إسلام ويب

التفكر في خلق الإنسانللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ في الخطبة الأولى عن هذه النفس البشرية التي تجادل وتنازع في خالقها وبارئها، مع أنها من أكبر الأدلة على ربوبيته ووحدانيته وكمال قدرته ومشيئته. وقد تحدث في الخطبة الثانية عن أدلة بدعية المولد النبوي الذي تفعله الصوفية، ولو كان خيراً لفعله النبي صلى الله عليه وسلم، ولدلنا عليه ولفعله أصحابه من بعده.

    1.   

    يا ابن آدم! تفكر قبل أن تندم

    إن الحمد لله وحده لا شريك له، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلقنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام، ووفقنا إلى التوحيد، وأطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، ومن كل خير سألناه أعطانا، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى.. اتقوا الله تعالى حق التقوى.

    معاشر المؤمنين: يقول الله سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ [المؤمنون:12-16].

    تأمل في عظم خلق الله

    أيها الأحبة في الله: إن المتأمل في كتاب الله جل وعلا خاصة في ما يتعلق بالنفس الإنسانية التي تدب على وجه الأرض، وما جمعت من الصفات والعجائب في دقيق الخَلق والخُلق ومراحل النمو والتطور، وتعدد الغرائز والحواس، ليجد الخضم المتلاطم في بحر عظيم خلق الله وقدرته، وصدق الله العظيم حيث قال: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21].

    إن هذه النفس البشرية التي تجادل وتنازع في خالقها وبارئها لهي أكبر دليل على ربوبيته ووحدانيته وكمال قدرته ومشيئته:

    فيا عجباً كيف يعصى الإله     أم كيف يجحده الجاحد

    وفي كل شيء له آية     تدل على أنه الواحد

    أنت أيها الإنسان لم تكن شيئاً يذكر أو يعرف لولا تقدير الله في خلقك وإيجادك.. هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإنسان:1-2].

    تفكر يا بن آدم! من الذي أوجدك من عدم.. من ماء مهين في صلب أبيك.. ثم نطفة في رحم أمك.. ثم يسر لك السبيل إلى هذه الدنيا؟ إنه الله الذي لا إله غيره ولا رب سواه، وصدق الله العلي العظيم حيث قال: قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ [عبس:17-22] .

    يا بن آدم! من الذي هداك إلى ثدي أمك تشرب منه لبناً خالصاً سائغاً؟ ومن الذي هيأ هذا الثدي بهذه الطريقة الملائمة لخلقك، المتلطفة بضعفك وعجزك؟

    إنه الله الذي أحسن كل شيء خلقه وقدر فهدى.

    يا بن آدم: من يحفظك في صغرك وشبابك وشيبتك وكهولك وهرمك؟ من الذي يحفظك من مصائب الليل والفلق ومن شرور ما خلق من الجن والإنس والبهائم والسباع والهوام؟

    إنه الله الذي يحفظك بحفظه وإرادته، ولولاه جل وعلا لتسلط مارد من الإنس على بدنك ومالك أو شيطان من الجن على عقلك ونفسك، أو حية أو هامة أو غير ذلك يؤذيك في بدنك، ولو أصابك شيء من ذلك لما استقر لك قرار، وما تلذذت بنعيم في هذه الدار، وصدق الله العظيم لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد:11].. إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق:4].

    تأمل في نعم الله

    قف متأملاً في هذه اللطيفة من جليل خلق الله ورأفته بعباده خاصة في هذا الزمان الذي تعددت فيه سبل الراحة والأمان، وتنوعت فيه أسباب الهلاك، هذه السيارة التي تركبها في كل ساعة ولحظة، من سخرها لك؟ تحث حديداً كيفما شئت، وتوقف حديداً متى شئت، من هيأ لك أسباب التمتع بها؟ ومن سخرها في حاجتك؟ ولو شاء ربك لانقلبت هلاكاً عليك وعلى غيرك لعطب أصغر آلة فيها.

    هذه الطائرة التي تركبها، من يحفظك فيها وأنت بين السماء والأرض؟ ولو شاء ربك لهوت بك في مكان سحيق، فسبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون.

    يا بن آدم! هأنت تتمتع بسمع وبصر وجوارح، من آتاك سمعاً تسمع به، وبصراً تبصر به، وعقلاً تعقل به، ويداً تبطش بها، ورجلاً تمشي بها؟

    يا بن آدم! كم من عرق ساكن في بدنك والله لو تحرك ما تلذذت بعيش، وما تهنأت بنعيم.

    يا بن آدم! كم من عرق متحرك والله لو سكن لتمنيت الفراق عن الدنيا إن لم تكن فارقتها.

    يا بن آدم! تصبح وتمسي معافىً في بدنك، آمناً في وطنك، عندك قوت سنيك ودهرك.

    يا بن آدم! أطعمك ربك وسقاك وكفاك وآواك وهداك، ومن كل شيء سألته أعطاك، فهل بعد هذا إلا شكر نعمته، وأن تقول: رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي، وأن أعمل صالحا ترضاه، وأصلح لي في ذريتي إن تبت إليك وإني من المسلمين.

    ماذا بعد هذه النعم التي لا تحصيها ولا تدرك منها إلا القليل؟

    شكر النعم سبب لبقائها

    فتفكروا يا عباد الله! وتذكروا هذه النعم التي تتقلبون فيها مصبحين وفي الليل، وبادروها وقيدوها بالشكر والطاعات، فإن النعم يا عباد الله! كالإبل المتفلتة فاعقلوها بذكر الله وشكره، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من عباده الذاكرين الشاكرين.

    إذا كنت في نعمة فارعها     فإن المعاصي تزيل النعم

    وحطها بطاعة رب العباد     فرب العباد سريع النقم

    وإياك والظلم مهما استطعت     فظلم العباد شديد الوخم

    وسافر بقلبك بين الورى     لتبصر آثار من قد ظلم

    فتلك مساكنهم بعدهم     شهودٌ عليهم ولا تتهم

    وما كان شيءٌ عليهم أضر     من الظلم وهو الذي قد قصم

    فكم تركوا من جنان ومِن     قصور وأخرى عليها أُطم

    صُلوا بالجحيم وفاتوا النعيم     وكان الذي نالهم كالحلم

    إذ تأملتم هذا يا عباد الله! فلينظر كل واحد منا إلى نفسه، ولينظر إلى ضعف نفسه، ولينظر إلى عظيم نعمة ربه، ولينظر إلى جزيل فضل خالقه في هذه النفس الإنسانية على ما فيها من الضعف والجزع والهون وسرعة الزوال والفناء والفراق، كيف تشمخر نفس بني آدم؟ كيف ترتفع وتكابر وتفاخر وتدافع وتنازع؟ وكم تبني من الدور والقصور وتزرع الضياء والبور؟ وفي خضم هذا كله يصيبها الكبر في لذاتها، والعجب في ملذاتها؛ فتغمط الناس حقوقهم وأشياءهم، وتحسدهم على أرزاقهم فيها كأن الدنيا لها وليست لهم، وينسى الواحد شكر نعمة ربه عليه في ما هو ماثلٌ واضحٌ أمام عينه، وكأن الإنسان يقول: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص:78] فإذا مس هذه النفس طائف من قدر الله بمصيبة صغيرة أو مرض أو فاجعة، تذكر الإنسان وصاح: يا الله! وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [يونس:12] عند هذا يعود، وعند هذا تعود كل نفس، وقبل ذلك كم نسيت من الآلاء التي عقدت على حصولها بالطاعة أصدق العهود.

    وصف النفس من كتاب الله

    يا بن آدم! إذا تكبرت نفسك، وتجاهلت حقيقة قدرك؛ فتذكر أصل خلقتك من أي شيء خلقت؟

    هل خلقت من جواهر الجنة أم من خالص ذهب الأرض، أم من ماذا؟

    خلقت من ماء مهين، من مني يمنى، من نطفة قذرة، وتحمل في جوفك الخراءة والعذرة، وتدميك بقطة وتقتلك شرقة، فعلام الكبر إذاً؟ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [الطارق:5-7].

    اقرءوا كتاب الله، وتأملوا قوله عن هذه النفس الإنسانية في مواضع شتى من كتابه الكريم: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً [النساء:28].. إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:34].. وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً [الإسراء:11].. وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً [الكهف:54].. إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:72].. أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [يس:77].. إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً [المعارج:19-21].. بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ [القيامة:5].. فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ [الفجر:15-16] وغير ذلك كثير في كتاب الله العظيم، فيه من العظة والعبر والدروس والفكر لمن ألقى السمع وهو شهيد.

    فهل بعد هذا أيها الإخوة! هل بعد اطلاع الإنسان على حقيقة نفسه الإنسانية وضعفها وعجزها وقصورها وفنائها وسرعة زوالها وسرعة تغيرها، هل بعد هذا يبقى في النفوس شيء؟ هل بعد هذا يبقى في النفوس شر؟ هل بعد هذا تحمل النفوس حسداً؟ هل بعد هذا تحمل النفوس أحقاداً؟ كلا، لا والله، من أدرك ذلك وعلمه علم اليقين، علم أنه ضعيف إلا بقوة الله، ذليل إلا بعزة الله، مسكين إلا برحمة الله، ضائع إلا بحفظ الله.

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    بدعة المولد النبوي

    الحمد لله، الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    عباد الله: اتقوا الله تعالى.. اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله على الجماعة ومن شذَّ شذَّ في النار.

    أدلة بدعية المولد

    معاشر المؤمنين: نحن في شهر ربيع الأول، وهو شهر قد ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ولقد تعلقت طائفة من أهل البدع والمنكرات الذين يحدثون في الشرع ما لم يشرعه الله، وما لم يشرعه نبيه صلى الله عليه وسلم، وتعلقوا بيوم المولد هذا فأنشأوا حفلات ومناسبات وأهازيج وغير ذلك، يقولون: هذا احتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً [مريم:89] لقد افتروا إثماً عظيماً، أهم أعلم برسول الله من سنته؟ أهم أعلم من رسول الله فيما أوحى الله إليه؟ لو كان هذا المولد خيراً، لو كان هذا المولد شرعاً، لو كان هذا المولد صلاحاً، لقال النبي صلى الله عليه وسلم: اجعلوا لي في يوم ولادتي أو في يوم ميلادي عيداً، لكن النبي صلى الله عليه وسلم حذر من ذلك، ونهى من ذلك، وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي ترويه عائشة : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وفي رواية: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) .

    هذه الموالد التي يقومون ويطيرون ويصفقون ويطبلون ويتأثرون فيها، أهي أفضل من يوم عرفة؟ أهي أفضل من أيام العشر؟ أهي أفضل من يوم الجمعة؟ أهي أفضل من آخر ساعة من يوم الجمعة؟ أهي أفضل من آخر الليل الذي يتنزل الله فيه نزولاً يليق بجلاله، فيسأل عباده: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأجيبه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل هذا المولد خير من هذه المناسبات وهذه الفرص الخيرة للطاعات؟

    لماذا يهملون هذه المناسبات الجميلة التي شرعها الله وخصها بمزيد فضل في العبادة؟ ولماذا يخصون هذا الميلاد بيوم؟ إننا تعبدنا ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم ولم نتعبد بيوم ميلاده، فلو كان الأمر كما يقولون، ولو فرضنا معهم جدلاً أو على حد زعمهم وخرافتهم وشططهم لكان يوم البعثة أولى بالاحتفال من يوم الميلاد، لكن علمنا بردنا الأمور إلى الله وإلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن هذا شيء لم يشرعه الله سبحانه، ولم يأمر به نبيه صلى الله عليه وسلم، فلم نفعله ولن نفعله.

    ظهور البدعة وانتشارها

    أول ما ظهرت هذا البدعة ظهرت من ملك الأردن في القرن الرابع أو الخامس، وكان يسمى"كنكبوي "رأى النصارى يقيمون عيد ميلاد لعيسى بن مريم، فقال: نحن أحق بهذا العيد منهم، فقام وأنشأ هذا العيد وتبعه المبتدعة إلى يومنا وزماننا هذا.

    أولئك الذين يقيمون الأعياد أحمق وأشد جهلاً وجرأة على الله وعلى رسوله من ذلك: أنهم ينصبون الأدلة على شرع هذه الموالد، أهم أعلم من رسول الله بسنته؟ أأولئك خيرٌ من خلفاء الله الراشدين الذين هم أعلم بنبينا صلى الله عليه وسلم وبسنته، والذين هم أقرب لنبينا صلى الله عليه وسلم، الذين هم أخذوا شرعه وطبقوه وجاهدوا معه حق الجهاد؟

    أأولئك المبتدعة خيرٌ وأعلم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    هل جهله الصحابة وعلمه أولئك المبتدعة؟ هل علمه الصحابة وسكتوا عنه أو علمه أولئك ودعوا إليه؟

    لقد افتروا شيئاً عظيماً، وتجرءوا على الله وعلى رسوله، إن ربنا سبحانه وتعالى يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً [المائدة:3] فقد أتم الله النعمة وأكمل الدين ورسالة النبي خاتمة مهيمنة، فمن جاء بعد ذلك فكأنه يقول: إن هذا شيء جديد في الدين لم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسوله، وإن أولئك الذين هم من أهل الموالد يضيفون هذا الأمر الجديد إلى شريعة الله وإلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، هذا افتراء وجرأة على الله وعلى نبيه صلى الله عليه وسلم.

    والعجب العجاب أن هذه الموالد تعطل لها مصالح المسلمين في كثير من البلاد المجاورة، ويجعل لها عيداً كاملاً، وإذا عرفتم وأردتم حقيقة هذه الموالد وأنها لا تقدم في دين الإسلام شيئاً ولا تؤخر وأنها لا تثير في المسلمين حماساً ولا جهاداً، بل هي من تضييع عاطفتهم وحماسهم في شيء من هذه الطقوس والعادات التي لم يشرعها الله، إذا تأملتم ذلك، أدركتم أن أعداء الإسلام لا يعترضون على هذه الموالد، في البلاد التي يحارب فيها الدعاة ويحارب فيها المسلمون ويحارب فيها المصلون إذا جاء يوم المولد سمحوا لمن أراد أن يقيموا مولداً بعيده هذا ومولده هذا، لماذا؟

    لأنه في الحقيقة حيلة على عامة الناس الذين في قلوبهم شيء من الغيرة والشمم والإباء، وفي قلوبهم شيء من الآمال والآلام التي سرقها الطواغيت في بلدانهم هناك، فيرون في هذه الموالد شفطاً وسحباً لهذه النقمة التي في نفوسهم، فتضيع في وسط هذا العيد، وبعد ذلك تنقلب حماسات المسلمين، وعواطفهم تجاه دينهم تتبلور وتصب في قوالب هذه الطقوس التي لم يشرعها الله ولم ترد عن نبيه.

    هذه الموالد التي يطبلون فيها ويزمرون صدق فيها ابن القيم في ما أورد في كتابه حيث قال:

    تُلي الكتاب فأطرقت أسماعهـم     لا خيفةً لكنه إطراق ساهٍ لاهي

    وأتى الغناء فكالحمير تراقصوا     والله ما طربوا لأجل الله

    دفٌ ومزمارٌ ونغمة شاذن     فمتى رأيت عبادة بملاهي

    ثقل الكتاب عليهمُ لما رأوا     تقييده بأوامر ونواهي

    ورأوا أعظم قاطعٍ للنفس عن     لذاتها يا ذبحها المتناهي

    في هذه الأعياد وفي تلك البدع يهزون الرءوس ويصفقون ويطربون ويتغيرون ويغنون وما ذاك أمر شرعه الله، وما ذاك أمر أقره الله، بل هو مما نهى الله عنه ونهى عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، فاحمدوا الله يا معاشر المسلمين!

    يا معاشر المؤمنين! ألا موالد في بلادكم هذه، ولا أعياد في بلادكم هذه، وإن كان بعض أذناب الصوفية يجتمعون سراً وخفية في السراديب ويقيمون شيئاً من هذه الموالد، لكن ما داموا في درجة من الذل والمهانة والخفية والتستر، فإنهم ولله الحمد في ذلة وفي انكسار وفي سقوط، ولن تقوم لهم قائمة، ولن يقوم لهم رأس بإذن الله جل وعلا ما دام فضل الله قائم علينا، وما دامت شريعة الله تحكمنا، وما دام هذا الحب والإخلاص والوفاء بيننا وبين ولاة أمورنا نمحضهم النصيحة، ونخلص لهم الدعاء، وندين الله جل وعلا بمحبتهم وطاعتهم في المعروف.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد ولاة أمورنا بفتنة وأراد علماءنا بمكيدة، وأراد شبابنا بضلال، وأراد نساءنا بتبرج وسفور اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك.

    اللهم عليك بالإيرانيين الفرس، اللهم أرنا فيهم يوماً أسود كيوم فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف ، اللهم اجعلهم بدداً، واهلكهم عدداً، ولا تبق فيهم أحداً، اللهم اشدد وطأتك عليهم، اللهم أنزل سوط عذابك بهم، اللهم اضرب بعضهم ببعض، اللهم اضرب آياتهم بآياتهم، وشياطينهم بشياطينهم، وطغاتهم بطغاتهم، وفجرتهم بفجرتهم، اللهم أهلكهم وأخرج أمة محمد بينهم سالمين غانمين.

    اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

    اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم وفق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، اللهم وفق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، اللهم سددهم، اللهم وفقهم، اللهم ارزقهم العلم النافع والعمل الصالح، اللهم اجزهم عنا خير الجزاء، اللهم اجعل أعمالهم خالصة لوجهك، اللهم وفقهم لما تحبه وترضاه.

    اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا باغياً إلا قطعته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، ولا أسيراً إلا فككته برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً سحاً غدقاً نافعاً غير ضار، اللهم اسق العباد والبهائم والبلاد، اللهم اسق البهائم الرتع، اللهم ارحم الأطفال الرضع، والشيوخ الركع، اللهم لا تعذبنا بذنوبنا ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، لا إله إلا أنت الحليم العظيم، لا إله إلا أنت رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم.

    اللهم إن عظمت ذنوبنا فإن فضلك أعظم، وإن كثرت معاصينا فإن رحمتك أكثر وأكبر بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.

    إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

    إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.