إسلام ويب

الخلاف لمن نردهللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الاختلاف سنة بين الناس، ولكن قد كثر حتى اختلف الناس فيما لا ينبغي الاختلاف فيه، وبعضهم يجره الخلاف إلى النزاع والشقاق، والمقاطعة والتدابر، وأشقى من ذلك عدم التحاكم إلى مرجعية واحدة، وفي هذه المادة علاج لذلك.

    1.   

    المتفيقهون وضررهم على المجتمع

    الحمد لله، نحمد ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ربي عليه توكلت وإليه أنيب، ما من دابةٍ إلا هو آخذ بناصيتها، أشهد أن لا إله إلا الله ربي وحده هو الذي خلق هذا الكون، وخلق العباد عليه، وجعل الحكمة من خلق العباد عبادته وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] أشهد أن لا إله إلا الله ربي ما خلق شيئاً عبثاً، ولا يترك شيئاً سدى، فالأمر والخلق والقدر والتدبير بيده وحده سبحانه فلا يقدر أو يدبر أو يأمر أو ينهى أو يشرع إلا لحكمة فيها تمام العدل، ومعها تمام الرحمة.

    أشهد أن لا إله إلا الله ما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطوياتٌ بيمينه، أشهد أن لا إله إلا الله ربي وحده رفع السماوات بغير عمدٍ ترونها، أشهد أن لا إله إلا الله ربي وحده هو الرازق للخلائق أجمعين، لو أراد الخلائق واجتمعوا وكان بعضهم لبعضٍ ظهيراً، أن يطعموا أهل الكون ساعةً لافتقروا وعجزوا عن ذلك إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:58].

    أشهد أن لا إله إلا الله ربٌ عظيم، عظيمٌ في علمه وفي رحمته وفي حكمته، وعظيمٌ في حلمه على عباده، العباد يعصونه بنعمه التي خلقها لهم، ويمهلهم لعلهم أن يئوبوا أو يتوبوا يوماً ما، أشهد أن لا إله إلا الله ربي وحده كل شيءٍ هالكٌ إلى وجهه، وأشهد أن محمداً رسول الله بعثه الله رحمةً للعالمين، أرسله الله للجن والإنس بشيراً ونذيراً، نبيٌ وما وطئ الثرى خيرٌ من قدمه صلى الله عليه وسلم.

    أشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله: اعرفوا عظمة الله وقدره واتقوا الله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    معاشر المؤمنين: إن الله جل وعلا خلق العباد لعبادته، وقدر المقادير بحكمته، وأجرى الأمور بعدله ورحمته، وجعل للعباد منهجاً وطريقاً وصراطاًمستقيماً يرجعون إليه عند النـزاع والخلاف فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65]. وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36]. إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [النور:51]. فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59]. وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83].

    عباد الله: أليس في هذه الآيات الواردة في مواضع شتى من كتاب الله غنية لمن أراد أن يستغني بكتاب الله عن زبالة أذهان البشر؟ أليس في كلام الله كفاية لمن أراد أن يكتفي بكلام الله وهدي رسول الله عن أنظمة البشر؟

    ولكن يا معاشر المؤمنين: حينما تتكلم الرويبضة ويظهر الأوغاد والسفل، حينما يتكلم من لا خلاق له ومن لم يعرف بالتقى أو المحافظة على الجماعات، أو من عرف بتاريخ أسود وسابقة الخزي وماضي الرذيلة، أو من لا حظ له من التقى والمكانة والإحسان والإيمان في دين الإسلام، حينما يتكلم في هذا الدين من ليس من علمائه وفقهائه، حينما يتكلم في هذه الشريعة من عرفوا يوماً ما بالتطبيل والتزمير للقوانين الوضعية والأنظمة البشرية، حينما يتكلم أولئك:

    فيا موت زر إن الحياة ذميـمةٌ     ويا نفس جدي إن دهرك هازل

    ما كنت أوثر أن يمتد بي زمني     حتى أرى وقفة الأوغاد والسفل

    هذا جزاء امرئ أقرانه درجـوا     من قبله فتمنى فسحة الأمل

    أهبت بالحظ لو ناديت مستمعاً     والحظ عني بالجهال في شغل

    لعله إن بدا فضلي ونقصهـم     لعينه نام عنهم أو تنبه لي

    فإن علاني من دوني فلا عجب     لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل

    فيا خبيراً على الأسرار مطلعـاً     اصمت ففي الصمت منجاةٌ من الزلل

    قد رشحوك لأمرٍ لو فطنت له     فأربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

    عباد الله: في التلميح ما يغني عن التصريح:

    تكفي اللبيب إشارة مـرموزةٌ     وسواه يدعى بالنداء العالي

    1.   

    ليس كل خلاف يعتد به

    يوم أن يخرج في المجتمع حالاتٌ متشنجة، وظواهر متهورة، ليس لها دليلٌ من القرآن ولا برهان من السنة، ولا نورٌ من أهل العلم ولا بيانٌ من دعاة الإسلام، حينئذٍ يتكلم من يتكلم ويقول: إن الخلاف الفقهي في دين الإسلام يسع الأمة، وقديماً كان العلماء يختلفون والخلاف لا يفسد للود قضية، والخلاف فيه مساغٌ وفسحةٌ أن يأخذ من شاء برأي من شاء، والخلاف إنما هو من اجتهادات البشر وما دام الأمر اجتهاداً فلكل واحدٍ أن يأخذ ما شاء وليس لواحدٍ أن يلزم غيره بقول غيره -شنشنةٍ نعرفها من أخزم- حينما نتكلم في دين الإسلام فإننا ننطلق من أمورٍ وأركان:

    أولها: أن الله جل وعلا تعبدنا بطاعته ومن أراد أن يأتي بأمرٍ من عنده فهذه هي البدعة، وهي فعلة تخالف السنة والشريعة إما بزيادةٍ أو بنقص: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: مردود كما يقول صلى الله عليه وسلم.

    الحاصل يا عباد الله: أننا ننطلق من هذه الأركان ومن أهمها أيضاً:

    إن الله لم يأمرنا بأمرٍ إلا لتمام الحكمة وتمام الرحمة والنعمة وتمام العدل والبصيرة واللطف التي يعلمها سبحانه وحده أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14].

    نحن أيها الأمة: أمةٌ نرتبط بالعقيدة حتى في إماطة الأذى عن الطريق (وإماطة الأذى عن الطريق صدقة) هذا الأذى الذي نزيله عن الطريق نرتبط فيه بعقيدة؛ فيوم أن نميط الأذى نعتقد أننا نطيع الله، ونعتقد أننا نثاب على ذلك، ونعتقد أن أجر الإماطة يوضع في الموازين، ونعتقد أن هناك موازين، ونعتقد أن الموازين يوم القيامة، ونعتقد .. ونعتقد .. فما من أمرٍ جليلٍ ولا كبيرٍ ولا صغيرٍ إلا ويرتبط بسلسلة من الأمور العقدية التي تنتهي إلى قولنا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285].

    فإذا قال الله لنسائنا ولبناتنا وأمهاتنا: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى [الأحزاب:33] وإذا قال الله جل وعلا: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ [النور:31] وإذا قال الله جلا وعلا: وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ [النور:31] وإذا قال الله جل وعلا: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32] وإذا قال الله جل وعلا: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الأحزاب:53].

    نقول كل هذه الآيات البينات الواضحات شرعها الله وأمر الله بها نساء المؤمنين لحكمةٍ يعلمها سبحانه، فإما أن نقول: يا ربنا أنت حكيمٌ ونثق بحكمتك، فنطيع ونسلم لهذه الحكمة.

    وإما أن نقول: لست بربٍ حكيم عياذاً بالله من ذلك، وهذا مؤدى من يقول: إن هذه أمور قد لا تنتهي إلى مصلحة المجتمع، أو تنتهي إلى تعطيل النصف من المجتمع، أو هي إهدار للثروة القومية، أو خنقٌ للمجتمع، أو كبتٌ للبنات، أو قعودٌ بالمرأة بـالسعودية عن مواكبة حال المرأة الغربية المتطورة.

    حينما نناقش الذين يدعون إلى التبرج والسفور والانحلال بأي دعوى من الدعاوي فنحن نقول لهم بادئ ذي بدء قبل أن نقول: لا. هنا دليل يقول: يجوز كذلك، وهنا دليل يقول: يجوز كذلك، ونبدأ في معركة فقهية قبل أن نقرر القاعدة التي ننطلق منها، فلنسلم لحكمة الله أو لا نسلم بحكمة الله.

    كل هذا -أيها الأخوة- أريده مقدمة حتى أصل إلى ما أريده الآن؛ لأن بعد ظهور الدعوة إلى تحرير المرأة، وتبرج المرأة، وسفور المرأة جاء من يقول: إن بعض القضايا يحلها الزمن، وجاء من يقول: إن الناس قد أنكروا البرقية يوماً ما، ثم تعاملوا بها، وإن الناس أنكروا تعليم البنات ثم وافقوه، وإن الناس ردوا التلفاز ثم أدخلوه البيوت، فما دام الناس قد أنكروا بلسان الحال أو بالمقال، ومادام الناس قد أنكروا قيادة المرأة للسيارة فسيوافقون عليها في يومٍ من الأيام، من قال إن قيادة المرأة كتعليمها؟ من قال: إن قيادة المرأة كالبرقية؟ من قال إن قيادة المرأة كالتلفاز؟ لا والله، ثم إن كان هناك من معارض في مسائل معينة، فليست كل هذه المسائل، وهم عدد قليل، ولا أشك أن معارضتهم في أسلوب تعليم المرأة، وهم فئةٌ قليلةٌ محدودة، وإذا كان هناك من عارض، فهل يعني: أن الأمة كلها قد وافقت في هذا الزمان على قيادة المرأة؟ لا والله، بل رفضوها رفضاً مطلقاًً باتاً.

    ولكن المصيبة -يا عباد الله- أن يقال: إن الإسلام جاء برحابة الصدر في الخلاف في المسائل الفقهية، وإن الإسلام أمرنا ألا ينكر بعضنا على بعضٍ في القضايا الاختلافية، وإن الإسلام جعل لكلٍ أن يأخذ بأي رأي من الآراء، وحينئذٍ أسألكم وأنتم الحكم، ما دمنا نقول: إذا وجد الخلاف في أي مسألة من المسائل فالأمر حينئذٍ واسع كلٌ يأخذ من الأقوال ما يشاء.

    أولاً: ما هو الخلاف؟

    وخلاف من ذلك الذي يعتد به ويعتبر؟

    لو أن عالماً من العلماء أفتى، فمر رجل من النخاسة من الذين يبيعون الدواب والجمال فقال: يا شيخ! أنا أخالفك في هذه الفتوى، نقول: قف لقد خالف بائع الحمير هذا العالم! فالمسألة فيها سعة وكلٌ يأخذ بما يشاء من الأقوال هل يعقل هذا الكلام؟ فإذا خالف باعة البصل والثوم العلماء والأجلاء هل يعتبر خلافهم في هذه المسألة؟

    وإذا خالف من لا يعتد بخلافه لعلماءٍ شابت لحاهم في الإسلام وعرفوا بالتقوى والقيام والصيام وقضاء حوائج المسلمين وأجمعت الأمة على صلاحهم وحبهم في الله ولله، هل يعتد بخلاف من خالفهم؟

    ولو سلمنا بهذا لقلت لواحدٍ منكم: هناك من خالف في الربا وقال يجوز أن نأكل الربا، اذهب وكل ما شئت من الربا، هناك -أيضاً- من خالف وقال: يجوز ألا تغطي المرأة وجهها، بل إن عورة المرأة إلى ركبتها، أخرج امرأتك سافرة الوجه والشعر والساقين.

    وهناك من يقول: إن الصلاة مع الجماعة ليست واجبة فصل في بيتك.

    وهناك من يقول: إن مجرد النظر إلى الأفلام والمسلسلات في الشاشات ليس نظرٌ للحقيقة وإنما هو نظرٌ للصورة فانظر إلى ما شئت من الأفلام والمسلسلات.

    وهناك من يقول: إن المرأة يجوز لها أن تزوج نفسها بغير إذن وليها، يعني: أن تقابل امرأةً فتعجبك فتقول لها: زوجيني نفسك، فتقول: ليس عندي مانع، فتخرج وتذهب أنت وإياها وتجد اثنين من الباطلين العاطلين فيشهدان لك.

    أي دينٍ هذا؟ هل يجتمع بهذه الصورة دين مسلم ودين زنديق؟

    هل يجتمع بهذه الصورة مسلمٌ قد خاف الله وراقبه في كل ما يأتي ويذر وتلفيقٌ وزندقةٌ وبعدٌ عن طاعة الله جل وعلا؟

    عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الحلال بيَّن، وإن الحرام بيَّن، وبينهما أمورٌ مشتبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام؛ كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، إلا وإن لكل ملكٍ حمى، إلا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة).

    هذه المضغة إذا صلحت تتبعت سبل الحلال وابتعدت وجانبت عن سبيل المشتبهات، وعن بنيات الطرق، وابتعدت عن الأباطيل والمضلات: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت..) تتبعت الرخص والأقوال والخلافات ومضلات الأمور وبنيات الطرق وأقوال السفلة: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).

    وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظةً بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب قلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع؟ فأوصنا، قال: أوصيكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، واسمعوا وأطيعوا وإن تولى عليكم حبشي كأن رأسه زبيبة، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً).

    صدقت يا رسول الله والله لقد رأينا اختلافاً كثيراً، ونشهد أن كلامك وحيٌ يوحى وأنك لا تنطق عن الهوى، لقد رأينا اختلافاً كثيراً، وياليته اختلافٌ فحسب بل اختلاف ويقولون: إن الخلاف قد أتى به العلماء ويقولون: إن هذا الخلاف قد قال به العلماء، رأينا تقليباً وتكذيباً وزخرفة للأمور ويقول من يقول: إن الخلاف في الإسلام واسع، ولكل امرئ أن يأخذ ما شاء من الأقوال.

    لا والله يا عباد الله: ليس هذا بسبيلٍ إلى قيادة الأمة الواحدة والمجتمع الواحد، نحن لسنا كما قلت في مجتمع حزب العمال والمحافظين والمتبرجين والمنحرفين، لا. نحن في أمة ليست أحزاباً بل هي أمةٌ واحدة سواءً من كان أتقانا لله، ومن كان واقعاً في معصية الله فنحن في إطار الأمة الواحدة، فمنا ظالمٌ لنفسه ومنا مقتصد ومنا سابقٌ بالخيرات؛ لكن أمتنا واحدة ولا نقبل ولا نرضى بالتقسيم والتفريق، يوم أن يستدل بكلام أهل العلم على جواز الخلاف والافتراق في مسائل هي باب تدهورٍ للأمة وباب هلاك لها حينئذٍ يستخدم الدواء سماً، ويجعل الطعام قاتلاً، ويجعل الشراب سماً زعافاً ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    ثم أيها الإخوة: قال علماء الأصول والقواعد الفقهية وعلماء الشريعة: إن لولي الأمر أن يلزم الأمة بطرفي المباح، أي: حينما توجد مسألة ويوجد لها وجهان وكلا الوجهين يفيدان الجواز والإباحة، فإذا رأى ولي الأمر أن يمنع هذا وأن يلزم الأمة بهذا لمصلحةٍ تجمع شمل الأمة على منهجٍ واحد، ونظامٍ واحد، وطريقٍ واحد، فلولي الأمر أن يلزم الأمة بواحدٍ من طرفي المباح، حينئذٍ لا نفتح عقولنا لفقه الجرائد وفقه المجلات وفقه الزوايا، وفقه القصاصات، وإنما الفقه عند أهله، وإنما العلم عند أهله.

    تبقى الأمور بأهل الخير ما صلحت     وإن تسوء فبالأشرار تنقاد

    لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم     ولا سراة إذا جهالهم سادوا

    أن يصبح أمر الشريعة وأمر الدين يتكلم فيه من يتخصص في السياسة والاجتماع والاقتصاد والطب البيطري والصيدلة وإلى آخره فكل من حمل شهادةً شرقيةً وغربية أصبح يقرر للأمة الأمور التي يجوز الخلاف فيها، والأمور التي لا يجوز الخلاف فيها، فما مكانة العلماء إذن؟

    لماذا جعل الله العلماء ورثة الأنبياء؟

    لماذا أمرنا أن نلتف بعلمائنا؟

    لماذا أمرنا أن نسمع وأن نطيع لعلمائنا؟

    لأنهم من ولاة الأمر.

    لماذا أمرنا أن نكرم علماءنا؟

    مادام يمكن أن يتكلم في أمر الشريعة وأمر الدين، وأن يقرر للناس ويختاروا ما يشاءون إذا أمكن لمن تخصص في الطب والهندسة والفيزياء والكيمياء وفن الديكور والفنون التشكيلية والسياسة والاقتصاد، إذا أصبح لكل واحدٍ أن يتلكم في الدين بما يشاء فلا حاجة أن يتميز العلماء بهذه المنـزلة، لماذا؟ لأن كل إنسان يمكن أن يتكلم في الدين، ولكن كما قلت أيها الأخوة: حينما يبلغ الأمر إلى هذه الدرجة

    فيا موت زر إن الحياة ذميـمةٌ     ويا نفس جدي إن دهرك هازل

    ألا موت يباع فنشتريه     وهذا العيش ما لا خير فيه

    ألا رحم المهيمن نفس حرٍ     تصدق بالوفاة على أخيه

    والله حينما تترك الأمور ويتكلم في شأن الدين كل ناعق وكل من تحدثه نفسه أن يقرر في أمر الشريعة ما يشاء

    فلا والله ما في العيش خيرٌ     ولا الدنيا إذا ذهب الحياء

    يعيش المرء ما استحيا بخيرٍ     ويبقى العود ما بقي اللحاء

    ما بقي عودٌ ولا بقي لحاء، حينما يتكلم من ليس من أهل الاختصاص ومن ليس من أهل الفقه وأهل الاجتهاد، حينما يتكلم ليقرر أن للأمة أن تأخذ بالأقوال الخلافية متى شاءت.

    ما الذي يمنع أن أقول: يجوز لنا أن نداوم بعد العصر إلى صلاة العشاء، مادام المقصود من النظام أن ننجز المعاملات التي بين أيدينا وأنا موظف عملي ليس مرتبطاً بالمراجعين، فإن من حقي أن أعمل من بعد العصر إلى صلاة العشاء حتى أنجز العمل، ماذا تريدون أكثر من هذا، مع أنها أمور مدنية ولكن هل يقبل بها عاقل؟ لا، لأن الأمور تحتاج إلى وحدة وتحتاج إلى انضباط وتحتاج إلى نظام، فإذا كانت أمور الدنيا لا يمكن أن تصلح إلا بانضباطٍ ونظام فهل تصلح أمور الشريعة بالعبث والفوضى؟!

    بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    حكم العمل بالأحاديث الضعيفة والمنسوخة

    الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى وتمسكوا بسبب عزكم وأمنكم ورخائكم وثرائكم وطمأنينتكم وسعادتكم، تمسكوا بالإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها؛ وكل محدثةٍ بدعة؛ وكل بدعةٍ في الدين ضلالة؛ وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.

    أيها الأحبة: هناك أمور في دين الإسلام دلت عليها النصوص من القرآن والسنة؛ فلا خلاف فيها أبداً، وأمورٌ دلت عليها نصوصٌ من السنة والقرآن ووردت نصوصٌ لم تثبت أو هي في حكم الضعيفة أو في حكم المنسوخة لا يجوز العمل بها، وإنما يجب العمل بما ثبت وبما صح وبما هو راجح، وأمورٌ في أمور الناس لم يشهد الشارع لها باعتبارٍ لها ولا بإلغاء، فهي عامة لم يرد فيها أمرٌ ولا نهي، وهي التي تسمى بالمصالح المرسلة، فحينئذٍ يجوز للناس أن يجتهدوا في أمور المصالح المرسلة بما يخدم مصالحهم، والمصلحة عند من يرى جواز الاستدلال بها دليلٌ حيثما وجدت، فإذا كانت المصلحة في ذلك الزمن مفسدةٌ في هذا الزمن فلا يجوز الاستدلال بالمصلحة، ولذلك ربط أهل العلم لما قالوا: إن مما يجوز الاستدلال به المصالح المرسلة في أمورٍ ليس فيها دليلٌ من القرآن والسنة، قالوا: ومن الذي يقرر في المصلحة؟

    يقررها علماء الإسلام فهم الذين يقولون: في هذا مصلحة وليس في هذا مصلحة، أو في هذه نفعٌ وفي هذا مفسدة، فحينما نقول: إن الشريعة جاءت بأمورٍ والاختلاف فيها واسع ولولا الخلاف لما رأينا هذا الفقه بهذه الدرجة وهذه المنـزلة وبهذا نكذب على عقول الناس، وبهذا نخدع شبابنا، ونخدع طلاب جامعاتنا، ونخدع رجالنا، ونخدع أمتنا، فنقول لهم: إنا نتكلم معهم بمنطق الدين والشريعة، ولكنا في الحقيقة نحادثهم بمنطق الخداع والعبث على الدين والشريعة، ينبغي أن ننتبه لذلك، فإذا كانت الأمور قطعية الدلالة، قطعية الثبوت، فحينئذٍ لا مساغ للخلاف فيها، وحينما تكون الأمور ظنية الدلالة أو الثبوت، ولكن رجحت أو جاء ما يرجح دلالتها وثبوتها فإنها تعتبر ديناً ندين الله به، وعملاً نتعبد الله به، ونستبعد ما سواها حتى لا يقول قائل: الربا في القرآن محرم، ولكن يقول الدكتور الفلاني: يجوز التعامل بالربا بهذه الصيغة وبهذه الطريقة؛ لأن هناك دليلاً نقول: حتى وإن جاء دليلٌ فقد يكون موضوعاً أو منسوخاً بالذات مسألة الربا كل دلالاتها واضحةٌ قطعيةٌ بفضل الله جل وعلا.

    أو مسائل أخرى حينما يأتي من يقول: يجوز للمرأة أن تتبرج أو أن تخرج أو أن تكشف إلى آخره ويستدل بدليل ويأتي الآخر بدليل، نقول: حتى ولو جئت بدليل فإذا كان دليلك منسوخاً أو إذا كان دليلك مرجوحاً أو إذا كان دليلك ضعيفاً وهذا دليلٌ مرفوعٌ صحيحٌ راجحٌ ثابتٌ وأجمعت عليه الأمة، فما الذي يجعلني أترك ما أجمعت عليه الأمة وهو الصحيح الثابت الراجح وأنتقل إلى المرجوح والضعيف رغبةً في تقليد الغرب ومحاكاة أهل الحضارة الغربية.

    لا. أيها الحبيب: ينبغي أن نكون على مستوى العقل، فخذوا مني نصيحة: إن هذا الأمر دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، لا تقبل الكلام في أمور الدين إلا من عالمٍ قد وثق بعلمه، وحصلت الطمأنينة إلى تقواه وعبادته، إلى عالمٍ لا تجره الدنيا ويطرده حرمانها، خذوا النصيحة من عالمٍ من العلماء الأجلاء، وهل على هذه البسيطة فيما أعلم أجل وأكرم وأعلم وأتقى وأخوف بالله ولله من سماحة الشيخ ابن باز ، وعددٍ من العلماء حوله في هذه البلاد المباركة، أنا لا أقول أن علماء العالم في مصر أو في سوريا أو في أي مكانٍ من الأماكن أنهم فساق أو فجار، أو من لم يكن سعودياً فليس بعالمٍ، لا. لكن فيما عرفت وعلمت وعرفنا واطمأننا إلى أن هذا العالم وعددٌ من العلماء فيهم خيرٌ وبركة، أولئك الذين نطمئن إلى دينهم وتقواهم فليكونوا مرجعنا فيما تحدث فيه الزوبعة والبلبلة بسبب تشويش من لا علم له ولا خلاق له، هذه نصيحة.. إن الدين تسألون عنه أمام الله جل وعلا، وأما طاعة فلان أو القناعة بصوت فلان أو برأي فلان، فذلك إن لم تحاسبوا عليه أو تعذبوا عليه فلن يكون سبباً في دخولكم الجنة أو نجاتكم من النار، إن الأمر دين وإن الأمر أمرٌ تموت عليه، ويكون معك في القبر وتبعث به وتحاسب عليه، وبه تدخل الجنة أو النار فلا نتهاون بأمر الدين في حالٍ من الأحوال.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين اللهم دمر أعداء الدين اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله في نفسه واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره، اللهم من أراد بالأمة خلافاً وفرقة وشتاتاً وفزعا اللهم أفزعه في قلبه، اللهم آته الجنون والمس في عقله، اللهم من أراد بالأمة فتنة فلا تقم له راية، اللهم ترفع له راية، اللهم من أراد بالأمة فتنة فأرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم من أراد أن توجه هذه الأمة على غير وحيٍ من كتابك وسنة نبيك.. اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، وافضحه على رءوس الخلائق، وعجل خزيه وعاره وفضيحته ومصيبته بين الخلائق أجمعين، اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهدهم، اللهم اجمع شملهم، اللهم أصلح ذات بينهم واجمع قلوبهم، اللهم لا تفرح عليهم عدواً، ولا تشمت بهم حاسداً، اللهم سخر لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك وجنود الأرضين بقدرتك، واجمع شملنا وإياهم على ما يرضيك يا رب العالمين، اللهم اجعلنا ممن قال فيهم نبيك: (خير أئمتكم الذين تدعون لهم ويدعون لكم) اللهم اجعلنا من أولئك يا رب العالمين، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أسيراً إلا فككته، ولا كسيراً إلا جبرته، ولا ميتاً إلا رحمته ولا تائباً إلا قبلته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.

    اللهم توفنا على الإسلام سعداء واحشرنا في زمرة الأنبياء، اللهم توفنا راكعين ساجدين، اللهم اقبضنا إليك غير خزايا ولا مفتونين، اللهم اجعل خير أيامنا يوم نلقاك، واجعل خير أعمالنا خواتمها، اللهم لا تقبضنا على خزيٍ ولا فاحشةٍ ولا معصيةٍ ولا في سبيل معصية يا رب العالمين يا أرحم الراحمين، اللهم خذ بأيدينا، وخل بيننا وبين ما يسخطك، اللهم خذ بأيدينا إلى ما يرضيك، اللهم حبب إلينا شرعك وبغض إلينا معصيتك، وبارك لنا فيما أبحت يا رب العالمين، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم اجمعنا بهم في جنتك، وفي دار كرامتك، في دارٍ لا يزول نعيمها ولا يتفرق أحبابها، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً فجازه بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً.

    اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان وفلسطين والفليبين وأرتيريا ، وفي كل مكان، اللهم انصر المجاهدين واجمع شملهم ورصاصهم ووحد صفوفهم، واجمع قادتهم وأقم دولتهم.

    إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر ، وعمر ، وعثمان، وعلي ، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين اللهم أغثنا، اللهم إن ذنوبنا كثيرة وعفوك أكثر، وإن معاصينا كبيرة ورحمتك أكبر، اللهم لا تمنع عنا الغيث بذنوبنا، اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً سحاً طبقاً نافعاً مجللاً غير ضار، اللهم اسق العباد والبهائم والبلاد، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، نستغفرك اللهم ونتوب إليك، اللهم اغفر لنا وأجب دعاءنا واسقنا وأغثنا.

    إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.