خالصاً لوجهه الكريم، فإن العمل إذا فقد الإخلاص كان هباءً منثوراً، وكان حجة وعذاباً وبلاءً على صاحبه، يقول الحسن البصري : [الناس هلكى إلا العالمون، والعالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم].

    ووالله -أيها الأحبة في الله- إن الإخلاص ما فقد من عمل إلا وكانت أموره ومشوبة بنقص وخلل، ومهما كثر ذلك العمل، وإن وافق الإخلاص عملاً من الأعمال كان بركة وطهارة وفضلاً وخيراً عليه، فأعود وأسأله أن يرزقني وإياكم الإخلاص الذي من أجله أمرنا الله أن نعبده: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5].

    أحبتي في الله: لا يفوتني أن أذكركم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي معناه: (إن لله ملائكة سيارين في الأرض يبتغون حلق الذكر، فإذا وجدوا شيئاً منها نادى بعضهم بعضاً أن هلموا، فيجتمعون فيسألهم ربهم: علام اجتمع عبادي هؤلاء؟ فتقول الملائكة: يا رب! اجتمعوا يسألونك ويشكرونك ويذكرونك ويستعيذون. فيقول الله جل وعلا: وما الذي يسألونني؟ فتقول الملائكة: يسألونك الجنة) الجنة التي من أجلها نسعى هذا السعي ونطلبها ونرجوها، الجنة -أيها الأحبة- التي كما قال أحد السلف: عجبت للجنة كيف نام طالبها؟! وعجبت للنار كيف نام هاربها؟!

    الجنة التي سأل النبي صلى الله عليه وسلم في شأنها رجلاً من الأعراب، فقال: (يا أعرابي! كيف تصلي؟ فقال الأعرابي: يا رسول الله! إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ -أنا لا أعرف كيف تدعو أنت وكيف يدعو معاذ - ولكني أسأل الله الجنة وأستعيذ به من النار، فقال صلى الله عليه وسلم: أنا ومعاذ حولها ندندن).

    تقول الملائكة: (يا ربنا! يسألونك الجنة. فيقول الله: وهل رأوا جنتي؟ فتقول الملائكة: لا. فيقول الله جل وعلا: كيف لو رأوها؟ فتقول الملائكة: يكونون أشد لها طلباً) والجنة شأنها عجيب والناس عنها غافلون في هذا الزمان، وكل خير وكل بر طريقٌ مفضٍ ومؤدٍ إليها ولكن الناس يغفلون عن هذا، فهي كما قال ابن القيم رحمه الله في نونيته:

    يا سلعة الرحمن لست رخيصة     بل أنت غالية على الكسلان

    يا سلعة الرحمن كيف تصبر     الخطاب عنك وهم ذوو إيمان

    يا سلعة الرحمن سوقك كاسد     فلقد عرضت بأيسر الأثمان

    يا سلعة الرحمن ليس ينالها     في الألف إلا واحد لا اثنان

    حور تزف إلى ضرير معقد     يا محنة الحسناء بالعميان

    تتمة الحديث أن الله جل وعلا يقول للملائكة: (وممَ يستعيذ عبادي هؤلاء؟ فتقول الملائكة: يا ربنا! يستعيذون بك من النار. فيقول الله جل وعلا: وهل رأوا ناري؟ فتقول الملائكة: لا. فيقول الله جل وعلا: كيف لو رأوها؟ فتقول الملائكة: يكونون أشد منها هرباً وخوفاً. فيقول الله جل وعلا: يا ملائكتي! يا ملائكتي! أشهدكم أني غفرت لهم) فأبشركم -أيها الأحبة- أن من جلس في بيتٍ من بيوت الله يسمع كلام الله وذكر الله، ويحمد الله ويسبح الله فليبشر بخير عظيم وفضل عميم، ولعله أن يخرج من هذا المسجد وقد محيت ذنوبه وسيئاته.

    (ثم تقول الملائكة: يا ربنا! إن في هذا الجمع فلان بن فلان ليس منهم وإنما جاء لحاجة -أرسل لأمر ما- فيقول الله جل وعلا: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم).

    فيا أحبتي في الله: أبدأ كلامي مثنياً على الله الخير كله، ونحمده على نعمه التي لا تحصى، وعلى آلائه التي لا تنسى، ونعم الله علينا تترى متتابعة، ومعاصينا تترى لا تنقطع، الحمد لله على حلمه بعد علمه، وعلى عفوه بعد مقدرته.

    أيها الأحبة في الله: موضوعنا -كما تعلمون- قصص وعبر، ما جئنا في هذا المكان لنقول لكم: كان يا ما كان، في قديم الزمان، وما جئنا في هذا المكان لنختلق أو لنجمل أو لنزين، أو لنفذلك أو نزيد أو ننقص في أحداث بلغت أو سمعنا، ولكن أريد أن نعلم قبل ذلك أن القصص أخبار، والخبر الصادق نوع من أنواع المسالك التي تثبت بها العقائد.

    1.   

    سبل تثبيت العقيدة في القلوب

    يقول العلماء: إن العقائد تصل إلى القلوب بثلاث سبل:

    فأولها -المسلك الأول الذي تثبت به العقائد-: المسلك الحسي، فأنت حينما ترى بعينك عموداً تعتقد أن الذي رأيته عمود، وحينما تلمس بيدك جداراً -لو كنت كفيفاً مثلاً- فإنك تعتقد بواسطة هذه الحاسة أن هذا الشيء الذي لمسته جدار، فبمجرد هذه الحاسة التي ركبها الله جل وعلا فيك فإنك تعتقد جملة من الأشياء.

    وكذلك فإننا نعتقد جملة من الأمور بواسطة الاستنتاج العقلي، يعني: إما أن نعتقد بواسطة الحواس وإما أن نعتقد بواسطة الاستنتاج، كيف الاستنتاج؟ كما في قول الله جل وعلا: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور:35] هل يعقل أن عدماً خلقنا؟ لا يعقل أبداً؛ إذاً: يقودنا هذا إلى استنتاج أن الذي خلقنا خالق قادر حكيم قاهر مدبر حليم عليم.

    والمسلك الثالث من المسالك التي تثبت بها العقائد: هو مسلك الخبر الصادق، فإذا جاءنا خبر عن ثقة أو خبر صادق أو خبر استفاض واشتهر فإننا بموجب هذا الخبر نعتقد الأمر، مثال ذلك: لو حدثكم رجل عن أفغانستان ، ولعل بعضكم لم يذهب إلى أفغانستان ، ثم أفاض الكلام عن أفغانستان وأحوال أفغانستان ومجاهدي أفغانستان وأيتام أفغانستان وأيامى وثكالى وجراحات أفغانستان، فإن كل واحد منكم يعتقد اعتقاد اليقين أن هناك بلاداً اسمها أفغانستان وإن لم يرها، وذلك بناءً على الخبر الصادق الذي أخبر به، ويعتقد أن هناك في أفغانستان جهاداً في سبيل الله، كيف اعتقد وهو لم يجاهد معهم ولم يقف ولم ير الجهاد معهم ولم يشاركهم؟ إنه اعتقد أن الجهاد قائم في أفغانستان بناءً على الخبر الصادق؛ لذا فإن الخبر الصادق واحد من السبل والمسالك التي تثبت بها العقائد.

    حتى لا نتهاون بشأن الأخبار، وحتى نأخذ الأمور بمهماتها وبلوازمها من العبر والفوائد والتطبيق، والله جل وعلا يقول في كتابه: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف:3] ويقول سبحانه: فَاقْصُصِ الْقَصَصَ [الأعراف:176] .. وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ [النساء:164] فالله جل وعلا جعل القصص في القرآن فيها عبرة وفيها عظة وفيها ذكرى وفيها تربية، وفيها أنس للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من صحابته ومن بعده من أمته المؤمنين الموحدين.

    فإذا كنا نتكلم -كما قلت لكم- عن القصص وما يتعلق بها فلسنا ننسج من خيال أو نسبح في خيال ثم بعد ذلك نرتب مشهداً على مشهد أو فصلاً على فصل، وإنما نخبركم بأقدار الله في عباده، ونخبركم بما قدر الله جل وعلا على أمم أو بشر أو أفراد أو مجتمع من المجتمعات، وعند ذلك يكون الأمر فيها عبرة إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37].

    ثم اعلموا -أيها الأحبة- أن القصة عديمة الفائدة إلا إذا أخذنا منها العظة والدرس، القصة لا جدوى منها إلا إذا عرفنا أن نستنبط الدروس والمواعظ والزواجر والأمور النافعة من فصولها ومقاطعها، ولقد كان بوسعي أن أحدثكم كما أضمرت في نفسي حديثاً غير هذا، إلا أني وجدت أن الأحباب قد اختاروا هذا العنوان "قصص وعبر" وإن كنت من المقلين في شأن القصص ولكن أخبركم بما وقفت عليه بنفسي، أو بما أخبرني به من كان متصل السند بالحادثة.

    1.   

    عقوبات فعل المعصية

    فأذكر لكم أولاً حادثة مدارها والعبرة فيها على أن المعاصي وإن كانت صغيرة فإن شؤمها عظيم، يقول شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية رحمه الله: هناك بشر أو أناس يفعلون المعاصي، فإذا لم يعاقب على المعصية بعد فعلها فوراً يظن أنه قد نجا من شؤمها وسلم من إثمها وعقوبتها، على حد قول القائل:

    إذا لم يغبر حائط في وقوعه     فليس له بعد الوقوع غبار

    الجدار إذا سقط اليوم هل يغبر بعد ثلاثة أيام؟ إذا لم يغبر الآن وإلا فلن يكون له غبار، بعض الناس يظن أن المعصية كذلك، أنه إذا لم تنل عقوبتها فوراً فإنك قد سلمت منها ولن تنال منها شؤماً أو أذىً، وليس بهذا صحيح؛ لأن شأن المعاصي يختلف، بل إن من المعاصي ما يكون شؤمه ولو بعد أربعين سنة، ومنها ما يكون شؤمه عند الموت، ومنها ما يكون شؤمه في أشد الأحوال التي يحتاج الإنسان فيها إلى نفسه، وابن القيم على جلالة قدره ذكر عدداً من الأخبار التي بين فيها شؤم الذنوب والمعاصي، قال: ومن عقوباتها، ومن عقوباتها، ومن عقوباتها... ذكر أربعة وسبعين عقوبة وشؤماً وبلاءً وفساداً وضرراً يحصل من المعصية، وأذكر شيئاً بسيطاً مما ذكر ابن القيم وأعود إلى قصتي لكم.

    يقول ابن القيم: ومن عقوباتها أنها تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسه، وذكر قصة رجل أنه لما حضرته الوفاة فقيل له: قل "لا إله إلا الله" فأصبح يغني:

    ورب سائلة يوماً وقـد تعبت     أين الطريق إلى حمام منجاب

    يا فلان: قل: لا إله إلا الله، فأصبح يغني:

    ورب سائلة يوماً وقـد تعبت     أين الطريق إلى حمام منجاب

    وآخر قيل له: قل لا إله إلا الله، فقال: أوه! هذا فتن حار.

    وآخر قيل له: قل: لا إله إلا الله، فقال: (ده يازده) كلمة فارسية معناها: العشرة بخمسة عشر.. كان مرابياً.

    فأدلل هذا الكلام تأييداً لقول ابن القيم أن المعاصي يكون شؤمها ولو بعد حين، وبعض المعاصي تكون بدايتها سهلة أو هي في نظرك سهلة وإن كانت ليست سهلة، بل عظيمة وخطيرة وشنيعة؛ لكن البعض قد يراها سهلة هينة فيقع فيها، وما يعلم أن لها شؤماً وإثماً وحوباً وعاقبةً وخيمة.

    1.   

    قصة تبين عاقبة استهانة الفتاة بالمعاكسات الهاتفية

    هذه القصة لفتاة لم تكن تعرف الاتصال بالشباب، ما كانت زانية، ما كانت تفعل الفواحش إلا أنها كانت تتساهل بالهاتف، كانت تتساهل بالهاتف الذي نسميه "المغازلة أو المعاكسة"، فتكلم هذا وتتحدث مع هذا؛ ظناً منها أنها تقطع الوقت لا أقل ولا أكثر، المهم أن هذه الفتاة تزوجت وهي واثقة من نفسها أنها بكر، ليس هناك شيء يدعوها إلى الخوف أبداً، ثم تزوجت برجل يسكن أخوه معه في نفس البيت، ولما كان زوجها يذهب إلى عمله كانت تجد شيئاً من أوقات الفراغ فاشتاقت أو زين لها الشيطان أن تكلم من تكلم فاتصل بها وأخذت تتحدث .. لاحظ أخو زوجها أن الهاتف يشغل مدة من الزمن في أوقات متكررة فدعاه ذلك إلى الشك لما رأى تكرر الأمر وتكرر الحادثة فأحضر جهازاً يتنصت به على الهاتف -أو على التليفون- وإذ به يجد الطامة التي لا يسكت عليها، إنها زوجة أخي تعاكس وتمازح شاباً غريباً، وتحدثه ويحدثها، فما كان منه إلا أن سجل هذه المكالمات في شريط واحتفظ به.

    أخو الزوج يهدد زوجة أخيه بالمعاكسات الهاتفية

    وفي يوم من الأيام جاء أخو الزوج إلى البيت فوجد الفتاة -زوجة أخيه- على حالها لا تزال عروساً فداخله الشيطان أن يهم بها وأن يفعل، فدنا منها فسبته وشتمته وأخذت تبتعد عنه بكل شيمة وبكل كرامة وعزة وبكل ثقة، واثقة أنها لن تمكن هذا منه، فلما سمع نخوتها وكرامتها وشيمتها تظهر في عباراتها وكلامها ذهب أدراجه وعاد وراءه، ثم أحضر مسجلاً وأحضر شريطه وأسمعها الكلام الذي دار بينها مع ذلك الشاب في المحادثة التي سجلها، وإذ بها بعد أن كانت رافعة الصوت تنعكس ذليلة خاضعة خانعة ثم رجته قالت: أرجوك أن تستر علي، والله ما كان بيني وبينه شيء إنما هي مجرد مكالمة. قال: لا. إما أن أفعل بك وإما أن أفضحك عند أخي!

    فقال أصيحابي الفرار أو الردى     فقلت هما أمران أحلاهما مر

    فإن فعلت فمر وإن أخبر زوجها فمر -أيضاً- ولكن الجاهلة المسكينة اختارت الستر المفضوح، الستر المفضوح قالت: تستر علي وأعطيك ما تريد. فما كان من ذلك الوقح القذر إلا أن تجرأ على حرمة أخيه واستمتع بزوجة أخيه، وليس متاعاً بل هو شناع وأمر فضيع، ففعل بها على أن تكون هذه هي المرة الأولى والأخيرة على وعد أن يتلف الشريط وألا يعود إلى تهديدها به وألا يخبر أخاه بذلك.

    لكن الشيطان يجر المعاصي ويرقق بعضها ببعض، يرقق بعضها ببعض والسيئة تقول: أختي أختي، بعد أيام قليلة جاء الشاب في وقت غريب وكان أخوه غائباً عن البيت فنادى زوجة أخيه: فلانة .. فوجست روعة وخوفاً من هذا الصوت، فلما سألته: ماذا تريد؟ قال: أريد أن نفعل مثلما فعلنا. فأخذت تبكي وتتوسل: أرجوك ألا تفعل هذا، ألم تكفِ المرة الأولى؟ أما يكفيك أنك هتكت ستر أخيك؟ ألم ألم .. ثم أخذت تتوسل إليه وترجوه، ولكن ذلك المجرم الذي استولى الشيطان على قلبه عاد يهددها بالشريط، فإن لم تعطه هذه المرة الأخيرة ولا أعود لها وإلا فضحتك عند أخي؛ فما كان منها إلا أن اختارت مرة أخرى الستر المفضوح وأسلمت نفسها له، فلما فعل بها أصبح لا يترك فترة بين الفينة والأخرى إلا وهو يطلبها ويهددها ويفعل بها.

    وفي واحدة من المرات ناداها، ظنت أنه كالعادة يريدها وإلا سيفضحها، وإذ به يريد أمراً أخبث وأخطر وأخزى من ذلك، قال: إن لي صديقاً عزيزاً علي أريد أن تفعلي معه هذا الشيء، فأخذت تبكي أشد البكاء وأحر البكاء، ولما لم تجد في هذا القلب رحمة، وتكسرت آهاتها وعبراتها أمام صلابة ذلك الحجر القاسي ما كان منها إلا أن استجابت خوفاً من أن يعلم زوجها بذلك، فحدد لها ميعاداً تخرج فيه من مكان ما إلى صديقه وتخرج معه وتفعل معه.

    ماذا بعد ذلك؟ الذي حصل -أيها الإخوة- أنه رتب مع صديقه موعداً وجاء بسيارته، وأصدر لها الصوت المنبه فخرجت في الوقت والساعة المحددين، ولما ذهبت معه وكلها أمل وحسرة واختلى بها وفعل بها أعجبته فلم يرغب أن يردها إلى البيت، الحاصل: إنها رجته وتمنته وتوسلت إليه بعدما قضى حاجته منها أن يعيدها إلى مكانها، فما قبل ذلك المجرم، بل حبسها عنده أياماً وأخذ يتكرر عليها، جاء الزوج إلى بيته فلم يجد زوجته، سأل الجيران، سأل الأقارب، سأل الأحباب، لم يجد عنها خبراً حتى أمضت أياماً! فما كان منه إلا أن بلغ الجهات المسئولة، وأخذت الجهات المسئولة تبحث عن زوجة الرجل.

    المعاكسة الهاتفية أودت بعرضها وبحياتها

    جاء أخو الزوج إلى صديقه وقال: فضحتنا، لماذا تأخرت بها؟ الشرطة تبحث ورجال الأمن يبحثون، وكل الناس تسأل وتبحث أين المرأة؟ أين الزوجة؟ أين الفتاة؟ قال: والله أعجبتني ..! بمجرد الكلام السخيف الساقط. قال: وما الحل؟ نريد أن نردها، وكيف نردها وأجهزة الأمن تبحث عنها؟ قال: لو رددناها إلى بيتها لفضحنا، لكن أرى أن نتخلص منها. فاجتمعوا وفعلوا بها كلهم مرة أخرى سوياً..!! ثم خرجوا بها إلى مكان ما وقتلوها ودفنوها.

    الذي حصل أن واحداً من رجال الأمن الذين أعلموني بهذه القضية كان خارجاً في طريقه فوجد في طريقه أو في مكانه الذي كان جالساً بالقرب منه تربة غير طبيعية، ورجال الأمن الذين لهم دراسة بالجنايات يعرفون الأماكن التي نبشت حديثاً أو قديماً، المهم عرف أن هذه التربة ليست طبيعية فجاء ونبشها وإذ به يجد الجثة، فتحفظ على هذا الحادث وطلب فرقة نقلت الحادث، وجاء الطبيب الشرعي فشرح وحلل، وإذا بالطب الشرعي يجد من خلال تشريح معين وجود ماء يقارب فصيلة الرجل في رحم المرأة.

    المهم أنهم في البداية أحضروا أخا الزوج وحققوا معه ومسوه بشيء من العذاب ولم يعترف، فلما وجدوا هذه القضية وجدوا ماءً قريباً من ماء أو من فصيلة ماء الزوج، رجعوا إلى أخي الزوج ومسوه بزيادة من العذاب حتى اعترف بما ثبت لديهم من الأدلة، والآخر لم يكن موجوداً.

    الحاصل أن الآخر ارتاع على صديقه والقاعدة الأمنية تقول: المجرم يدور حول مكان الجريمة، وإذ به جاء يوماً ما يسأل وقبض عليه وأودع السجن؛ لأنهم لم يعرفوا من القضية إلا رقم السيارة التي حملت هذه المرأة ونوع السيارة، فمسكوا بالآخر وقالوا: إن صاحبك اعترف بكل شيء فاعترف؛ فاعترف بالقصة من أولها إلى آخرها.

    أما أحدهما فقتل وأما الآخر فينتظر عقوبته، فالعبرة -أيها الإخوة-: هذه جريمة حصل فيها الزنا مراراً، وحصل فيها القتل بأبشع صوره! ما هو سبب هذه الجريمة؟ ما هو السبب الأول؟ إنها المكالمة، إنها الذنب الذي يعده البعض صغيرة، إنه المعصية التي يعدها البعض من صغائر الذنوب والمعاصي، انظروا كيف جرت بشؤمها وويلاتها إلى أن انتهت بهتك ستر المحارم، وفعل الزنا من المحارم، وفعل الزنا مع الأجانب، وانتهت بالقتل على أبشع صوره، فحسبنا الله ونعم الوكيل! ونسأل الله ألا يهتك لنا ستراً وألا يفضح لنا عورة، وألا يرينا في أنفسنا ولا في أحبابنا ولا في بناتنا وزوجاتنا عيباً ولا سوءاً ولا مكروهاً.

    1.   

    خطر التساهل بالصغائر

    الذنوب -أيها الأحبة- التي يتساهل بها كثير من الشباب، فكثير من الشباب والشابات يتساهلون بجملة من الذنوب والمعاصي منها هذه المعاكسة، لا أقول: المعاكسة وحدها، بل إن لكل ذنب شؤماً بطريقة لا تخطر على بالك، كيف يتفاقم شؤم الذنب وكيف يكون خطره:

    كل الحوادث مبدؤها من النظر     ومعظم النار من مستصغر الشرر

    كم نظرة فتكت في قلب صاحبها     فتك السهام بلا قوس ولا وتر

    يضر خاطره ما سر ناظره     لا مرحباً بسرور عاد بالضرر

    إن صغار الذنوب أمر يتساهل به كثير من الناس، كقوم اجتمعوا -كما جاء في الأثر- وأرادوا أن يوقدوا ناراً، فجاء هذا بقشة وهذا بعود وهذا بقطعة حتى أضرموا ناراً عظيمة، فمثلها مثل الذنوب نتساهل بصغارها، فإذا اشتعلت على صاحبها أوقدت عليه ناراً عظيمة وتأججت وأحرقته بشؤمها وعذابها وويلها.

    خل الذنوب صغيرها     وكبيرها ذاك التقى

    وافعل كماش فوق أرض     الشوك يحذر ما يرى

    لا تحقرن صغيرة     إن الجبال من الحصى

    هذه الصغائر التي نتساهل بها في أنفسنا .. في ذواتنا .. في بيوتنا .. في شخصياتنا .. في أحوالنا المختلفة هي شؤم خطير، وحسبكم أنها تحجبنا أن نصل إلى منازل الأبرار والمقربين، إن أناساً -وإن كنت تعرفهم بحسن السيرة والاستقامة- بقوا على ذلك المستوى إن لم ينحدروا عنه، لماذا لم يترقوا في دين الله؟ لماذا لم يرتفعوا في بركة الله وفضل الله؟

    لقد حجبتهم الصغائر، لقد حجبتهم الذنوب التي تساهلوا بها فبقوا على مكانهم.

    لذلك -أيها الأحبة- إننا أحوج ما نكون إلى محاسبة النفوس محاسبة شديدة، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بقوله: (أثقل ما يوضع في ميزان العبد يوم القيامة تقوى الله وحسن الخلق) ولماذا كانت التقوى وحسن الخلق أثقل الأمور التي توضع في الميزان؟ أخبركم بهذا والأمر جلي.

    أما التقوى فلأنها علاقة السر بينك وبين الله، وأما حسن الخلق فلأنه مقياس المعاملة بينك وبين الناس، فمن أحسن المعاملة مع ربه وأحسن المعاملة مع خلق الله كان ذلك العمل من أثقل ما يوضع في موازين أعماله يوم القيامة: (اتق الله حيثما كنت) .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون [آل عمران:102] .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر:18] .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً [الأحزاب:70] الأمر بالتقوى كثير في كتاب الله جل وعلا؛ لأنه العلاقة السرية التي تحجبك وتراقبك وتحاسبك أن تفعل شيئاً وأنت تقدر عليه، لا يردعك عنه جهاز أمن أو تصنت أو خبير أو رقيب أو حسيب إلا الله جل وعلا.

    حينما تكون التقوى قوية، حينما تكون التقوى في النفوس حاضرة غير غائبة فأبشر بالخير وكما يقول ابن القيم : اتق الله ونم في أي مكان شئت بين السماء والأرض. حينما تحصل التقوى، مراقبة الله عن الصغائر قبل الكبائر، عن الذنوب التي يتساهل بها الكثير منا ويفعلها، وبعضهم لا يزال يعد نفسه مع الأتقياء ومع الملتزمين ومع الصادقين، ومع الأبرار المقربين وهو يتساهل في جملة من الذنوب لو جمعت لاستحى أن تظهر أمام الناس، فالله أحق أن يستحيا منه.

    في السنن -والحديث الصحيح- يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن رجالاً يأتون يوم القيامة بأعمال كجبال تهامة يجعلها الله هباءً منثوراً، قال صلى الله عليه وسلم: إما إنهم مثلكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، فقالوا: يا رسول الله! صفهم لنا، جلهم لنا، فقال صلى الله عليه وسلم: إنهم كانوا إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) التساهل بالذنوب والوقوع في المعاصي والآثام من غير مراقبة ولا استحضار لوقار الله سبحانه وتعالى، ولذلك نوح عليه السلام لما تنوعت أساليب قومه عرف السبب الذي جعلهم يعرضون.

    حذر الصحابة من الذنوب

    نقول -أيها الأحبة- إن هذه المسألة من أهم الأمور والمسائل التي هي حسن العلاقة وحسن المراقبة فيما بيننا وبين ربنا جل وعلا، وإذا علمنا أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا على الرغم من أنهم مبشرون بالجنة بقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، وعلى الرغم من أعمالهم التي سبقوا بها في دين الإسلام، وجيشوا الجيوش وفتحوا الأمصار كانوا يتخوفون من صغار الذنوب ويخشونها. أبو بكر الصديق

    يقول: [يا ليتني كنت شعرة في صدر عبد من عباد الله] وهو المبشر بالجنة، وعمر بن الخطاب

    لما حضرته الوفاة جاء عبد الله بن عمر

    -ولده- يضعه على فخذه فقال: [وحيك يا بن عمر

    ..! ضع رأسي على الأرض، ويلي إن لم يرحمني ربي!] وهو المبشر بالجنة، فإذا كان هذا فعل المبشرين بالجنة فما فعلنا يا عباد الله؟ وكان صلى الله عليه وسلم يطيل القيام حتى تفطرت قدماه، وتقول عائشة

    : (يا رسول الله! ألم يغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: يا عائشة

    ! أفلا أكون عبداً شكوراً؟!) أين نحن من أولئك؟ تلت عائشة

    رضي الله عنها قول الله جل وعلا: ((وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ))[المؤمنون:59-60] قالت عائشة

    : يا رسول الله! (( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا )) يفعلون ما فعلوا (( وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ )) خائفة (( أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ )) هل هم الذين يزنون؟ هل هم الذين يسرقون؟ هل هم الذين يشربون الخمر؟ قال: (لا يا بنت الصديق

    ، أولئك أقوام يصومون ويصلون ويتصدقون، ومع ذلك قلوبهم وجلة خائفة يخشون ألا يتقبل الله منهم). فيا أحبتي في الله: أين نحن من عمالقة الإسلام وقمم التقوى الذين بلغوا في الصلاح ذروته، وفي الزهد والعلم والتقى غايته وهم يخشون سوء العاقبة؟ الحسن البصري

    لما حضرته الوفاة بكى، فقيل له: أتبكي وأنت أمير المؤمنين في الحديث؟ قال: ذكرت قول الله جل وعلا: ((وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا))[الزمر:47-48].

    1.   

    أحسنوا العمل وأحسنوا الرجاء

    فيا إخوان: نحن لو أردنا أن نتذكر ذنوبنا ومعاصينا وآثامنا وفواحشنا وسيئاتنا لعددناها كما نعد هذه الإضاءة في هذا المسجد، نذكرها بالوقت واللحظة والظرف والزمان والمكان والتاريخ، ولو أردنا أن نعد حسناتنا لوجدنا حسنات لم نتأكد منها، ذلك حج عبثنا وهزلنا فيه، ذلك صيام لم نتقنه، تلك صلاة لم نخشع فيها، حينما نريد أن نعد أعمالاً صالحة لا نجد عملاً نتيقن كل اليقين أننا أحكمناه على الوجه الذي يرضي الله بالإخلاص والمتابعة والدقة في التزام السنة، وحينما نريد أن نعد المعاصي والله نعدها ونتذكرها كما نرى هذه الإضاءة في السقف، ومع هذا كله لا نزال نطمع في درجات الأبرار والمقربين، والله إننا لنطمع فيها برحمة الله جل وعلا، اللهم لا بأعمالنا ولا بسعينا ولا بكدنا، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولكن برحمتك التي وسعت كل شيء يا رب العالمين.

    فأحسنوا العمل وأحسنوا الرجاء، وإن الذي يرجو لا بد أن يحسن العمل، الذي يحرث الأرض ويسقيها ويبذرها ويزرعها يرجو الثمرة، أما الذي يرجو الثمرة وهو لم يزرع هذا مجنون، والذي يرجو الولد وهو لم يتزوج هذا مجنون، فإذا كنا نرجو الجنة والرحمة فلنبذل ولنعمل وبقية الأمر على الله بمنه ورحمته، وأبشروا: إن من سعى إلى ربه بسعي مبارك مع حرصه على مرضاة ربه فليبشر بالخير، لا أقنطكم إن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من معركة هوازن -حنين - اجتمعت أربعة وعشرون ألف ناقة، وستة آلاف امرأة من السبي، وأربعون ألف شاة، وغنائم كثيرة، فلما كانوا من بين السبي إذا بامرأة تنطلق، تشق الطريق بين السبي، ثم تأخذ طفلاً وتضمه على صدرها وتظهر ثديها وتلقم فمه في ثديها، والنساء يستحين ويخجلن أن يرضعن أولادهن إلا أن تضع ستاراً أو رداءً يستر ثديها، أما هذه فبين الناس فعلت ذلك، حيل بينها وبين طفلها والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر والصحابة ينظرون، فقال صلى الله عليه وسلم: (أترون هذه تلقي بولدها في النار؟ قالوا: لا يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: لَله أرحم بعبده من هذه بولدها) فأبشروا خيراً -يا عباد الله- أنتم تقرءون في كل يوم: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] إنها قمة الرحمة من الله جل وعلا لعباده، لكن لمن يلتمس طريقها، ولمن يسلك مسالكها، أما الذي يرجو الرحمة وهو على عناد وإصرار فذلك شأنه غريب.

    ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها     إن السفينة لا تمشي على اليبس

    فيا أحبتي في الله: لنراقب أنفسنا جيداً، إننا -ولله الحمد والمنة- في زمن التزم الشباب والشابات، واستقاموا وتابوا، وهم الآن أحوج ما يكونون إلى مراقبة سلوكهم وتصرفاتهم، بحاجة إلى غربلة أفعالهم وما يجترحونه بجوارحهم وكل أدرى بنفسه: بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ [القيامة:14] فما دام الأمر ممكناً قبل أن يختم المطاف، وقبل أن تغلق الصحائف وينقطع النفس وينتهي الأجل فلنحاسب أنفسنا محاسبة جيدة.

    هذه -أيها الإخوة- قصة بمتابعة أحداثها من ثقة أخذتها، هي والله لخير دليل على أن المعاصي لها شؤم وإن تصاغرناها أو تساهلنا بها واعلموا أن الأذن تعشق:

    والأذن تعشق قبل العين أحياناً

    وينبغي للمسلم أن ينتبه لنفسه، ولذلك يقول الله جل وعلا: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32] المرأة نهيت عن الخضوع في القول، وينبغي للمسلم ألا يستطيل الحديث مع النساء فيما لا طائلة ولا حاجة له فيه، بل اجعل الحديث بقدر ما تحتاج إليه فإن ذلك أنقى لقلبك وأتقى لربك، حينما تجعل هذه الأذن نقية شفافة في السمع، فإذا سمعت كلام الله وكلام رسوله استطعت أن تتلذذ بالسماع، لم يخالط سماعك صوتاً أطلت الحديث معه فيما لا فائدة فيه.

    1.   

    من قصص المجاهدين

    قصة مجاهد في سبيل الله وبيته الذي احترق

    أما القصة الثانية -أيها الأحبة- فهي لواحد من إخوانكم المجاهدين من خيرة شباب الجهاد، أسأل الله جل وعلا أن يأجره في مصيبته وأن يخلف له خيراً منها، وإذا أراد الله بعبد خيراً ابتلاه، ذلك شاب من خيرة الشباب المجاهدين، له زوجة حافظة للقرآن الكريم متقنة مدرسة للتجويد.

    كان في مدينة الرياض في ليلة من الليالي في غرفته، وقبل أن ينام كانت زوجته تدارسه قول الله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:30-32] كانت تدارسه وتشرح له هذه الآيات، كانت عالمة بكتاب الله، وما أجمل الحياة مع زوجة تقية صالحة! هنيئاً لمن له زوجة كهذه!

    الحاصل -أيها الأحبة- أنه قرابة الساعة العاشرة وزيادة كان يتحدث معها، وفي تمام الساعة الثانية إلا قليل -أو بعد الواحدة والنصف- إذ به يستيقظ على رائحة دخان أشبه ما يكون بحريق في المنـزل، فلما فتح باب غرفته إذ به يجد الحريق مشتعلاً في البيت، وعرف أنه إن لم يتصرف فهو محترق هالك لما محالة، فما كان منه إلا أن حمل طفلته الكبرى -عمرها أربع سنوات والأخرى رضيعة، عنده طفلتان- وحملهما ومر على الأرض وهي محترقة، الموكيت والفرش محترق بالنار يلتهب نتيجة التماس في الكهرباء، البيت كله محترق لكنه مر حافياً على هذا الحريق وأخذ الطفلة، ثم توجه إلى باب الصالة يريد أن يفتحها فوجد بابها مغلق، فقام وعبر مرة أخرى على الحريق وألقى بالطفلة في المطبخ واتجه إلى المطبخ، خرجت زوجته الأخرى بالطفلة الأخرى فإذ بها تعثر في الفرش -في الموكيت- مع ذوبانه في النار التصق برجليها فظنت أن باب الصالة مفتوح فرمت بالصغيرة تريد إنقاذها برميها والباب مغلق فارتطمت الصغيرة وسقطت مرة أخرى في الحريق.

    وأخذت هذه، هو في المطبخ ويصيح وينادي زوجته وهي تجيب، يريد أن يصل إليها فلا تستطيع، وهي تريد أن تتحرك، فاحترقت الطفلة الصغيرة.

    عندما انتهى الحريق إذ بهم يجدون الحريق لم يلتهم من زوجته ولا شعرة واحدة ..!! حافظةً لكتاب الله، إن الذي خلقها هو الذي خلق النار فأمرت النار أن تأكل ما أكلت، وأمرت النار أن تحفظ جسداً وقلباً حوى كلام الله وكتاب الله، ووجدوا بالقرب منها أو حولها بقعة ماء تحتها، كانت سبباً في حفظها بإرادة الله ومشيئته.

    الجهاد يعلم الصبر

    والحاصل أن هذه الحادثة انتهت بوفاة زوجته وطفلته، وزرته في المستشفى -مستشفى الحمادي- الدور الأول غرفة (1136) فلما دخلت عليه وكنت أقطع أصابعي ماذا أقول له؟ وبماذا أعزيه؟ فلما دخلت عليه إذ به يبتسم، فسلمت عليه وقبلت جبينه وعانقته وقلت له: الحمد لله على ما قضى وقسم، إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب. فماذا كان جوابه؟ قال: يا أخي! إن الله جل وعلا قد اختصني بخير وأرجو أن يأجرني عليه، فعجبت من شأنه، ولما تذكرت أنه من المجاهدين عرفت كيف علمه الجهاد الصبر.

    يا إخواني: لو وقعت هذه المصيبة لآخر لأخذ يسب القدر والمقدر، وأخذ يسخط ويدعو ويزمجر بالويل والثبور على هذه الدنيا وعلى هذا الحادث، لكني عجبت من صبره ومن ثباته ومن شأنه هذا كله، فقلت له: يا أخي! والله إنما رأيت منك من الصبر والثبات لدليل على قوة العقيدة؛ لأن المسلم يعتقد أن المقادير بأمر الله، ونعلم أن القضاء واقع وأن الأمور بأسبابها، والمسلم يعتقد أن الله ما قدر قضاءً إلا كان رحمة بعبده، فأنت -يا أخي- وليد رأيت في قدر الله عليك في حريق قدميك وموت طفلتك وموت زوجتك أن ذلك عين الرحمة من الله بك وبهما، فرأيت فيك هذه الابتسامة، ابتسامة الرضا بقدر الله جل وعلا.

    فيا أحبتي في الله: هكذا وجدت هذه الصورة وهذه القصة المؤثرة المعبرة في هذا الشاب، فأردت أن أحدثكم بها لما اختار الإخوة موضوع محاضرتنا أن يكون قصصاً وعبراً.

    وهذا اليوم العصر جرى اتصال هاتفي بـالرياض مع أحد الأصدقاء فسألته، قلت: كيف الأخ وليد؟ قال: أبشرك أن رجله كأنها تعود من جديد، مع أن القدم احترقت يقول: والله كأنما تنبت من جديد! ويقول: بمشيئة الله حالما تشفى سأذهب إلى الجهاد مرة أخرى ولا حاجة لي في هذه الدنيا.

    فاعلموا -أيها الأحبة- أن الله اختص لمعالي الأمور رجالاً، قد يقول البعض: وما أكثر من هذا؟ هذا جاهد وماتت زوجته وماتت طفلته، وحصل له ما حصل، ماذا يريد أكثر؟ لكن اعلموا -أيها الأحبة- أن معالي الأمور لا ينالها إلا طائفة قليلة من البشر، القمم، الذرى، ولذلك كان الجهاد ذروة سنام الإسلام لا يناله إلا من انتصر على شهواته، وانتصر على الضعف والجبن والخوف والخور، وتوكل على ربه حق التوكل، وعرف أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطئه لم يكن ليصيبه.

    يقول وهو يعد نفسه ليعود إلى الجهاد: فقلت: ادعه إلى أن يتريث حتى يتماثل للشفاء، وإلا فاعلم أننا إن قلنا له: اقعد عن الجهاد فإن ذلك لن يطيل في عمر، وإن قلنا له: اذهب إلى وجه المعركة ومنطقة الالتحام والمواجهة فإن ذلك لا يقرب أجله

    تأخرت أستبق الحياة فلم أجد     لنفسي حياة مثل أن أتقدما

    الموت لا يتقدم ولا يتأخر، وكما يقول ذلك الشاعر:

    أقول لها وقد طارت شعاعاً     من الأبطال ويحك لن تراعي

    فإنك لو سألت بقاء يوم     عن الأجل الذي لك لم تطاعي

    فصبراً في مجال الموت صبراً     فما نيل الخلود بمستطاع

    والله إني لأظن وأغلب الظن أن أخي وليداً هذا سيموت شهيداً في سبيل الله على هذه المعنويات، وعلى هذا الصبر، وعلى هذا الاحتساب، برحمة الله قبل كل شيء، وبسالف جهاده، وبصبره على هذا الحريق الذي ماتت فيه زوجته الحافظة التقية -أسأل الله أن يجمعنا بها في الجنة وإياكم أجمعين- وبموت طفلته، والله إن الله يريد به خيراً، أسأل الله أن يثبته وأن يثيبه وأن يحفظه، وأرجو أن يكون الله قد اختار له منازل الشهداء والأنبياء، تلكم منازل لا ينالها إلا قلة وندرة من الناس، وإني لأعجب ممن يتمنون مقابلة البشر الضعفاء ولا يشتاقون إلى مقابلة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يشتاقون لمجالسة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز، والصحابة والسلف الصالح والتابعين وابن تيمية وخيرة عباد الله الصادقين الذين شهد لهم الأولون والآخرون بالصلاح والاستقامة.

    وقفة مع الجهاد والمجاهدين

    كنت ذات يوم في جلسة مع رجل دبلوماسي في دولة خارج المملكة فقال: سمعت عن هذا المجنون حكمتيار؟ قلت: ماذا هناك؟ قال: رونالد ريجان يطالب أن يراه ويتقابل معه ويرفض هذا المجنون أن يقابله؟ من يحصل أن يقابل ريجان، يدعى مرتين يرفض الأولى ويرفض الثانية، ريجان يرسل ابنته فيرفض أن يقابلها! قلت: يا مسكين! لكني أعرف شباباً لا تعرفهم أنت وربما يمرون وأحدهم أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع في الأبواب لو أقسم على الله لأبره؛ يقابل أفضل الخلق ألا وهم شباب الجهاد الذين يستشهدون في سبيل الله فيكونون في مقعد صدق عند مليك مقتدر مع رسول الله، مع النبيين والصديقين والشهداء، إذاً: أي مجلس أفضل: مجلس ريجان أو مجلس الأنبياء والشهداء والصديقين والصالحين؟ فسبحان الله! حينما تنتكس وتنعكس الفطر وتتقلب الأمور يصبح أسخف الأمور أعلاها، ويصبح أعلاها أسفلها، ويصدق فيها ما قال القاضي عبد الوهاب المالكي:

    متى تصل العطاش إلى ارتواء     إذا استقت البحار من الركايا

    ومن يثن الأصاغر عـن مراد     إذا جلس الأكابر في الزوايا

    وإن ترفع الوضعاء يوماً     على الرفعاء من أقسى البلايا

    إذا استوت الأسـافل والأعالي     فقد طابت منادمة المنايا

    فما بالكم وقد ارتفعت الأسافل وهبطت الأعالي، عند ذلك تطيب منادمة المنايا، ويحلو الموت في سبيل الله، ولكن هي مكانة لا يبلغها كل واحد.

    يقول: إذا كان الناس في الدنيا يقولون: هذه درجة عامة، وهذه درجة خاصة، وهذه أولى، وهذه درجة فوق الأولى، اعلموا أن المجاهد وإن كان من أفقر عباد الله وأقلهم في هذه الدنيا شأناً ينال أعلى الدرجات في دين الله جل وعلا، نسأل الله أن يخلص النيات لوجهه سبحانه وتعالى.

    هذه هي القصة الثانية التي أسوقها شحذاً للهمم للجهاد في سبيل الله، وأسوقها لأقول: إن الجهاد علم الرجال الصبر، ولماذا يقول الله جل وعلا: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10] ليس الحسنة بعشرة أمثالها أو إلى سبعمائة ضعف فقط، بل بغير حساب؛ لأن الصبر يرتبط بقوة العقيدة، ومنطق العقيدة هنا أن يعلم ذلك المجاهد الصابر المحتسب أن قضاء الله وقدره وإن كان في ظاهر الأمر لنا عذاباً أو ألماً أو جرحاً فإنه في حقيقته عين الرحمة وعين الحكمة واللطف؛ لأن الله أرحم بعبده من تلك بولدها كما أسلفنا في القصة.

    أب وابن يلتقيان في أرض الجهاد

    هذه قصة لشاب من الإمارات كنيته: أبو سليمان ، كان شاباً مدللاً، عطراً ناعماً، مترفاً، وسيماً، من أسرة غنية وثرية أراد أن يذهب إلى الجهاد، وكان الأب يضمر في قلبه، حب الجهاد لكن يخشى على الولد، فلم يجد إلا أن يختار للولد دراسة لإكمال دراسته خارج الإمارات فأعد ذلك الشاب، أعدت ملابسه الحريرية الناعمة، وأصناف وأشكال عطوراته لكي يذهب إلى بريطانيا لإكمال دراسته.

    الحاصل -أيها الإخوة- أن الشاب تأثر من إمام المسجد بكلمة عن الجهاد فأضمر في نفسه أن يجاهد، وطلب من أهله أن يجاهد، فخافوا عليه ورفضوا، وكانت أسرته بها نوع من التساهل واللامبالاة في بعض الأمور الشرعية، فما كان منه إلا أن وافق على مرأى منهم ومسمع أن يسافر لـبريطانيا ، فسافر إلى بريطانيا ومن مطار لندن حجز ليعود إلى إسلام أباد .

    وفعلاً عاد وليس عنده عن الجهاد معلومات إلا رقم هاتف مجلة البنيان المرصوص ، فاتصل على مكتب المجلة ورد عليه شاب سعودي " عبد الله أبو يزيد" أعرفه، قال: أنا فلان من المكان الفلاني. قال: لماذا تكلمني بصوت منخفض؟ قال: سمعت أنهم يختطفون -شاب صغير، خريج ثانوية- وأنا أخشى على نفسي، أريد أن تستقبلني، أريد أن تأخذني. قال: فجئت وأخذته إلى مقر مجلة البنيان المرصوص، فلما وجدته إذا بالشاب عليه (كرفته) و(ياقة) و(قميص) وعطر، يقول: والله الصالة تفوح من رائحة عطره، ولما ذهبنا به إلى بيت الأنصار نسلم الأمانات التي عنده، التليفر شكس، دفاتر شيكاته سياحية، وعطوره وملابسه، وأشياؤه عجيبة جداً، قال: فجعلناها في صندوق الأمانات ثم ألبسناه لباس المجاهدين.

    ولما لبس لامته ذهبوا به إلى معسكر صدى، ثم انتقلوا من صدى إلى منطقة خلدن، فلما أقبل إذا برجل يجاوز الخمسين أو يقارب الستين من عمره يهندس في سيارة كانت واقفة، فلما التفت ذلك الذي يصلح السيارة إذا به يصرخ صرخة الفرح والولد مثله، ثم يحضن بعضهم بعضاً، أتعلمون من الولد ومن الآخر؟ هذا أبوه سليمان وهذا الولد خالد، خالد يكنى بـأبي سليمان والأب يكنى بأبي خالد ، فإذا بهما يلتقيان ويتعانقان ويبكيان مدة، والولد قد أرسل لأهله رسالة أنه عاد من لندن إلى الجهاد، وأخذ يتابع أخبار أهله. يقول لي أبو يزيد : والله كنت أسمع منه حديثاً مع والده: كيف والدتك؟ كيف أخواتك؟ وهو يطمئن والده يقول: أبشرك أنهم بخير، أرسلت لهم رسائل وأخبرتهم أنني ذاهب للجهاد عسى الله أن يقبلني شهيداً وأشفع لهم ... إلى آخر ذلك.

    فيا أحبتي في الله: اعلموا أن الدنيا التي تمكنت في قلوبنا، وأن مظاهر الرفاهية والحياة والتحضر والتمدن التي عشنا فيها الآن لم تقطع طائفة قليلة من عباد الله أن ينالوا معالي الأمور، آباءً وأبناءً ورجالاً وشباباً وشيباً، فأسأل الله جل وعلا أن يجعل في قلوبنا حباً لدينه، وحباً للبذل والتضحية والتفاني والشهادة في سبيله سبحانه وتعالى.

    فيا معاشر المؤمنين: هذا ما اخترتموه من الحديث معكم وإن كان في خاطري أن أحدثكم بغيره، لكن فيها والله عبر، في الأولى عبر، وفي الثانية عبر، وفي الثالثة عبر: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37].

    حث على دعم المجاهدين

    أحبتي في الله: وأسألكم بالله الذي خلقكم من العدم، ورزقكم وكنتم فقراء، وأعزكم بعزته وأغناكم بفضله ألا تبخلوا على هذا الجهاد بشيء، فوالله إن الأمة الإسلامية إذا سارت على طريق الجهاد الذي نحن نعيشه اليوم سنوات أو عقوداً من الزمن قليلة والله ليتغيرن وجه هذا الكون، وحسبكم أن الجهاد في أفغانستان قد غير الكثير من مخططات اليهود والاستعمار، وجعل القوى التي يسمونها عظمى تختلف وتخطط وتعيد حساباتها مع البشر، وإن استمر الجهاد لينصرن الله من ينصره، ابذلوا بقدر ما تستطيعون ولا تبخلوا على دينكم وعلى جهادكم شيئاً، واعلموا وإن كان الناس الآن يشكون من شح التبرعات للجهاد كانت خمسمائة ألف تكفي لعمليتين الآن يجعل الله في قذيفة ما يكفي لعملية تدمير كاملة.

    حادثتان أحدهما قبل أسابيع: محطة الكهرباء في جلال أباد تتفجر بقذيفة هاون، بكذا وثلاثين ربية -يعني: فيما يعادل ثمانية أو تسعة ريالات- وإذا انفجرت المحطة احتاج الشيوعيون أن يستخدموا المولدات التي تقوم على الوقود ونقل الوقود بالطرق البرية مهددين تحت مدافع ورصاص المجاهدين، فيضطرون إلى إنزال الوقود (بالبراميل) فإذا نزلت لم تسلم من نار قذائف المجاهدين، وقد حصلت ذات مرة أن الشيوعيين ينـزلون الوقود في إحدى المناطق المحاصرة (بالبراميل) فجعل المجاهدون يعدون البراميل واحداً واحداً، فلما جاء البرميل قبل الأخير إذ بهم يضربونه بالرصاص الحارق الخارق فيشتعل البرميل في السماء وينزل على موقع الوقود ويحرق المكان بأكمله.

    قذيفة هاون بثمانية ريالات أو بتسعة ريالات يكون لها أثر عظيم، وأحدهم في الأسبوع الماضي قبل أن آتي إلى هذه المنطقة جاء لتوه من خوست قال: أبشرك.. طائرة كانت وشيكة النزول في مطار خوست تريد أن تقف أو تهبط قرب مستودع ذخيرة فضربت بالبي إم، فالطائرة هذه محملة بالأسلحة فانفجرت فتفجر بها مستودع الذخيرة الموجود في المطار، وتفجر معها بحركة عشوائية للطائرة ثمان طائرات كانت رابضة في مطار خوست.

    فيا أحبتي في الله: هذه قذيفة بي إم، لو قلنا: أننا نحتاج مليون ريال لضرب ثمان طائرات، الطائرة الواحدة بملايين الدولارات، لو قلنا: إننا بمليون ريال نريد أن نضرب كذا طائرة، ونفجر كذا مستودع أسلحة، قلنا: هذا ضرب من الخيال والعبث، لكن نحن أمرنا بالجهاد، سنجاهد ويستمر الجهاد في سبيل الله بطائفة منَّ الله عليهم وفضلهم وكرمهم وأعزهم بذروة سنام هذا الدين، وكل يختار لنفسه موقعاً، فمن أراد الذروة ومن أراد الحضيض ومن أراد الوسط، وكل يكرم نفسه حيثما وقع.

    من كهربائي إلى مساعد قائد جهادي

    جاء إلي في الرياض شاب سمعت به وزارني -من أهل اليمن (الإيمان يمان والحكمة يمانية) أبو عتيق اليمني - كيف حالك يا أبا عتيق ؟ ماذا كنت تعمل؟ قال: كنت كهربائياً. يقف على السلم وصاحب الفلة: (يا بو يمن) ما أكملت الشغل، جننتنا، عطلت الأمور. قال: فلما سمعت عن الجهاد ذهبت، فانتقل إلى منطقة بغمان وكان مساعداً للحاج شير علم.

    الحاج شير علم هذا من قادة الجهاد الذين يهددون نجيباً، لما نزل إدوارد شيفر في فندق الإنتر كونتينتل أمطروه بالصواريخ سكر بيش وسكرشل، فخرج نجيب في التلفاز، يقول: هكذا يعامل المجاهدون ضيوفهم، ثم أرسل رسالات متعددة، رسائل متعددة إلى الحاج شير علم يرجوه أن يستحي ظناً منه أن هذا هو الحياء، وأن يقف عن ضرب المنطقة حتى يسافر الضيف، فرد عليه ذلك الأعرابي الأفغاني برسالة قال فيها: يا نجيب .. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ [الأنفال:38] وكتب له الآية، يا نجيب .. أسلم تسلم وإلا فانتظرني بالذبح.

    رسالة قصيرة تروعه وتقض مضجعه.

    يمني كهربائي يطلق صواريخ سكربيش وسكرشل، صقر عشرين وصقر ثلاثين حتى يخرج نجيب ويقول: لقد أمطرت كابول بطوفان من الصواريخ. ولو علم نجيب أن الذي يهدده ليس رئيس حلف الناتو، وليس رئيس حلف الأطلسي أو حلف وارسو أو المناورات العسكرية الأجنبية الغربية أو الشرقية .. لا. إن الذي يهدده أبو عتيق اليمني، أقصركم أطول منه، وأنحفكم أسمن منه، والله إني أعجب من ذلك الرجل.

    وآخر كان (يليس) الجدران، انتقل إلى شكردرة فمن الله عليه وفتح على قلبه بالجهاد حتى أصبح يلقب بعدو الطواغيت يخافه الشيوعيون، إذا قيل للشيوعيين المنافقين الذين يتسللون لأخبار المجاهدين يقولون: عدو الطواغيت وصل منطقة يخشاه الشيوعيون خشية عظيمة، يماني (مليس).

    فضل الجهاد والمجاهدين

    يا إخوان! الجهاد يشعل العزة ويرفع العزيمة، ويجعل من لا شأن له ولا مكانه يحمل على الرءوس وعلى الأذقان، فمن أراد لنفسه عزة فعليه بالجهاد، الجهاد لا يحتاج إلى دكتوراه ولا يحتاج إلى دورة لغة، يحتاج إلى نفس تؤمن بالله وتفنى حباً في سبيل الله، وتضحية لإعلاء كلمة الله، وماذا بعد ذلك؟ إن قدرت له الحياة سيعيش عزيزاً مكرماً، وإن مات تبادرته الحور العين، ست خصال: يغفر له عند أول دفعة من دمه، والذي يموت على فراشه ينازع ويعالج وتسحب منه الروح سحباً في سكرات الموت، أما ذلك الشهيد فيغفر له عند أول قطرة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، وتبتدره اثنتان وسبعون حورية ... إلى آخر الخصال التي ينالها.

    واعلموا -يا إخوان- أنني أقول: إن الجهاد يكون من كل واحد بحسبه، فإذا كان جهاد أحدنا في جمعه للتبرعات، أو إيضاح قضية الجهاد، أو في أمر ينفع المجاهدين حتى وإن لم يكن في ساحة الجهاد فهو في عين الجهاد، لكن أقول لشاب ليس له دور أو عمل أو مكانة أو أسرة يقوم عليها أو أمر ينفع المجاهدين: ما الذي يقعدك؟ أليس الجهاد خيراً لك؟ ولذلك -يا إخوان- الأمر بالنسبة للشباب في الجهاد كل بحسبه، فإذا كان خدمتك للجهاد في الجبهة فخير الجهاد أن تكون في الجبهة، وإن كانت خدمتك للجهاد في موقعك فخير الجهاد أن تبقى في موقعك، وإن كانت خدمتك للجهاد في الطب والجراحة فخير الجهاد أن تكون في الطب والجراحة، وإن كانت خدمتك للجهاد في كفالة الأيتام فخير الجهاد أن تمضي في هذا العمل، المهم أن تعلم أن الجهاد أن تخدم الجهاد في أجل صورة وفي أجمل موقف سواءً كنت في الجبهة أم لا.

    اعلموا -أيها الأحبة- أن الجهاد لا شك في مقابلة الصفوف والأعداء، والرباط هو أفضل الأحوال جميعاً؛ كفى بصليل السيوف فتنة، لماذا لا يفتن الشهيد في قبره؟ قيل: كفى بصليل السيوف فتنة، كفى بأزيز الطائرات ولهيب النار فتنة.

    فيا أحبابي: أدعوكم أن نكون مجاهدين، جهادنا كل بحسبه، جهادنا أن ندعم هذا الجهاد كل في موقعه، وكل في مكانته، وكل بحسب قدرته وافهموا هذا الكلام فهماً جيداً.

    أقول -أيها الإخوة-: إننا لم نعرف كيف نعمل للإسلام، نحن إذا جاء أحد وألقى المحاضرة وقال: تبرعوا، تبرعنا، لكن لم نعرف كيف نجعل العمل للإسلام كالفطور والغداء والعشاء كما يفعل النصارى، العمل للتنصير عمل يومي، يعني: إلى جانب كونه طبيباً لكنه منصر أو مهندساً لكنه منصر في نفس الوقت، أياً كان عمله، لكن نحن عندنا ازدواجية أو انفصام، لا نستطيع أن نجمع بين كوننا أساتذة ومجاهدين أو أطباء ومجاهدين أو مهندسين، ومجاهدين.. ينبغي أن نعرف كيف نتعلم لنجعل الجهاد عملاً يومياً في الصباح والمساء كما نجعل الغداء والفطور والعشاء وجبة يومية.

    أقول لكم -أيها الإخوة-: سنة حسنة من استمر بها يلقى الله بأجر عظيم، كل واحد منكم لا يخلو في الأسبوع من مناسبة أو وليمة، أسبوعياً الواحد يدعى إلى ثلاث ولائم أو أربع ولائم، ونجتمع ونتحدث قليلاً ثم نتفرق ما فعلنا شيئاً.. لماذا لا نخدم هذا الجهاد؟ نشبع والناس جياع، نضحك والناس يبكون، لماذا لا نتعود من الآن أن كل مجلس نجلس فيه وفيه أكل وشرب، أنا أسامحكم من جلسات الشاي؛ لكن الجلسات الضخمة والعشاء الدسم لا بد أن يكون بعدها الحساب... كيف؟ إذا جلس عندك إخوانك وتحدثوا وشبعوا وأكلوا وريقة: لا تنسوا إخوانكم المجاهدين. على الأقل إذا اجتمع عشرة وكل واحد دفع خمسة ريالات تحصل خمسون ريالاً أظنها تكفل يتيماً لمدة شهر واحد أو أقل من شهر.

    المهم أن نجعل العمل للجهاد والعمل للإسلام عملاً يومياً، ما ظنكم أن كل واحد منا كانت عنده مناسبة يجمع فيها مائة ريال، ثمانين ريالاً، مائة وعشرين ريالاً على مستوى المنطقة، كم نجمع للمجاهدين؟ ثم نسلمها إلى يد موثوقة توصلها إلى المجاهدين حسب الهيئة التي نتعامل معها أو الجهة التي نحن نثق بها.

    فيا أحبابي: العمل للإسلام نريد أن يكون يومياً لا أن يكون مناسبياً، مناسبة محاضرة: الجهاد الجهاد. والعشاء ليس فيه جهاد؟ والغداء ليس فيه جهاد؟ والعقيقة ليس فيها جهاد؟ والنـزالة وقصر الأفراح لا نجمع فيها للجهاد؟ ولا نثقل كاهلنا بالكثير، ريال أو خمسة ريالات، بالكثير عشرة ريالات وكثر الله خير من فعل ذلك، كل واحد منكم مسئول عن هذا العمل. عندنا شاب أسأل الله أن يوفقه بالدخل المحدود، شاب زهراني عندنا في الرياض الله يبارك فيه، بين فترة وفترة: يا أخ سعد .. تفضل هذه مائة وستة عشر .. هذه مائة وعشرون، هذه ثمانون، هذه تسعون. ما هذا؟ كنا في مناسبة، ومستمر على هذا العمل، قلت: يا أخي! هنيئاً لك، وذكرت له حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله، قيل: وكيف يستعمله؟ قال: يوفقه الله إلى عمل صالح ثم يتوفاه عليه) فأسأل الله أن يستعملني وإياكم في طاعته، وأن يثبتني وإياكم على مرضاته، أسأل الله أن يتوفانا راكعين ساجدين شهداء مسلمين موحدين، وأسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من الهداة المهتدين، ونسأله ألا يتوفانا وألا يقبضنا على خزي أو فاحشة أو منكر أو معصية.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    الأسئلة

    توبة كثير من اللاعبين في الرياض

    السؤال: سمعنا توبة كثير من مشاهير اللاعبين من مدينة الرياض وعودتهم إلى الله تعالى، فما مدى صحة هذه العبارة؟

    الجواب: الحمد لله، هذا صحيح، ولله الحمد والمنة، وأقول: إن الكثير من اللاعبين -ولله الحمد- على حد طيب من الاستقامة وحسن السيرة، ولكن الله من عليهم بمزيد من الصلاح والحب للإسلام والعمل له، فما تسمعونه خير وأولئك مثل وقدوة لأمثالهم من محبي الرياضة، أو للشباب الرياضيين الذي يظنون أن الشهرة تنتهي بكل واحد أو تشغله عن كل شيء، فلله الحمد والمنة من نجوم المنتخب ومن مشاهير اللاعبين لهم حظ طيب في الاستقامة والصلاح والدعوة إلى الله جل وعلا، ونحن نسأل الله أن يثبتهم وألا يكلهم إلى أنفسهم.

    وليس هذا -يا إخوان- بغريب منهم، هل اللاعب في غنىً عن الجنة أو في أمان من النار، أو في ضمان برحمة الله جل وعلا؟ كلنا محتاج لذلك، لكن مثل هؤلاء إذا كان العدد من الشباب يتطلعون وينظرون إليهم فمن باب أولى إذا رأوا من يحبونه ويعشقون لعبه ويتابعون أخباره وأهدافه ومواقفه وفرصه؛ يعلمون أن هذا من خيرة الصالحين، من الشباب الطيبين ممن لا يترك الصلاة على أي حال حتى وإن كان في الداخل أو في الخارج، في المعسكر أو في أي مكان، على أنه مهما كان في أي موقف لا يلتفت إلى النساء، لا يقع في المعاصي، لا يقع في الزنا، لا يتساهل في مخالطة الفساق، فعند ذلك يكون قدوة وداعية رغم أنه في مكان -وليس بالضرورة- قد يجد فيه منفذاً إلى أن يفعل شيئاً من المخالفات، ومع ذلك ومع إمكانية ذلك فإنه يذكر رقابة الله عليه، وعلم الله بأحواله جميعاً فلا يفعل من ذلك شيئاً، بل يجتهد في حفظ نفسه وإخوانه.

    وسيلة مبتكرة في الدعوة إلى الله

    السؤال: هناك أحد الإخوان يسأل بالله، ومن سألكم بالله فأجيبوه: يطرح فكرة، يقول: أجتمع أنا ومجموعة من أحبابي وعددهم ما يقارب خمسة وعشرين من الإخوة ندفع في كل شهر خمسة وعشرين ريالاً فما فوق، وهو مبلغ ندفعه إلى صندوق عند أحدنا، ونشتري بهذا المبلغ كل شهر مجموعة أشرطة ورسائل لفئة معينة من الناس، مثلاً نجتمع في آخر الشهر ونشتري رسائل وأشرطة ومحاضرات فننصح المرضى ونذهب إلى أحد المستشفيات ونوزعها على غرف المرضى، ونهدي لهم تلك الرسائل والأشرطة، ونسأل الله أن ينفع بهذه الفكرة؟

    الجواب: يعني هذا الأخ جزاه الله خيراً ينشر فكرة ويسن سنة حسنة لعله أن يفوز بأجرها عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة).

    يا إخواني: هذا الدين عظيم وليس محدوداً بجانب معين، جميع جوانب الحياة للدين فيها أمر ونهي، وللدين فيها علاقة وصلة، فكل سنة ومشروع نافع حسن تفعله في هذه الأمور فأنت تؤجر به، وثق أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

    حكم السكوت عن جماعة يفعلون الفاحشة بعد نصيحتهم

    السؤال: أنا شاب ملتزم، وأسكن في عمارة وفيها شباب، وأرى كل يوم هؤلاء الشباب ومعهم فتيات وساقطات ومن يتبعن الرذيلة مثل هؤلاء، وأنا أعرفهم ونصحتهم ولكن لا فائدة، فهل أنا آثم على السكوت في ذلك، أم أن مثل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (من ستر على مسلمٍ ستره الله عليه يوم القيامة) يشملني؟

    الجواب: لا يا أخي، هذا رضى بالشر ورضى بالمعصية وبالفسق ولا حول ولا قوة إلا بالله! ولا يدخل هذا في الستر، الستر مثاله كأن تجد مثلاً سكراناً أو أن تقبض على اثنين في حالة معينة في أول وهلة مثلاً ثم تنصحهما ويلتزمان بالتوبة ويبذلان لك الرجاء أن تستر عليهما، ويعدانك بالتوبة إلى الله جل وعلا، فهنا حسن لو سترت عليهما، لكن هؤلاء الذين تنصحهم مراراً ومع ذلك هم مصرون فهذا لا يصدق عليه الستر، بل فيه المداهنة والرضا ولا حول ولا قوة إلا بالله! بل من واجبك أن تعد المخطط، وأن تنصب الكمين لكشفهم والقبض عليهم، طالما أنك نصحتهم مراراً فلم ينتصحوا، ونهيتهم فلم ينتهوا، وزجرتهم فلم يزدجروا، فلا بد أن ترتب المكان والخطة والكمين المناسب للقبض عليهم.

    ولعلمك هناك حالات لا بد فيها من القوة

    ووضع الندى في موضع السيف بالفـتى     مضر كوضع السيف في موضع الندى

    ويقول الآخر في بعض ألوان الشر:

    والشر إن تلقه بالخير ضقت به     ذرعاً وإن تلقه بالشر ينحسر

    فلا بد أن تستخدم شيئاً من القوة حتى تقهر هذا الباطل، ولماذا شرع الجهاد؟ لأنه قمع للعناد والعصيان الذي يقف أمام انتشار الحق وإقامة شرع الله جل وعلا، فالقوة مطلوبة في بعض المواقف.

    كتاب الداء والدواء لابن القيم

    السؤال: نرجو أن تذكر الكتاب الذي ذكرته في بداية الحديث عن أن الشيخ ابن القيم رحمه الله قد أورد أربعاً وسبعين قصة.

    الجواب: نحن قلنا أنه قال: ومن عقوبات الذنوب، ومن عقوباتها، أورد أربعة وسبعين أثراً من آثار الذنوب أورد في بعضها شيئاً من القصص ولم أقل أربعة وسبعين قصة، هذا الكتاب اسمه الداء والدواء أو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، هذا كتاب قرأته ثلاث مرات لا أمل قراءته، وأنصح كل واحد منكم أن يكثر من قراءته، والعجيب حينما تقرأ فيه كأنك تقرأ لأحد علماء النفس والأطباء النفسيين في هذا الزمان، مع أنه في القرن السابع! من شدة جمال ومعالجة وخطاب هذا الكتاب لمكنونات النفس!

    لكي تجعل بيتك خالياً من المعاصي

    السؤال: كيف أستطيع أن أجعل من منزلنا أو بيتنا بيتاً إسلامياً ليس فيه معصية، وبذلك أقي نفسي وأهلي من وقود النار؟

    الجواب: اعلم -يا أخي الكريم- أنها أمنية كل واحد، وكل واحد يجب أن يجعل من بيته أسرة مسلمة في مجتمع مسلم، وعلى أية حال -بالمناسبة- هذه البلاد الطيبة المترامية الأطراف، الشاسعة الأنحاء، ليس غريباً عليها أن تكون مشعلاً وقدوة ونبراساً وإماماً لدول العالم أجمع، والعالم الإسلامي خاصة؛ لأن أهلها أهل عقيدة، وأرضها أرض رسالة وتجديد عقيدة، بل الغريب أن نجد البعد عن الالتزام.

    من واجبك -يا أخي الكريم- أن تسعى إلى بذل الحب والندى واللطف والمودة لأهلك وأهل بيتك، حينما أريد أن أنصح من يكرهني فاعلموا أنه لن يسمع مني؛ لأن من يبغضني لن يسمع مني صرفاً ولا عدلاً، لكن إذا أحبني سمع مني، فأول خطوة أفعلها: أن أتودد وأن أتحبب إلى أهل منزلي: أبي وأمي وإخوتي وأخواتي، هذا بالهدية، وهذا بالتواضع والخدمة وكف الأذى والإيثار والبشاشة وعدم رفع الصوت وخفة النفس معهم، لا أن أكون ثقيل المنام، ثقيل الفراش، كثير الأوامر والمطالب، طويل اللسان، متعدد الأوامر، ثم آتيهم: اتقوا الله، النار حارة، النار باردة ... ولا يسمعون شيئاً، لا فائدة من الكلام هذا؛ لأنهم يرون رجلاً ثقيل النفس.

    لكن حينما يجدون قبل كل شيء الذي يأمرهم حبيباً .. لطيفاً .. خفيف الظل.. ليس ثقيلاً عليهم .. دائماً يقدم لهم الهدية .. يخدمهم .. لا يكون أنانياً همه نفسه .. يحبهم .. يتدلل أو يتفنن في أساليب مرضاة والديه، عند ذلك -أيها الإخوة- تجدهم يحبونه، فإذا أحبوه حينما يقول لهم يسمعون، وحينما ينصحهم ينتصحون، وحينما ينهاهم ينتهون.

    أذكر أحد الشباب -الله يذكره بالخير- هو الآن إمام مسجد في الرياض، كنا إذا زرنا، نقول: أين أبو فلان؟ يقول: الطبراني ما بعد جاء. يضحك عليه يسميه الطبراني، أين هو؟ والله الطبراني ذهب المعرض ذاك. ومع ذلك كان كثير المزاح مع والده، خفيف الظل، خفيف النكتة والمرح مع والده، ليس أنانياً، واستطاع بفضل الله أن يجعل من والده الحليق لحية طيبة مباركة، ومن ذلك البيت المنفلت أسرة صالحة، ومن ذلك المجلس الذي يجلسه والده مع أصدقائه وشلته مجلس قراءة في كتاب الله أو في التفسير.. بماذا؟ بحسن الخلق.

    يا إخوان.. قبل أن نقول للناس: هذا حلال وهذا حرام، ينبغي.. لا ينبغي، يجوز.. لا يجوز، ينبغي أن نعرف أولاً هل هم يحبوننا أم لا؟ هل رأوا فينا القدوة الصالحة أم لا؟ هل وجدوا فينا مسابقة ومسارعة إلى تطبيق ما نأمر أم لا؟ فحينما يجدون هذه الصفات التي تكسر حواجز العلاقات، بل تفتح سبل المودة وتمهد الطرق للمحبة عند ذلك يسمعون منا ويتأثرون بنا.

    وأقول لك: لا تقصر أو تبخل عليهم بكل جديد من الأشرطة والرسائل الطيبة، وأيضاً الأمور النافعة، يعني: تجد بعض الشباب يومياً شريط، يومياً رسالة، لكن ما يوم من الأيام أعطاهم مثلاً وجبة أو ساندويتشات أو عطور أو أقمشة أو أشياء جميلة، دائماً كتاب أو رسالة، يوماً رسالة، ويوماً ساندويتش، ويوماً كذا، فجدد عليهم يقبلون هداياك، وبين الفينة والأخرى ساعة وساعة.

    أسأل الله أن يبارك فيك، وأن يصلح بيتك وسائر بيوتنا أجمعين، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.