إسلام ويب

التوسل والوسيلةللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خلق الله الخلق ليفردوه بالعبادة دون غيره، لذا كانت عقوبة المشرك من أشد العقوبات، لأنه قد خالف الحكمة العظمى من خلقه، والرسول صلى الله عليه وسلم إنما بعثه الله عز وجل لكي يزيل هذا الشرك، ولكن ظهر كفار في زماننا يدعون الإسلام وقد وقعوا في أعظم مما كان عليه المشركون من توسل واستعانة واستغاثة بغير الله، وتركوا النصوص الواضحة الدالة على تحريم ذلك، وغفلوا عن التوسل المشروع، والذي ينبغي للعبد أن يتوسل به إلى ربه.

    1.   

    القبوريون ومخالفتهم الشرع

    الحمد لله، الحمد لله الذي لم يزل بعباده خبيراً بصيراً، أحمده سبحانه جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق كل شيء فقدره تقديراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، أرسله ربه إلى الإنس والجن بشيراً ونذيراً.

    أما بعد:

    فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، اتقوا الله جل وعلا فهي وصية الله لكم: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131]، ويقول جل شأنه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    معاشر المؤمنين! مر بنا في الجمعة الماضية ما وقع فيه كثير من الضعفاء والجهلة والمصرين على الضلالة أولئك الذين يعتقدون في القبور وسكانها واللحود ونزلائها، أولئك الذين يعتقدون فيهم دفعاً أو نفعاً أو إجابة دعوة أو كشف كربة، وأولئك لا يملكون لأنفسهم شيئاً قليلاً ولا كثيراً، صغيراً أو حقيراً أو كبيراً، فكيف يدفعون عن غيرهم؟ وكيف يجيبون من دعاهم؟ وكيف يسمعون من ناداهم؟

    ولكن ضلال القبوريين المنتسبين إلى طائفة القبورية، ومن حذا حذوهم وسار سيرهم يشركون بالله وهم لا يعلمون، وصدق الله جل شأنه حيث قال: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106] هذا في شأن من يدعون الإيمان، ومنهم من يكفرون بالله جل وعلا على بصيرة.

    ما يستدل به القبوريون والرد عليهم

    وحديثنا اليوم عن التوسل والوسيلة وما كان قريباً منها وفي حكمها من الاستغاثة والاستعانة.

    فاعلموا يا عباد الله! أن من ضلال أهل الضلالة، ومن جهلاء أهل الجهالة من يحتجون بكتاب الله على باطلهم، فتجد منهم من يحتج بقوله سبحانه: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ [الإسراء:57]، ويحتجون بقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:35] فيجعلون هذه الوسيلة التي وردت في الآية حجة لهم باتخاذ من يتوسلون بهم من الأحياء فيما لا يقدر عليه إلا الله، ومن الأموات الغائبين المغيبين في اللحود والقبور يجعلون هذه الآية يستدلون بها استدلالاً ضالاً ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويوردون الكلام في غير ما يستدل به، ويحتجون بها لأنفسهم، وقد أجمع العلماء وعلماء التفسير رحمهم الله أن المقصود بالوسيلة في هاتين الآيتين: (العمل الصالح) والمعنى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:35] نداء للمؤمنين، أن اتقوا الله، واجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية، وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:35] أي: اطلبوا عملاً صالحاً يقربكم إلى الله جل وعلا.

    وكذلك ما جاء في الآية الأخرى في وصف المؤمنين: الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ [الإسراء:57] يبتغون العمل الصالح سلماً لرضا الله جل وعلا، وما سوى ذلك من استغاثة المخلوق بالمخلوق الحي فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو استغاثة المخلوق بالمخلوق الميت فيما يقدر عليه وما لا يقدر عليه، فإن ذلك أمر لا يجوز، بل هو شرك لا شك فيه.

    أنواع من الاستعانة والاستغاثة الجائزة

    والاستغاثة والاستعانة إما أن تكون في أمر يقدر المخلوق عليه فهي جائزة، وإما أن تكون في أمر لا يقدر عليه إلا الله فهي شرك لا شك فيه.

    ومن أنواع الاستغاثة الجائزة: ما ورد في كتاب الله جل وعلا: فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ [القصص:15] فهذا يستغيث بموسى عليه السلام ليعينه على قتل عدوه.

    وكذلك استغاثة الإنسان بمن يعينه على رد صائل أو إطفاء حريق ونحو ذلك، فهذا من الاستغاثة ومن الاستعانة الجائزة، وأما ما سوى ذلك كمن يستغيث بحي في شفاء مرضه، أو يستغيث بحي في تفريج كربته، أو يستغيث بحي في حصول خير له، فإن هذا لا يجوز.

    نعم. الأسباب واردة، والله جل وعلا يقول: مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا [النساء:85]، وقال صلى الله عليه وسلم: (اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء) فإن الإنسان إذا نزلت به كربة فسأل الله جل وعلا أن يدفع عنه وأن يسخر له، ثم طلب سبباً من البشر لوجاهته أو لمنزلته أو لأمر يختص به دون غيره، فقال: يا فلان اشفع لنا عند فلان في أمر يقدر عليه الشافع والمشفع عنده أو المشفوع عنده، فليس هذا من الاستغاثة أو الاستعانة المحرمة، لكن المحرم هو أن يستغيث المخلوق بمخلوق ضعيف مثله في أمر لا يقدر عليه الأحياء، أو أن يستغيث بغائب، فترى رجلاً مثلاً في مكة، وآخر في الرياض، فإذا أصاب الذي في الرياض سوءٌ أو مكروهٌ نادى فلاناً وهو بـمكة وقال: يا فلان ادفع عنا ما نحن فيه، فإن الاستغاثة بالحي على ما يقدر عليه إذا كان غائباً فإن هذا لا يجوز أبداً، وهو الذي وقع فيه كثير من هذه الأمة، حيث ضلوا وأضلوا كثيراً منهم بغير علم.

    فترى أناساً يستغيثون بالأموات في قبورهم، وأناساً يستغيثون بالأحياء الذين عندهم فيما لا يقدرون عليه ولا يقدر إلا الله، أو يستغيثون بالأحياء فيما يقدرون عليه ولكنهم غائبون عنهم، فحينئذٍ أيها الأحبة ذلك مما لا يجوز، إذ إن الاستغاثة من المخلوق بالمخلوق ومن الحي بالحي في أمر يقدر عليه يشترط له أن يكون موجوداً وأن يكون قادراً على فعل ذلك.

    فالله جل وعلا يقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] قدم اللفظ إِيَّاكَ لحصر العبادة لله جل وعلا، وقدم لفظ (إياك) لحصر الاستعانة بالله جل وعلا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا غلام! إني أعلمك كلمات: إذا سألت فاسأل الله).

    ما يفعله من يعرف حقيقة العبودية عند المصائب

    وهنا مسألة جليلة أيها الأحبة: فإن من واجب العبد المتعلق بربه، العارف بحقيقة وحق العبودية أن يسأل الله قبل أن يسأل غيره، فإذا نزل بك مرض من الأمراض وأنت تعرف أن المستشفى بجوارك، فاسأل الله جل وعلا قبل أن تلتفت إلى سبب الطبيب الذي قد ينفع وقد لا ينفع، وقد يوفق إلى الدواء الذي يصيب الداء وقد لا يوفق، وإذا نزلت بك كربة مالية وأنت تعلم أن جارك فلان غني ثري قريب حبيب إليك، لا يتردد في بذل ماله، فقبل أن تسأله اسأل الله جل وعلا، حتى ولو كان الذي بجوارك قادراً على أن يقرضك من ماله، أو يهبك من متاعه، أو ينفعك بجاهه، ولكن تعلق بالله قبل أن تتعلق بخلق الله.

    من يسأل الناس يحرموه     وسائل الله لا يخيب

    أيها الأحبة: إننا نرى كثيراً من أحبابنا وإخواننا إذا نزلت الحاجة بأحدهم أو حلت بأحدهم الواقعة وهو يعلم أن من عباد الله من يقدر على معونته فيها، تجده أول ما يفزع إلى دليل أرقام هاتفه، أو إلى أرشيف معلوماته وصداقاته وعلاقاته، ثم يقلب الأوراق ورقة ورقة، هذا ينفع وهذا لا ينفع، وهذا ينفع قليلاً، وهذا ندعه للمهمات الملمات، ونسي المسكين قبل أن يتناول الدواء، وقبل أن يلتفت للصديق، وقبل أن يتحول إلى الرفيق؛ نسي أن يسأل الله جل وعلا.

    فالواجب علينا تحقيقاً للعبودية أيها الأحبة أن نبدأ بسؤال الله، وأن نحتاج إلى الله قبل الحاجة إلى غيره:

    لا تسألن بني آدم حاجة     وسل الذي أبوابه لا تحجب

    الله يغضب إن تركت سؤاله     وبني آدم حين يُسأل يغضب

    ثم إن الله جل وعلا يحب من تضرع إليه، ويحب السائلين بين يديه، أما العباد فإن أعطوا مرة يسأمون الأخرى، ثم يطردون الثالثة.

    سألنا فأعطيتم وعدنا وعدتم      ومن أكثر التسآل يوماً سيحرم

    وإذا رضيت ببذل وجهك سائلاً     فابذله للمتفرد المفضال

    اسأل الله قبل أن تسأل عباد الله، واسأل الله قبل أن تسأل خلق الله، وتضرع إلى الله، وتملق إلى الله، وقف واسجد واخشع وتضرع ومرغ أنفك وجبهتك على التراب بين يدي الله قبل أن تقدم على واحد من البشر، خاضع الطرف، مطرق الرأس، تمشي على استحياء خجلاً من عرض حاجتك أمام هذا المخلوق الضعيف، لكن أمامك ساحة العزة وفرصة الكرامة، أن تخضع وأن تسجد لله، وما يدريك لعل الله أن يقضي حاجتك قبل أن تذهب أو تحتاج إلى فلان.

    أيها الأحبة في الله: يقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: (يا غلام! إني أعلمك كلمات: إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، جفت الأقلام وطويت الصحف) هذا فيما يتعلق بهذه المقدمة.

    الفرق بين تكفير المعين وتكفير فاعل الفعل

    أيها الأحبة! فإذا علم ذلك وأيقنه المسلم، أدركنا ضلال وجهل بل ربما شرك المستغيثين والمستعينين بغير الله، والمتوسلين بغير الله، بل يقع أحدهم في هذا الشرك إن كان عالماً ويقع الكثير منهم بهذا، أو إعراضه عن العمل بالتوحيد بعد بلوغه، يحقق فيه الشرك.

    وهنا مسألة أيها الأحبة! فربما رأيت مخلوقاً ضعيفاً عند قبر من القبور يدعو الله جل وعلا، فلا تعجل بتكفيره، ولا تعجل بإطلاق لفظ الشرك عليه، فهناك أحوال: فقد يكون ذلك السائل عند القبر يدعو الله جل وعلا ولا يدعو القبر، لكنه مبتدع باختيار مكان الدعاء عند القبر، واختيار زمان الدعاء في زمن معين بجوار القبر، فهذا مبتدع ومرتكب كبيرة، وفاسقٌ فسقاً عظيماً، لكن لا يكون مشركاً ولا يكون كافراً إلا إذا اعتقد أن الدعاء لصاحب هذا القبر أو أن الدعاء ببركة صاحب هذا القبر ينفع ويدفع الضر ويجلب الخير، وأنه بالبعد عنه لا يستجاب الدعاء فحينئذ يتحقق، ثم إننا أمة لم يطلب منا أن نكفر الناس بأعيانهم، فهناك كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فرق بين تكفير النوع والشخص المعين.

    فتقول: كل من دعا غير الله فهو كافر، وكل من استعان واستغاث بغير الله فهو مشرك، ولكن إذا رأيت من يدعو عند القبر أو يتوسل، فقبل أن تقول وأن تشير وأن تحدد أن هذا فلان بن فلان بعينه وشخصه كافر لا بد أن تتثبت من ذلك، إذ قد يكون يدعو الله بجوار هذا القبر معتقداً أنه يدعو الله جل وعلا، ولا يدعو القبر لكنه مبتدع ضالٌ ضلالة كبيرة بالدعاء بجوار القبر، فهذا أمر لا يكفره ولا يخرجه من الملة، فواجبنا أن نتثبت، وواجبنا أن نحذر؛ لأن الفائدة العظمى والنصيحة الأولى هي لأنفسنا ولبيان خطر ذلك على أبنائنا ومجتمعاتنا وذرياتنا ومن حولنا، ويا خيبة أولئك الذين يتعلقون بغير الله! ويا ضلال أولئك الذين يستغيثون ويستعينون ويتوسلون بغير الله، أو بغير أسباب التوسل المشروعة!

    فـالرافضة مثلاً يرددون في نشيدهم وحدائهم قائلين:

    لي خمسة أطفي بهم     نار الحطيم الحاطمة

    المصطفى والمرتضى     وابناهما والفاطمة

    يرددون ما معناه: أن خمسة يرجون بهم أن ينجوا من النار ويكونون في الجنة:

    لي خمسة أطفي بهم     نار الحطيم الحاطمة

    أي: نار جهنم.

    الحاطمة: الملتهبة.

    المصطفى: ويعنون به النبي صلى الله عليه وسلم.

    والمرتضى: ويعنون به علي بن أبي طالب .

    وابناهما: الحسن والحسين .

    والفاطمة هي الخامسة.

    أولئك يدفعون بهم عذاب الله ويدفعون بهم النار، كيف يفعلون ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كام أمره الله تعالى: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً [الأعراف:188].

    فالله جل وعلا قد بين على لسان نبيه وجاء هذا في كتابه أن النبي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرا، بل يقول صلى الله عليه وسلم: إن هدايته ببركة ما أوحى الله إليه، فقال جل شأنه على لسان نبيه: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي [سبأ:50] والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لـفاطمة: (يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئتِ لا أملك لك من الله شيئاً).

    والله جل وعلا قد بين هذا الأمر لنبيه صلى الله عليه وسلم في مواقع كثيرة، فلو كان يملك من الأمر قليلاً أو كثيراً لما قال الله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ [آل عمران:128]، وقال الله جل وعلا: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56]، وقال الله جل وعلا: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى [التوبة:113].

    فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم يملك لنفسه أو لذريته أو لمن يريد هدايته أو لمن يريد الاستغفار له، لو كان يملك في هذا قليلاً أو كثيراً، لنفعه ولم يرد في القرآن ما يدل على أن ذلك ليس له صلى الله عليه وسلم، فدلالة النبي دلالة الإرشاد، وأما دلالة الهداية والتوفيق فهي دلالة من عند الله جل وعلا.

    وإذا نوقش بعض هؤلاء الضّلال، قالوا: إنا لا نعبد من نتوسل به، ولا نعبد من نستغيث به، ولا نعبد من نستعين به، وإنما نجعله بجانب الله، وذلك والله هو عين كفر الجاهلية الأولى الذين يقولون في الأصنام: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3] إن مشركي قريش وكفار الجاهلية ما قالوا: إن اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى هم الذين خلقوا، وما قالوا هم الذين يميتون، بل قال الله جل وعلا: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:25] ولكنهم يعتقدون شيئاً من بركة ونفع وشفاعة هذه الأصنام عند الله جل وعلا، ومع ذلك ما عصم ذلك دماءهم ولا أموالهم ولا أعراضهم من أن يقاتلوا وأن تسبى ذراريهم وأن تؤخذ أموالهم.

    فإذا أدركت ذلك، تأمل قول الله جل وعلا: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سـبأ:22-23]، وقال جل شأنه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج:73] فضعفهم مع اجتماعهم كضعف الذبابة في هوانها وحقارتها.

    فإذا تأملتم هذا يا عباد الله! كيف يتعلق مخلوق بمخلوق؟! كيف يتعلق بشر ببشر؟! كيف يتعلق ضعيف بضعيف؟! كيف يتعلق مسكين بمسكين؟! كيف يتعلق حقير بحقير؟! والله إن التعلق بالبشر هو غاية الضلالة والهوان، وأما الكريم الشريف العزيز في نفوسنا حبيبنا الطاهر المطهر نبينا صلى الله عليه وسلم فتعلقنا به هو بحبنا لشخصه صلى الله عليه وسلم، وتعلقنا به هو باتباعنا أمره حيث نهانا أن نعتقد في شخصه نفعاً وضراً بعد موته، وتعلقنا به أن نتبعه استجابة لما أمرنا به: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31] ومن أحب الله أحب نبيه صلى الله عليه وسلم لا محالة.

    1.   

    حماية النبي لأصحابة من الشرك

    أيها الأحبة! إن المتأمل في نصوص السنة يدرك أن خطر التعلق بغير الله حتى ولو كان تعلقاً فيه أدنى شبهه يفضي إلى الشرك بل قد يكون شركاً أعظم، فعن أبي واقد الليثي -والحديث في الصحيح- قال: (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حنين ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عليها، وينوطون -أي يعلقون بها أسلحتهم- فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط!) أراد الصحابة فقط، أراد أولئك الذين كانوا حديثي عهد بكفر، أرادوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم شجرة يعلقون بها سيوفهم لاعتقادهم النفع فيها، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لقد قلتم كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ[الأعراف:138]).

    وهؤلاء تكون أعمالهم كما قال الله تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23] إن أعمال كثير من الناس في عددها قد تكون أكثر من عمل بعض الصحابة والتابعين، أقول في عددها لكن أعمال كثير من الصحابة والتابعين على قلتها فيها من التعظيم، وفيها من الإخلاص، وفيها السلامة من الشرك، وفيها التعلق بالله، وفيها التوحيد النقي الخالص الذي لا يتطرق إليه ذرة أو شعيرة أو قليل أو كثير من التعلق بغير الله سبحانه، فحينئذٍ بفضل الله وبرحمة الله نفعتهم أعمالهم، وكثير من العباد قد يحبط عمله وهو لا يدري، بل كان الصحابة يتعلقون بالله ويرجون الله ويخشون مع أعمالهم ولا يدلون بها على الله، يخشون من عذاب الله.

    خوف أبي بكر على نفسه من المعاصي

    كان أبو بكر الصديق يبكي وهو يرى عصفوراً يطير من غصن إلى غصن، ويقول: [هنيئاً لك يا طير! تطير من غصن إلى فنن، ثم تموت لا حساب ولا عذاب] وهو أبو بكر الذي قال الله فيه: ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ [التوبة:40] ذكره الله في القرآن، وهو أبو بكر الذي قال الله فيه: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى [الليل:17] سيجنب النار، مبشراً بالجنة، ومع ذلك يبكي ويخشى ويخاف ويرجو رحمة ربه ويخشى عذابه، وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل:17-21] أي بشارة لأبي بكر أن يقول الله له: (ولسوف ترضى يا أبا بكر) إذا أرضاك الله فمن يسخطك؟! إذا أغناك الله فمن يفقرك؟! إذا أمنك الله فمن يخوفك؟! (ويقول أبو بكر لما سمع قول الله جل وعلا: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30] فيقول أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله! ما أسعد من يقال له هذا؟ فيلتفت الحبيب إلى رفيقه الصديق، ويقول: يا أبا بكر! إنك ممن يقال لهم هذا) يا أبا بكر! إنك ممن يقال لهم: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30] .

    وليس الأمر كما نراه الآن في كثير من الصحف والجرائد والمجلات إذا مات ميت، وقد يكون من الفساق، وقد يكون من الفجار، وقد يكون من مستوري الحال، وقد يكون من الصالحين، وقد يكون من الذين لا يشهدون الصلاة، ثم يكتب تحت نعيه: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً [الفجر:27-28] وما أدراكم أنها اطمأنت؟ وما أدراكم أنها رجعت إلى ربها راضية مرضية؟ فهذا من الجهل، وهذا من الضلال، وهذا من الخطأ الذي يقع فيه كثير من الناس.

    النصوص الدالة على تحريم الشرك

    أيها الأحبة! أخرج الإمام أحمد في مسنده بإسناد لا بأس به عن عمران بن حصين رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم: رأى رجلاً بيده حلقة من صفر، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ما هذه؟ قال الرجل: من الواهنة، فقال صلى الله عليه وسلم: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً، ولو مت وهي عليك ما أفلحت) .

    وأخرج أيضاً عن عقبة بن عامر مرفوعاً: (من علق تميمة فلا أتم الله له، ومن علق ودعة فلا ودع الله له) وفي رواية: (من علق تميمة فقد أشرك) .

    ولابن أبي حاتم عن حذيفة: [أنه رأى رجلاً في يده خيط -خيط للحمى- فقطعه وقرأ قول الله تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106]]

    وفي الصحيح عن أبي بشير الأنصاري رضي الله عنه: (أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فأرسل رسولاً ألا يبقى في رقبة بعير قلادة من وتر إلا قطعت) .

    وأخرج أحمد وأبو داود عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) .

    وأخرج أحمد والترمذي عن عبد الله بن حكيم مرفوعاً، أي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم: (من تعلق شيئاً وكل إليه) .

    وأخرج أحمد عن رويفع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا رويفع! لعل الحياة ستطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وتراً، أو استنجى برجيع دابة أو عظم، فإن محمداً بريء منه) .

    فانظروا يا عباد الله! كيف جعل الرقى والتمائم والتولة شرك، وما ذاك إلا لكونها مظنة أن يصحبها اعتقاد أن لغير الله تأثير في الشفاء من الداء وفي المحبة والبغضاء، فكيف من توسل بغير الله؟ وكيف من طلب غير الله؟ وكيف من ناجى غير الله؟ ولا يسلم للعوام قولهم: نحن لا نعبدهم وإنما نستعين بهم.

    أسأل الله جل وعلا أن يحقق لنا ولكم التوحيد النقي الذي يرضي ربنا عنا، اللهم توفنا وأنت راضٍ عنا غير مبدلين ولا مشركين ولا مغيرين .

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    الأمور التي يتوسل بها إلى الله

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى.

    اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.

    إذا علمنا أيها الأحبة! أن التعلق بغير الله في كبير وصغير واعتقاد أن غير الله يدفع أو ينفع، فهذا من الشرك، آن الأوان للشروع في المقصود وأن نعلم أنه لا يتوسل إلى الله إلا بواحدة من ثلاث:

    الأولى: أن يتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته

    وهي أجل وأسمى وأنفع وأفضل أنواع التوسل، وفيها توحيد المسألة، فتقول: يا رحمن ارحمني. تتعلق برحمة الله طالباً من ربك الرحمة، فأنت تتوسل بأسماء الله وصفاته، وتقول: يا منان مُنَّ علي برحمتك، ويا غفور اغفر لي، ويا جبار امنعني، واحفظني ممن أراد بي سوءاً، ويا قيوم أسألك الفوز بالجنة، وهكذا .. أن تسأل الله بأسمائه وصفاته، وإذا سألت ربك مطلوباً فاسأله باسم يوافق هذا المطلوب ليكون أدعى إلى تحقيق المسألة.

    الثانية: أن يتوسل إلى الله بالعمل الصالح

    فتقول: اللهم إني أسألك بصيامي شهر رمضان، ما نظرت فيه إلى محرم، وما استمعت فيه غيبة، واجتهدت في الصلاة خلف الإمام، وما انصرفت من التراويح إلا مع الإمام، أسألك اللهم إني عملت ذلك خالصاً لوجهك أن تحقق لي ما أرجو، تقول ذلك سراً بينك وبين الله، تتوسل إلى الله بعملك، فإن هذا من التوسل المشروع.

    ودليله ما جاء في الصحيحين في قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار فدخلوا وباتوا فيه، فانحدرت صخرة من الجبل فأطبقت عليهم الغار، فقال بعضهم لبعض: إنه لن يخرجكم ولن ينجيكم مما أنتم فيه إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال الأول: اللهم إنك تعلم أنه كانت لي ابنة عم، وكنت أراودها فتتمنع علي، فجاءتني في عام سنة وجدب وقحط وطلبت مني المال، فقلت لها: لا أعطيك المال حتى تمكنيني من نفسك، فقبلت محتاجة، ثم إني لما دنوت منها، وتمكنت منها تمكن الرجل من زوجته، وقبل أن أفعل بها بكت وقالت: اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت عنها خوفاً منك وخشية لك، اللهم إني إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك وخوفاً منك ورغبة فيما عندك فافرج عنا ما نحن فيه، وهي حال عجيبة أن يكون الإنسان في ذروة تلبسه بالمعصية وقبل الشروع المباشر في حقيقتها، يخوف بالله، فينزعج ويضطرب خوفاً من الله ويترك ما هو عليه.

    قال: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك وخوفاً منك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة قليلاً عن الغار، إلا أنهم لا يستطيعون أن يخرجوا منه.

    فقال الثاني: اللهم إنك تعلم أن لي والدين لا أغبق قبلهما ولداً ولا صاحباً، وإني خرجت عشية في طلب الغبوق فتأخرت عليهما، فجئت ووالدي قد ناما، قد باتا، والصبية يتضاغون يبكون يصيحون يتصايحون من العطش والجوع فقلت: والله لا أغبق قبل والدي ولداً ولا صاحباً، فترك الصبية يبكون براً بوالديه ألا يغتبق أحد قبل والديه.

    انظروا بركة بر الوالدين يا عباد الله! وليسمع هذا أولئك الذين يبرون في زوجاتهم ويعقون آباءهم وأمهاتهم، وليسمع هذا أولئك الذين يتهربون عن والديهم ويبتعدون عن آبائهم وأمهاتهم، متى؟ في وقت العطاء والخير، حينما يقبل خير الفتى ويدبر شره، ويكثر صلاحه ويقل فساده، يقع في فساد عظيم يدبر عن والديه، ليتخلى ويتفرد بابنة الناس ليعطيها بره وخيره، ويغفل عن والديه الأيام والليالي ذوات العدد، فإنا لله وإنا إليه راجعون!

    قال: فإني ما غبقت قبلهما ولداً ولا صاحباً، حتى أصبح والدايَّ فاغتبقا وشربا من الحليب، ثم بعد ذلك أطعمت زوجي وولدي، اللهم إني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه.

    توسل إلى الله ببره بوالديه، والأول توسل إلى الله بتركه المعصية. فانفرجت الصخرة شيئاً أكثر من الأول إلا أنهم لا يستطيعون أن يخرجوا منه.

    فقال الثالث: اللهم إنك تعلم أني استأجرت أجيراً فولى ولم يقبض أجرته، ثم إني نميتها وحفظتها له، فجاء إليَّ بعد زمن وقال يا فلان: أعطني أجرتي؟ فقلت: أتنظر ما في هذا الوادي من النعم أو من المال؟ فقال: نعم، فقلت: هذه أجرتك فخذها، فقال: أتهزأ بي؟ أتسخر بي؟ لأن الأجير ذهب وأجرته شيء قليل، لكن ذلك نـمّى الأجرة وحفظها لصاحبها، وقال: هذه أجرتك خذها واستقها، فأخذ الرجل أجرته داعياً وشاكراً، قال الثالث: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء ما عندك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة حتى خرجوا جميعاً.

    فانظروا بركة التوسل إلى الله بالعمل الصالح، والنبي صلى الله عليه وسلم قص هذه القصة لأصحابه، ولو كان التوسل إلى الله بالأنبياء أو بالصالحين أمراً مشروعاً لقال: توسلوا إلى الله بي بعد موتي، أو لقال صلى الله عليه وسلم: توسلوا بحبيبي أبي بكر الصديق، وتوسلوا بشهيد المحراب، والإمام الأواب عمر بن الخطاب، ولكنه صلى الله عليه وسلم ذكر لهم أن التوسل يكون بالعمل الصالح، ولو كان التوسل بالأنبياء أو بذاته أو بشخصه أو بجاهه، كما يقول كثير من الناس: أسألك بجاه النبي، أسألك بجاه النبي، أسأل الله جل وعلا، وإن كنت صادقاً في حب النبي فاتبع ما يقول النبي ولا تتقدم عنه ولا تتأخر.

    الثالثة: أن يتوسل العبد إلى الله بدعاء رجل صالح

    فهذا يدخل في أحكام التوسل، وشاهده ما كان في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما أجدبوا وقحطوا وأصابتهم السنة، قال عمر بن الخطاب وقد خرجوا يستسقون: [اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإن نبينا قد مات، اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبينا، قم يا عباس فادع الله لنا!].

    ففي هذا بيان أن الدعاء نوع من الوسيلة، وأن الداعي لا يعطي من نفسه، وإنما يدعو الله جل وعلا، فأنت إذا كانت لك حاجة وعرفت رجلاً من الصالحين، وقلت له: يا فلان ادع الله لي أن يرزقني ذرية، ادع الله لي أن يبارك في مالي، ادع الله أن يرزقني حفظ القرآن، فذلك يدخل في حكم التوسل المشروع، وأما ما سوى ذلك فممنوع لا يجوز أبداً، وقد احتج من احتج بما ذكر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وقالوا هذا إمام التوحيد يقول في آداب المشي إلى الصلاة في أن الماشي يقول في طريقه: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا، أني ما خرجت بطراً ولا أشراً، فيقولون: إنه ذكر الحديث، مع أن في الحديث ما فيه، أو قد تكلم فيه، ولكن لو صح واستدل به ففي ذلك دلالة على أن ما ورد في الحديث هو توسل إلى الله بأسمائه وصفاته لأن حق السائلين على الله إجابتهم، وإجابة الداعي صفة من صفات الله، وحق العابدين على الله أن يجيب دعاءهم، فحقيقة التوسل هنا هو توسل إلى الله بما يفضي إليه هذا الحق من السائلين وهو الإجابة، فلا حجة لمن أراد أن يستدل بهذا على جواز التوسل ببشر، أو بجاه بشر، أو بحق بشر.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين.

    اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل.

    اللهم اغفر لنا ولوالدينا، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم جازهم بالحسنات إحساناً وبالسيئات عفواً ومناً وغفرانا، برحمتك يا رب العالمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين ودمر أعداء الدين، اللهم انصر المجاهدين في البوسنة والهرسك، اللهم انصرهم وأيدهم وثبتهم، وانصرهم على عدوهم، اللهم أهلك الصرب أعداءهم، اللهم أحصهم عدداً، واجعلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً.

    اللهم ارحم المستضعفين في كل مكان، اللهم فرج عن أهل الزنازين، اللهم فرج عن المستضعفين والمحبوسين والمأسورين، اللهم فرج لهم، اللهم انقطعت بهم السبل ولا سبيل إلا ما عندك يا حي يا قيوم، اللهم نزل عليهم فتحاً من عندك، وثبتهم بتثبيتك، وأيدهم بتأييدك، وارحمهم وفرج عنهم ما هم فيه يا رب العالمين.

    ربنا لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، ولا أيماً إلا زوجته وأسعدته، ولا ضالاً إلا هديته، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.

    اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم خذ بأيديهم إلى ما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، اللهم لا تفرح علينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً، يا حي يا قيوم.

    اللهم صلِّ على محمد وآله وصحبه وسلم.