إسلام ويب

اللحوم المسمومةللشيخ : أسامة سليمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للعلماء مكانة في دين الإسلام، فالعلماء ورثة الأنبياء، وحراس الدين، ولكن للأسف انتشرت اليوم ظاهرة الطعن في العلماء واحتقارهم والاستهزاء بهم، وظهرت جماعات تقدس علماءها وتحتقر غيرهم، وهذا الأمر خطير جداً، فلحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في منتقصيهم معلومة، ومن تكلم فيهم بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب.

    1.   

    عاقبة آكل لحوم العلماء

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، رفع شأن العلماء فقال: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11].

    وقال: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر:28].

    وقال: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9].

    وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل: (العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر)

    وقال: (فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب في ليلة البدر).

    ثم أما بعد:

    فيا أيها الإخوة الكرام الأحباب! هناك ظاهرة خطيرة جدير بنا أن نقف عندها طويلاً، ألا وهي استباحة لحوم العلماء، وهذه الظاهرة يقع فيها بشكل مباشر كما هو معلوم المنافقون والعلمانيون وأعداء الدين، ولكن الأمر الذي يستحق المواجهة هو أن تنزلق أقدام بعض طلبة العلم إلى هذه الظاهرة، فتجد طويلب علم يبدأ بالمرحلة الأولى، وأول ما يبدأ يبدأ بتجريح العلماء، والتحذير من بعضهم، وعرض زلاتهم على الناس، ثم يتطور الأمر فيجرح أهل بيته وزوجته وأولاده، وهذا يعني أنه لا يريد بيان الحق وإنما يريد التجريح، ولأن المسألة خطيرة لاسيما في شباب الصحوة أو في بعضهم آثرت أن يكون هذا الموضوع: اللحوم المسمومة.

    فهل رأيتم عاقلاً يتجرع لحماً مسموماً بيده؟ اسمعوا إلى قول الحافظ ابن عساكر رحمه الله، قال: اعلم أخي وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلني وإياك ممن يخشاه ويتقه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب. وحدثوني عمن وقع في شيخ الإسلام ابن تيمية أو من جلد الإمام أحمد هل يعرفه الناس إلا نكرة في التاريخ، ولذلك من تتبع زلات العلماء وعرض بهم فتنه الله سبحانه وتعالى في دينه، ثم أمات قلبه قبل موته. ولأن هذه الظاهرة تقع من بعض الناس بفعل بيان الحق فلابد أن نفرق بين أمرين: بيان الحق والتجريح، وهذا أمر مهم، وسأذكر أمثلة من واقعنا المؤلم الآن على هذه الظاهرة، وأنا لا أقصد أحداً بعينه، وإنما الكلام عام.

    1.   

    أسباب اختيار الموضوع

    لقد اخترت هذا الموضوع لأسباب، وهي:

    أولاً: لمكانة العلماء في الإسلام، فالمتتبع للآيات القرآنية وللنصوص النبوية يجد أنها بينت أن للعلماء منزلة، فلقد أثنى الله سبحانه وتعالى على العلماء في كتابه، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم منزلة العلماء، ولذلك قالوا: إن أعراض العلماء حفرة من حفر النار، فعندما تنتهك عرض العالم وتنهشه فإنما تقذف بنفسك في حفرة من حفر النار.

    ثانياً: لتساهل الكثير في تلك الظاهرة.

    ثالثاً: إن بعض طلاب العلم لا يدركون خطورة هذه القضية.

    رابعاً: عدم الفهم الصحيح لتلك القضية، فهم يخلطون بين بيان الحق وبين جرح العالم. وقد سألني أخ فاضل في الباب أنه سمع لشيخ أشرطته منتشرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على لسان الله -هذا في الشريط- فأثبت لله صفة اللسان، وهذا لا يجوز، وهو يخالف منهج أهل السنة، وأراد أن يقول اسم الشيخ، فقلت: لا تقل، إنما نبين الحق، ثم نتصل بالشيخ ونبين له أن هناك خطأ في الشريط الذي يحمل هذا العنوان، فإما أن تصححه، وإما أن تسحب الشريط من السوق، وإما أن تتصل بالشركة التي سوقته وتصحح هذا الخطأ، وإما أن تعتلي المنبر وتقول: هذه زلة لسان، ولاسيما أن هذا الداعية يعرف بأنه سلفي العقيدة، فلما تحدثنا مع بعض الإخوان من العلماء قالوا: لا يمكن أن يكون قد قصدها، وإنما هي سبق لسان، وبعض الناس يأخذ هذا السبق ويشهر به، ثم يحذر من اقتناء أشرطته، ويقول: إن هذا الرجل ليس على منهج السلف، وقد خرج عن الطريق، نعم أخطأ لا شك، ومن منا لم يخطئ؟ ولكن هل تعمد الخطأ؟ وهل روجع فيه؟

    وهناك الآن من يلتمس هذه الأخطاء وينفخ فيها ويهولها، وبسبب هذا المنهج ضاع الكثير، فيقول مثلاً: الحافظ ابن حجر مؤول لبعض الصفات، وهذا صحيح، وفي شرحه فتح الباري أول بعض الصفات، وعلق على تأويله شيخنا العلامة ابن باز رحمه الله على الهامش، وليس معنى ذلك أنني لا أقتني فتح الباري بحجة أن الحافظ مؤول، أو شرح مسلم للإمام النووي ، أو بعض العلماء الذين زلوا في بعض المسائل، وبعض الناس يحذر منهم، فالمفروض أن الحكمة ضالة المؤمن، وحينما أستشهد بقول صحيح وهو لأهل البدع وموافق لمنهج السلف أقول في الهامش: وصاحب هذا القول أشعري المذهب، حاد عن الصواب في كذا، أو وهو مرجئ في مسألة كذا، غفر الله له. فالنقل يكون مع التبيين، وعندما أقول لطلبتي: لا تقرأ لهذا ولا لهذا ولا تسمع لهذا فمن نسمع؟ فهؤلاء علماء الأمة وهم يعدون على أصابع اليد الواحدة، فهذا المنهج ضيع علينا الكثير والكثير. وقد سألني بعض الإخوة: ما تقول في الشيخ فلان؟ قلت: رجل يبلغ دعوة الله، إن أخطأ بين خطؤه دون تجريح.

    وهناك مدرسة تعظم الرجال، وتأخذ أقوال علمائها مسلمة، وتعلقها على الجدران، قال فلان كذا، وتقدس أقواله، وإذا تكلم أحد على أقوالهم تقوم الدنيا ولا تقعد، فهم يعظمون الرجال، ومنهج أهل السنة أنهم لا يعرفون الحق بالرجال، وإنما يعرفون الرجال بالحق. هذه الأسباب التي دفعتني لاختيار هذا الموضوع.

    1.   

    خطورة اللسان

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: (من ضمن لي ما بين لحييه وفخذيه ضمنت له الجنة). والكثير منا يضمن ما بين فخذيه، ولكن من منا يضمن ما بين لحييه؟ يقول ابن القيم رحمه الله: كم من زاهد ورع متنسك عابد يصلي ويصوم ويسبح ويخشى الله إلا أنه لا يمر عليه يوم إلا زل لسانه في قدح أعراض الناس وفي تتبع عوراتهم وفي متابعة أخبارهم. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لـمعاذ : (وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم). فهذا اللسان على صغر حجمه خطره كبير جداً، وإذا راقبت ما تقوله في اليوم والليلة وقيدت ما تتحدث به فستجد أنك تترك للسانك الحرية في تتبع العثرات.

    قال الإمام الشافعي : العلماء هم الأولياء، والله يقول: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب). وإمام أهل السنة ابن حنبل يروى أنه كان متكئاً من مرض، يعني: يجلس متكئاً، فذكر عنده عالم من العلماء فجلس واعتدل وقال: لا ينبغي أن يذكر عندنا العلماء وأنا جالس هذه الجلسة، فكان متأدباً حتى في غياب العلماء. وقد قال محمد بن سيرين : علم بلا أدب كالنار بلا حطب. ولننظر إلى حال طلبة العلم من السلف مع علمائهم حتى نتعلم الكثير من الأدب.

    1.   

    أسباب الوقوع في العلماء

    أسباب هذه الظاهرة متعددة، منها:

    السبب الأول: الغيرة، فهذا العالم يحضر له الآلاف، وهذا يحضر له عشرات، وإن زادوا عن العشرة فالحمد لله، فيبدأ يغار. وكما قال العلماء: إن العلماء يغارون من بعضهم، ويتناطحون كما تتناطح البهائم في زرائبها.

    ولذلك فكلام الذين يتكلمون في بعضهم نسميه كلام الأقران، والقرين يعني: المعاصر، فتأخذ كلامه في قرينه بحذر، فكلام الأقران يطوى ولا يروى.

    السبب الثاني: الحسد.

    السبب الثالث: الهوى.

    السبب الرابع: التقليد، فتجد أحد الناس يقول لك: لا تسمع لفلان، فإذا قلت له: هل سمعته؟ يقول: لا، أخبرني فلان أنه يقول كذا، فيقلد من ينقله له، وكثير من طلبة العلم لا يضبط السماع، ولا يسمع بتركيز، ويسمع ما يهوى أن يسمع، فينقل للعالم أقوالاً ما قالها، وينقل الثاني والثالث، ثم إن الدائرة تتسع، وإذا رجعت إلى العالم يقول: والله ما قلت، ويكون المصدر قد سمع خطأ، فالواجب عليك أن تراجع.

    السبب الخامس: التعصب الأعمى الذي أضاعنا وأضاع الأمة، وأخطر جماعة الآن على الساحة هي الجماعة الحزبية التي تحزب أفرادها، فهم حزب واحد لا يسمعون إلا لبعضهم البعض، ويقدحون في علمائنا، فهذه الجماعة التي تدعو إلى الحزبية البغيضة هي أخطر على الأمة من أي شيء؛ لأنها تطعن في وحدة الأمة، ونحن جميعاً سواء، فتجد أحدهم يمشي ويقول: أنا أنصاري، أنا تبليغي، أنا سلفي، ثم يعقد جماعة وبيعة تحت الأرض ويقيم أسراً بالليل أو بالنهار، فيا عبد الله! أعلن عن نفسك، وليكن كلامك عاماً أمام الجميع، وأما أن تتكلم تحت الأرض فأنت حزبي ماكر، وهذا الكلام قد لا يعجب البعض. وكم عانينا في قرانا من هؤلاء، وتخيلوا أنهم مرة عند محاضرة لعالم سلفي فصلوا الميكرفون وقطعوا السلك، وفي محاضرة في بلد بجوار الزقازيق أتوا بسيارة ووضعوها أمام المسجد؛ ليرتفع صوتها؛ حتى لا يخرج صوت المحاضر، فهؤلاء ناس يبغضون علماء الأمة، ولا ينتمون إلا لعلمائهم، ولا يحضرون إلا دروس بعضهم بعضا، وإن كان العالم لا ينتمي إلى جماعتهم فلا يسمعون له، فهذه جماعة خبيثة، فلنحذر من التعصب الأعمى لمذهب أو لجماعة وصدق من قال: جماعة واحدة لا جماعات، وصراط واحد لا عشرات، فجماعتنا جماعة واحدة، وأما تعدد الجماعات والولاء والبراء على أساسها فليس من ديننا في شيء فالمسلمون كلهم جماعة واحدة، والعمل الجماعي مطلوب، ولكنه في النور وليس في الظلام، وعلى غير أسماء، والولاء والبراء في عقيدة السلف لله ولرسوله.

    السبب السادس: التعالم، ومعنى التعالم: أن البعض يبدأ في طلب العلم ثم يظن أنه قد بلغ أقصاه.

    ومنها كره الحق، ومنها مخططات الأعداء.

    1.   

    الآثار المترتبة على الوقوع في العلماء

    الأثر الأول: أن يرد الناس ما يقول من حق، فالمشركون حينما أردوا أن يطعنوا في الإسلام طعنوا في شخص النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يعطيك مؤشراً خطيراً، فإذا أراد أحد أن يهدم دعوة فإنه لا يطعن في الدعوة ولا فيمن يحملها ويبلغها، فإذا أرادوا أن يصرفوا الناس عن العالم طعنوا فيه، وقالوا: هذا عميل للصهيونية أو هذا رجل آكل للحقوق، أو أنه في بيته كذا وكذا، ويطعنون في علمه.

    الأثر الثاني: جرح العالم تجريحاً لميراث النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يبلغ ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الأثر الثالث: أن ينصرف طلاب العلم عن مجلسه، وهذا حدث عندنا في القاهرة، وهذا صد عن سبيل الله، وأقسم بالله أن بعض الجماعات الحزبية إذا حضر في لقاءاتنا منهم شخص شطب من الجماعة وحوصر حصاراً اجتماعياً؛ لأن هذا الذي يحاضر ليس من جماعتهم، وهو عميل لنظامهم، ثم يكيلون له التهم العديدة المبيتة والمعدة سلفاً. وإذا كان في بعض المحاضرات محاضرة لعالمهم بعد المتحدث الأول، فإنهم يجلسون في الطريق العام حتى ينتهي المتحدث الأول ثم يدخلون إلى محاضرهم، وهذه هي الحزبية البغيضة بعينها. وهؤلاء يتتبعون زلات العلماء، ويظلون يروجون لهذا وهذا، وقد قابلت بعضهم فإذا بهم قد انتكسوا على أعقابهم، ولابد أن ينتكسوا؛ لأنهم دخلوا في الطريق الخطأ، فإذا حدثك أحد عن عيوب عالم فقل له: أمسك لسانك واتق الله في نفسك، ولا تنجرف مع التيار، وهل أنت تريد أن تنصح العالم أم تريد أن تفضحه؟ فهناك فرق بين النصيحة وبين الفضيحة، فانصح ولا تنقل، وليس معنى ذلك أن نعظم أو نقدس أقوال العلماء، وأن لا نرد على المخطئ خطأه، فلا تفهموني بهذه الطريقة، وإنما نبين أن من قال كذا فقد جانبه الصواب، والحق كذا، ولكن برأفة ورحمة وعدم تجريح أو تعريض.

    الأثر الرابع: تقليل هيبة العالم في نظر العامة، فحينما يجرح العالم يفقد الهيبة التي كان الناس يحملونها له في صدورهم.

    1.   

    علاج ظاهرة الوقوع في العلماء

    علاج هذه الظاهرة منها ما يتوقف على العلماء ومنها ما يتوقف على طلاب العلم:

    الواجب على العلماء لعلاج هذه الظاهرة

    فأما ما يتوقف على العلماء:

    أولاً: يجب على العلماء أن يبتعدوا بأنفسهم عن مواطن الشبهات، ولذلك قالوا: زلة العالم مضروب لها الطبل، فينبغي على العالم أن يبتعد عن مواطن الشبهات، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (على رسلكما إنها صفية). وبعضهم يجمع النساء المتبرجات في المسرح ويحاضرهن! وهذا غريب، وهذه أول مرة نرى فيها هذا الكلام، وأحد الإخوة عرض سيدي لمثل هذه المحاضرة، وفيها البنت جالسة وواضعة رجل على رجل والعالم جالس أمامها، ويقولون: هو يبلغ يا شيخ! فيبلغ بهذه الطريقة! وبعض النساء تجلس تنظر إليه بإعجاب، وهذه فتنة يا عبد الله! فلا يستدرجك الشيطان لمثل هذه الفعلة، فمن قال لك: إن الغاية تبرر الوسيلة؟ فهذه ميكافللية. وإذا قلت: نجعل للنساء مكاناً وللرجال مكاناً، بحيث لا تراني النساء وأنا أحاضر فسيقولون: هذه سلفية رجعية متزمتة متحجرة.

    هذا هو الإسلام والدين يا عبد الله! لا أن يجلس أمام امرأة متبرجة ويحاضرها، فحاضرها عن الحجاب، وقل لها: شروط الحجاب ثمانية، فستقوم وتنصرف، وهنا قد يقول قائل: لابد أن يدخل لها أولاً حتى يأخذها، وأقول: أخاف أن تأخذه هي قبل أن يأخذها. فهذا العمل ترخيص للعلم الذي يحمله، وهذا الكلام نقد عام وليس تجريحاً لأحد، وإنما هو منهج نبينه، فينبغي على العالم أن يبتعد عن مواطن الشبهات تماماً؛ لأنه يحمل دعوة، وتحركاته محسوبة تماماً.

    ثانياً: أن يعمل بعلمه، لا أن يقول على المنبر أو في التلفزيون: الدخان حرام حرمه الله وأدلة التحريم كذا، ثم بعد الخطبة يطلب سيجارة أو يتحدث عن اللحية وإعفائها وهو حالق لها، فكيف سيؤخذ كلامه؟ وكيف يتحدث عن أمر لا يقوم هو به؟ وكيف يتحدث عن وجوب صلاة الجماعة وهو يصلي منفرداً؟ هذا ممن قال الله في حقه: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44]، فأين العقل؟

    ثالثاً: أن يحذر من الاستدراج؛ لأن بعض الطلبة يضعون له السم في العسل، ويستدرجونه إلى ما يريدون، ويسترسلون أحياناً في السؤال، فليكن يقظاً منتبهاً، والبعض يعيد السؤال بشكل آخر حتى يزل العالم، وهدفه أن يحفر له حفرة ينزلق فيها.

    رابعاً: أن لا يتعجل في الفتوى، بل يتريث ويدرس الموضوع والآثار المترتبة عليه وينظر إلى الواقع وإلى حال السائل، وهذا فهم عميق يحتاج إليه.

    خامساً: أن يكون جريئاً في الحق، لا يخاف فيه لومة لائم، كالصحابة والتابعين، ومثل الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر الأسبق رحمه الله تعالى في عصرنا، فقد خرج رئيس الجمهورية محمد نجيب يوماً وأعلن أمام الجمهور وفي التلفاز وفي كل الوسائل أنه سيصدر قانوناً يسوي فيه بين الذكر والأنثى في كل شيء، وهذا الكلام يعارض الشرع تماماً، فلما سمع الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله بهذا أرسل إليه قائلاً: إن لم تعتذر عما قلت علناً في الصحف والنشرات فسألبس كفني غداً وأذهب وكل من معي من العلماء إلى ميدان التحرير، فأرسلوا إليه يعتذرون سراً، فقال: لا أقبل إلا أن يكون الاعتذار أمام الناس جميعاً على صفحات الجرائد وفي الإذاعات المسموعة، فخرجت الصحف بالاعتذار، وأنها قد كذبت فيما قالت، وأن الصواب كذا، واعتذر محمد نجيب عما صرح به؛ لوقفة العالم الذي لا يتبع الهوى، ولا يصدر الفتوى حسب الطلب.

    وفي عام 1989م صدرت الفتاوى بأن ختان الإناث مشروع في الكتاب والسنة، وفي عام 2003م صدرت بأن ختان الإناث غير مشروع أيضاً في الكتاب والسنة، وفي أول سنة 1998م صدرت الفتاوى بأن فوائد البنوك حرام بإجماع أهل العلم، وفي آخرها صدرت الفتاوى بأن فوائد البنوك حلال، فما هذا يا عبد الله؟ نسأل الله العافية. فيجب أن تحترم علمك ولا تخف في الله لومة لائم، وقل الحق ولا تخش إلا الله عز وجل، ولا تحافظ على مقعدك أو على مكسبك المادي، ولا تبع دينك بدنيا غيرك، واعلم أنك إن قلتها مت وإن لم تقلها مت، فقلها ومت يا عبد الله! فالحق أبلج والباطل لجلج، وإذا سئلت عن النقاب، فلا تقل: ليس له أصل في شرع الله، وهو عادة جاهلية، وأنت أستاذ في التفسير، تقرأ كتب التفسير وتعلم ما في ابن كثير والطبري ، فهل كان العلماء جهلة وأنت الذي تصحح لهم؟ فلابد للعالم أن يكون جريئاً.

    ولما خرج مروان بن الحكم إلى صلاة العيد أخرج المنبر إلى المصلى، وهذا بدعة، فمن السنة أن يخطب الخطيب وهو واقف على الأرض، فلما رأى أبو سعيد المنبر في مصلى العيد ومروان بن الحكم يريد أن يعتلي المنبر ليخطب الناس أمسك به وقال: لقد غيرتم والذي نفسي بيده، يعني: يمسك ولي الأمر أمام الناس مراعاة للمصالح والمفاسد.

    والعز بن عبد السلام سلطان العلماء لما خرج ولي الأمر يسير في الطريق العام والناس حوله قال له بصوت مرتفع: يا فلان! فقال: من المنادي؟ قال: أنا العز بن عبد السلام ، قال: ما تريد يا عز ؟! أمام جنوده وأمام الناس، قال: ما تقول لربك يوم القيامة إن سألك عن حانوت خمر كذا وبيت الدعارة في مكان كذا؟ وظل يعدد له أماكن الفواحش، فقال: أوذلك في ملكي يا عز ؟! قال: نعم، هذا عندك، قال: يا عز ! إنا وجدنا آباءنا على أمة، وهذا ميراث ورثناه، قال: إذاً: أنت من عبدة الأصنام الذين يقلدون الآباء والأجداد، ورد عليه، فأصدر ولي الأمر قراراً بتتبع هذه الأماكن وإغلاقها، وعاد العز إلى مجلس علمه، فجلس بين تلامذته فقام له تلميذ وقال له: يا إمام! أما خفت وأنت تحدث السلطان أن يبطش بك، قال: يا بني! لقد تذكرت عظمة الله فبدا بين عيني كأنه عصفور صغير.

    وفي بعض البرامج التي يستضاف فيها علماء الأمة، تأتي امرأة تقدم البرنامج وبعض العلماء يجلس أمامها وهي تفتح صدرها وتلبس بنطالاً وتظهر عورتها، وتسأله: يا فضيلة الشيخ! ما رأيك في مسألة كذا، وإذا نظر العوام إلى هذه البرامج يقولون: لو كان هذا حراماً لما جلس الشيخ بين يديها، فيأخذون من جلوسه إقراراً على إباحة هذا الفعل، فاحترم علمك يا عبد الله! فإما أن يزول المنكر وإما أن تزول أنت عن المنكر، ولا يكن هدفك الظهور في الفضائيات والقناة الأولى والثانية والثالثة؛ حتى يشار إليك، فلن ينفعك هذا يوم القيامة فاتق الله في نفسك، وكن على الجادة.

    الواجب على طلبة العلم تجاه هذه الظاهرة

    أما ما يجب على طلبة العلم تجاه العلماء فهو:

    أولاً: أن يفرقوا بين التجريح الشخصي وبين إظهار الحق، فإظهار الحق لا بأس به، ولكن بدون تجريح، فالفرق بين هذا وهذا كبير.

    ثانياً: أن يجلوا العلماء ويحترموهم ويعرفوا لهم قدرهم ويتقوا الله فيهم. وقد كان الصحابي يأتي إلى بيت صحابي آخر ليسأله عن مسألة علمية فإذا وجده نائماً جلس على باب داره ينتظره حتى يخرج إليه، ولا يقلق راحة شيخه، وإنما كانوا على أدب جم في الطلب، ويوم أن ضاع هذا الأدب ضاعت هيبة العلماء وحدث ما ترونه الآن.

    فظاهرة استباحة لحوم العلماء ظاهرة خطيرة، الأمر الذي دفع بعض علمائنا إلى أن يؤلف كتباً في هذه الظاهرة، ومنها لحوم العلماء مسمومة للدكتور ناصر العمر حفظه الله تعالى، والدكتور بكر أبو زيد له كتاب موقف علماء الأمة من الوقيعة في علماء الأمة، وكذلك الشيخ المقدم وغيره من علماء الأمة الذين صنفوا في هذه الظاهرة.

    فإياك إياك أن تنجر إلى هذه الظاهرة، وتحذر من علماء الأمة، ولكن حث الناس على طلب العلم. وبين الحق دون جرح، ودون غيبة أو نميمة.

    أسأل الله سبحانه أن يطهر ألسنتنا، وأن يرزقنا علماً نافعاً وقلباً خاشعاً.

    1.   

    الأسئلة

    كيفية التعامل مع أخطاء العلماء

    السؤال: هل من الوقوع في العلماء أن نبين من نعلم وقوعهم في بعض البدع العقدية مثل الإرجاء؟

    الجواب: لا ليس من الوقوع فيه، وقل: من قال كذا فقد أخطأ والصواب كذا، ولا تجرح وتحذر وتقول: هو مرجئ؛ لأن لازم المذهب ليس بمذهب، فربما يقول قائل قولاً هو قول المرجئة وهو ليس من المرجئة، فلا تصنف الناس إلى مرجئة ومعتزلة وخوارج، وبين الحق دون تجريح، وإن كان الأولى أن تتصل بمن قال حتى يصحح قوله، فإن أبى أن يصحح قوله فصححه أنت دون تجريح، وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا)؟ فبين أن هذا الفعل أو القول بدعة، وأنك إنما تريد له الخير، دون تجريح لشخصه.

    مدى صحة القول بأن اختلاف العلماء رحمة

    السؤال: هل القول بأن اختلاف العلماء رحمة صحيح؟

    الجواب: ليس بصحيح مع الإطلاق، فالاختلاف ليس رحمة على الإطلاق، وإنما إن أخذنا هذا القول ليكون منطلقاً للبحث عن الحق، فهذا هو الصواب.

    القدوة السيئة في الالتزام

    السؤال: ابنتي تدرس في كلية طب عين شمس وكان تقديرها قبل أن تلبس النقاب جيد جداً في كل سنة، وبعد أن لبست النقاب أصبحت تنجح بصعوبة، وتريد ترك الكلية بحجة أن التعليم للمرأة حرام، فما رأي الدين في ذلك؟

    الجواب: هذه من الظواهر التي تؤلمنا كثيراً، فقبل الالتزام يكون الشاب أو الفتاة في الدراسة متفوقاً أو متفوقة تماماً، ومتقدماً على الجميع، ويضرب به المثل في التفوق، ثم بمجرد أن يلتزم أو أن تلتزم يعود إلى الوراء، ويقول: إني أطلب العلم، وينام إلى الساعة الثانية عشرة بحجة أنه يصلي الفجر ويجلس حتى الشروق يقرأ القرآن ويردد أذكار الصباح، فيكون نموذجاً سيئاً في الالتزام ، فهذا معناه أنه يتأخر بالالتزام، فهذه كان تقديرها جيد جداً في كل سنة وبمجرد أن لبست النقاب أصبحت تنجح بصعوبة، فربط الأب بين النقاب وبين تأخرها، فهذه تعطي قدوة سيئة، وتقول للناس بلسان الحال لا بلسان المقال: إن النقاب سبب في التأخر، وقد ظنت بأنها ستتقدم.

    وبعض الإخوة قبل التزامه كان يذهب إلى العمل الساعة الثامنة ويعود الساعة الثانية تماماً، وكان ملتزماً في حضوره وانصرافه بنسبة 100%، وبعد التزامه أصبح يذهب الساعة الثامنة ويرجع الساعة الثامنة وخمس دقائق، ويوقع في الدفتر الحضور والانصراف في وقت واحد، وهو يعطي بذلك نموذجاً سيئاً للالتزام، فقد كان قبل الالتزام يعمل ويعرق ويكسب ويأتي بما يكفيه وبعد الالتزام لا عمل ولا طلب الرزق، وإنما يعيش هكذا. فهذه النماذج هي التي تعطي لأعدائنا فرصة لتهجم علينا.

    فيا أيتها الأخت الفاضلة! اتق الله في نفسك، وكوني طبيبة للنساء؛ حتى نرسل لك الزوجات، أو طبيبة للأطفال؛ حتى نرسل لك الأبناء بدلاً أن ندفع الأبناء والزوجات إلى أطباء علمانيين لا يتقون الله عز وجل، وتعلمي هذا العلم، وادفعي عن الأمة الشر، وابتغ بعلمك وجه الله، ونفع الأمة.

    والجامعة فيها اختلاط، والاختلاط حرام لا شك في هذا، لا يختلف في ذلك اثنان، ولكن لابد من مراعاة المصالح المترتبة على ذلك، بمعنى إن استطعت أن تعتزلي فاعتزلي، والمحاضرة التي ليس لك أن تحضريها فكلفي غيرك من أخواتك أن تتناوب معك في الحضور على قدر الاستطاعة، وهي مدة زمنية ستنتهي. وأسأل الله أن يوفقك، وأن يدفعك إلى الأمام، وليس هذا إلا من حبنا لك.

    حكم البول قائماً

    السؤال: إذا تبول الرجل قائماً هل يجب عليه أن يزيل رذاذ البول الذي لا يراه، وكيف يزيله؟

    الجواب: التبول قائماً مكروه إلا من عذر، والعذر: أن يجد في ساقه تعب لا يستطيع بسببه الجلوس، أو أن يكون في مكان بحيث إذا تبول وهو جالس أرتد عليه البول فيتبول من مكان مرتفع، كحديث حذيفة : (أتى النبي صلى الله عليه وسلم سباطة قوم فبال وهو قائم). وهذا حديث صحيح، ولكن هذا من عذر، وأما أن تتبول وأنت قائم بدون عذر فهذا لا يجوز أبداً، وهو من خوارم المروءة. والله تعالى أعلم.

    وكذلك شرب الماء يستحب الشرب جالساً، وليس على سبيل الوجوب.

    حكم الإقامة في بلد لا يمكنك إقامة الدين فيه

    السؤال: ما حكم الدين في إقامة المسلمين في بلاد الكفر، وما موقف الأخوات في فرنسا إذا ما طبق عليهن قانون الحجاب؟

    الجواب: ينبغي عليها دون تردد أن تهجر هذا البلد؛ لأن البلد الذي يمنع فيه المسلم من إقامة فروض دينه ينبغي عليه أن يهجره، إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا [النساء:97]. ومن هنا بين العلماء أن البلد الذي تمنع فيه من الصلاة يجب عليك أن تهجره لإقامة دينك، والحجاب كالصلاة، فالحجاب فرض، وشأنه شأن الصلاة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بالهجرة إلى المدينة ومن قبلها إلى الحبشة؛ لأنهم كانوا يضطهدون في دينهم، وهذا كلام معروف، ومجمع البحوث أصدر بياناً نشرته الجرائد بهذا الذي أقول.

    ما يحل للعاقد من زوجته المعقود عليها

    السؤال: هل للزوج أن يأخذ من زوجته كل شيء قبل الدخول إلا الجماع ؟

    الجواب: يعني: أنت منتظر حتى تعقد وبعد هذا تأخذ كل شيء، خذ كل شيء إلا الخلوة.

    ما يحق للخاطب والعاقد

    السؤال: ما هو الحق الشرعي للخاطب والعاقد؟

    الجواب: الخاطب ليس له حق، والعاقد بينا.

    السؤال: هل العاقد يقبل يا شيخ! أيضاً؟

    الجواب: العاقد يقبل مطمئناً، وبعض الأخوات يهدرن هذا الحق، فلا تدعه يلمس حتى يدها، واليوم بمجرد أن يخطب ويقرأ الفاتحة ويلبس الدبلة وهذا تقليد غير إسلامي تقول أم المخطوبة لبنتها: يا ابنتي أخرجي مع خطيبك قليلاً، وتمشي معه إلى الساعة الثانية في الليل، وتجلس تكلم خطيبها في التلفون من الساعة الرابعة إلى الساعة العاشرة. نسأل الله العافية. والخطيب ليس له حقوق على مخطوبته، بل هي ما زالت أجنبية عنه، وأما العاقد فهو زوجها، ولكن ليس له أن يختلي بها.

    حكم قلة المهر

    السؤال: شخص تزوج بخمسة عشر جنيهاً، هل قلة الصداق يكون استهزاء؟

    الجواب: لا، (أقلهن مهوراً أكثرهن بركة)، والمعنى: أن المرأة إذا كان صداقها قليلاً كانت مباركة، وقد يكون المهر عيناً ومالاً، أو قرآناً، فيعلمها ما معه من القرآن، ولم نر في مجتمعنا أحداً قال لشاب: زوجتك ابنتي على ما معك من القرآن؟ واليوم الذهب بثمانين جنيهاً، والرجل يريد لابنته مائتي جرام بستة عشر ألفاً؛ لأن أختها تزوجت بمائتي جرام، وقد تزوجت أختها يوم أن كان الذهب بعشرة جنيه، ويريد لها أربع حجرات، وهناك بعض الناس يوصي بعضهم البعض باقتناء الدش من أجل أن يسمعوا كذا أو كذا. وهذه الأمور ينبغي علينا أن نراعيها.

    حكم منع الزوج من الزواج بأكثر من واحدة

    السؤال: ما حكم منع الزوج من الزواج بأكثر من واحدة؟

    الجواب: إذا كان الزوج يستطيع العدل فلا يمنع من التعدد بحال؛ لأن الله سبحانه وتعالى أباحه.

    حكم اعتبار رضا الزوجة في التعدد

    السؤال: إذا كانت الزوجة ليست راضية؟

    الجواب: لم يشترط العلماء للتعدد موافقة الزوجة إلا إذا اشترطت في العقد أن لا يجمع عليها أخرى.

    مدى صحة القول بأن عمرو بن العاص كان يرغم الناس على الدخول في الإسلام بحد السيف

    السؤال: إذا كانت السماوات سبع فأين الأرضون السبع، وما صحة القول بأن عمرو بن العاص كان يرغم الناس على الدخول في الإسلام بحد السيف؟

    الجواب: هذه شبهات رد عليها العلماء، فالسماوات سبع والأرضين سبع، ولكن بعض العلماء يقولون: إن الأرضين سبع إلى أسفل وأن السماوات إلى أعلى، وأن القشرة الأرضية مركز الكون.

    وأما قولك: إن عمرو بن العاص أدخل الناس بحد السيف فهذا غير صحيح مطلقاً؛ لأن الله قال: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ [البقرة:256]، وعمرو بن العاص كان صحابياً يتبع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو الناس إلى الإسلام، فإن أبوا دفعوا الجزية، فإن أبوا قاتلهم.

    هذا والله تعالى أعلم، وللحديث بقية إن شاء الله.