إسلام ويب

أتعجبون من تأخر الغيث؟للشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أيها الأحبة: اعلموا أن الذنوب والمعاصي ضررها عظيم وخطرها جسيم، فمن أدرك خطرها وقبحها ساعده ذلك على التخلص منها، ومن تذكر آثارها وعواقبها الوخيمة في الدنيا والآخرة، وأخذ العبرة والعظة من الأمم السابقة، تاب وأناب إلى ربه واستغفره، ودعاه؛ لأن الدعاء مفتاح الفرج.

    1.   

    خطر المعصية

    الحمد لله الواحد بلا شريك، العليم بلا ظهير، القوي بلا نصير، خلق الخلق لعبادته، وما خلقهم ليستكثر بهم من قلة، أو ليستظهر بهم من قلة علم، أو ليستعز بهم من ضعف، سبحانه وتعالى عن ذلك! فهو القوي وحده لا شريك له.

    الحمد لله الولي الحميد، المبدئ المعيد، المؤمَّل لكشف كل كرب شديد، والمرجو للإحسان والفضل والمزيد؛ نحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، لا نحصي ثناءً عليه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    عباد الله: اتقوا الله تعالى وأطيعوه، وتوبوا إليه، واعلموا أن الذنوب والمعاصي تضر، ولا شك في ضررها على العباد والبلاد، وإن مما يعين العباد على تجنبها أن يعلموا أن عواقب الذنوب أليمة، ومراتعها وخيمة، وأن الذنب الواحد لا بد أن يضر القلب وتوابعه من الجوارح، كما تضر السموم الأبدان بحسب القلة والكثرة، وإذا علم العباد خطر معصية الله، وعظم الذي يعصونه، وتذكروا أن كل شر وبلاء وقع بالعبيد أنفسهم، أو بغيرهم من المسلمين، إنما وقع بسبب الذنوب والتهاون في فعلها كفوا عنها.

    عباد الله: إذا أدرك المسلم آثار الذنوب والمعاصي في أمم سادت ثم بادت، وملكت ثم هلكت، وكيف أحدثت لهم من الله أنواع العقوبات والبلاء، أعانه ذلك على اجتنابها، والإقلاع عنها، فاجتهدوا يا عباد الله! اجتهدوا في طاعة ربكم، والبُعد عن معصيته، وتوبوا إلى الله بالعودة والرجوع إليه، فإنه ما تُقُرِّب إلى الله بشيء أحب إليه من ترك معصيته والقيام بأمره.

    ذكر الإمام أحمد عن صفية قالت: [زُلزِلَت المدينة على عهد عمر فقال: يا أيها الناس! ما أسرع ما أحدثتم؟ لئن عادت لا تجدوني فيها] وفي رواية أخرى: [أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما زلزلت الأرض على عهده قال: ما كانت هذه الزلزلة إلا عن شيء أحدثتموه، والذي نفسي بيده لئن عادت لا أساكنكم فيها أبداً].

    وذُكر أن رَجْفاً حدث في عهد عمر بن عبد العزيز ، فكتب إلى الأمصار: [أما بعد فإن هذا الرجف شيء يعاقب الله عزَّ وجلَّ به العباد، وقد كتبتُ إلى سائر الأمصار أن يخرجوا في يوم كذا وكذا، في شهر كذا وكذا، فمن كان عنده شيء فليتصدق به؛ فإن الله عزَّ وجلَّ قال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى:14-15] وقولوا كما قال آدم: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23] وقولوا كما قال نوح: وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [هود:47] وقولوا كما قال يونس: لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]].

    أيها الأحبة في الله: قد يغتر بعض الناس بفعله للمعصية؛ ولا يجد بعد معصيته فتنة، أو بلية تصيبه، فيظن أن ذنبه يسير، أو أنه لا خطر عليه في فعل هذا الذنب، فهو كما يقول القائل:

    إذا لم يُغَبِّر حائطٌ في وقوعه     فليس له بعد الوقوع غبارُ

    وقد نسي ذلك المسكين أن الذنب له من الشؤم والآثار القبيحة، المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله.

    1.   

    آثار الذنوب والمعاصي

    قد عد ابن قيم الجوزية في كتابه الداء والدواء أربعة وسبعين أثراً من آثار الذنوب والمعاصي، لا تخطئ العبدَ المذنبَ واحدةٌ منها إن لم يجتمع عليه جميعها ومن هذه الآثار: وحشة القلب، حرمان العلم، والعلم نور تطفئه المعصية.

    ومن آثار الذنوب والمعاصي: أن يحرم العباد الأرزاق بالذنوب التي يصيبونها، كما في الحديث.

    ومن آثار الذنوب: أن يجد العباد وحشة بينهم وبين ربهم، وهذا أمر لا يحس به إلا من في قلبه بقية حياة، أما صاحب القلب الميت فهو كما قال القائل:

    من يهن يسهل الهوان عليه     فما لجرح بميت إيلامُ

    ومن آثار الذنوب -يا عباد الله- أنها تولِّد بعضها، وتزرع أمثالها، كما قال بعض السلف : [إن من عقوبة السيئة، السيئة بعدها، وإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها] فالحسنة تقول: أختي ... أختي ... والسيئة تقول: أختي ... أختي ... عياذاً بالله من الوقوع في السيئات.

    فآثار الذنوب والمعاصي عظيمة على القلوب والأرواح والأبدان، وهي كما ذكرها ابن القيم على وجه البيان لا الحصر أربعة وسبعون، لا يخطئ المذنبَ واحدةٌ منها، فإذا علم المسلم هذه المصائب التي تحل بسبب الذنب الذي يرتكبه، أعانه ذلك على حفظ نفسه، واجتناب المعصية. نسأل الله للجميع الهداية.

    معاشر المؤمنين: استغفروا الله وتوبوا إليه، واحذروا غضبه ولا تعصوه.

    1.   

    أسباب تأخر الغيث

    معاشر المسلمين: لا شك أنكم خرجتم من بيوتكم تشكون إلى الله تأخر الغيث، واحتباس المطر، فوالله ما هذا إلا بذنوبنا قال تعالى: وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءاً غَدَقاً [الجن:16] والله ما تأخر ذلك إلا بالذنوب والمعاصي، والفواحش والآثام، والبدع والمنكرات.

    أنعجب من تأخر الغيث واحتباس المطر، وصلاة الفجر لا تشهد من المسلمين إلا عدداً يسيراً، ونزراً قليلاً من الرجال، وبقيتهم يتقلبون في فرشهم غافلين عن دعاة الفلاح، وأصوات المآذن، لا يجيبون داعي الله! أفيهم مرض! أفيهم مصيبة! ألا يخافون أن يهلكهم الله بإعراضهم عن ندائه؟!

    عباد الله: هجر بعض المسلمين الصلاة مع الجماعة، ورأوا أن الصلاة مع الجماعة لا تفارق شيئاً عن الصلاة في البيوت، وبذلك عطلوا بيوت الله التي: أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [النور:36-37].

    معاشر المؤمنين: أتعجبون من عدم نزول المطر، وبعض المسلمين يُسَوِّفُ في أداء الزكاة ودفعها، ولا يؤديها في وقتها، وبعضهم لا يخرج إلا أخبث ماله، وبعضهم لا يخرجها بالكلية، ويستكثر أن يُخرج ربع العشر من ماله، أو النصاب المقدر من الفضل الذي تفضل الله عليه به!

    معاشر المؤمنين: ألا تشهدون قطيعة للأرحام؟! ألا ترون عقوقاً للوالدَين؟! ألا ترون سباباً وفسوقاً وشتائم؟! ألا ترون قلة ذكر لله؟! ألا ترون إعراضاً عن طاعة الله؟!

    أتعجبون من تأخر الغيث وقد تساهل كثير من الناس بالربا؟! تجده يصوم ويصلي ويشهد الصلاة مع الجماعة؛ لكن لا يتورع أن يودع المال بـ(4%) أو بـ(5%) أو بـ(7%) في أي بنك من البنوك! من الذي أحل له هذه الفائدة؟! كيف تجرأ واستحل هذه الفائدة، بل هذه اللعنة؟! كيف يجرؤ مسلم على لعنة يشرب بها، ويأكل بها، ويلبس بها، ويتصدق بها -ولا يقبل الله صدقة من ذلك- ويفعل بها من الأمور ما يكون سبباً ووبالاً في هلاكه؟

    معاشر المؤمنين: أتعجبون من تأخر الغيث وقد انتهك كثير من المسلمين المحرمات، وتساهلوا بالزنا، وسافر كثير من شباب المسلمين إلى الخارج ولم يبالوا، ولم يراقبوا الله ولم يخشوه، ووقعوا في المعاصي والفجور والبلاء؟! نسأل الله لهم الهداية.

    عباد الله! أتعجبون من تأخر نزول الغيث، ونحن نرى بداية الاختلاط في بعض المجالات! ونرى تساهلاً في الحجاب! ونرى سفوراً في الأسواق والمستشفيات والطرقات؟! بل إن بعض السافرات المتبرجات قد قوي لها من الشوكة ما لا نعلم سببه، ولا نعرف مصدره، حتى إنك إذا قلت: تستري، أو احتجبي، قالت: وما لك وما لي، وهل أنت ولي أمري، أو مسئول عليَّ؟! ما الذي رفع الشوكة، وأطال الطائلة لهذه المرأة التي قالت هذا الكلام؟!

    أترونه إلا ما شاهدته في الأفلام والمسلسلات، علَّمها سنين طويلة؟! وقد رأت من هذه المشاهد التي جرَّأتها على كسر الحياء واقتحام الحشمة، وجعلها تخرج عن هذه الدائرة، التي كانت عفيفة لطيفة فيها.

    أتعجبون من تأخر الغيث -يا عباد الله- وكثير من المسلمين لا يخشون الله، ولا يراقبونه في مكسبهم، وأكلوا بعض المال بالباطل؟! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم:41] ويقول تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف:96] وقال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]

    جاء في سنن ابن ماجة من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: (كنتُ عاشر عشرة رهط المهاجرين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه، فقال: يا معشر المهاجرين! خمس خصال أعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلا ابتُلُوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولا نقص قوم المكيال إلا ابتُلُوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلاطين، وما منع قوم زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء؛ ولولا البهائم لم يُمطروا، ولا خَفَر قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم).

    يقول أبو هريرة رضي الله عنه: [إن الحَبارى لتموت في أوكارها هُزالى من ظلم الظالم].

    وقال مجاهد : [إن البهائم تلعن عُصاة بني آدم إذا اشتدت السنة، وأمسك المطر، تقول: هذا بشؤم معصية بني آدم].

    أتعجبون -يا عباد الله- من تأخر القطر واحتباس الغيث والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يظنه بعضُهم موقوفاً على عدد من رجال الحسبة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)وفي رواية: (وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل).

    بعض المسلمين يرى المنكرات، ويرى المعصية التي يُعصى بها الله جهاراً نهاراً، وكأنه لم يرَ شيئاً من المعاصي والمنكرات.

    أين تغير القلوب؟! أين فوران الدماء؟! أين الحمية للدين؟! أين الشيمة والغيرة والإباء؟! أين ضاعت هذه المعاني؟! أين ضاعت تلك الأمور؟! لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

    1.   

    معصية الغناء والفيديو

    عباد الله: هناك معصية ومصيبة لا زالت باقية، وهي من ظاهرها كسائر المعاصي؛ لكن دُعاتها هم الذين فتحوا على المسلمين بلاء عظيماً، أتدرون ما هي؟ إنها محلات الغناء والفيديو!

    والله لو أعاننا الله عليها، وأعان ولاة الأمر عليها فأغلقوها فإن في ذلك خيراً للأمة عظيماً، ونفعاً للخلق عميماً، نسأل الله أن يعينهم على ذلك، وأن يعجل إغلاقها، وأن يعجل منع المسلمين من شرورها وأضرارها.

    ليت الواحد من أولئك الذين يتاجرون بهذه الأفلام يسمع ما شاء في بيته، فمصيبته عليه وذنبه على جنبه؛ لكن المصيبة تكمن في الذي يسهل تأثيراً وعرضاً واستماعاً، ووصلهم من الجديد كذا، وعُرض لهم من الجديد كذا، وما في هذه الأفلام إلا صوت مزمار الشيطان، وصورة امرأة عارية، ورقص خليع، وسباب وشتيمة، وفجور وعصيان، وإغضاب لله، ومحاربة لأمره، واستهزاء بما جاء في كتابه وسنة نبيه.

    أخبروني: أي شيء في هذه المحلات مفيد؟ أي نفع للمسلمين فيها؟اللهم عجل فناءها ودمارها وهلاكها, واهد اللهم أصحابها ليقلعوا عنها يا رب العالمين.

    1.   

    العبرة من الأمم السابقة

    عباد الله: الحذر ... الحذر ... من الذنوب، اعلموا أنه لم ينـزل بلاءٌ إلا بذنب، ولن يُرفع إلا بتوبة، ولو لم يغير العباد على أنفسهم لَمَا غيَّر الله عليهم: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11] ولو لزم العباد أمر ربهم ونبيهم لأكلوا من الخيرات من بين أيديهم ومن تحت أرجلهم.

    عباد الله: إن شؤم الذنوب عظيم، وبلاء الذنوب إذا ظهرت على الأمة عميم، إن الأبوين آدم وحواء أُخْرِجا من الجنة بسبب ذنب واحد، فما تنتظرون وقد ارتكبنا ألواناً وأصنافاً وأشكالاً من الذنوب؟!

    ما الذي أغرق قوم نوح حتى علا الماءُ رءوس الجبال؟!

    ما الذي سلط الريح على قوم عاد حتى جعلتهم كأعجاز نخل خاوية؟

    !

    ما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة التي قطعت قلوبهم، وماتوا عن آخرهم؟!

    ما الذي سلط على بني إسرائيل ألوان العذاب، من قتل وسبي وخراب ديار؟!

    ما الذي سلط على أهل لبنان اثني عشر عاماً حرباً طائفية شعواء، في كل يوم يرون قتلى وجرحى ومشردين، وأرامل، وأيتاماً، وشيوخاً، وعجائز معذبين؟!

    والله ما كان ذلك إلا بسبب الذنوب!

    ما الذي غير الأرزاق في بعض البلاد التي كانت مصدراً لتوريد وتصدير النعم والخيرات؛ فأصابها الجفاف، وأصابها الفقر والجوع، حتى إن البهائم لتموت هزالاً من هذا الذي بها؟!

    والله إنها الذنوب والمعاصي! ألا ترون الجوع في أفريقيا ؟! ألا ترون الجفاف؟! ألا ترون الفقر؟! ألا ترون الحرب في العراق وإيران ؟! ألا ترون الفتن الطائفية في لبنان ؟! ألا ترون المصائب والتسلط في كثير من الأماكن؟! ألا ترون الفزع والخوف والهلع؟! إلا في هذه البلاد -يا عباد الله- فاتقوا الله، وتذكروا نعمته عليكم، فإنكم في نعمة عظيمة، وإن الكثير عن معرفتها لفي غفلة، وإن الكثير عن إدراك مداها لفي لهو.

    نسأل الله أن يردنا إليه رداً جميلاً.

    عباد الله: قد يَبْتَلي الله عباده، كي يضَّرَّعوا بين يديه, ويشكوا ضعفهم وفقرهم إليه، وقد أمرنا الله سبحانه بالدعاء، ووعد بالاستجابة فقال: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60].

    وقال سبحانه: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:55-56] ويقول سبحانه: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186] ويقول سبحانه: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِـرِ اللَّهَ يَجِـدِ اللَّهَ غَفُـوراً رَحِيماً [النساء:110].

    ويقول سبحانه: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:135-136].

    اعترفوا بذنبكم وتقصيركم، وقولوا: لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين، واستغفروا الله فالاستغفار سبب لنـزول الغيث.

    يقول النبي الصالح: وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ [هود:52] ويقول الله سبحانه: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33] ويقول الله: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23].

    ويقول نوح لقومه فيما جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً [نوح:10-11].

    نستغفر الله، نستغفر الله، نستغفر الله من جميع الذنوب والخطايا.

    اللهم اغفر لنا ذنوباً علمتَها أنتَ ولم يعلم بها أحدٌ من العباد، اللهم اغفر لنا الجهر والسر والعلن، اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك، ونبوءُ لك بنعمتك علينا، ونبوء بذنوبنا، فاغفر لنا، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

    اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم ارحم ضعفنا، اللهم اجبر كسرنا، اللهم ارحم تذللنا.

    اللهم إنا عبيد من عبيدك، وخلق من خلقك، اللهم لا تحرمنا بذنوبنا فضلك، ولا تمنعنا بمعاصينا رحمتك، اللهم لا تعذبنا بذنوبنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الحليم العظيم، رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

    اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك، مما نسمعه من الملاهي، ونستغفرك ونتوب إليك مما نراه بأعيننا التي خلقتها من المنكرات والمحرمات، ونستغفرك ونتوب إليك مما اجترحته أيدينا من السيئات، ومشت أرجلنا إلى الخطيئات، نستغفرك اللهم ونتوب إليك.

    اللهم اغفر لنا، اللهم تجاوز عنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً سحاً غدقاً طبقاً نافعاً مجللاً غير ضار.

    اللهم اسق العباد والبهائم والبلاد، اللهم اسق البهائم الرُّتَّع، والمُسَبِّحات الرُّكَّع، والأطفال الرُّضَّع، اللهم إن بنا من الجهد واللأواء ما لا يعلمه إلا أنت، وما لا يكشفه إلا أنت، ولا غنى لنا عن فضلك، يا رب العالمين.

    اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا وأغث قلوبنا، اللهم أغث قلوبنا بالتوبة، اللهم أغث قلوبنا بالإنابة، اللهم أغث قلوبنا بالرجوع إلى أمرك وسنة نبيك.

    اللهم أغثنا، واعطنا ولا تحرمنا، وكن لنا ولا تكن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، لا إله إلا أنت، لا غنى لنا عن فضلك، ولا طاقة لنا بأنفسنا إن وكلتنا إليها.

    ربنا لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أقل من ذلك، اللهم إنا مساكين إلا برحمتك، ضعفاء إلا بقوتك، فقراء إلا بغناك، أذلاء إلا بعزتك، اللهم لا تمنع عنا فضلك، واسقنا واستجب لنا واعطنا.

    اللهم آتنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض، ما تنبت لنا به الزرع وتدر لنا به الضرع، برحمتك يا رب العالمين. اللهم اسقنا وأغثنا، وأغث المجدبين أجمعين من أمة محمد يا رب العالمين.

    عباد الله: قلبوا أرديتكم اقتداءً بما كان صلى الله عليه وسلم يفعله، وتفاؤلاً بتغيير الأحوال، وغيروا أحوالكم من المعصية إلى الطاعة، ومن العقوق إلى البر، ومن القطيعة إلى الصلة.

    اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وارض اللهم عن بقية الصحابة أجمعين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك، يا أرحم الراحمين.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.