إسلام ويب

الدجالللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من نبي إلا وأنذر أمته الدجال) ومن تأمل هذا الحديث علم عظم الخطر الذي جعل أنبياء الله ورسله يحذرون أممهم هذا الخطر الداهم رغم بعده عنهم، فمن باب أولى أن نحذره نحن؛ لما نراه من ازدياد الفتن في هذا الزمن مما ينذر بخروجه، ومن يدري؟! فالله على كل شيء قدير . وقد ذكر الشيخ هنا شيئاً من صفاته وصفة خروجه وفتنته للناس وكيفية العصمة منه.

    1.   

    سبب الحديث عن فتنة الدجال

    الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، فهو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، وهو الذي أنشأنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام، وتفضل علينا بسائر النعم، ودفع عنا الكثير من النقم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، ولم يعلم طريق خيرٍ إلا دل أمته عليه، ولم يعلم سبيل شرٍ إلا حذرها منه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعــد:

    فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى عملاً بقوله جل وعلا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    عباد الله: اعلموا أن المصطفى صلى الله عليه وسلم أخبر عن أماراتٍ وعلاماتٍ تظهر في أمته في آخر الزمان، وبيَّن أنها بابٌ من أبواب الفتن التي حذَّر منها، ونهى عن الوقوع والولوغ فيها، وأخبرنا بها لنأخذ الحيطة والحذر، ولكن أكثر الناس عن التذكرة معرضون، وفي جهلهم وغفلاتهم يعمهون.

    عباد الله: إن مما يدل على جهل الكثيرٍ من الناس وغفلتهم في هذا الزمان، أن النبي صلى الله عليه وسلم حذر من الكثير من الفتن، ومع ذلك ترى الكثير من العباد واقعين فيها، وإن من الفتن التي جاءت فيما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم فتنة المسيح الدجال، نسأل الله أن يقبض أرواحنا إليه على الشهادة والسعادة قبل تلك الفتنة، أو أن يثبتنا على دينه إن مرت بنا.

    وفتنة المسيح الدجال يا عباد الله! من أعظم الفتن التي سيمتحن بها المسلمون والمؤمنون، وقبل أن نخوض في الحديث عنها أحب أن أقف وقفة لسائلٍ أو قائلٍ أو متعجبٍ بقوله: ما الداعي لهذا الكلام حول الدجال وأمره من الفتن التي لم تقع بعد؟

    والجواب على هذا يا عباد الله! واضحٌ فيما يدركه كل واحدٍ منكم في انتشار الفتن التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم وحذَّر منها، ومع ذلك فالكثير منا فيها واقعٌ إلا من رحم ربك وقليلٌ ما هم، لقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من فتنة الدنيا وزهرتها، والتهافت عليها، وبيَّن فناءها وزوالها، ومع ذلك تكالب الكثير عليها يجرون لاهثين، وحذَّر صلى الله عليه وسلم من فشو آلات اللهو والطرب والغناء، ومع ذلك لا تجد إلا القليل النادر ممن يسلم منها، وحذَّر من تفشي الجهل وانقراض العلم، ومع ذلك نرى الإغراق في الضلالات والبدع والجهالات، ونرى البعد عن العلم والعلماء ومجالستهم، نرى النبي صلى الله عليه وسلم حذَّر من الربا وبيَّن أنه ممحقٌ للبركة، ولعنةٌ على آكله وموكله وكاتبه وشاهديه، ومع ذلك ترى الكثير من الناس وقعوا فيه صراحةً أو حيلة يحتالون عليه، فالحاصل أن وقوع الفتن وتفشيها بين الناس من دون علمٍ بها أو استعدادٍ للبعد عنها مظنةٌ للوقوع فيها، والاصطلاء بنارها، فيكونون كما قال القائل:

    آتاني هواه قبل أن أعرف الهوى      فصادف قلباً خالياً فتمكنا

    فإذا كان صلى الله عليه وسلم بيَّن هذه الفتن، وحذَّر منها، ومع ذلك اغتر الناس ببريقها وزخرفها وركضوا وراءها، فلا غرابة أن يتبع غوغاء الناس وجهالتهم المسيح الدجال بفتنته، ولا غرابة أن يصدقوه لما يرون معه من الفتن والمعجزات التي امتحن الله عباده المؤمنين بها.

    1.   

    ذكر الأحاديث الواردة في الدجال

    اسمعوا إلى هذا الحديث وأنصتوا له.

    نزول الدجال إلى الأرض وفتنته فيها

    روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من خلق آدم إلى قيام الساعة أمراً أكبر من الدجال) وفي زمنه صلى الله عليه وسلم قبل ألف وأربعمائة سنة كان يخبر أصحابه عن الدجال ويحذرهم منه، جاء في الحديث (أنه صلى الله عليه وسلم ذكر الدجال ذات غداة فرفع فيه وخفض حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما عرف صلى الله عليه وسلم ذلك فينا، فقال: ما شأنكم؟ قلنا: يا رسول الله! ذكرت الدجال غداةً فخفضت فيه ورفعت، حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال: غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم، فأنا حجيجه دونكم) -اللهم صلٍّ على نبينا محمد، اللهم صلِّ على إمامنا وحبيبنا وقدوتنا محمد، اللهم ابعثه المقام المحمود والوسيلة والدرجة العالية الرفيعة لمحبته لأمته صلى الله عليه وسلم- (قال: إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، إنه شابٌ قطط عينه طافئة كأني أشبهه بـعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، فإنه خارجٌ خُلة بين الشام والعراق، فعاث يميناً وعاث شمالاً، يا عباد الله! اثبتوا، قلنا: يا رسول الله! فما لبثه في الأرض؟ قال: أربعين يوماً، يومٌ كسنةٍ ويومٌ كشهرٍ ويومٌ كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، قلنا: يا رسول الله!) وانظروا حرص الصحابة على الصلاة حتى في زمان الفتن إن مرت بهم (أرأيت ذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم واحد؟ قال: لا. اقدروا له قدره، قلنا: يا رسول الله! وما إسراعه في الأرض؟ -ما إسراع الدجال في الأرض؟- قال: كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم ويؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت فتروح عليهم سارحتهم -أي: أغنامهم- أطول ما كانت براً وأشبعه ضروعاً وأمده خواصر، ثم يأتي الدجال القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين، ليس بأيديهم شيءٌ من أموالهم، ويمر بالخِربة، فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه ويضحك، فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه تقطر منه وإذا رفعه تحدر منه جمان اللؤلؤ، فلا يحل لكافرٍ يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله، ثم يأتي عيسى بن مريم قومٌ قد عصمهم الله من الدجال فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة) هذا حديثٌ صحيحٌ رواه مسلم.

    حديث الجساسة

    وجاء عنه صلى الله عليه وسلم في سياق إخباره عن وجود المسيح الدجال في حديث الجساسة الطويل الذي يرويه الإمام مسلم في صحيحه رحمه الله، وفي الحديث: (أن قوماً ركبوا البحر فلعب بهم الموج شهراً إلى أن رماهم إلى جزيرةٍ وسط البحر فدخلوها، فإذا بدابةٍ ذكر من خبرها ما ذكر، قالت: أنا الجساسة، قلنا: وما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدِّير، فإنه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعاً، وفي بعض الروايات: أنهم دخلوا عليه فوجدوه مكبلاً بالحديد من رأسه إلى قدميه، ومما دار بينهم وبينه قوله: أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب) انظروا إلى هذا السؤال من قديم وإلى يومنا هذا وإنه لموشك الحدث والوقوع (قال: أقاتلته العرب؟ قلنا: نعم. قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه ظهر عليهم وعلى من يليهم من العرب، وأطاعوه، فقال: قد كان لهم ذلك، قلنا: نعم. قال: إن ذلك خيرٌ لهم أن يطيعوه، وإني مخبركم أنا المسيح الدجال، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قريةً إلا هبطتها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة -أي: المدينة - فهما محرمتان عليَّ كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدةً منهما، استقبلني ملكٌ بيده السيف مصلتاً يصدني عنها) وهذا صحيحٌ أيضاً رواه مسلم.

    بعض شبهات الدجال

    وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (يأتي الدجال وهو محرمٌ عليه أن يدخل نقاب المدينة ، فينتهي إلى بعض السباغ فيخرج إليه رجلٌ هو خير الناس فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدَّثنا عنك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأمر الدجال به فيشبح، أي يربط في يديه ورجليه على خشبة، فيقول الدجال: خذوه واشبحوه فيوسع ظهره وبطنه ضرباً، فيقول: أما تؤمن بي؟ فيقول: أنت المسيح الكذاب، فيؤمر به فينشر بالمنشار من مفرق رأسه إلى قدمه، ثم يمشي الدجال بين قطعتيه، فيقول له: قم، فيستوي قائماً، ثم يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة، ثم يقول: أيها الناس! إنه لا يفعل بعده بأحدٍ من الناس ليذبحه، فيُجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاس فلا يستطيع إليه سبيلاً، فيأخذه بيديه ورجليه، فيقذف به يحسب الناس إنما قذفه في النار، وإنما ألقي في الجنة) هذا أعظم الشهداء عند رب العالمين.

    وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الدجال أعور العين اليسرى جفال الشعر، معه جنةٌ ونار، فناره جنةٌ وجنته نار) رواه البخاري ومسلم.

    وروى أبو داود رحمه الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (من سمع الدجال فلينأ عنه -فليبتعد عنه- فوالله إن الرجل ليأتيه ويحسب أنه مؤمنٌ فيتبعه بما بعث به من الشبهات).

    وقال صلى الله عليه وسلم: (تعلمون أنه ليس يرى أحدٌ منكم ربه حتى يموت، وإنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه من كره عمله) أي: من كره عمل الدجال، رواه البخاري ومسلم .

    ومن الجميل -يا عباد الله- أن تعلموا أن أول زمرةٍ كبيرة عظيمة تتبع الدجال إنما هم اليهود عليهم من الله ما يستحقون، وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه الإمام أحمد : (لا يخرج الدجال حتى يذهل الناس عن ذكره، وحتى تترك الأئمة ذكره على منابر).

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ يمتعكم متاعاً حسناً، ويرسل السماء عليكم مدراراً.

    1.   

    كيفية العصمة من الدجال

    الحمد لله الواحد على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه واقتفى أثره واستن بسنته إلى يوم الدين.

    عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، بشريعة الإسلام، واستمسكوا وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وأن كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار.

    عباد الله: لقد بين نبينا وحبيبنا صلى الله عليه وسلم بطلان دعوى الدجال، وصفاته وما معه من الفتن لتحذر الأمة مكره وفتنته، وبيَّن صلى الله عليه وسلم أنه لا يستطيع الدخول إلى مكة والمدينة، بل تحول الملائكة دونه في دخولها ويمنعونه.

    وعلَّم النبي صلى الله عليه وسلم الأمة ما يعصمهم من فتنة الدجال، ومن ذلك الاستعاذة من فتنته، فقد ثبت في الأحاديث الصحاح من غير وجه أنه صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من فتنة الدجال في الصلاة، وأنه أمر أمته بذلك أيضاً، فكل واحدٍ يقول في صلاته: اللهم إنا نعوذ بك من عذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال.

    وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي : الاستعاذة من الدجال متواترةٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومما يعصم من الدجال بإذن الله حفظ آيات من سورة الكهف، روى أبو داود بسنده إلى أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال) ومن ذلك الابتعاد منه، كما جاء في الحديث السابق، حديث عمران بن حصين : (من سمع بالدجال فلينأ عنه، فوالله إن المؤمن ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فيتبعه لما يبعث به من الشبهات) .

    ومما يعصم به من فتنة الدجال سكنى مكة والمدينة فقد شرفهما الله تعالى وأدام حفظهما وصونهما كرامةً وطهراً ومثابةً وأمناً للمسلمين، ورفعةً وسيادةً لولاة أمورنا يا أرحم الراحمين!

    فهل علمنا معاشر المسلمين كل ما يعصم من الدجال؟ وهل علَّمنا أبناءنا وبناتنا ليعتصموا بذلك من فتنته لو خرج في زمنهم أو زمننا، وأن الأحاديث الواردة في شأنه كثيرةٌ وواضحةٌ في صفاته وسيرته، وقد بسطها الحافظ ابن كثير في كتابه النهاية ، أو المسمى بـالفتن والملاحم.

    ولكن الذي يؤسف له معاشر الأحبة! أن نشهد من أنفسنا وآبائنا وأبنائنا غفلةً عميقة عن الدجال وفتنته وما قبله وما بعده من الفتن، وكأن الواحد منا قد أعطي الأمان بأن الموت لا يأتي في عمر الشباب، أو أن الدجال لا يظهر في زمنه، أو غير ذلك من الفتن، فمنذ ثلاثة أعوام أو أكثر إلى زمننا هذا مرت في بلاد المسلمين فتنٌ عظيمة عمت البلوى بها في بلدنا وفي غيرها من البلدان ولا داعي لذكرها، فالكل يعرف، ومع ذلك ما ازداد بعض العالمين إلا بُعداً وجهلاً وضلالاً، نسأل الله لنا ولجميع المسلمين الهداية والتثبيت.

    ولو نظر الواحد منا لوجد الكثير تلهج ألسنتهم في الدعاء في كل صلاة، نعوذ بك من عذاب جهنم ومن فتنة القبر ومن فتنة الممات ومن فتنة المسيح الدجال، ولكن كثيراً من الناس أصبح تعوذهم تعوذ عادةٍ لا عبادة، تعودنا أن نتعوذ من فتنته، ولكن لا يخطر ببال الواحد منا تلك الفتن والشبهات والمعجزات التي تظهر بظهوره، وإذا كان بعض المسلمين قد افتتن بزخارف الدنيا وبهرج الحضارة، وانغمس في مهاوى المادة، وكل ذلك أقل وأكثر قلةً من فتنة المسيح الدجال، فكيف الحال إذا خرج ومعه صورة الجنة والنار، ومعه معجزات القطر والجدب، ومعه كنوز الذهب والفضة، فإذا خرجت كنوز الأرض وذهبها وفضتها أترون ذلك الغافل الذي يجري لاهثاً وراء المادة، أترون ذلك الذي يجري وراء الشهوة والثروة والمنصب، أترونه يعصم نفسه من تلك الفتن المظلة؟

    والمتأمل في بعض حال المسلمين يجدهم يجرون وراء المشعوذين والمتطببين، اغتراراً بما لديهم، فكيف لو خرج الدجال على هؤلاء؟!

    اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القبر، ومن عذاب جهنم، وفتنة المسيح الدجال.

    معاشر المسلمين: إن هذا لأمرٌ عظيمٌ وخطيرٌ جداً، وإن كثيراً من الناس لفي غفلة عنه، بل والله ولا أبالغ إن قلت: إن بعض الناس لأول مرةٍ يسمع بتفاصيل أمره، وما ذاك إلا بعد وجهل عن العلم ومجالسة أهله، فينبغي لكل مسلمٍ أن يلم بأمور دينه، وأن يتحقق في أمر عقيدته، وما هو عليه من الدين، وأن يحصن نفسه وإسلامه بكل ما يفضي إليه من سبيل؛ لأن الفتن إذا خرجت عمت وعم بلاؤها البعيد والقريب، فنسأل الله جل وعلا أن يعصمنا من ذلك.

    اللهم توفنا إليك من غير فتنة ولا خزايا ولا مفتونين، اللهم ردنا إليك مرداً جميلاً، اللهم اختم بالسعادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى جناتك مصيرنا ومآلنا.

    اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم ارزقهم بطانةً صالحة، اللهم جنبهم بطانة السوء، اللهم ما علمت في مسلمٍ خيراً لهم فقربه منهم، وما علمت في نفسٍ منفوسةٍ شراً لهم فأبعدها منهم، برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم لا تفرح علينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً، اللهم قنا واكفنا شر الفتن والزلازل والمحن ما ظهر منها وما بطن.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد ولاة أمورنا بفتنة وأراد علماءنا بمكيدة، وأراد شبابنا ونساءنا بضلالٍ وتبرجٍ وسفور اللهم فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه وأدر عليه دائر السوء برحمتك وقدرتك يا جبار السماوات والأرض!

    اللهم اختم بالسعادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى الجنة مصيرنا ومآلنا، اللهم اغفر لموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم، برحمتك يا أرحم الراحمين!

    إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمدٍ صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: صاحب نبيك على التحقيق أمير المؤمنين أبي بكرٍ الصديق، وارض اللهم عن الإمام الأواب شهيد المحراب عمر بن الخطاب، وارض اللهم عن مجهز جيش العسرة بأنفس الأثمان عثمان بن عفان، وعن فتى الفتيان ليث بني غالب علي بن أبي طالب، وارض اللهم عن بقية العشرة، وأهل الشجرة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه التي لا تستطيعون حصرها، وعلى نعمه التي لا تقدرون شكرها يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.