إسلام ويب

الولاء والبراء [1407ه]للشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الولاء والبراء أمر محتوم، وهو أصل من أصول الدين الإسلامي، كما بينه الله في كتابه، وبينه رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، ولقد سطر الصحابة في الولاء والبراء أروع الأمثلة، وهكذا كان السلف الصالح، لكن لو نظرنا إلى أحوالنا اليوم وأحوال أعدائنا لوجدنا أن الأعداء قد أخذوا بهذا الأصل على اختلاف نحلهم ومللهم، وأما المسلمون -فإلى الله المشتكى- قد وقعوا في التفرق والتشرذم والانحطاط والضعف والخور!!

    1.   

    حقيقة الولاء والبراء

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، وجزاه عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، وآتاه الفضيلة والوسيلة، وبعثه مقاماً محموداً.

    عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي وصية الله لكم في كل حال من أحوالكم، وهي وصيته لكم ولمن كان قبلكم: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131].

    معاشر المسلمين! إننا في عصر تكالبت فيه قوى الشر على الإسلام وأهله، واجتمعت عليهم وعلى حربهم صفاً واحداً، على الرغم من اختلاف ملل الكفر وتنوع نحله، وإن كنا نرى في مقابل ذلك آلاف الملايين من المسلمين المتفرقين في أنحاء العالم، ومع ذلك فكثرتهم هذه لم تغن عنهم شيئاً، ولكل واحد منا أن يطرح سؤالاً قائلاً: ما بالنا نحن المسلمين أكثر أمم الأرض عدداً، وأوفرهم أموالاً وأرزاقاً، ومع ذلك فالمسلمون أكثرهم يشردون أو يقتلون ويعذبون ويهانون ويحتقرون! أليست الكثرة تغلب الشجاعة، وتجلب النصر والغلبة؟

    نعم. هذا هو سؤال الساعة المناسب، والجواب عليه يكمن في قوله صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يا رسول الله؟ قال: لا. أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يصيبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت، وينـزع الله مهابتكم من صدور أعدائكم) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    عباد الله! إن ثمة علل وأمراض أصابت الأمة الإسلامية، نخرت عظامها، ومزقت أوصالها، وأسقطت خلافتها، وفرقت شمل وحدتها، حتى وصل بها الأمر إلى ما نراه اليوم من التبعية والهوان والذل والامتحان، ولو ذهبنا نستعرض تلك المصائب والمحن، لطال بنا المقام، ولكن حسبنا أن نتذاكر بعضها بشيء من الإيجاز والاختصار.

    ألا وإن من أعظم تلك الأمور وأخطرها، والتي أصابت المسلمين في دينهم؛ هي قضية ضعف الولاء والبراء، ضعف الموالاة والمعاداة في الله، إذ لما ضعف تمكن هذا الأمر في نفوس كثير من المسلمين؛ تبع ذلك نقص وضعف في الإيمان، وحقيقة الولاء يا عباد الله! أن يعرف المسلم أولياء الله من المؤمنين الصادقين، والدعاة المخلصين، فيواليهم ويحبهم، ويعينهم، ويدعو لهم، وأن يعرف أعداء الله فيعاديهم، ويخذلهم، ويدعو عليهم.

    تحريم موالاة الكفار

    لقد حذر الله جل وعلا عباده المؤمنين في كتابه الكريم من موالاة الكفار حيث يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [آل عمران:118-120].

    فلا تجوز موالاة أعداء الله بأي حال من الأحوال، فالولاء لله والبراء من أعدائه ليست أقوالاً تدعى أو يزعمها من شاء، بل لابد لها من البراهين والأدلة التي تمحص صدقها من كذبها، وصحيحها من سقيمها، إن الصحابة رضوان الله عليهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، أثبتوا صدق ولائهم لله، فما أن أذن الله لهم بالهجرة إلى المدينة حتى تواثبوا إلى طيبة الطيبة، تاركين أرضهم وأموالهم وديارهم وعشائرهم، ليثبتوا صدق الولاء لله جل وعلا، وليظهروا صدق العداوة للكفار في مكة.

    والولاء والبراء مسألة عريقة منذ القدم على عهد أبينا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، والله جل وعلا قد جعل إبراهيم قدوة لنا، حيث يقول في محكم كتابه: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:4] ويقول جل وعلا محذراً عباده المؤمنين من موالاة أعدائه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ [الممتحنة:1].

    حقيقة الولاء والبراء عند الصحابة

    ولقد سجل الصحابة رضوان الله عليهم أروع آيات الولاء والبراء، حيث نزل في أحدهم وهو أبو عبيدة رضي الله عنه قول الله جل وعلا: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة:22] ففي يوم بدر تقابل أبو عبيدة عامر بن الجراح مع أبيه، تقابل معه في المعركة فقتله، وقال عبد الرحمن بن أبي بكر لأبيه أبي بكر الصديق : والله لقد وقعت تحت سيفي عدة مرات فرددته عنك حياء منك يا أبي، فقال له أبو بكر : والله لو وقعت تحت سيفي مرة واحدة ما رددته عنك.

    وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما استشاره في أسرى معركة بدر: سلمني أخي، فلأقطعن عنقه، وسلم علياً أخاه عقيلاً فليقطع عنقه، وسلم أبا بكر ابنه فليقطع عنقه، ثم نقتلهم جميعاً، فلا يعودون يقاتلوننا، أي ولاء وبراء في هذه المواقف المذهبة والمشرقة؟! ولما قدم أبو سفيان مبعوثاً من أهل مكة ليفاوض النبي صلى الله عليه وسلم على تمديد العهد والهدنة قدم على ابنته أم حبيبة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دخل البيت وأراد أن يجلس على فراش مطروح على الأرض، قامت ابنته وجذبت الفراش من تحته، فقال لها: أي بنية! أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت بالفراش عني؟ فقالت: لا. إنما هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مسلم وأنت مشرك نجس.

    ولما رأى مصعب بن عمير أخاه أبا عزيز أسيراً في معركة بدر، في قبضة سلمان الفارسي ، قال له: يا سلمان! شد الوثاق على أسيرك، فإن أمه غنية، فقال له أخوه: أهكذا تقول عني؟ قال: والله إن سلمان أخي من دونك.

    و عبد الله بن عبد الله بن أبي، وأبوه زعيم المدينة وكبير المنافقين، لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق، قال كبير المنافقين: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المقولة، فأرسل وراء ابنه عبد الله وهو صحابي جليل، فقال له: هل علمت ما قال أبوك؟ قال: لا. قال: يقول: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال عبد الله بن عبد الله بن أبي : صدق يا رسول الله! أنت الأعز وهو الأذل، ولئن أمرتني يا رسول الله لآتينك برأسه ولو كان أبي!

    وعندما عاد إلى المدينة وقف على بابها، فعندما جاء زعيم المنافقين ابن أبي أمسك ولده بتلابيبه وقال له: أنت الذي قلت: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل؟ أنت الأذل ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأعز، والله لا يؤويك ظلها -أي المدينة - أبداً حتى يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكاد أبوه ينفجر غيظاً وكمداً، وصاح: يا معشر الخزرج! ابني يمنعني المدينة ، وابنه يقول: والله لا تدخلها، فذهب من الصحابة من أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال لهم: مروه فليأذن له.

    وبذلك تحول الولاء والبراء إلى واقع عملي يراه الناس ويقتدون به، فمسألة الولاء والبراء ترتفع بالمسلم عن حدود الجنس واللون والعرق والقبيلة والوطن، إلى سمو الإسلام وعدله ورحمته، فالمهم أن نوالي أولياء الله عرباً كانوا أو عجماً، بيضاً كانوا أو سوداً، وإن لم نفعل ذلك تكن فتنة في الأرض وفساد عريض.

    1.   

    حال المسلمين اليوم وحال الأعداء في الولاء والبراء

    إن من صدق الولاء لله أن نعين الدعاة إلى الله في كل مكان، والمجاهدين في سبيل الله بكل ما أوتينا من فضل من الأموال والأرزاق، والدعاء والثناء، والنصح والتواصي بالحق والصبر، إن المسلمين يواجهون حرباً من أعدائهم اليهود والنصارى وأذنابهم وأوليائهم، فأعداؤنا قد يختلفون فيما بينهم، ولكنهم يتفقون ويتحدون ويجتمعون على حربنا وإبادتنا: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [البقرة:105].

    وكيف يليق بنا نحن المسلمين أن نتفرق أو نتشتت أو نتقاعس عن موالاة المؤمنين وعونهم، وأعداؤنا يوالي بعضهم بعضاً لأجل حربنا وإبادتنا، ولو أمعنا النظر في واقعنا وذهبنا نتعرف إلى موقعنا في مسألة الولاء والبراء، لوجدنا الكثير قد والى نفسه وشهواته وملذاته، فأين الولاء منا، ونحن نرى الأبرياء يشردون، والنساء يستبحن، والرجال يقتلون وَيُقَاتَلُوْن، ثم لا نهب لنجدة أو معونة؟!

    أين الولاء منا، وأين نحن من الولاء لله، إذا كان إخواننا في أفغانستان وغيرها يخوضون حرباً ضارية شعواء مع أعداء الله الملحدين واليهود الحاقدين؟!

    ثم إذا دعي الواحد منا إلى الصدقة أو المعونة، تراه يتكاثر دريهمات حقيرة يدفعها لهم، وإذا تكرر طلب المعونة منه سئم ومل من ذلك التكرار.

    إن من صدق الولاء في هذه القضية خاصة وغيرها عامة، أن يجاهد المسلم بماله ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ولو أن كل واحد منا داوم بالدعم والمعونة والصدقة ولو بشيء قليل لكان ذلك كثيراً بالنسبة لمجموع المسلمين على تفرقهم في جميع أنحاء العالم.

    أسأل الله جل وعلا أن يبرم لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيه أهل طاعته، ويذل فيه أهل معصيته، بارك الله ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو التواب الرحيم.

    الحمد لله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها، وأنشأ السحاب، وهزم الأحزاب، وأنزل الكتاب، وخلق العباد من تراب، لا إله إلا هو رب الأرباب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، لم يعلم طريق خير إلا دل الأمة عليه، ولم يعلم سبيل شر إلا حذر الأمة منه، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضو بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار.

    عباد الله! يقول الله جل وعلا: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [الأنفال:73] ولاء الكفار بعضهم لبعض واضح وجلي، مهما تعددت نحلهم، ومهما تنوعت مللهم، فهم يوالون بعضاً، خاصة إذا كان الخطب أمام المسلمين، وذلك أننا نرى أعداء الله عند حدوث أي عداوات، أو سوء علاقات بين بلادهم وغيرها، ترونهم يقاطعون إنتاج تلك البلدان، يقاطعون عمالتها، يقاطعون اقتصادها، ألسنا نحن المسلمين أولى بمعرفة الولاء والبراء في الدقيق والجليل في كل صغير وكبير؟!

    عجباً لأولئك الكفار في موالاتهم لبعضهم، يوم يرون عداوة من أمة من الأمم، أو دولة من الدول، يوم أن يرون عداوة منها لبلادهم، يقاطعونها وينابذونها في كل قليل وكثير.

    إذاً يا عباد الله! فنحن أولى أن نقاطع الكفار، ونحن أولى أن نسد حاجتنا من كل صغير وكبير من بلاد الإسلام ما وجدنا إلى ذلك سبيلاً، أما إذا لم نجد إلى ذلك سبيلاً كأن يكون في أمور قد لا ينتجها إلا هم، أو في أمور لا توجد إلا عندهم، فالله المستعان والشكوى إلى الله في كل حال، فما حيلة المضطر إلا ركوبها، أما مادمنا نجد سبيلاً إلى سد الحاجة من الإنتاج، ونجد سبيلاً في سد حاجاتنا من العمالة والاقتصاد، وكل صغير وكبير، فالأولى أن نتجه بذلك إلى بلاد المسلمين، لكي نقوي بذلك شأن المسلمين، ونضعف بذلك شوكة الكافرين، نسأل الله جل وعلا أن يعيننا على ذلك.

    وإن من الأمور المهمة التي ينبغي أن يشعلها الإنسان، وأن يوقد جذوتها في نفسه، فيما يتعلق بالولاء والبراء إذا سافر لبلدة أوروبية أو غيرها من تلك البلدان التي يعيش فيها المسلمون أقلية أو أغلبية مقهورة، ينبغي له أن يتحسس أحوال إخوانه المسلمين، وأن يبحث عنهم، وأن ينظر إلى أي مدى يعيشون من سعة العيش أو ضيقه، وينبغي له أن يمد شيئاً من المعونة والصدقة والنفقة لهم على حسب استطاعته.

    إذ أنهم لا يجدون دعماً إلا بما يجتهدون به، وما يجمعونه من إخوانهم، فينبغي أن نشعل الولاء والبراء في أنفسنا، وأن نذكي جذوتها، وأن نشعل قناديلها حيثما اتجهنا وأينما كنا، ليعرف الإنسان أنه مرتبط بأخيه المسلم، وأن الإسلام دم يسيل في عروقه، ينبغي أن يبحث وأن يرتبط بمن هو مسلم في أي مكان، ولكي يكون على صلة قوية بإخوانه المسلمين في كل مكان وزمان.

    أما أن يعيش كثير من المسلمين لا يوالون ولا يعادون في الله، ولا يلتفتون ولا ينتبهون لإخوانهم المسلمين، فهذا من الغفلة بموقع عظيم، والأسوأ والأمر من ذلك أن ترى الكثير منهم ينفق الملايين الطائلة، والآلاف المؤلفة، حينما يسافر إلى دول الغرب، ومع ذلك لا تجود نفسه بقليل أو كثير لمركز إسلامي، أو مسجد قد أسس، أو لجماعة تدعو إلى الله على بصيرة في تلك الغربة والوحشة.

    ينبغي أن نذكي أمر الولاء والبراء في نفوسنا، وإنما هو أمر من أساسيات ومهمات العقيدة، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يوالون أولياءه، ويعادون أعداءه.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً، وأراد بولاة أمورنا فتنة، وأراد بهم مكيدةً، فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه، وأدر عليه دائرة السوء يا جبار السماوات الأرض!

    اللهم اختم بالسعادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى جناتك مصيرنا ومآلنا، اللهم أحينا على الإسلام سعداء، وتوفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلى غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلى قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا حاجة إلا قضيتها، ولا أيماً إلا زوجته، ولا مأسوراً إلا فككت أسره برحمتك يا أرحم الراحمين!

    إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] اللهم صل وسلم وزد وبارك على صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، نبيك محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء؛ الأئمة الحنفاء، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين!

    إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.