إسلام ويب

الانتفاضة الفلسطينيةللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في هذه الخطبة يتحدث الشيخ عن أحقاد اليهود الدفينة، وعن المجازر التي ارتكبوها، وحذر المسلمين من خطر الذنوب والمعاصي وعواقبها؛ إذ أنها سبب لما نحن فيه، فهي أخطر علينا من عدونا، ونادى أبناء الأمة الإسلامية بسرعة الأوبة إلى الله.

    1.   

    اليهود وحقدهم الدفين

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    معاشر المؤمنين: كلكم يعلم عداوة اليهود للبشرية، بل هم أعداء الأنبياء والرسل، بل هم الذين تطاولوا على جناب الربوبية الكريم الأعلى، فقالوا -ولعنوا بما قالوا-: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران:181].. وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا [المائدة:64]، وقالوا: إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام فتعب، فاستراح في اليوم السابع، وقال الله جل وعلا وقوله أبلغ وأصدق: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ [ق:38-39].

    ولا يخفاكم -عباد الله- أن طائفة خسيسة ملعونة تطاولت على جناب الربوبية، فلا قدر لأي جناب دون ذلك عندها، إذ لا قدر للأنبياء والرسل عندهم، فمن بابٍ أولى ألا يكون عندهم أدنى قدرٍ لبني البشرية أو لبني الإنسانية، لقد قتلوا الأنبياء والرسل: سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ [آل عمران:181] قتلوا أنبياء الله ورسله، وعاثوا في الأرض فساداً ودماراً، ومنذ زمن طويل وهم يسعون في الأرض تخريباً، وعلى عباد الله تسلطاً وتشريداً.

    وما ذاك -يا عباد الله- إلا مؤشر ودليل واضح على أن أمة الإسلام فقدت الجهاد من ميادينها، إذ لو رفعت راية التوحيد خفاقة يرفعها التكبير على أيدي شباب صادقين مخلصين، لما بقي لليهود قائمة في أي دولة أو بلاد من بلدان المسلمين، وكلكم يعلم مأساة الأمة الإسلامية ومصيبتها التي فجعت بها بقرار اليهود في قبلة المسلمين الأولى بيت المقدس الذي لا يشرع أن يشد الرحل بشيء إلا إليه وإلى المسجد الحرام والمسجد النبوي.

    لقد تسلطوا على إخواننا المسلمين في فلسطين ، وعاثوا في هذا البيت المقدس تخريباً وتدميرا، لعلهم يجدون ما يسمونه هيكل سليمان، ويجتهد علماء الآثار عندهم في أي مستوطنة يدخلونها، أن يحفروا أعمق الأمتار في أرضها، لعلهم يجدون آثاراً تدل على وجود حضارة يهودية ، ليحتجوا بذلك على قولهم: إن الأرض أرض اليهود من قبل، وليست للمسلمين، لكن خابوا وخسروا، وباءوا بالفشل المبين في فعلهم هذا.

    البيت المقدس يشتكي اليهود

    عباد الله: إن هذا البيت المقدس الذي هو أول قبلة للمسلمين، ليشكو ويئن بمن فيه ومن حوله من إخوانكم من أهل فلسطين ، من تسلط اليهود على أطفالهم، واعتدائهم على نسائهم، وقلة احترام شيخوخة شيوخهم وكبارهم، فلم يرحموا صغيراً ولم يوقروا كبيراً، أليس ذلك دليل على أن أمة الإسلام لا زالت تغط في سبات عميق؟

    جاءت إلى القائد المظفر الصالح صلاح الدين الأيوبي رسالة من بيتين فيها:

    يا أيها الملك الـذي     لمعالم الصلبان نكس

    كل المساجد طهرت     وأنا على شرفي أدنس

    إن بيت المقدس -يا عباد الله- يدنس بهؤلاء الفجرة، الذين ما رعوا حرمات الله وما قدسوها، وما عرفوا قدرها، وما رعوها حق رعايتها، ولن يعرفوا لمثل هذه المقدسات قدراً ولا رعاية ولا حرمة ما داموا تطاولوا على جناب الربوبية، وعلى الأنبياء والرسل، فمن باب أولى ألا يكون لعباد الله عندهم قدر ولا كرامة.

    عباد الله: الانتفاضة التي تسمعون عنها في بيت المقدس وأرض فلسطين ، وقد دخلت شهرها الرابع، انتفاضة نرجو من الله جل وعلا أن يسدد خطاها، وأن يصوب رصاصها في نحور اليهود، ونسأل الله جل وعلا أن يعين أهلها والقائمين عليها ليعلنوا ويرفعوا فيها علم الجهاد، وأن يقولوا بملء أفواههم: الله أكبر.. الله أكبر.. لا إله إلا الله، الله أكبر.. الله أكبر.. ولله الحمد، وأن يعلنوها صريحةً أثناء انتفاضتهم ألا بقاء للشراذمة الرجس النجس في أرضهم، وألا حاكمية ولا سلطان ولا قيادة إلا لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

    عند ذلك -يا عباد الله- والله لن يقف اليهود أمامهم بما أوتوا من قنابل نووية، ومدافع قاتلة، وأسلحة فتاكة، لن يقفوا أمامهم لحظات قليلة، لماذا؟ لعقيدتنا وقناعتنا وعلمنا بما جاءنا في كتاب الله سبحانه وتعالى، حيث يقول في كتابه الكريم عن اليهود: لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الحشر:14].

    اليهود تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى

    معاشر المسلمين: تظنون أن دولة إسرائيل مجتمعة بقادتها وأحزابها، كلا والله، بل قول الله واقع فيهم: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الحشر:14] فـحزب العمال على ضيق ومضايقة لهم، وحزب الائتلاف نزاع السلطة قائمٌ بينهم، ومصالحهم واقتصادهم في أمور قريبة إلى حد التدني والانهيار، لشدة ما ينفقونه ويصرفونه على التسلح والسلاح والدفاع، خشية من مواجهة طائفة قليلة لهم في عشية أو ضحاها بصيحات التكبير.

    معاشر المسلمين: إن اليهود أمة جبن وخوف وخور وضعف، ولا يضركم أن ما لديهم من الأسلحة متقدم أو متطور، ولا يغركم ما تسنده بهم قوى الضلالة وأمم الكفر مهما كبرت وعظم سلطانها في هذا الوجود، إذ إن الله جل وعلا فوق الجميع، إذ إن الله جل وعلا الذي جعل النار محرقة، وجعل السلاح قاتلاً، وركب هذه القوانين في هذه الأمور التي خلقها وأوجدها قادر على أن يجعل النيران برداً وسلاماً، على أمة صادقة تقاتل اليهود لوجه الله، لا تبتغي إلا إعلاء كلمة الله، وسيادة حكم الله، أو الشهادة في سبيل الله.

    إن الله جل وعلا هو الذي خلق هذا الحديد، وأنزل فيه هذا البأس الشديد، فهو قادر على أن يجعل هذه العادة، وعلى أن يجعل هذه السنة تتخلف في حالة من الحالات كرامة لعباد الله الصادقين المجاهدين.

    1.   

    الخوف ليس من الأعداء بل من ذنوبنا

    إذاً -يا عباد الله- ليس الخوف من اليهود والأعداء، أو ممن يسند الأعداء، مهما عظم سلطانه، وكبر رقعة سلطته على المعمورة، بقدر الخوف من ذنوبنا ومعاصينا، إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم أن أرسل أحد القواد أميراً على جيش من الجيوش، قال: [اتق الله فيهم، ولا يرون منك إلا حسناً صالحاً، فإني لا أخشى على الجيش من عدوه، وإنما أخشى عليه من ذنوبه].

    نعم يا عباد الله! إن الله جل وعلا هو الذي يمكن عباده، وهو الذي ييسر لهم النصر، ويقرب لهم بشائر الكرامة، لكن لمن نصر الله: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:40] العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وهيهات أن تتخلف العزة إذا وُجد إيمان صادق، وجهاد مخلص لله، وابتغاء الكرامة لدين الله، أو الشهادة في سبيل الله.

    1.   

    إخواننا في فلسطين وحالهم أمام اليهود

    عباد الله: لقد تسلطت هذه الأمة الملعونة على إخواننا في فلسطين ، فدفنوا مجموعة من الشباب أحياء، قادوهم إلى مكان وأخذت الرافعة تحفر قبورهم أمامهم، حتى إذا تغوروا في عمق الأرض كتفوا أيديهم إلى ظهورهم وأرجلهم مربوطة، الساق مربوط بالساق، ثم قذفوا بالواحد تلو الآخر، ثم أهالوا التراب عليه وهو حي، يصيح بملء فيه: وا إسلاماه! وا إسلاماه! وا إسلاماه! ولكن المسلمين في غفلة، وفي دعة، وفي لهو، وفي بعد عن التفكر والتذكر لما يفعل ويدبر بإخوانهم المسلمين.

    يا راكعين وراء البحر في دعـةٍ     لهم بأوطانهم عزٌ وسلطان

    أعندكم نبأٌ عن أمر إخوتنا     فقد سرى بحديث القوم ركبان

    لقد سرى بهذا الحديث ركبان الإذاعات، لقد سرى بهذا الحديث جميع وكالات النشر، ولكن:

    رب وا معتصماه انطلقت     ملء أفواه الصبايا اليتم

    لامست أسماعهم لكنها     لم تلامس نخوة المعتصم

    إن صيحات الدعاء بالإغاثة، وطلب النجدة لترتفع مدوية إلى السماء، لكنها ما خالطت قلوباً حية وملتهبة، ومشاعر وأحاسيس تهتم بشئون المسلمين، لقد سمعنا ورأينا بأعيننا في الشاشات وعبر التلفاز ماذا يفعل بهؤلاء الضعفاء، كيف تجر المرأة وتسحب سحب الشاة على وجهها، أيكرمونها إذا سحبوها؟ حاشا وكلا، بل والله أول ما يبدءون بكرامتها وعصمتها، فيهتكون حياءها، ويتجرءون عليها.

    وأما إذاعة أورشليم القدس الذي يظهر صوتها أحياناً، فإنك تسمع منها عجباً عجاباً، تسمع كذباً وبهتاناً وزوراً، يدعون أنهم يعاملون هذه الانتفاضة معاملة الشباب الذي يحتاج إلى رقة وعناية بمشاعره المتهورة في مراحل المراهقة، وخابوا وخسروا مادام ذلك قولهم في الله وفي رسل الله، وهذا فعلهم رأيناه بأعيننا في عباد الله وإخواننا المسلمين، فكيف يصدق لهم شأن؟!

    والعجب العجاب يا عباد الله! أن ترى قائدة الإلحاد في هذه المعمورة، دولة الشيوعية العظمى تشجب أو تندد بما يفعله اليهود بالعزل في فلسطين ، أفلا ينظرون ما فعلوا بالعزل في أفغانستان ؟ أفلا نظروا إلى ما فعلوه بالأطفال والنساء والأرامل والشيوخ؟ أفلا ينظرون إلى ما أحدثوه من التقتيل والتخريب والتدمير؟

    عجباً يا عباد الله! إن المسلمين في فتنة، وفي محنة، نسأل الله أن يرفع عنهم الكرب وأن يرفع عنهم المصيبة.

    إن هذه الأمة الخسيسة الملعونة التي لعنت على لسان الأنبياء والرسل ما فتئت تفعل الأعاجيب تعذيباً وتشويهاً وتقتيلاً بإخوانكم في أرض فلسطين ، وما هو هذا والله جزاء جنس المعاملة، لقد دخل الملك المظفر والقائد الناصر إلى أرض المقدس، فظن اليهود أنه سيحصد رقابهم، وأنه سيقتلهم، فأمَّن من كان على مكانه، ومن أراد الخروج خرج، فأنشد شاعر الموقف قوله:

    حكمنا فكان العدل منا سجيةً     فلما حكمتم سال بالدم أبطح

    ولا عجب ذاك التفاوت بينـنا     فكل إناء بالذي فيه ينضح

    إن أمة الكفر والضلالة، إن أعداء الربوبية والألوهية، إن أعداء الأنبياء والرسل، وأعداء الإنسانية والبشرية لم يوقروا ولم يرحموا، ولقد نضحوا بما تحمله قلوبهم حقداً وزوراً، وأي حقد أعظم يوم أن دخلوا بيت المقدس، فقال ذلك الأعور موشي ديان: "محمد مات وخلف بنات" وقالوا بلهجتهم: "حطوا المشمش على التفاح دين محمد ولى وراح".

    وقائدهم لما تعمق في أرض الجولان ، ووصل إلى مكان أو هضبة فيها قبر صلاح الدين من جهة الأراضي الشامية، وقف على القبر وركله بقدمه ركلة وثانية وثالثة، وقال: قم يا صلاح الدين ها نحن قد عدنا، وقالوا لما دخلوا: يا لثارات خيبر!

    فهل تسمع الانتفاضة هذه العقيدة الخبيثة الشرسة الوحشية التي يتعلقون ويتمسكون بها، لكي نتمسك بعقيدتنا، ونقاتلهم بعقيدتنا، ونحرر أرضنا وليست أرضهم، ونطردهم من أرضنا بعقيدتنا وسلاح التوحيد والوحدانية والعبودية؟ هذا ما نرجوه، وهذا ما نوجهه، وتوجهه كل جهة إسلامية صادقة، وكل فرد مسلم مخلص، وكل دولة إسلامية ناصحة، توجهه لأصحاب هذه الانتفاضة والقائمين عليها، بأن يعلنوا الجهاد، وأن يعلنوا كلمة التوحيد.

    أن يرفعوا راية الإيمان في هذه الانتفاضة، وأن يسموها جهاداً لا هوادة فيه، لا يوضع السيف منه حتى النصر، أو أن يهلك آخر رضيع على ثدي أمه في هذه المعركة الحاسمة، وما يدريكم أنها هي المعركة الحاسمة، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان- وهل نحن إلا في آخر الزمان-: (في آخر الزمان تقاتلون اليهود فينصركم الله عليهم، حتى لا يبقى شجر ولا حجر، إلا يقول: يا مسلم! ورائي يهودي تعال فاقتله).

    كيف ينطق الحجر والشجر؟ لا يكون ذلك إلا لأمة جديرة بأن تخرق لها العادة، وأن تتنزل عليها المعجزة، وأن يكرمها الله بكرامته، كرامة الإيمان والعبودية والتمسك بكتاب الله وسنة نبيه، وتذكروا أولاً وأخيراً قول النبي صلى الله عليه وسلم: (نصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً).

    فإن أمة التوحيد.. أمة الإسلام الصادقة منصورة بالرعب، والله لو كبرت آلاف من أصحاب هذه الانتفاضة وشبابها ورجالها تكبيرة، واجتمعوا على قلب واحد، لسقط سلاح اليهود من أيديهم خوفاً ورعباً.

    نسأل الله جل وعلا أن يرفع المحنة عن إخواننا في فلسطين ، وأن يرحم المستضعفين، وأن ينصر المجاهدين، وأن يثبتهم أجمعين، وأن يجمعهم على الحق المبين.

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    فاعتبروا يا أولي الأبصار

    الحمد لله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والند وعن المثيل والنظير لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] وأصلي وأسلم على نبينا محمد البشير النذير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأصلي على نبيه وآله وأزواجه وصحبه، وأسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعظوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار، عياذاً بالله من ذلك.

    معاشر المؤمنين: إنه ما من أمة من الأمم غزيت في عقر دارها، إلا ذلت وخسرت إلا ما شاء الله وسلم.

    معاشر الإخوة: اعلموا أنه ينبغي لكل مسلم أن يتفطن لواقعه، وأن ينتبه له انتباهاً جيداً، ما يبلغ الأعداء من غافل.. ما يبلغ الغافل من نفسه.. ما تسلط عدو على دار إلا لأنه وجد نافذة مفتوحة، أو بوابة مهملة، وما تسلطت أمة على أمة إلا لأنها علمت في داخلها أبواباً من الفساد الإداري أو الاقتصادي، وألواناً من الخيانة، وصوراً من الفرقة والاختلاف وعدم الوحدة.

    فالله الله يا عباد الله! خذوا العبرة ممن حولكم: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ [الحشر:2] اجمعوا قلوبكم على المحبة والولاء لكتاب الله وسنة رسوله، ولأئمتكم وعلمائكم ولعامة المسلمين.

    عباد الله: خذوا العبرة ممن حولكم، وليصلح كل واحد منا نفسه، وليتق الله فيما ولاه الله من عمله، الله الله لا يؤتين الإسلام من قبل واحد منا، إن كل واحد منا على ثغرة من ثغور هذه الأمة، وثغرة من ثغور هذه البلاد، وثغرة من ثغور هذه الشريعة، البقية الباقية في أمم العالم التي تحكم شريعة الله.

    معاشر المؤمنين: كل واحد منكم على ثغرة في ميدان عمله، وفي جنديته وقيادته، وفي عمله الإداري والتعليمي والوظيفي والميداني والمهني والتقني وغيره، كل واحد منا على ثغرة، فإذا رأى العدو -وأعداؤنا كثير، وحسادنا لا يحصون- إذا رأوا في أمتنا تمسكاً وائتلافاً واجتماعاً على قلوب صادقة مخلصة لله ولكتابه ولسنة نبيه، فإنهم يهابون الأمة.

    واعلموا أن مؤشر ضعف الأمم وعزها وانتصارها هم شبابها، فإذا عُلم وعُرف الشباب في أمة من الأمم قد اشتغلوا بما ينفعهم، والتفتوا للأمانة التي علقت في أعناقهم أمانة أمتهم، ممثلة في أعمالهم ووظائفهم، وأمن حدودهم، وأمن بلدانهم وأوطانهم ومجتمعاتهم، إذا حفظوها وقاموا بها، وأشغلوا أوقاتهم وأيامهم بما ينفعهم ويعود بالنفع على سائر إخوانهم.

    فهذه أمة مهابة لا يجرؤ الأعداء على الدنو منها، أما إذا وجدوا شباباً لا همَّ لهم سوى التصفيق والتطبيل والتزمير، إذا وجدوا شباباً لا يعرف إلا الأفلام والمسلسلات، إذا وجدوا رجالاً لا يعرفون إلا التجارة بالملاهي، إذا وجدوا أناساً لا يهم كل واحد منهم إلا مصلحته المادية الشخصية، أياً كان ذلك العمل، الذي يدر المال عليه، فيه نفع أو ليس فيه نفع، فيه ضرر على الأمة والمجتمع أو ليس فيه ضرر، فعند ذلك مؤشر واقع الشباب في الأمة يكون نذير خطر بأنها مهددة بغزو من داخلها أولاً، ومن خارجها ثانياً، فالعزة والبقاء والدوام لله، ما دامت أمة وما بقيت أمة من الأمم عالية الراية، خفاقة الكرامة، لها سيادة دامت إلا بقدر تمسكها بكتاب الله وسنة نبيه: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طه:124] والضنك في المعيشة: اختلاف في الداخل، وفقر في الأمور، وقلق وزعزعة في الأمن، وتسلط الأعداء من الخارج.

    فيا عباد الله: لا تحققوا بأفعالكم أو بذنوبكم سنة الله فيكم: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا [طـه:124-126] فالذين نسوا كتاب الله، ونسوا الصلاة، ونسوا فريضة الله، ونسوا الصلاة مع الجماعة، وتعاملوا بالربا، وأقروا المنكرات، ولم يغيروا ولم ينكروا ولو بقلوبهم، أو بحسب ما بأيديهم من القدرة والإمكانية لعلى خطر عظيم: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25].

    أسأل الله جل وعلا أن يديم الأمن والأمان والعز والاطمئنان على هذه البلاد خاصة وعلى سائر بلاد المسلمين عامة، اللهم ارفعنا ولا ترفع علينا، اللهم انصرنا ولا تنصر علينا، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وكن لنا ولا تكن علينا، اللهم اجمع شملنا، ووحد على محبتك قلوبنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على أعدائنا، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا باغياً إلا قطعته، ولا غائباً إلا رددته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا أسيراً لنا ولإخواننا إلا فككته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته.

    1.   

    هكذا تغزى بلاد المسلمين

    عباد الله: قبل أن أختم الحديث: اليوم تعود بي الذاكرة إلى قصة ذكرتها بعض كتب التاريخ، قالوا: إن بلداً من البلدان المتاخمة لحدود الفرنجة من جهة الأندلس وأفريقيا ، إن بلدة من هذه البلدان أراد أحد ملوك النصارى أن يغزوها، فأرسل قائداً من قواده ليتفقد الأحوال فيها، وهل بالإمكان الميسور أن تغزى، فأرسل قائده، فلما عبر النهر إليها، وأرست سفينته على شاطئها، جاء فوجد شاباً يبكي، قال: ما يبكيك يا فتى؟ قال: إني أبكي لأني أتيت بالسهم والقوس والوتر، فانقطع الوتر وأنا أريد أن أتعلم به الرمي والرماية، قال: لماذا يا فتى؟ قال: لكي نذهب لقتال الفرنجة، ولكي نطرد النصارى عن بلاد المسلمين.

    فعاد ذلك القائد راكباً سفينته، وعاد إلى الملك الذي أرسله قائلاً: والله لا تستطيع قتالهم إذا كان هذا وضع واحد من صغارهم، فارجع إلى مكانك، واجمع جنودك واحفظ ما عندك، فلما مضت السنون، عاد ذلك الملك وأرسل قائده أن اذهب وانظر أحوالهم، هل نستطيع أن نغزوهم، فلما عبر النهر ودخل قليلاً في البلاد، وجد شاباً مراهقاً يافعاً يبكي، قال له: ما يبكيك يا فتى؟ قال: أبكي على خاتم أهدته لي حبيبتي فضاع مني، وإني أبحث عنه، خشيت أن يضيع مني أو أن تراني وليس علي.

    فعاد القائد إلى الملك الذي أرسله، قال: الآن تغزوهم، الآن تقتلهم، الآن تستبيح نساءهم وتقتل رجالهم.

    عباد الله: هذه القصة شاهدٌ على أن شباب الأمة هم الذين يحددون قوتها، وهم الذين يحددون رفعتها؟

    يا شباب المسلمين عامة ويا شباب المملكة خاصة! إن الأمل فيكم كبير أكبر مما أنتم فيه، وإن الآمال المعقودة عليكم عظيمة، أعظم من الأمور التي اشتغلتم بها، فاشتغلوا بأمر يرفع أمتكم، ويجعل الأمن يستتب في بلدانكم، ويديم هذا العز والتمكين لكم ولولاة أمركم.

    يا شباب أهل هذه البلاد: احمدوا الله على نعمة ليست لأحدٍ فيها سواكم، المياه وصلت إلى الأبواب والدور، والتيارات متيسرة؛ تيار الكهرباء وغيره، وقديماً كان الآباء والأجداد لا يعرفون إلا الظلمة والفتيل الذي يضيء قليلاً، لا يعرفون إلا آباراً بعيدة يحملون المياه على أكتافهم، لا يعرفون إلا احتطاباً، لا يعرفون إلا القليل القليل من الذين يتعلم منهم، تعليمكم مجاناً، وعلاجكم مجاناً، وكل أمر تيسر لكم، ماذا بقي إلا أن تقوموا برد الوفاء، وأن تقوموا بحسن الصنيع ورد الجميل.

    أولاً: بالالتزام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومعرفة حاجة الأمة منكم، لا بارك الله في عُمرٍ يحيا ويموت صاحبه ثم لا يخلف أثراً نافعاً في هذا المجتمع، هذا كلٌّ على أمته، وكلٌّ على بلاده.

    فالله الله يا شباب الأمة: يا شباب التعليم! يا رجال الجامعات! يا من تولى أمر هذه الأمة في أكبر أمر وأصغر أمر فيها! اتقوا الله واعلموا قدر الأمانة التي ألقيت على عواتقكم.

    إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.