إسلام ويب

قصة من آثار الخدمللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من المخجل والمخزي ما تهاون به كثير من المسلمين من استقدام الخدم والخادمات من غير حاجة ماسة لذلك، أو مراعاة لمصلحة راجحة أو غير راجحة، وفي هذه المادة يتكلم الشيخ عن جملة من الإرشادات التي ينبغي مراعاتها لمن ابتلي بالخادمات في بيته.

    1.   

    أمور في استقدام الخادمات

    الحمد لله وحده لا شريك له، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعــد:

    فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي وصية الله لكم ولمن كان قبلكم: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131] ويقول سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    معاشر المؤمنين: الحديث عن الخدم والخادمات معلوم لدى الجميع شيء كثير عنه؛ لكثرة ما يتعرض له في الإذاعات والندوات والخطب وغيرها، لكن الذي نريد أن ننتبه له في هذه الخطبة، هو أن نعلم جملة من القوانين والإرشادات التي ينبغي مراعاتها لمن ابتلي ببلية الخادمات في بيته، وقبل أن نفصل في ذلك فلا بد أن نذكر أن الكثير منا يعلم أضرار استقدامهن ومساكنتهن ومخالطتهن في البيوت مع الأطفال والشباب وأفراد الأسرة، لكن البعض ابتلي بهن للحاجة الماسة إليهن؛ لظروف مرض أو عجز أو حاجة، كل يختص فيما دعاه إلى استقدامهن.

    أيها الإخوة: ينبغي أن نعلم أنه لا ينبغي لأحد أن يجعل خادمة في بيته إلا لحاجة ماسة ومصلحة راجحة، تدعوه للإقدام على ذلك، ومن أجلها يضطر أن يتحمل جزءاً من سلبيات هذا الاستقدام محاولاً تلافي ذلك ما أمكن إليه سبيلاً، لكن المؤسف والمخجل هو ما تهاون فيه كثير من المسلمين في هذا الباب حيث فتحوه على أنفسهم، فأخذ كل يستقدم من غير مراعاة لحاجة ماسة أو غير ماسة، من غير مراعاة لمصلحة راجحة أو غير راجحة، ومن صريح القول -أيها الإخوة- أن نحدد النقاط التي نريدها كما يلي:

    استقدام أكثر من خادمة

    الأمر الأول: يستقدم البعض منا أكثر من خادمة في حين أنه لا يحتاج إلا لواحدة فقط أو قد لا يحتاج، لكن المباهاة والمفاخرة جعلت بعض المسلمين يستقدم الخدم من دون حاجة، ويستقدم أكثر مما يحتاج إليه، وهذا الأمر هو الذي فتح باب الفراغ القاتل والبطالة الخطرة على بعض الفتيات، وسينتج هذا أو قد أنتج عدداً كبيراً من الفتيات اللاتي لا يعرفن إعداد أدنى واجبات المنـزل، ويبدو هذا واضحاً عندما تتزوج الواحدة منهن فتقع في خلاف ومشاكل زوجية، فهي لم تتعود سلفاً أن تعد الطعام، أو أن تجهز الملابس، أو أن تعتني بالبيت، بل قد كان ذلك من واجبات الخادمة، ومن ثم سيضطر زوجها إلى طلاقها أو البقاء معها في مناخ تسوده الخلافات وسوء العشرة.

    التهاون في لباس الخادمة ومخالطتها

    الأمر الثاني: أن البعض منا حينما يستقدم خادمة لحاجة لا بد منها، تراه يتهاون في حجابها ولباسها وحشمتها أمامه وأمام أولاده، ومن المؤسف أن ترى كثيراً من المسلمين لا تتورع الخادمة في بيته أن تلبس ما شاءت من لباس زاه أو خفيف يشف ويكشف عما تحته من أجزاء بدنها وعورتها، ولا تتردد أن تدخل وتخرج أمام رب المنـزل بهذا اللباس، ولا شك أن هذا من الحرمة بمكان، ولما ينتج عنه من إفشاء نيران الشهوة والفتنة المحرمة، والرغبة في الخلوة وتزيين الفاحشة والعياذ بالله.

    ومن المؤكد أن السبب في تساهل الخادمة بأمر الحشمة إلى هذا الحد هو صاحب المنـزل الذي استقدمها، وسكت عن بداية تهاونها حتى أغرقت في سفورها عن مفاتنها أمامه وأمام أولاده، فتنبهوا لذلك -يا عباد الله- وليحرص من ابتلي بالضرورة والحاجة إليهن أن يبقي حاجزاً كبيراً في المعاملة معهن، ولا يتباسط في المعاملة والحديث؛ لكي يجعل الخادمة تعاب منه ومن الدخول عليه وهو في أي مكان في منـزله، وليجعل من زوجته أو بناته وسيلة الاتصال فيما يأمر بإعداده وتجهيزه.

    ولقد نتج من تهاون كثير منا بحشمة الخادمة أن أصبحت الخادمة تدخل على الواحد في حجرة نومه أو بيته من غير مراعاة لأدب أو حياء، ومن ذلك خروج الخادمة مع زوجة الرجل كاشفة حاسرة عن وجهها وشعرها، وذلك لا شك يعرض الجميع -يعرض الزوجة والخادمة- لأطماع الشاذين والمنحرفين أياً كان ذلك الخروج، سواءً كان في السيارة أو في السوق أو في الطريق، وربما جرت الخادمة البلاء والمكروه لزوجة الرجل في داره بسبب خروج الخادمة بهذه الطريقة.

    ومن ذلك خروج الخادمة بمفردها أو مع خادمة أخرى، وهذا كثيراً ما نراه في هذه الأيام، تخرج الخادمة بمفردها أو مع غيرها في بعض الأوقات في وقت متأخر من الليل، أو مبكر في الصباح في حين خلوة؛ لشراء بعض الحاجات المنـزلية، وهذا -أيضاً- أمر خطير، إذ أن تلك الخادمة المسكينة قد تقع في شباك الفاحشة بإغراء المال الذي لم تترك بلادها إلا لأجله، أو بالفتنة والخلوة وتزيين الشيطان أو غير ذلك من الأسباب.

    استقدام الفتاة الصغيرة الجميلة

    الأمر الثالث: أن بعض الذين يحتاجون إلى الاستقدام يستقدم فتاة صغيرة جميلة يتراوح عمرها بين الثامنة عشر أو الخامسة والعشرين أو بين ذلك، ولا شك أن رجلاً كهذا استقدم وصيفة أو جارية ولم يستقدم خادمة، إذ أن الفتاة الصغيرة أو من تكون في هذا السن أقرب إلى الشهوة والفتنة من غيرها، وذلك لشباب عمرها وضعف عقلها، خاصة إذا كان في المنـزل شباب في سن المراهقة أو حول سن المراهقة، فإن هذا -يا عباد الله- استقدام مصيبة وبلية لا خادمة، إذ من الواجب على من احتاج لهذا أن يستقدم امرأة جاوزت الثلاثين من عمرها تقريباً، غير جميلة وفاتنة.

    ومن المضحك المخزي أن ترى واحداً قد استقدم خادمة أصغر وأجمل من زوجته إلى حد كبير، فيا ليت شعري أي باب من الفساد في حياته الزوجية قد فتحه على نفسه.

    استقدام الكفار

    الأمر الرابع: أن بعض من احتاج لاستقدام الخدم والخادمات يستقدم الكفار ولا يرغب في استقدام المسلمين، وهذا لا شك أنه لا يجوز؛ لمخاطر الخادمة الكافرة في الدين والعقيدة والتربية على الأطفال والنشء والصغار، والرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر بإخراج المشركين من جزيرة العرب وقال: (لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلماً) رواه مسلم.

    واستقدام الكفار قد يدخل في موالاتهم والعياذ بالله، فكيف يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخراجهم من جزيرة العرب والبعض منا إذا جاء يريد أن يكتب توكيلاً أو يطلب خادمة يقول: أريد كافرة لا مسلمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    سوء المعاملة مع الخدم

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعــد:

    عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع جماعة المسلمين، ومن شذ شد في النار عياذاً بالله من النار.

    معاشر المؤمنين: إن بعض المسلمين الذين اضطروا إلى استقدام الخادمات لا يتقون الله جل وعلا في معاملتهن، ويحملونهن من الأعمال والبلاء ما لا تطيقه الواحدة منهن، وهذا والله ظلم عظيم، وأشد الظلم ما كان لضعيف لا يملك لنفسه حولاً ولا طولاً ولا قوةًَ إلا بالله العلي العظيم.

    معاشر المؤمنين: إن بعض الذين يقسون في معاملة الخادمة، سواءً كان الذي يعاملها هو الرجل أو المرأة، ولا ينبغي للرجل أن يأمرها أو ينهاها وإنما ينبغي له أن يجعل زوجته وسيلة الاتصال بذلك، أو أن يأمر وهو في مكان بعيد يسمع صوته ويلبى ما يريد، ويوضع في مكانه بحيث لا تحصل الخلوة أو تتكرر المشاهدة والمقابلة، إن بعض الذين يقسون في معاملة الخادمة يضطر الخادمة إلى أن تنتقم منهم انتقاماً في أي مكان استطاعت أن تنثر غيظها فيه وأن تضيح بمكلوم بغضها لما لاقته من هذه المعاملة الشرسة، وعلى أقل الأحوال إن عادت إلى بلادها وقد سلم أهل المنـزل منها تعود بمفهوم سيئ عن المسلمين في معاملتهم، وتعود بمفهوم سيئ عن المسلمين في تطبيق أحكام دينهم، وهذا باب من الفساد عظيم.

    عواقب سوء المعاملة مع الخدم

    إن الذين يعاملون الخادمة بهذه الطريقة القاسية فلا يراعون ما يحل بها من المرض أو الجهد أو الضنك، إنهم بذلك لا يخشون الله في هذه المسكينة، رغم الحاجة إليها فإنه لا ينبغي لأحد أن يحملها من العمل والجهد ما لا تطيق، ومن خالف ذلك فإنه على خطر أن تنتقم الخادمة منه خاصة إذا كانت كافرة، ولا ينبغي لمسلم أن يستقدم كافرة.

    ولقد سمعنا كثيراً وكثيراً عن عدد من الخادمات اللاتي انتقمن بسرقة الذهب والمجوهرات وغير ذلك، أو على أقل الأحوال إتلافها، انتقمت بإتلاف كل ما هو ثمين في المنـزل خشية أن يكشف معها على الحدود أو المطارات، فجعلته في مكان لا يعرف أو ألقته في مكان يجل المسجد عن ذكره، إن ذلك كله بسبب القسوة والمعاملة السيئة، إذ أنه لا بد للإنسان حينما يرى تهاوناً أو تكاسلاً يريد لهذه الخادمة أن تنتبه إليه أن يجعل ذلك عبر زوجته، وأن تنبهها بأسلوب لطيف كي لا تنتقم من أولاده أو من زوجته أو أي فرد من أفراد الأسرة.

    صورة من انتقام الخادمات لسوء المعاملة

    علمت علم اليقين بحادثة دامية، وحادثة هي التي جعلتني أكتب هذه الخطبة، وهي أن خادمة -وهي كافرة- كانت تلقى معاملة سيئة، والأصل أنه لا يجوز استخدام الكافر والكافرة، وكلكم يعلم هذا، وتردد هذا كثيراً في الندوات والخطب والمحاضرات.

    استقدم خادمة كافرة، وكانت تلقى قسوة في المعاملة من صاحبة المـنزل فيما يبدو ذلك، فلما قرب أو بقي مدة لا بأس بها على ذهابها إلى بلادها وتسفيرها وخروجها ماذا فعلت؟ في حين غفلة من أهل المنزل، وفي حين عدم وجود صاحب المنـزل، والأم في غفلة عظيمة عن أولادها وأطفالها، أسأل الله أن يجبر مصيبتها فيما حل بها، أمسكت تلك الخادمة الخبيثة بالطفلة الصغيرة فذهبت بها إلى دورة المياه ووضعتها في مكان يسمى البانيو، فلما وضعتها أخذت شيئاً حاداً أشبه ما يكون بالشاطور فضربت به بين مفصل رقبتها وكتفها ضربات متعددة حتى أزهقت روحها، وجعلت دماءها تطيش في هذا الحوض داخل دورة المياه، ثم اتجهت إلى أخيها الصغير وأرادت أن تنتقم منه وطعنته طعنات متعددة فسمعت الأم بسبب صراخ طفلها، فجاءت لتنظر ما الخبر، وإذ بها ترى طفلة تتشحط في دمائها، وطفلاً قد طعن طعنات في زند يده، فأخذت تدافع وهمت الخادمة بقتل الأم -أيضاً- ثم تعاركت معها في عراك شديد، فأعان الله الأم عليها ودفعت بها في مكان وأقفلت عليها، واتصلت بزوجها ودعت سلطات الأمن والشرطة للتحقيق في ذلك، ولما حقق معها ماذا قالت؟ قالت: كنت أريد أن أنتقم من أفراد المنـزل كلهم جميعاً، أريد أن أقتلهم جميعاً.

    هذا ما صرحت به ونطقته في هذا التحقيق الذي علمته علم اليقين ولا أقوله نقلاً عن فلان أو علان، إنها لحادثة مؤلمة، إنها لحادثة تجعل الإنسان يسأل الله جل وعلا ألا يحيجه إلى هؤلاء الخدم والخادمات، وأن يستغني بما آتاه الله جل وعلا عنهن أياً كانت الظروف، وأياً كانت الأسباب والمسببات، ولكن إذا كان لا بد للإنسان منهن؛ فليتق الله في المعاملة، وليحرص على عدم استقدام الكافرة التي لا دين لها يردعها، ولا عقيدة في قلبها تمنعها، ولا تعرف إلا الانتحار حين تفعل ما دار بخلدها، وحينما تطبق ما تريد أن تفعله في أهل الأسرة انتقاماً منهم، الكافرة لا دين لها، الكافرة لا عقيدة لها فكيف نرضى أن نجعلها في بيتنا؛ نأكل من طبخ يديها، أو نشرب من إعداد يديها، أو نرضى أن تمس أطفالنا أو تمس عوراتهم؟ هذا والله بلاء عظيم..! وهذا قد يدخل في ضعف الولاء والبراء، وضعف الموالاة والمعاداة في الله.

    لا ينبغي لأحد أن يستقدم الكافر والكافرة أياً كانت الظروف ما دام يجد عن ذلك بديلاً ولغيره سبيلاً، لا بد أن يمتنع وينتهي أقوام عن وجود الخادمات الكافرات في بيوتهم، وعليهم أن يتوبوا إلى الله، وأن يبادروا بتسفيرهن وإخراجهن أياً كانت الخسارة، بضعة آلاف لا تتجاوز الأربعة أو الخمسة في سبيل بقاء الأسرة على مستوى من صفاء العقيدة ونقاء الدين. أما المسلمة التي يستقدمها الإنسان في حاجة إليها فعليه أن يراعي ما ذكرنا ذلك كله.

    وإن من البلاء: أن بعض المسلمين -هداهم الله- يهين الخادمة إهانة عظيمة، فتجده يمرح ويضحك مع أصدقائه وزملائه ثم يصيح للخادمة بأعلى صوته أن تحضر له الشاي والقهوة، فتأتي هذه المسكينة تمشي على استحياء وتدخل والنظرات تأكلها من مفرق رأسها إلى أخمص قدمها، تنظرها العيون مقبلة مدبرة، وتدخل على الرجال لكي تضع ما بيدها من شاي أو غير ذلك.

    أما يتقي الله ذلك الذي استقدمها كيف يرضى أن تدخل بين الرجال؟ ما دمنا قد غضضنا النظر مع شعور الإنسان بالخطأ وشيء من الإثم والمخاطرة في استقدامها بدون محرم لها، فما الحال في دخولها على الأجانب، وما الحال في تعويدها على الدخول على الرجال، إما أن تقدم شيئاً أو تخرج شيئاً، هذا غلط عظيم وشر جسيم، وبلاء قد عم كثيراً من المسلمين وأخذوا يتهاونون به.

    عباد الله: اتقوا الله في معاملة أولئك الضعفاء الذين اضطرتهم الحاجة إلى المال وإلى لقمة العيش إلى السفر، وخلفوا أطفالاً صغاراً وعجائز كباراً، خلفوا كل ذلك لكي يأتوا بقليل من المال، فما بال بعضنا يفتن الواحدة في عرضها وفي دينها، ويكسر حجاب حيائها وحشمتها في إدخالها أمام الزوار في المجالس ذاهبة آيبة، أو بأمرها أن تخرج إلى السوق أو الدكان لتحضر له شيئاً مما يريد، وهذا ينافي تعاليم الإسلام وآدابه، وإن من فعل ذلك لعلى خطر عظيم.

    أما تخشى الله جل وعلا الذي أعزك في بلاد عز وأكرمك في أرض كرامة، وآتاك من المال والجاه والمتاع، وجعل أولئك يبتلون في مالهم وأنفسهم فاضطروا أن يهاجروا رجالاً ونساءً ليخدموك؟ أما تخشى الله أن يزيل الدولة وأن يغير الأيام وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140]؟

    أما تخشى الله الذي جعلك غنياً وجعلها فقيرة أن يجعلك فقيراً ويجعلها غنية؟ اتق الله في هذه المسكينة التي في يدك، إذا كنت في غير حاجة لها فاحرص ما استطعت أن تستغني عنها، وأن تبقى سعيداً في بيتك مع أولادك لعدم وجود من يكدر صفو هذه الخلوة مع زوجتك وأولادك، فإذا كان لا بد منها لحاجة لا مفر منها فعليك أن تتقي الله فيها.

    لا تخرجها في سيارتك حاسرة الوجه والرأس، ولا تتحدث معها، ولا تجعلها تدخل عليك، واجعل وسيلة الاتصال بها زوجتك، ولا تخرجها إلى السوق لكي تحضر شيئاً من الحاجيات من الدكان أو غيره، وإذا رأيت ما تكره كذلك فازجرها وانهرها، وإن رأيتها متهاونة في لباس فازجرها ومرها بلباس حشمة، فإن ذلك أتقى لك ولها، وأقوم لأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر.

    ولا تحملها من العمل ما لا تطيق، وعلم زوجتك أن تحسن معاملتها؛ فإنك إن أسأت المعاملة وظننت أنها مسكينة ضعيفة لا تملك أحداً تشكو إليه الحال إلا إلى ربها، فإنك بذلك قد تجني هذه النتيجة في أولادك وفي زوجتك والعياذ بالله.

    نسأل الله جل وعلا ألا يعرضنا للفتنة والبلاء، وأن يحفظنا بالإسلام قائمين قاعدين، اللهم احفظنا بحفظك، اللهم اكلأنا بعنايتك، اللهم احرسنا بعنايتك يا رب العالمين!

    معاشر المؤمنين: اتقوا الله في هذا الأمر كثيراً، وأمروا من تعرفونهم يتهاونون في ذلك، ومن المؤسف المخزي -أيضاً- أن بعضهم لا يصرف لها رواتبها، ولا يعطيها حقوقها، ولا يكرمها بما يكرم به أهله، والواجب على الإنسان الذي اضطر إليها أن إذا أتى بشيء من الملابس أو غير ذلك أن يشتري ولو حاجة بسيطة يدفعها لزوجته تقدمه إليها تطييباً لخاطرها، وإشعاراً لها بخاطر الرحمة والرأفة والشفقة والمودة من إخوانها المسلمين، لكي تعود وهي تعلم أن في بلاد الإسلام مسلمين على حق، ومسلمين بحق، مسلمين يخشون الله حق خشيته فيما ولاهم الله وفيمن كانوا دونهم من الخدم والحشم وغير ذلك.

    فاتقوا لله -يا عباد الله- خاصة فيما يتعلق بالمعاملة، فإن هذه الحادثة الدامية التي سمعتم بها ليست أولى ولا أخيرة، ولقد سمعنا كثيراً وكثيراً لكن كثيراً ما نسمعه بالنقل وعن وعن وعن، أما هذه فعلمته من مصدر أشبه ما يكون مباشراً في مباشرة الأمر وتحقيقه.

    إذاً: -يا عباد الله- اتقوا الله تعالى في هذه المعاملة، واحرصوا ألا تجعلوا الخادمة تتولى أمر الأطفال خاصة في نظافتهم ومباشرة عوراتهم وفروجهم؛ لأن ذلك قد يعودهم في المستقبل على أمور سيئة لا تحمد عقباها.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءً، وأراد ولاة أمرنا بفتنة، وأراد بعلمائنا مكيدة، وأراد بشبابنا ضلالاً، وأرد بنسائنا تبرجاً وسفوراً، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء.

    اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم أرنا فيه يوماً أسود كيوم فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف .

    لا إله إلا الله الحليم العظيم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم.

    اللهم يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، اللهم يا من بيده ملكوت كل شيء، اللهم يا رب السماوات والأرض، اللهم يا من بيده الملكوت، يا ذا العزة والجبروت، اللهم أرنا عجائب قدرتك في الفرس الإيرانيين، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أحصهم عدداً، وأهلكهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً، اللهم أهلك زروعهم وضروعهم، اللهم عجل زوالهم، اللهم عجل زوالهم، اللهم عجل زوالهم وفناءهم، اللهم أرنا فيهم شر ما تجزي به ظالماً في ظلمه، وطاغياً في طغيانه، ومتجبراً في تجبره، وفاسقاً في فسقه، وكافراً في كفره، وملحداً في إلحاده، اللهم اجعلهم غنيمة للمسلمين، اللهم اردد كيدهم في نحورهم، اللهم اضرب بعضهم ببعض، اللهم اجعلهم أحزاباً وطوائف شتى، اللهم اضرب بعضهم ببعض، اللهم اضرب الظالمين بالظالمين، وأخرج أمة محمد من بينهم سالمين آمنين بقدرتك يا رب العالمين!

    اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا باغياً إلا قطعته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أيماً إلى زوجته، ولا أسيراً إلا فككت أسره، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم اغفر لنا ولوالدينا، واجزهم عنا خير الجزاء، اللهم اغفر لنا ولموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم أعنا على ما أعنتهم عليه، اللهم أعنا على ما أعنتهم عليه.

    اللهم اختم بالشهادة والسعادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل اللهم إلى الجنة مصيرنا ومآلنا، اللهم أحينا على الإسلام سعداء، وتوفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء، اللهم إنا نسألك توبة قبل الموت، وراحة عند الموت، ونعيماً في القبور بعد الموت.

    اللهم انصر إمام المسلمين، اللهم أعز إمام المسلمين، اللهم وفق إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، اللهم أصلح إخوانه وأعوانه، اللهم اجعلهم بكتابك وسنة نبيك عاملين مطبقين برحمتك يا أرحم الراحمين!

    عباد الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين!

    عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.