إسلام ويب

إن أكرمكم عند الله أتقاكمللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد جاء عن المصطفى صلى الله عليه وسلم ما يبين أن التفاضل بين الناس ليس بالتراب ولا العنصر ولا الجمال، ولا العشيرة ولا الجاه والسلطان، وإنما التفاضل بما يكون في القلوب من تقوى وتعظيم لله، ولقد حاول أعداء الله زرع التفرقة والتمييز العنصري بين المسلمين، ونجحوا بذلك عند المغفلين من الناس، ولو رجعوا إلى الله لذابت العنصرية.

    1.   

    العصبية القبلية في ميزان الشرع

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    معاشر المؤمنين: يقول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى [الحجرات:13].. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً [النساء:1].. يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، الناس سواسية كأسنان المشط، أبوهم واحد، الأب آدم).

    معاشر المؤمنين: هذه مما لا تخفى على أدنى المتعلمين في أقل الدرجات الدراسية، والمستويات التعليمية، ولكن أناساً كبرت أجسامهم، وسفهت أحلامهم، تقدم بهم العمر، ولا تزال عقولهم صغيرة، لا تزال تعشعش العصبية في نفوسهم، والقومية الجاهلية في قلوبهم، أولئك الذين لا زالوا ينظرون إلى أنفسهم نظرة الكمال؛ لأنهم من قبيلة بني فلان، أو من أسرة بني فلان، أو من فخذ بني فلان، ويرون غيرهم نظرة الدون؛ لأن غيرهم من بني فلان وآل فلان.

    سبحان الله!! هل عندهم كتاب في هذا أو أثارة من علم حتى يحتجوا بها، ويفرِّقوا بين العباد بها؟!

    أسوق هذا -أيها الأحبة- لما سمعته، ودنا إلى علمي، وظهرت بوادره في بعض المجتمعات، وإن كان المجتمع الإسلامي قاطبة يشكو من هذه العصبية الجاهلية، والقومية البغيضة، والعرقية النتنة، إلى يومنا هذا.

    أيها الأحبة في الله: إن الإسلام نقل الناس من ضيق القبلية إلى العالمية الإنسانية، ومن أزقة القومية المسدودة إلى صراطه المستقيم الواسع الذي يقبل العباد أحمرهم وأسودهم وأبيضهم، وأميرهم وفقيرهم، ووضيعهم ووزيرهم في هذا الصراط، ومن أبى إلا الخروج عنه، فتباً له وسحقاً وبعداً.

    تباً لمن يفتخر بعظم نخر، قال صلى الله عليه وسلم: (من رأيتموه يفتخر بنسبه فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا) أي قولوا له: ضع ذَكَرَ أبيك في فمك، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    أيها الأحبة: إن نغمة العصبية الجاهلية، والعرقية الضيقة، طالما عزف عليها البعث في حرب الخليج، طالما دندنت عليها إذاعة مكة المزعومة، وصوت المدينة في إذاعتها المشئومة، وأرادوا أن يمزقوا شمل هذا المجتمع، وأن يقطِّعوا نياط هذه الأمة، وأن يشتتوا اجتماع هذه الأمة بإثارة النعرات والعصبيات، والثارات القبلية القديمة، بين القبيلة الكبيرة ضد القبيلة الكبيرة الأخرى، وبين الفخذ العريض ضد الفخذ الآخر من نفس القبيلة، ولكن الله سلَّم، وأصبحت تلك الصيحات الداعية إلى إثارة النعرات هباءً منثوراً، لا تجد لها أثراً ولا وجوداً ولا نتيجة، ولا غرابة أن يبعث العصبية أو أن يبعث القبلية بعثي ضد المسلمين، أو يبعثها قومي اشتراكي ضد الموحدين، أو أن يبعثها علماني أجنبي ضد الآمنين، لكن أن تنبعث العصبية، وصيحات العرقية بين بني جلدتنا، بين إخواننا، بين أبنائنا، بين أفراد مجتمعنا، فذاك جهل عريض!

    إن الذين يحاولون أن يرفعوا هذه العصبية، أو أن يتألف بعضهم على بعض في إطار العرقية القبلية، والهمجية الضيقة الجاهلية، أولئك يدقون المسامير في نعش هلاك الأمة، ويهدمون بمعاولهم في كيان وأساس الأمة، ولماذا يفتخر بعضنا على بعض بالنسب؟ ولماذا يفتخر بعضنا على بعض بالقبيلة، ولماذا يفتخر بعضنا على بعض بالفخذ؟

    وهب أن ذاك الذي افتخر بنسبه، أو اعتز بقبيلته، أو جعل طوق الجاهلية في عنقه، فلم ير رابطة إلا من خلال تلك القبيلة، ولا يحب إلا في إطار تلك القبيلة، ولا يوالي إلا في إطار تلك القبيلة، ولا يمنع ولا يعطي إلا في إطار تلك القبيلة، هب أن ذاك فعل هذا كله، فهل ضمن الجنة بين عينيه؟!!

    هل جاوز الصراط بقبيلته؟!!

    هل نال الشفاعة بنسبه؟!!

    هل دنا من حوض نبينا بأرومته؟!!

    هل وجد الأمن في قبره أو الأنس في لحده؟!!

    هل أعطي فسحة في الأجل بهذه الدعوة الضيقة؟!! معاذ الله.

    إن هذا الدين العظيم لم يكن ديناً خالداً يصلح لكل زمان ومكان، ولم تكن هذه العقيدة معجزة متجددة للبشرية إلى قيام الساعة إلا يوم أن جعلت العباد سواسية، لا فضل لعربي على عجمي، ولا أسود على أبيض، ولا أحمر على غيره، إلا بالتقوى.

    ولئن كانت دول الغرب التي طعنت في الحضارة، وأغرقت في التمدن، وأبعدت النجعة في وسائل التقنية تفتخر بهذا إلا أنها لا تزال تعيش عقدة الملونين، ولا تزال ترى أسباب العصبية، وألوان العنصرية ضاربة متحكمة في مجتمعها، الأمر الذي نراهن عليه، ونقطع به، بل نجزم بأن انهيار الحضارات الغربية بات وشيكاً قريباً، لأنها تنظر إلى المجتمع نظرة التفرقة العنصرية، ونظرة التفريق بين الملونين.

    1.   

    النبي صلى الله عليه وسلم ومحوه لداء العنصرية والتفرقة

    ولنعد إلى دولة الرسول صلى الله عليه وسلم لنرى صورة بين أسود وأحمر تلاحا رضي الله عنهما في حالة غضب، وفي حالة ضعف شيئاً ما، بلال بن رباح مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الأسود الحبشي، وأبو ذر الغفاري من غفار، فلما كان بينهما من الكلام ما كان قال أبو ذر : (اسكت يا ابن السوداء، فسكت بلال رضي الله عنه) وسكت لأنه يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لن .. ولا .. ولم يقر يوماً ما، شيئاً من هذه العصبية، أو من ريحها، وحاشا الصحابة أن تتحكم فيهم الجاهلية، إنما هي نزغات من الشيطان يستعيذون بالله منها، فيولي شيطانهم خنيساً بعيداً.

    فلما علم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بئس ما قلت له أن عيرته بأمه، ثم التفت إلى أبي ذر وقال: يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية) لم يقل: أنت من أهل الجاهلية، ولم يقل: أنت جاهلي، وإنما قال: (فيك جاهلية) يمكن أن تزول بالتوبة، يمكن أن تضمحل وتتوارى بالأوبة. (فبكى أبو ذر رضي الله عنه، وعاد إلى أخيه بلال يقبله، ويضمه، ويستسمحه، ويطلب منه العفو والمغفرة، فما كان من أبي ذر إلا أن وضع خده على التراب، وقال: يا بلال ! لا أرفع خدي حتى تضع رجلك السوداء عليه).

    ولم يقل: أنا غفاري وهذا حبشي..

    ولم يقل: أنا عربي وهذا أجنبي..

    ولم يقل: أنا من غفار وهذا من الحبشة.. لا.

    إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا [الأعراف:201] يعودون، ويستغفرون، ويتوبون، ويئوبون، وبهذا نعرف كرامة كل مسلم، لو كان رصيده في البنك هللة، أو كانت أطماره بالية، أو كان على بند الساعات والأجور، أو كان لا يملك فلة فارهة، أو لا يجد ريالاً يركب به مع النقل الجماعي فضلاً عن كونه يملك سيارة أو لا يملك.

    بهذا نعرف أن منزلة كل مسلم، إنما هي بما يحمل في قلبه من قربة إلى الله فمن كان أقربنا إلى الله، فهو أعلانا منزلة، وأما الأموال والأولاد، فكما قال ربنا جل وعلا: وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى [سبأ:37] ليس البنون والولدان يقربان كل بعيد، أو يرفعان كل وضيع، أو يقويان كل ضعيف، أو يعزان كل ذليل، لا والله! إنما هو الإيمان، إنما هي التقوى، إنما هو الارتباط بالله جل وعلا.

    مر رجل غني ثري وجيه رفيع وكان الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة جالسين، فسأل صلى الله عليه وسلم قال: (ما تقولون في هذا؟ قالوا: يا رسول الله! هذا رجل حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع فجدير بأن يشفع، وإن تكلم فضمان أن يسمع، ثم مر ضعيف فقير) ويا محنة الفقراء في هذا الزمان!

    يمشي الفقير وكل شيء ضـده     ويرى العداوة لا يرى أسبابها

    حتى الكلاب إذا رأت ذا نعلة     هشت إليه وحركت أذيالها

    وإذا رأت يوماً فقيراً معدماً     نبحت عليه وكشرت أنيابها

    حتى النفاق دخل في الكلاب، ثم مر فقير طرير لا يُلتفت إليه فقال صلى الله عليه وسلم: (ما تقولون في هذا؟ قالوا: يا رسول الله! هذا رجل مسكين، إن تكلم لا يسمع له، وإن خطب لا يزوج، وإن شفع لا يشفع له، فقال صلى الله عليه وسلم : لهذا خير من ملئ الأرض من ذاك).

    وليس الفقر منقبة بعينه، لكن لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم علم من انكسار ذلك الفقير، وقربه من الله جل وعلا، ما لم يكن موجوداً عند ذلك الغني بأمواله.

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره) يعني: لو قال: أقسمت يا رب عليك أن تمطر السماء الآن لأمطرت.

    ( رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب ) ربما يطرق الباب سائلاً أو محتاجاً أو واقفاً، فيفتح الباب ثم يدفع في وجهه (رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره).

    إذاً فإلام يمضي أولئك الذين يريدون أن يمزقوا شملنا في بلادنا بالعصبيات الجاهلية، والقوميات العنصرية؟!

    ونقول لأولئك الذين يرفعونها شمالاً أو جنوباً، شرقاً أو غرباً، وسطاً أو قريباً أو بعيداً، نقول لمن أراد أن ينظر إلى قوته وموقعه بنسبه أو بحسبه، أو بأرومته، نقول له: تفتخر بماذا؟ بالخراءة والعذرة في جوفك؟ بالبول في مثانتك؟ بالقذى في عينك؟! بالمخاط في أنفك؟! بالوسخ في أذنك؟! بالبخر في فمك؟! بالنتن في بدنك؟!!

    هذا هو الإنسان، قذى في العين، مخاط في الأنف، وسخ في الجوف، أذىً في البطن. بماذا يفتخر إنسان على آخر؟!

    حج الخليفة الأموي ومعه ولداه، وكان الذي يتولى الإفتاء في المناسك بأمر الخليفة هو عطاء بن أبي رباح؛ عبد مولى أُعتق فطلب العلم، فبلغ فيه قمته، فانتهت إليه الفتوى في أمور المناسك، وكان الناس يقفون عليه سماطين أو ثلاثة -بما نسميه طابوراً- كل ينتظر دوره لكي يسأل عطاء بن أبي رباح ، وهل كان عطاء جميلاً طويلاً مهيباً وسيماً؟ كان عطاء رحمه الله مفلفل الشعر، لا يرى إلا بعين واحدة، أفطس الأنف، إذا رئي من بعيد كأنه غراب رحمه الله، فلما بلغ الأمر حد الخليفة، يريد الخليفة أن يسأل في شأن من شئون المناسك، فجاء الخليفة وجثا بركبتيه عند عطاء بن أبي رباح ، وأجلس ولديه على يمينه ويساره، وطأطأ مطرقاً هيبة للعلم، وإجلالاً للعالم، الخليفة الأموي يطأطئ ويجثو بركبتيه بين يدي عطاء بن أبي رباح ، فهل ضر عطاء أن كان عبداً؟!

    وهل ضر عطاء أن كان مفلفل الشعر؟!

    وهل ضر عطاء أن كان أسود اللون؟!

    وهل ضر عطاء أن لم يكن له إلا عين واحدة؟!

    وهل ضر عطاء كل ما لا يحبه أولئك القوميون والعصبيون؟!

    1.   

    القومية ونعرتها الجاهلية

    أيها الأحبة: إن نعرة القومية نعرة فاشلة، ولما أن سقطت بلاد المسلمين في يد المستعمرين، وأصبحت أمة الإسلام حمىً مباحاً، وعرضاً مدنساً، ودوحاً حلالاً، لكل غريب، ولكل شرير، ولكل كافر من يهودي ونصراني.

    أراد من خدعوا الشعوب بدعوى جمع شمل الأمة من جديد، أرادوا أن يجمعوا الأمة تحت شعارٍ يلم شتاتهم، ويشد ما ارتخى من حزامهم، ويجمع شملهم، ويعيد صفوفهم، فكانت بولةً زرارية كبرى، أن جمعت الأمة في الستينات على شعار القومية العربية ، وطبَّل الناصريون، وجعجع العلمانيون، وقلَّد الببغائيون والقرود، وتقلب الحربائيون وراء هذه الدعوى.

    من المحيط الهادر..

    إلى الخليج الثائر..

    لبيك عبد الناصر..

    وأخذوا يرددون هذا الشعار.

    وقال الآخر:

    هبوا لي ديناً يجعل العرب أمـة     وسيروا بجثماني على دين برهم

    سلام على كفر يوحـد بيننـا     وأهلاً وسهلاً بعده بجهنـم

    وماذا كان بعد ذلك؟ لقد عظمت الأشكال، أما النفوس فما تزال صغيرة، لقد كثرت الملابس أما الحقائق فما تزال حقيرة، وقيل لإسرائيل: إنها ستباد وستقتل:

    زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً     أبشر بطول سلامة يا مربع

    وبعثت برقية عاجلة، للحيتان في البحار: يا معاشر الحيتان! تجوعوا فسنلقي باليهود إليكم، لتأكلوهم غداءً وعشاءً في أيام متتالية، تجوَّع يا بحر، كما صرح بذلك من صرح، وانخدع الحوت وما وجد طعاماً ونزلت الطائرات:

    وأطفأت شهب الميـراج أنجمنا     وشمسنا وتحدت نارها الخطب

    وقاتلت دوننا الأبواق صامتـة     أما الرجال فماتوا ثم أو هربوا

    أيها الأحبة: شعار شبيه بالشعار الذي يطرحه بعض الجهلة، وإني لأجزم أن من يرفع دعوى العصبية اليوم في مجتمعنا الواحد، في أمتنا الواحدة، في جزيرتنا الآمنة، في حدودنا المطمئنة، إن الشعار الذي ربما دندن بعض من أراد أن يجتمع أو يحوم عليه، شبيه بذلك الشعار، ولكن يغفر لهؤلاء الجهل والسذاجة والبراءة، وعدم براءتهم من الدين، وعدم قصدهم بعد الإسلام، وإنما هي نعرة جاهلية.

    أما أولئك القوميون العرب، فكانوا يرفعون الشعار يريدون أن يفصلوا الأمة عن العالم الإسلامي، عن الهند والسند وعن إندونيسيا وماليزيا وعن جميع المسلمين في جميع بقاع المعمورة، يريدون أن يجعلوها عربية قومية صرفة.

    أعود فأقول -أيها الأحبة-: إننا لم نبعد كثيراً عن تاريخ توحيد المملكة عام (1351هـ) توحدت هذه البلاد الآمنة، وماذا كان قبلها، لعل أجدادنا أدركوا وعاشوا زمناً ما كانت الضعينة تأمن، وما كانت القافلة تسلم، وما كانت الأموال يطمأن عليها، وما كانت الأعراض في مأمن من أن ينالها ما ينالها.

    أوبعد أن من الله علينا بجمع شملنا، وتقارب نفوسنا، ووحدة صفنا، في دولة واحدة، وفي مجتمع واحد، نجد من يرى نفسه من أهل نجد لينظر إلى أهل الحدود الشمالية أو الجنوبية نظرة الدون؟! أنجد من يرى نفسه من أهل الحجاز لينظر إلى من عاش في الشرق أو الغرب نظرة الدون؟! لا والله يا عباد الله إن أولئك فيهم من هم خير منا، وفينا من هو خير منهم، والخير مرتبط بالقرب من الله جل وعلا.

    ما ارتبط قط لا بنسب، ولا بسبب عرقي، أو بنعرة عصبية، فإن أدركتم هذا استطعتم أن تجمعوا أمتكم على صراط واحد، وفي خيط واحد، وفي محجة واضحة، وإن عاش كل يسب من يقابله في الجهة، فذاك نذير الخطر، والخطر على من تكلم به، والخطر على من رفع هذه الراية، والخطر على من رفع هذا الشعار.

    فعلينا -عباد الله- أن نتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم، لا يخذله، ولا يسلمه، بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) إن كان فيك احتقار لواحد من أهل الجنوب والشمال، أو الشرق والغرب، أو إن كان في واحد من أهل الجنوب أو الشرق أو الغرب أو الشمال احتقار لمسلم في أي جهة أخرى، نقول: يكفيه أن امتلأ قلبه شراً بنظرة الدون هذه، وبنظرة الاحتقار هذه.

    ألا يا عباد الله: افعلوا ما يقربكم من الله، وابتغوا إليه الوسيلة، وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم وجعلكم محل نعمته، ومحط رحمته، وجعل الخيرات تتدفق إلى أرضكم، والتفتوا يميناً وشمالاً إلى حدود بلادكم، تجدوا أرضاً ملتهبة، وتجدوا فتناً وقلاقل وبلاء ومصائب متعددة، فهل جزاء شكر نعمة الله إلا أن نسليها بالخضوع والركوع، والذكر والشكر له جل وعلا، بدلاً من أن نظن أننا .. لأننا من بني فلان أصابتنا هذه النعم، لا والله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

    بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    دعوة إلى الاجتماع ونبذ القبلية والعرقية الجاهلية

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.

    معاشر المؤمنين: اعلموا أن دعوى القبلية البغيضة، والعرقية الضيقة، والقومية التي لا أصل ولا دليل لها، اعلموا أنها دعوى إن سلمنا بها لأحد؛ فإن كل قبيلة تريد أن تحتج بها، وإن كان بعض العرب، أو إن كان بعض أفراد قبيلة بني فلان أو بني فلان، يريدون أن يروا لهم فضلاً أو مكانة أو منزلة في بقعة من البقاع أو في مكان من الأمكنة، أو بين طبقة من الناس، فليسألوا أنفسهم: لمن الملك قبل ذلك؟ ألم يكن الملك لله يورثه من يشاء من عباده؟

    خفف الوطء ما أظن أديم     الأرض إلا من هذه الأجساد

    رب لحد قد صار لحـداً مراراً     والهاً من تزاحم الأضداد

    الذين يظنون أنهم هم بنو فلان، الذين لا يتقدمهم أحد في مقام كذا .. أو في منـزل كذا .. نقول لهم: دونكم فلعلكم تمشون على أجساد أقوام قبلكم، وستمشي أمم بعدكم على أجسادكم وعلى ثراكم، فالله الله أن تفرقنا القبلية، أو أن تمزق شملنا العصبية، أو أن تنطلي حيل أعدائنا فينا.

    لقد حاول الأعداء بكل سبيل أن يفسدوا هذا الكيان، إن نعمة الأمن ونعمة الوحدة والاجتماع في هذه المملكة حاول كثير أن يمزق شملها بمختلف الصيحات العلمانية والبعثية، وبمختلف ألوان فتح أبواب الفساد أو تصدير الفساد عبر المخدرات، وعبر الخلاعة وعبر المجون.

    ووالله ما نراه من بث مباشر علينا وليس علينا فقط، أو فحسب، بل على كثير من بقاع المسلمين، وفي بعض الليالي يسلط البث بمكثفات ومقويات لكي يرى الناس أفلام الدعاية والخلاعة والمجون، ما هذا إلا خطوةً أو عاملاً يساعد على تفتيت شمل الأمة، وتكسير شمل هذه الدولة المجتمعة، فحذار حذار يا عباد الله أن تنطلي علينا الحيل، ولنتآلف ولنكن عباد الله إخواناً.

    واعلموا أنه لن يجمعنا التراث، ولن تجمعنا الفنون، ولن تجمعنا التقاليد، لن يجمعنا إلا لا إله إلا الله محمد رسول الله، إن أردنا أن نؤلف صفوفنا، وأن نجمع شملنا، وأن نحافظ على كياننا، فلنغرس رابطة العقيدة، ورابطة الولاء والبراء، والحب في الله والبغض في الله، هذه أعظم رابطة تجمع القلوب، وتؤلف النفوس، وتجمع الأفئدة بين الشمال والجنوب والشرق والغرب.

    وأما التقاليد، وأما ما يسمى بالتراث، أو ما يسمى بالفنون، فإنها لا تجمع أمة متفرقة، أو لا تعالج دعوى العصبية، ولا توحد شمل المتفرقين.

    أسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يدمر أعداء الدين، وأن يبطل كيد الزنادقة والملحدين.

    اللهم من أراد بنا في هذه المملكة خاصة، وفي سائر بلاد المسلمين عامة، اللهم من أراد بشملنا فرقة، وباجتماعنا شتاتاً، اللهم أزهق روحه، وعطل أركانه، وخذ سمعه وبصره، وأرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم لا تحجب دعاء المسلمين فيه.

    اللهم اجمع شملنا، ولا تفرح فينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً، اللهم لا تشمت بنا حاسداً، اللهم اجمع شملنا وعلماءنا وحكامنا ودعاتنا على طاعتك، وسخر لنا ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرضين بقدرتك، واجعل اللهم ذلك في طاعتك، وإعلاء كلمتك، ورفعة دينك، ونصرة أوليائك، ومعاداة أعدائك.

    اللهم لا تشمت بالمسلمين حاسداً، اللهم لا ترنا يوماً فيه فرقة أو شتاتاً، اللهم احفظ أبناءنا وبناتنا، ونساءنا وزوجاتنا، اللهم احفظ شبابنا، اللهم أصلح شبابنا، اللهم اجعلهم خير الشباب لدينهم، وفي طاعة ربهم، واتباع سنة نبيهم، واجعلهم خير الشباب لأمتهم.

    اللهم إنا نسألك أن تسلط على من أراد بالفتيات والنساء تبرجاً واختلاطاً وسفوراً في أي مجال من المجالات يا رب العالمين!

    اللهم أهلك الصربيين، اللهم أهلك الصربيين، اللهم أهلك الصربيين، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً.

    اللهم إنك تعلم أن مطار سراييفو كان وشيك السقوط في أيدي المسلمين، فتدخل نصراني حاقد، فأمسك بهذا المطار حتى لا تقع فيه إمدادات من السلاح عسكرية للمسلمين، وإنما ليبقى لمجرد الأغذية والأدوية، لا أن يصل السلاح إلى المسلمين.

    اللهم انقطعت الأسباب، وتقطعت السبل، وأغلقت الأبواب، ولم يبق إلا الفرج والنصر من عندك، اللهم فأنزل النصر على إخواننا في البوسنة والهرسك، اللهم أنزل بالصربيين بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم أنزل بالصربيين بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.

    اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، وأنزل عليهم طيراً أبابيل، وزلزل الأرض من تحت أقدامهم.

    اللهم أقم دولة سنية في قلب أوروبا ، تكون شجاً وغصة في حلوق النصارى يا رب العالمين!

    اللهم أقم دولة إسلامية في قلب أوروبا ترفع كتابك وسنة نبيك.

    اللهم أحقن دماء المسلمين في البوسنة والهرسك، اللهم احفظ ضائعهم، وأطعم جائعهم، وعاف جريحهم، وارحم ميتهم.

    اللهم أصلح شانهم، اللهم تكفَّل بهم، اللهم قوهم وانصرهم وأغنهم، اللهم أنزل الرعب في قلوب أعدائهم، وأنزل القوة في نفوس المسلمين هناك يا رب العالمين!

    اللهم عجل نصرهم، اللهم عجل نصرهم، اللهم لا تحجب دعاء وقنوت المسلمين ليل نهار لهم، اللهم ارفع الكربة عنهم، اللهم ارفع البلاء عنهم، اللهم فانصرهم وانصر المسلمين في فلسطين وفي بورما وفي كشمير وفي أفغانستان وفي سائر بلاد المسلمين، يا رب العالمين!

    اللهم صل على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.