إسلام ويب

شرح صحيح البخاري [7]للشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • افتتح الإمام البخاري كتاب العلم من صحيحه بباب فضل العلم حتى يكون محفزاً ومشوقاً إلى طلب العلم، وقد بين فيه آداب طالب العلم، فإنه لا علم بلا أدب، بل لابد أن يتأدب الطالب بأدب العلم، لكي يبلَّغ هذا العلم الذي تعلمه, وينتفع به حق الانتفاع.

    1.   

    المعلقات في الصحيحين وحكمها

    إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.

    اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.

    قال الإمام البخاري رحمه الله: (باب قول المحدث: حدثنا أو أخبرنا وأنبأنا).

    وقال ابن مسعود : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق.

    وقال شقيق : عن عبد الله : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم كلمة.

    وقال حذيفة : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين.

    وقال أبو العالية ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم: فيما يرويه عن ربه.

    وقال أنس : عن النبي صلى الله عليه وسلم يروي عن ربه عز وجل.

    وقال أبو هريرة : عن النبي صلى الله عليه وسلم: يرويه عن ربكم عز وجل.

    فالإمام البخاري رحمه الله بعدما ذكر فضل العلم، وذكر بعضاً من آداب طالب العلم، ثم ذكر الباب الثالث: من رفع صوته بالعلم، فأول باب عقده في هذا الكتاب -كتاب العلم- هو فضل العلم، حتى يكون كالحافز للطالب أن يطلب العلم.

    تكلمنا أنه بعد أن ذكر ما يشوق لطلب العلم، قام فنبهه إلى أن العلم له آداب وله سياسة، وهو ما يسميه العلماء: بأدب الطلب، ويقول العلماء: سياسة العلم أشد من العلم، وهي تعني: الحكمة في طريقة الأداء.

    فبعد أن يتأدب بأدب طالب العلم فينبغي عليه أن يبلغ هذا العلم الذي درسه.

    وأشار البخاري رحمه الله بالباب الثالث (باب من رفع صوته بالعلم) لأن رفع الصوت مظنة وصول الكلام إلى أكثر عدد، ومعناه: توصيل العلم إلى الناس مع التأدب بأدب العلم.

    في مرحلة الأداء، وفي مرحلة التلقي يسمع طالب العلم، فإذا أراد أن يؤدي العلم ويبلغه فبأي صيغةٍ يؤديه؟ الإمام البخاري عقد الباب الرابع لأجل هذا.

    قال: باب قول المحدث حدثنا أو أخبرنا وأنبأنا.

    ثم ذكر البخاري عدة معلقات في هذا الباب، الحديث المعلق أشرنا قبل ذلك إلى تعريفه وإلى صورته، فقلنا: إن الحديث المعلق هو ما حذف منه راوٍ أو أكثر، حتى لو شمل الإسناد كله، بشرط: أن يكون الحذف من مبدأ سنده ووصل إلى منتهاه، فالعلماء يسمونه: الحديث المعلق، وهو: ما حذف راوٍ أو أكثر من مصدر إسناده بشرط التوالي في الحذف.

    فالإسناد له طرفان: طرف علوي، وطرف سفلي. أو طرف أعلى، وطرف أدنى.

    فإذا كان السند متصلاً من أوله إلى آخره، فيسمى السند متصلاً.

    فلو قسمنا الإسناد إلى طبقات، والطبقات إلى مدة زمنية، فنقول مثلاً: قال البخاري : حدثنا أحمد بن حنبل ، قال: حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: … وساق حديثاً بهذا الإسناد، إذاً البخاري في إسناده هذا أحمد ، وسفيان بن عيينة ، والزهري ، وأنس ، فيكون إسناداً رباعياً، أي: بين البخاري وبين النبي صلى الله عليه وسلم أربعة، فهذا الإسناد متصل، فكل من أحمد ، وسفيان ، والزهري ، وأنس ، يمثل طبقة وكل طبقة تمثل مرحلةً زمنية.

    فالحديث المعلق: أن يحذف راوٍ من أوله، وقد يصل الحذف إلى الصحابي، وقد يصل إلى التابعي فقط، وقد لا يحذف إلا واحد من أول السند، هذا هو المعلق.

    فإسناد البخاري الذي يقول فيه: حدثنا أحمد بن حنبل لو أنه قام بحذف ذكر الإمام أحمد من الإسناد.

    وقال البخاري : وقال سفيان بن عيينة : إذاً حذف من؟ حذف أحمد من الإسناد، إذاً سنحذف المدة الزمنية من الإسناد فيكون الإسناد معلقاً.

    كثرة إيراد البخاري للمعلقات في صحيحه وغرضه من ذلك

    الإمام البخاري رحمه الله يعلق كثيراً في صحيحه ، بخلاف مسلم، فالأحاديث المقطوعة الإسناد في صحيح مسلم في أربعة عشر موضعاً تقريباً، بينما في صحيح البخاري في عشرات المواضع، أو في مئات المواضع.

    البخاري رحمه الله عندما يعلق الحديث، هو بذلك يريد أن يمهد للحديث المرفوع، الذي أورده موصولاً في هذا الباب. إن البخاري تصدى لاستنباط الأحكام الجزئية من الأدلة التفصيلية، بخلاف الإمام مسلم ؛ الإمام مسلم صنف صحيحه على الكتب، ولم يصنفه على الأبواب، فلم يقل: باب كذا، باب كذا. لا، مسلم لم يفعل هذا، إنما بوّبه جماعة، وأشهر من بوب صحيح مسلم وانتشر تبويبه، هو الإمام النووي رحمه الله، أي: أن التبويب الموجود في صحيح مسلم ليس من صنع مسلم ، وإنما من صنع النووي ، إنما مسلم -كما قلنا- قسم صحيحه إلى كتب فقط، مثل: كتاب الإيمان، كتاب الصلاة، كتاب الطهارة، كتاب الحج، كتاب الغسل، كتاب التيمم، ... إلخ.

    البخاري رحمه الله قسم صحيحه إلى كتب، وقسم الكتب إلى أبواب، وتصدى لاستنباط الأحكام الجزئية من الأحاديث، فإذا استنبط الإمام البخاري رحمه الله حكماً من الأحكام فإنه يبوب له، ثم يأتي بالأحاديث المعلقة، أو الآثار المعلقة بين يدي الحديث المسند في هذا الباب؛ يمهد لفكرته ورأيه.

    ونستفيد من هذا ما قاله الإمام أحمد : (لا تقولن بقولٍ ليس لك فيه إمام) عندما تحب أن تتبنى قولاً من الأقوال، فاحذر أن تقول قولاً لم يكن قد قاله غيرك من العلماء، لاسيما في هذه الأزمان المتأخرة؛ لأنك عندما تأتي بقول لم يقل به أحد غيرك على الإطلاق، وتزعم أنه الحق، فمعنى هذا باختصار: أن كل من سبقك ضل طريق الحق، وأنت وحدك الذي عرفته، هذا معنى: لا تقل قولاً ليس لك فيه إمام.

    فالإمام البخاري كان إذا تبنى قولاً من الأقوال فإنه يذكر من سبقه -لا أقول: على سبيل الاستيعاب، فـالبخاري لم يستوعب أقوال من سبقه- ولكن يذكر بعض أقوال من سبقه في هذا القول، لكنه يحذف إسناده؛ حتى لا يعظم حجم الكتاب، وإلا فـالبخاري عنده أسانيد المعلقات كلها، لكنه صنف كتابه وسماه "الجامع المختصر الصحيح" فلو ذكر أسانيده إلى الصحابة أو إلى التابعين أو إلى من دون التابعين لعظم حجم الكتاب.

    صيغتا التعليق عند البخاري

    فلذلك هو يعلق بطريقتين: إما أن يعلق بصيغة الجزم، أو بصيغة التمريض.

    صيغة الجزم: أن يكون الفعل الذي استخدمه البخاري في نسبة القول إلى قائله مبنياً للمعلوم، كأن يقول: قَال، وذَكر، وحَكَى.

    صيغة التمريض: أن يكون الفعل مبنياً للمجهول: قِيلَ، حُكِي، ذُكِر.

    فـالبخاري رحمه الله في هذا الباب، أتى بالأحاديث والآثار المعلقة بصيغة الجزم. قال العلماء: كل معلقات البخاري التي جزم فيها بنسبة القول إلى قائله صحيحة.

    الجزء الثاني، وهو: ما علقه بصيغة التمريض، فبعض الناس يقول: إن البخاري إذا مرّض القول، فهذا قد يكون ضعيفاً. وهذا ليس بشرط، فمعلقات البخاري بعضها ضعيفة، لكنها قليلةٌ جداً، في موضع أو موضعين في كتابه كله، وشخص يقول: هل صحيح البخاري بهذا يكون فيه أحاديث ضعيفة؟ نقول: لا؛ لأن صحيح البخاري هو الأحاديث المسندة، أما الأحاديث المعلقة فليست على شرط البخاري ، لأجل هذا إذا روى البخاري في صحيحه بياناً معلقاً وحدثت به فلابد أن تقيد العزو إلى البخاري بالتعليق، مثلاً: لو قال البخاري : قال الحسن البصري : (صلوا وعليه بدعته) كما في باب إمامة المفتون والمبتدع.

    فهذا الحديث معلق في البخاري، أنت تريد أن تنسب هذا الكلام إلى البخاري ، فلا تقل: رواه البخاري وتسكت؛ لأن هذه خطيئة عند العلماء، بل لا بد أن تقول: رواه البخاري معلقاً. لابد أن تذكر كلمة: (معلقاً)، لماذا؟ لأن المعلقات ليست كلها على شرط البخاري ، فمنها ما هو على شرط البخاري ، ومنها ما ليس على شرط البخاري ، ولكنها لا تدخل من جملة الكتاب؛ لأن صحيح البخاري هو جملة الأحاديث المسندة التي أسندها البخاري إسناداً متصلاً قال فيها: حدثنا فلان عن فلان إلى آخر السند.

    وكذلك الإمام مسلم له مقدمة مهد بها لـصحيحه ، وهذه المقدمة ليست على شرط مسلم ، فإذا أورد مسلم الحديث في هذه المقدمة، وأردت أن تعزو الحديث إلى مسلم ، فلا بد أن تقول: أخرجه مسلم في المقدمة، ولا تقل: أخرجه مسلم، وتسكت، لماذا؟ لأن في هذه المقدمة أحاديث ليست على شرط مسلم .

    إذاً: علمنا أن البخاري رحمه الله يأتي بالمعلقات ليمهد لأحاديث الباب، ويمهد لفكرته ورأيه في المسألة كما فعل هنا، وكما فعل في بداية أبواب كتابه.

    فأنت الآن مني، وتريد أن تؤدي القول عني إلى الناس، فكيف تنقل القول عني؟ هل تقول: حدثني، أم تقول: أخبرني، أم تقول: أنبأني، أم تقول: سمعت، أم تقول: قال لي؟ أي صيغة من هذه الصيغ تستخدمها إذا نقلت الكلام عني إلى الناس؟

    أنت الآن في وقت التحمل -التحمل: هو أن تسمع مني وتحفظ، للتحمل والأداء بعد ذلك- كما قال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا [الجمعة:5] حمل، يعني: أخذ العلم فحمله. أنت الآن تلميذ، بعد مدة قد تصير شيخاً، ولك تلاميذ، فإذا أردت أن تنقل العلم عن شيوخك إلى الناس بعدما صرت شيخاً، فماذا أنت قائل في النقل؟ بأي صيغة من الصيغ تنقل هذا العلم؟ أتقول: حدثني، أم أخبرني؟!

    فـالبخاري رحمه الله عقد هذا الباب لأجل أن يقول لك: بعد أن سمعت فضل العلم، وتأدبت بآداب طالب العلم، وتحملت العلم وأخذته عن الشيوخ، إذاً حان وقت الأداء.

    1.   

    الفرق عند البخاري بين (قال فلان) وبين (وقال لنا فلان)

    فقال: وقال لنا الحميدي .

    أول ما تسمع: وقال لنا هنا القائل شيخه، بخلاف ما إذا قال البخاري : وقال، ولم يذكر كلمة: لنا، البخاري يقول: (قال) ويستخدمها في المعلقات، كما في الحديث الذي بعده، وقال ابن مسعود ، وهل البخاري سمع من ابن مسعود ؟ لا.

    البخاري رحمه الله إذا قال: (قال لنا) فإنها تساوي حدثنا؛ لأنه في مواضع من التاريخ الكبير، يقول: وقال لنا فلان. ويكون روى هذا الحديث في صحيحه، أو في خارج صحيحه (كالأدب المفرد أو خلق أفعال العباد أو غيرهما)، فيقول في التاريخ الكبير: قال لي، أو قال لنا، ويقول في غيره: حدثنا، وهذا الحديث بعينه هو الذي ذكره في التاريخ الكبير .

    والحميدي هو عبد الله بن الزبير ، وافتتح البخاري صحيحه بالرواية عن الحميدي ، كما في حديث: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى ...) رواه عن الحميدي ، عن شيخه سفيان بن عيينة ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن علقمة بن وقاص الليثي ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

    وسنَّد البخاري هذا الإسناد بالتحديث، قال: حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري ، حدثنا محمد بن إبراهيم التيمي ، سمعت علقمة ، سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى ...).

    والحميدي صاحب المسند المشهور، له مسند مطبوع في مجلدين، وكان من ألزم الناس للإمام سفيان بن عيينة ، وأيضاً كان من ألزم الناس للشافعي ، وكان من أصحابه الكبار.

    1.   

    أقوال العلماء في صيغ التحديث (حدثنا، أخبرنا، أنبأنا، سمعت...)

    قال: وقال لنا الحميدي : كان عند ابن عيينة (حدثنا) و(أخبرنا) و(أنبأنا) و(سمعت) كل هذه الصيغ لا فرق بينها وبين بعضها الإمام سفيان بن عيينة أبو محمد الهلالي -. رحمه الله كما قال الشافعي : لولا سفيان ومالك لذهب علم أهل الحجاز .

    فـسفيان بن عيينة إمام ثقة ثبت، وهو الوحيد في الدنيا من بين المدلسين الذين تستوي عنعنته مع تصريحه بالسماع، وإلا فالمدلس لابد أن يقول: حدثني، أو أنبأني، أو سمعت التي تفيد أنه سمع ذلك من شيخه مباشرةً.

    ولو عنعن المدلس الإسناد ردوا عليه حديثه، ولم يقبلوه إلا أن يصرح بالتحديث، إلا سفيان بن عيينة ، فهذا هو الوحيد الذي تستوي عنعنته مع تصريحه بالسماع، كما صرح بذلك ابن حبان في مقدمة صحيحه عند كلامه عن المدلسين.

    وكتب ابن حبان : أن ليس في الدنيا من له هذه الخصيصة إلا سفيان بن عيينة ،وقال: إنه كان لا يحدث إلا عن ثقة مثل نفسه، ولا نعلم هذا لأحدٍ إلا لـسفيان بن عيينة رحمه الله.

    فلما نقل الإمام البخاري هذا الكلام عن سفيان بن عيينة ، علمنا أنه مراد البخاري من الصياغة، إذاً كأن البخاري يذهب إلى رأي سفيان بن عيينة أنه لا فرق بين هذه الصيغ جميعاً.

    وهذا هو أصل الوضع اللغوي في الكلمة، كما قال تعالى: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا [الزلزلة:4]، فذكر التحديث وذكر الإخبار بمعنى واحد، وقال تعالى: وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:14] وهذا في الإنباء والإخبار، فالتحديث والإنباء والإخبار وإثبات السماع كله بمعنى واحد، وهذا على أصل الوضع اللغوي.

    وإلى هذا القول ذهب إمام أهل المدينة في زمانه، وهو محمد بن شهاب الزهري رحمه الله، وذهب إليه مالك وابن عيينة كما سمعتم الآن، ويحيى بن سعيد القطان ، وذهب إليه أكثر أهل الحجاز وأكثر أهل الكوفة، وهو الذي اختاره ابن الحاجب في مختصره، في كل هذه الصيغ، ونقل الحاكم أبو عبد الله صاحب: المستدرك عن الأئمة الأربعة: أنهم يقولون بذلك.

    وذهب آخرون إلى التفصيل ما بين أن يأخذ التلميذ من الشيخ مشافهة، أو أن يقرأ التلميذ على الشيخ، فقالوا: إذا جاءت اللفظة مطلقةً فهذا يدل على أن الشيخ هو الذي قرأ، مثل لو قال التلميذ: حدثنا فلان، أو أخبرنا، أو أنبأنا هكذا بإطلاق؛ فهذا يدل على أن الشيخ هو الذي قرأ. فإذا قُرئ على الشيخ فينبغي أن يغير اللفظة، فيقول: حدثنا فلان بقراءة فلان عليه، أو أنبأنا أو أخبرنا بقراءة فلان عليه، وإلى هذا الرأي ذهب الإمام إسحاق بن راهويه ، والإمام النسائي ، وابن حبان .

    ابن حبان لا يقول: حدثنا، إنما يقول: أخبرنا، والنسائي أيضاً، إنما يستخدم لفظة الإخبار، وقلما يستخدم لفظة التحديث كأن يقول: حدثنا أو حدثني، وقلما يستخدم لفظة الإنباء، كأن يقول: أنبأنا أو أنبأني، إنما المشهور عند النسائي أنه كان يختار لفظة الإخبار.

    ومنهم من قال: إذا قال: حدثنا، يكون هذا من لفظ الشيخ، وإذا قال: أخبرنا، فتكون قراءة على الشيخ، وهذا مذهب ابن جريج ، والأوزاعي ، واختاره الشافعي ، وابن وهب ، رحمهم الله، وعليه أكثر أهل المشرق.

    والذين جاءوا بعدهم كان لهم تفصيل أكثر، قالوا: إذا قال: حدثنا فيكون سمعه التلميذ مع جماعة، وإذا قال: حدثني، يكون سمعه التلميذ وحده من الشيخ، وهكذا في أخبرنا وأخبرني، وأنبأنا وأنبأني، وسمعنا وسمعت ... إلخ.

    وهذه كلها مسائل اصطلاحية ولا مشاحة في الاصطلاح، ولكن ينبغي بعدما استقر عمل العلماء على هذا أن يراعي المتأخرون اصطلاح المتقدمين فيها، لماذا؟ لأنه صار حقيقة عرفية عندهم، فينبغي عليهم أن لا يتجاوزوها، فالذي على المتأخرين أن يراعوا هذا، وليس على سبيل الوجوب.

    وللطحاوي - أبو جعفر الطحاوي صاحب العقيدة المشهورة، وهو من تلاميذ الإمام النسائي - جزء اسمه: (جزء التسوية بين حدثنا وأخبرنا) أي أن الطحاوي يذهب إلى هذا المذهب الذي ذهب إليه الإمام البخاري رحمه الله، وسبقه إلى ذلك الزهري ، ومالك ، وابن عيينة ، كما بينا ذلك.

    قلنا: الإمام البخاري رحمه الله له معلقات في صحيحه ، وكما قلنا: ليس كل معلقات البخاري على شرطه، بل بعضها على شرطه، وبعضها ليس على شرطه، فعلق البخاري جملةً من الأحاديث التي وصلها في صحيحه كما يأتي ذكره الآن.

    استدلال البخاري على صيغة التحديث

    فقال البخاري : وقال ابن مسعود : حدثنا -وهذا هو الشاهد (حدثنا) فهو يذكر الصيغ- رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق.

    وهذا التعليق وصله الإمام البخاري في أربعة مواضع من صحيحه ، فحديث ابن مسعود : (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار. وإن الرجل يعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة).

    فهذا الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب بدء الخلق، في باب ذكر الملائكة، من طريق أبي الأحوص ، عن الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن عبد الله بن مسعود ، وأبو الأحوص هذا اسمه: سلام بن سليم .

    ثم رواه بعد ذلك في كتاب الأنبياء، باب خلق آدم وذريته، من طريق شيخه عمر بن حفص بن غياث ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش ، قال: حدثنا زيد بن وهب ، قال: سمعت ابن مسعود يقول: (حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق).

    ثم افتتح الإمام البخاري بهذا الحديث كتاب القدر، ورواه من طريق شيخه أبي الوليد هشام بن عبد الملك ، قال: حدثنا شعبة ، قال: أنبأني سليمان الأعمش -وهو سليمان بن مهران الأعمش ، ولكن غلب لقبه على اسمه- عن زيد بن وهب ، عن عبد الله بن مسعود قال: (حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق) وكلمة (حدثنا) موجودة في جميع طرق الحديث.

    ثم -أخيراً- رواه الإمام البخاري في كتاب التوحيد في باب: (( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ )) ورواه من طريق شيخه آدم بن أبي إياس ، قال: حدثنا شعبة ، قال: حدثنا الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن عبد الله بن مسعود، وساق الحديث.

    إذاً: البخاري علق هذا الحديث مع أنه وصله في صحيحه في أربعة مواضع كما ذكرنا الآن، وهذا الحديث أخرجه أيضاً الإمام مسلم من طريق وكيع بن الجراح ، وأبي معاوية ، وأبي الأحوص وشعبة بن الحجاج ، وآخرين كلهم يروي هذا الحديث من طريق الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن ابن مسعود رضي الله عنه.

    استدلال البخاري على صيغة السماع

    قال البخاري : وقال شقيق : عن عبد الله سمعت النبي صلى الله عليه وسلم كلمة.

    شقيق هو ابن سلمة ، وكنيته أبو وائل الكوفي ، أسدي، وهو مشهور بكنيته أكثر من اسمه.

    (عن عبد الله ) ابن من؟

    وعبد الله هنا صحابي، إذا قال الكوفي: عن عبد الله فهو ابن مسعود ، وإذا قال المصري: عن عبد الله فهو ابن عمرو بن العاص ، وإذا قال المدني: عن عبد الله فهو ابن عمر ؛ لأن أحياناً يأتي الصحابي عبد الله ، فإذا أردت أن تعلم من هو عبد الله الصحابي هذا، فانظر إلى الراوي عنه، فإن كان كوفياً فهو ابن مسعود ، وإن كان مصرياً فهو عبد الله بن عمرو بن العاص ، وإن كان مدنياً فهو عبد الله بن عمر بن الخطاب .

    فهذا شقيق بن سلمة أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه لم يره، فهو من المخضرمين، والمخضرمين هم: الذين أدركوا الجاهلية والإسلام.

    فقول البخاري : وقال شقيق : عن عبد الله : سمعت...، يريد البخاري أن يقول: كل هذا موصولٌ عند أهل العلم فإن عبد الله بن مسعود مرة يقول: حدثنا، ومرة يقول: سمعت، ولم يقل أحدٌ من أهل العلم: إن هناك فرقاً بين سمعت وحدثني، أي أن البخاري يريد أن يقول: حدثنا، وسمعت، بمعنى واحد.

    لكن لم يقع هذا اللفظ (سمعت) في صحيح البخاري ، إنما أورد المعلقات بالصيغ.

    البخاري يشير بهذا إلى حديثٍ أخرجه هو في عدة مواضع من صحيحه ، فأخرجه في كتاب الجنائز من طريق حفص بن غياث ، وأخرجه في كتاب التفسير من طريق أبي حمزة السكري - أبو حمزة السكري اسمه: محمد بن ميمون ، وإنما قيل له: (السكري ) ليس لأنه كان مريضاً (بالسكري). لا؛ سمي السكري لحلاوة كلامه، كان كلامه جميلاً، فقيل له: السكري لأجل ذلك، كما ذكر المزي وغيره في ترجمته، وهو مذكور -أظن- في: حلية الأولياء في ترجمة أبي حمزة .

    يقول: ما بلغني عن جاري أنه مرض قط إلا قوّمت نفقته في مرضه، وتصدقت بها أن الله عافاني مما ابتلاه به.

    مثلاً: كان إذا مرض جاره نظر كم أنفق على نفسه في ذلك المرض من علاج وأدوية... إلخ فيخرج ذلك المبلغ صدقة شكراً لله عز وجل أن عافاه مما ابتلى به جاره. والعلماء لهم كلام في التداوي : هل هو واجب أم مستحب أم مباح؟

    الصحيح أنه ليس بواجب،أي أن الإنسان إذا مرض فترك التداوي اتكالاً على الله تبارك وتعالى -والله هو الذي يرفع العلة- فهذا جائز لا إشكال فيه؛ وذلك لأن أبا بكر رضي الله عنه ترك التداوي في مرضه.

    لكن إذا كانت هذه العلة تصده عن القيام بحق العبودية، فيجب عليه أن يتداوى، مثلاً: إذا لم يتداو فإنه لا يستطيع أن يصلي، وقال له أهل الطب: إنه إذا تداوى فإنه يشفى بإذن الله، فحينئذ يجب في حقه التداوي، إنما يترك التداوي لمن قوي قلبه وقوي توكله، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب: (هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) فتركوا الاسترقاء، وتركوا التداوي اتكالاً على الله تبارك وتعالى.

    وقد ثبت عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه لما سمع أحاديث في فضل الحمى، وأنها حظ المؤمن من النار؛ دعا على نفسه بالحمى، لكنه اشترط أن لا تصده عن جماعة أو جهاد يقول الرواي: فكنا نضع أيدينا على جبهته فنرى أثر الحمى، ومات بها رضي الله عنه، لماذا اشترط أن لا تصده عن جهاد أو عن جماعة؟ لأن حضور الجماعة وحضور الجهاد أفضل بكثير من أن يبتلى المرء بالحمى ويتخلف عن الجماعة والجهاد.

    فـأبو حمزة السكري ذكروا في ترجمته أيضاً: أنه بلغه أن جاره يبيع داره، والجار لما جاءه المشتري قال: أبيعك الدار بأربعة آلاف. فقال المشتري: ولم؟ قال: ألفان ثمن الدار، وألفان ثمن جوار أبي حمزة ! فلما بلغ أبا حمزة قوله: ذهب إليه، وقال له: لا تبع الدار، وأعطاه أربعة آلاف على أن لا يبيع داره.

    لم ترد صيغة السماع في البخاري عن ابن مسعود في المرفوع بل في المعلق

    الإمام البخاري روى هذا الحديث في كتاب الجنائز من طريق حفص بن غياث ، ورواه في كتاب التفسير من طريق أبي حمزة السكري محمد بن ميمون ، ورواه في كتاب الأيمان والنذور من طريق عبد الواحد بن زياد ، كلهم يروونه من طريق الأعمش سليمان بن مهران ، عن أبي وائل ، عن عبد الله بن مسعود ، وساق حديثاً.

    قال ابن مسعود -الكلام هذا كله في صحيح البخاري -: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلمة وقلت: كلمة) . ولم يقع في صحيح البخاري الكلمة (سمعت)، التي أراد البخاري أن يحتج بها، البخاري قال في الحديث المعلق: (وقال شقيق عن عبد الله : سمعت) إنما في صحيح البخاري لم يقع كلمة (سمعت) عندما وقع بدلها كلمة (قال)، ابن مسعود قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة وقلت كلمة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار، وقلت أنا -أي: ابن مسعود -: من مات وهو لا يدعو لله نداً دخل الجنة) هناك فرق ما بين قوله وما بين قول النبي صلى الله عليه وسلم، وابن مسعود إنما بنى كلامه على كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار) معلوم أن من مات وهو لا يدعو لله نداً دخل الجنة، وقد ورد هذا صريحاً بنص النبي صلى الله عليه وسلم، من حديث جابر بن عبد الله كما في صحيح مسلم: (من مات لا يشرك بالله دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله دخل النار) وكما قلنا: إن ابن مسعود إنما بنى كلامه على كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومثله عروة بن الزبير لما روى حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من نبل المرأة تيسير أمرها وقلة صداقها. قال عروة : وأنا أقول من عندي: ومن شؤمها تعسير أمرها وكثرة صداقها) إنما بنى كلامه على كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك روى هذا الحديث مسلم من طريق وكيع ، ومن طريق عبد الله بن نمير ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عبد الله بن مسعود و ، مسلم دقيق فرق بين (سمعت) و(قال)، وقد روى هذا الحديث من طريق شيخه محمد بن عبد الله بن نمير ، قال: حدثنا وكيع بن الجراح ، وأبي -أبوه عبد الله بن نمير - كلاهما -أي: وكيع وعبد الله بن نمير - عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عبد الله بن مسعود ، وساق الحديث.

    انظر إلى التفريق! قال مسلم : وقال ابن نمير : قال ابن مسعود : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم. أما وكيع فقال: قال ابن مسعود : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذاً فرق مسلم .

    إذاً كلمة (سمعت) هذه لم تقع في صحيح البخاري ، إنما وقعت في صحيح مسلم، من رواية عبد الله بن نمير ، عن الأعمش فقط.

    إذاً رواه عن الأعمش حفص بن غياث ، وأبو حمزة السكري ، وعبد الواحد بن زياد و ، وكيع بن الجراح وأبو معاوية ...وآخرون، كلهم يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا ابن نمير رواه عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الذي أراده البخاري في التعبير الذي أوردنا، أنه يكفي كلمة: (سمعت). فهذه الرواية قرأها مسلم كما قلتُ لكم، من طريق شيخه محمد بن عبد الله بن نمير ، عن عبد الله بن نمير ، عن الأعمش .

    وروى هذه الكلمة أيضاً ابن خزيمة في كتاب: التوحيد، قال: حدثنا أبو سعيد الأشج قال: حدثنا عبد الله بن نمير ، عن الأعمش ، عن ابن مسعود قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم.. فذكر كلمة.

    1.   

    التنبيه على وجود تقديم وتأخير في حديث ابن مسعود

    بقي أن أنبه على شيء، وهو أن أبا معاوية وهو من أوثق الرواة عن الأعمش ، واسمه: محمد بن خازم الضرير ، روى هذا الحديث، فخالف عامة أصحاب الأعمش في متنه.

    ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من مات يشرك بالله دخل النار) هذا وعد أم وعيد؟ وعيد. قال ابن مسعود : (فقلت أنا: ومن مات لا يشرك بالله دخل الجنة)، فهذا وعد أم وعيد؟ هذا وعد. إذاً : الحديث شقان: وعيدٌ ووعد. الوعيد من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، والوعد من كلام ابن مسعود ، أبو معاوية قلب الحديث فجعل الوعد من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، والوعيد من كلام ابن مسعود ، وخالف عامة الرواة عن الأعمش في ذلك، وغلطه أهل العلم.

    وإن كان عندما نقول: أبو معاوية ، عن الأعمش فحديثه صحيح، وهو موافق لحديث جابر بن عبد الله الذي رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ومن مات لا يشرك بالله دخل الجنة)، لكن نقول: إن قلب هذا المتن شاذٌ من رواية الأعمش ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود ، وإن صحت رواية غيره من الصحابة، إذاً عامة الرواة عن الأعمش جعلوا الوعد من كلام ابن مسعود ، وجعلوا الوعيد من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله سلم.

    وأيضاً ذكر لفظة السماع سيار أبو الحكم العنزي ورواها عن أبي وائل ، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: (خصلتان: إحداهما سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأخرى أقولها) وساق الحديث أيضاً، فجعل الوعد من كلام ابن مسعود ، وجعل الوعيد من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الرواية رواها ابن خزيمة في كتاب التوحيد.

    وروى أيضاً لفظة: (سمعت) مغيرة بن مقسم الضبي عن أبي وائل عن ابن مسعود ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم .... وساق الحديث، هذه الرواية في صحيح ابن حبان.

    وروى الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا هشيم -وهو ابن بشير- قال: أنبأنا سيار والمغيرة . إذاً ابن خزيمة روى رواية سيار ، وابن حبان روى رواية المغيرة ، وأحمد جمعهما في رواية واحدة، قال: حدثنا هشيم -وهو ابن بشير - قال: أنبأنا سيار أبو الحكم ، ومغيرة بن مقسم الضبي كلاهما عن أبي وائل . فذكر لفظة السماع.

    وأيضاً روى لفظة: (سمعت) عاصم بن بهدلة ، - بهدلة هذه أمه، كان اسمها: بهدلة ، وعاصم هذا هو صاحب القراءة المشهورة، رواية عاصم التي أخذها عنه حفص وشعبة ، ولكن شعبة الذي أخذ القراءة عن عاصم ليس هو شعبة بن الحجاج الإمام العلم المشهور المحدث. لا، هذا هو شعبة بن عياش أبو بكر المقرئ أخذ الرواية عن عاصم ، ولكن الحق أن حفص بن سليمان كان أشهر الرواة عن عاصم بن أبي النجود أو عاصم بن بهدلة .

    فـعاصم روى هذا الحديث عن أبي وائل شقيق بن سلمة ، وفي مسند الإمام أحمد أورد رواية عاصم من طريق أبي بكر بن عياش ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن أبي وائل الكوفي ، عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

    كل هذه الأحاديث التي في صحيح البخاري، اتفق مسلم مع البخاري في رواية أغلبها.

    1.   

    استدلال البخاري على صيغة القول

    قال البخاري :

    وقال حذيفة : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين.

    أيضاً حذيفة قال: حدثنا. فـالبخاري يقول: حدثنا وسمعت وأنبأنا. كلها سواء، وأن الصحابة كانوا يضعون صيغ الإخبار مكان بعضها، ولم ينكر أحدٌ على أحد، قلت: إن البخاري لما ساق هذا كله يريد أن يدلل على أن كل هذه الصيغ تقوم بعضها مكان بعض، وأنها متساوية وتؤدي نفس الغرض.

    1.   

    وصل البخاري لحديث حذيفة والفوائد المستنبطة منه

    فقال: وقال حذيفة : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين. هذه معلقات علقها البخاري رحمه الله، إذاً أين إسناد البخاري ؟

    نقول: حديث حذيفة وصله البخاري في الموضع الفلاني، أو وصله فلان في الموضع الفلاني.

    البخاري روى هذا الحديث مسنداً في كتاب الإخلاص، وفي كتاب الفتن، قال في الموضعين: حدثني محمد بن كثير ، أخبرنا سفيان ، حدثنا الأعمش ، عن زيد بن وهب ، حدثنا حذيفة بن اليمان ، قال: (حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين، رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا: أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة) ....) الجذر: هو أصل الشيء، والأمانة في هذا الحديث: هي الإيمان، الذي يستلزم العمل بمقتضاه، والمقتضى هو جملة التكاليف الشرعية، وبما أنك رضيت بالله رباً، وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبياً، وبالإسلام ديناً، فبمقتضى هذا التقرير، إذ مطلوب منك أن تلتزم بالتكاليف الشرعية.

    إذاً عندما نقول: الإيمان هو أصل ومقتضى. وهو المذكور في قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72] فالإيمان نزل في جذر قلوب الرجال، أي: في أصل قلوبهم؛ ثم عملوا من القرآن، ثم علموا من السنة، فأيهما تقدم الآخر: الإيمان أم العلم؟ الإيمان.

    فهذا هو الفرق الذي ألمح إليه عبد الله بن عمر ، وجندب بن عبد الله البجلي ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وآخرون من الصحابة، قالوا: ( تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً، ويأتي أقوامٌ يتعلمون القرآن، ثم يتعلمون الإيمان، يشربونه شرب الماء ) كلام عبد الله بن عمر : يشربونه شرب الماء، كم من واحد حافظ للقرآن من أوله إلى آخره، ولا يفقه منه شيئاً، وهذا كثير.

    قوله: يشربونه شرب الماء، بمعنى: أنهم أقاموا حروفه وضيعوا حدوده، تجد الواحد منهم يقول لك: أنت لم تفخم الحرف الفلاني، وأنت رققت في غير موضع الترقيق، وأنت أتيت بصلة كبرى وهي صغرى، يفتي في كل هذه الأشياء، هذا أقام حروفه، نعم، لكن ما أقام حدوده الشرعية التي أناطها الله بهم.

    إذاً: هناك فرق بين الصحابة وبين من أتى بعدهم.

    ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه حفظ سورة البقرة في عشر سنوات. لماذا؟ لأنه كما روى أبو عبد الرحمن السلمي -أبو عبد الرحمن السلمي هذا أخذ القراءة عن عبد الله بن مسعود ، وعن عثمان بن عفان رضي الله عنهما، وظل يقرئ القرآن أربعين سنة، والذي جعله يمكث يقرئ الناس القرآن أربعين سنة حديث: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).

    قال أبو عبد الرحمن : فهذا الذي أقعدني من خلافة عثمان إلى زمن الحجاج بن يوسف الثقفي . أربعون عاماً وهو جالس يقرئ الناس القرآن-

    قال أبو عبد الرحمن السلمي : حدثنا من كانوا يقرئوننا، قالوا: ( كنا نأخذ العشر آيات فلا نتجاوزها إلى غيرها حتى نعمل بما فيها، فتعلمنا العلم والعمل جميعاً ).

    فالفرق ما بين الصحابة والذين جاءوا بعد ذلك: أن الإيمان سبق القرآن -أعني سبق تعلم العلم- فازدادوا بالقرآن والسنة إيماناً وتسليماً بالله ورسوله. فإذا قيل: قال رسول الله؛ سلَّم في الحال، لماذا؟ لأن عنده إيماناً سابقاً؛ لكن اجعل العلم هو الأول قبل الإيمان، ما النتيجة؟ أنه كلما جاءه أمر من القرآن أو السنة فإنه يعترض عليه، لماذا؟ لأنه لا يوجد إيمان.

    قال حذيفة رضي الله عنه: (حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة، وحدثنا عن رفعها -أي: عن رفع الإيمان من القلب- قال: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت) الوكت: هو ما يخلفه الجرح على الجلد من لون داكن أسود.

    : (ثم ينام النومة فتقبض فيبقى فيها أثرها مثل أثر المجل -ثم بين حذيفة رضي الله عنه معنى: المجل، قال: كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبراً) يعني عندما تأتي بجمر تدحرجه على رجلك أو يدك، فإنه سيصير له أثر، يكون عبارة عن انتفاخ مائي.

    (كجمر دحرجته على رجلك فنفط -أي: علا وبرز- فتراه منتبراً وليس فيه شيء -أي: منتفخاً، وهو مأخوذ منه المنبر، لأن الخطيب يصعد عليه فيبرز- ويصبح الناس يتبايعون -أي: يبيع أحدهما ويشتري الآخر، المقصود بالتبايع هنا البيع والشراء- فلا يكاد أحدٌ يؤدي الأمانة) لماذا؟ لأن هذه فرع عن الإيمان الموجود في القلب، كل التكاليف إنما هي فرعٌ عن الإيمان الموجود في القلب. فالإنسان الخائن ليس عنده إيمان.

    ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول -كما في حديث عياض بن حمار الذي رواه مسلم وأحمد - قال في نهاية الحديث: (وأهل النار خمسة: فذكر منهم: ورجلٌ لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك -إنسان خائن- وقال: ورجلٌ خائن لا يخفى له طمعٌ وإن دق إلا خانه) النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وأهل النار خمسة) فذكر منهم هذا. لماذا؟ لأنه ليس عنده إيمان، لو كان عنده إيمان لما خان الناس، وخادعهم.

    فيقول حذيفة -بعدما تنزع الأمانة المرة الثانية- : (ويصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً).

    يقول لك: في بني فلان رجل أمين! كلمة: (رجل أمين) هذه تدل على فساد الزمان. (قال: للرجل: ما أعقله! ما أظرفه! وما أجلده! وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان.

    ولقد أتى عليّ زمان ولا أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلماً رده عليّ الإسلام، وإن كان نصرانياً رده عليّ ساعيه).

    قوله: (رده علي الإسلام) يعني الإيمان، مثلاً: أنا بعت واشتريت معك، وحدث أثناء البيع والشراء خطأ في الحساب، فالبائع الذي اشتريت منه رأى أن زدته على قيمة سلعته عن طريق الخطأ، فالإسلام والإيمان الذي في قلبه يجعله يردها إليّ، من الذي جعله يرجعها لي؟ الإيمان والإسلام الذي معه.

    وقوله: (ولئن كان نصرانياً رده عليّ ساعيه) أي: أذهب إلى الرجل الذي هو المسئول عنه وأقول له: أنا لي كذا عند فلان، إذاً أرجع لي حقي.

    وهذا الحديث أخرجه الإمام البخاري أيضاً مختصراً حتى قوله: روى أوله: (إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم يعلمونه من القرآن، ثم يعلمونه من السنة) وساق الحديث إلى هذا، ورواه من طريق شيخه علي بن عبد الله قال: حدثنا سفيان عن الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة .

    1.   

    كيفية معرفة الرواة عند تشابه أسمائهم

    البخاري روى هذا الحديث -كما سبق وذكرت- في كتاب الإخلاص وفي كتاب الفتن- قال: حدثني محمد بن كثير قال: حدثنا سفيان عن الأعمش .

    سفيان من في هذا الحديث؟

    وفي أخبار الآحاد قال: وحدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا سفيان .

    سفيان الأول -في السند الأول- هو سفيان الثوري ؛ لأن محمد بن كثير مشهورٌ بالرواية عن الثوري دون ابن عيينة ، وسفيان في السند الثاني هو ابن عيينة وليس الثوري .

    وعندما نرى في الإسناد (سفيان) -ونريد أن نعرف من هو، هل هو سفيان الثوري ، أو ابن عيينة ؟- ننظر إلى الرواة عنه، فإن كان الرواة عنه كباراً -أي: من طبقة عالية- فهو سفيان الثوري مثل إذا كان الراوي عنه أبو نعيم الفضل بن دكين أو عبيد الله بن معاذ العنبري أو محمد بن يوسف الفريابي مثلاً، أو الضحاك بن مخلد الشيباني ، أو محمد بن كثير العبدي إذا رأينا كل هؤلاء يروون ويقولون: سفيان فهو الثوري ، وهذا على الغالب الأعم.

    لكن إذا قال القائل: حدثنا سفيان ، مثل: أحمد بن حنبل ، أو علي بن المديني ، أو مسدد بن مسرهد ، أو أبو الربيع الزهراني أو سليمان بن داود أو قتيبة بن سعيد ، أو عمرو بن علي الفلاس مثلاً، أو أحمد بن منيع ، أو كل هؤلاء، فيكون الراوي هو سفيان بن عيينة ؛ لأن كل هؤلاء لم يدركوا الثوري لماذا؟ لأن ابن عيينة تلميذ الثوري ، أخذ عن الثوري .

    فنحن إذا أردنا أن نحدد الرواة نسند الراوة، ننظر إلى الرواة عنهم، الذين هم غير منسوبين إلى أسانيد مثل (حماد)، هل هو حماد بن سلمة ، أو حماد بن زيد ؟ سفيان بن عيينة أو الثوري ننظر في الرواة عنهما.

    وروى مسلم رحمه الله هذا الحديث من طريق وكيع بن الجراح وأبي معاوية وعبد الله بن نمير، وعيسى بن يونس كلهم عن الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة بن اليمان .

    1.   

    استدلال البخاري على العنعنة

    ثم ذكر البخاري تعليقاً آخر، فقال: وقال أبو العالية : عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل.

    فهذه صيغة من الصيغ السالفة؛ لأن البخاري يقول: باب قول المحدث: حدثنا أو أخبرنا وأنبأنا، لم يكن هناك (عن)، البخاري أتى بهذا التعبير: وقال أبو العالية : عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه. كل هذه عنعنة، والبخاري إنما يتكلم عن صيغة السماع، ومع ذلك فهو ذكر العنعنة هنا.

    وحديث أبي العالية هذا وصله البخاري في كتاب التوحيد، فقال: حدثنا حفص بن عمر ، قال: حدثنا شعبة عن قتادة . ثم حول الإسناد، قال: (ح) -تحويلة سند- ثم قال: وقال لي خليفة : حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: (لا ينبغي لعبدٍ أن يقول: أنا خيرٌ من يونس بن متى) ونسبه إلى أبيه.

    اختلاف الرواة في حديث ابن عباس (لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)

    نبين هنا طريقة من طرق المحدثين:

    البخاري روى الحديث من طريق شيخين له، عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى، روى الحديث من طريق شعبة عن قتادة ، ومن طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة .

    فلما نظرنا في رواية شعبة وحده وجدنا أن شعبة ما رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه، إنما وقف بالحديث عند النبي صلى الله عليه وسلم وصار القول ( لا ينبغي لرجلٍ أن يقول: أنا خير من يونس... إلخ) صار من قول النبي صلى الله عليه وسلم، لا من قول رب العزة تبارك وتعالى.

    فـالبخاري روى هذا الحديث في كتاب الأنبياء، وكذلك أبو داود ، قال البخاري وأبو داود : حدثنا حفص بن عمر ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: وساق الحديث.

    من الذي قال؟ النبي عليه الصلاة والسلام، والبخاري في هذا الموضع من كتاب التوحيد جعله عن النبي صلى الله عليه وسلم عن رب العزة تبارك وتعالى. فهل هذا الحديث قدسي أو حديث نبوي؟

    أما رواية شعبة التي رأيتها في كل الكتب التي عندي فما تجاوز فيها شعبة النبي صلى الله عليه وسلم، أي: أن البخاري رواه -كما قلت لكم- في كتاب حديث الأنبياء، وأبو داود ، كلاهما من طريق حفص بن عمر عن شعبة عن قتادة ... فجعلاه من قول النبي صلى الله عليه وسلم.

    ثم رواه البخاري من حديث شيخه محمد بن بشار ، قال البخاري : حدثنا محمد بن بشار ، ومسلم أيضاً قال: حدثنا محمد بن بشار ، لكن زاد مسلم : ومحمد بن المثنى ، قالا -كلاهما-: حدثنا غندر - غندر من هو؟ محمد بن جعفر - قال: حدثنا شعبة بهذا الإسناد، فجعله من قول النبي صلى الله عليه وسلم. ورواه أحمد في مسنده ، قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة . وجعله من قول النبي صلى الله عليه وسلم.

    ورواه أيضاً عن شعبة أبو داود الطيالسي في مسنده، وعفان بن مسلم عند أحمد وابن أبي شيبة وابن حبان ، وعمرو بن مخزوم عند الطبراني في المعجم الكبير وآخرون، كلهم يروي هذا الحديث عن شعبة ، عن قتادة ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما ينبغي لعبدٍ أن يقول: أنا خيرٌ من يونس بن متى).

    إذاً رواية شعبة إنما وصل بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يرفعها إلى رب العزة تبارك وتعالى.

    إذاً فمن الذي رفع الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى رب العزة؟

    الرجل الثاني عن قتادة الذي هو سعيد بن أبي عروبة .

    إذاً البخاري لما روى الروايتين حمل رواية سعيد على رواية شعبة ، وأسند البخاري إسنادين مع بعض، ولم يبين لفظ من الذي رفع الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم إلى رب العزة تبارك وتعالى، نحن نعرف الألفاظ اللفظ الفلاني عن فلان إذا اختبرنا طرقه في الكتب الأخرى، فلما نظرنا إلى رواية شعبة عن قتادة ، لأن البخاري حول الإسناد من بعدها، فقال: وقال لي خليفة ، هو خليفة بن خياط صاحب التاريخ والمسند ، ولقبه شباب ، ذاك اسمه ولقبه شباب ، أول ما تقرأ كلمة شباب إذاً هو خليفة بن خياط عند البخاري .

    قال البخاري : وقال لي خليفة : حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أبي العالية عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه.

    إذاً رَفْعُ الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم إلى رب العزة إنما هو في رواية سعيد بن أبي عروبة دون الروايات السابقة.

    وقد يقول قائل: عندما ينفرد سعيد بن أبي عروبة بهذه الرواية، فلعل هذا من اختلاطه، فنقول: إن رواية يزيد عن سعيد قبل الاختلاط، والبخاري يتحرى في هذا الباب، يزيد بن زريع من قدماء أصحاب سعيد بن أبي عروبة .

    إذاً: ما هو محل الشاهد هنا؟ رواية أبي العالية ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن رب العزة.

    إذاً هل يشك أحدٌ في ثبوت رواية النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه، إذا صح الإسناد إليه؟! لا.

    فكأن البخاري أراد أن يقول: إن العنعنة إذا ثبت السماع والاتصال تكون كسمعت وحدثنا وأخبرنا، أنه لا يشك أحدٌ أن العنعنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى قائمةٌ مقام السماع، فإذا كانت العنعنة بين الراوي وشيخه بمثل هذه القوة، فحينئذٍ نحكم بالاتصال.

    الإمام البخاري مختلف مع مسلم في مسألة اشتراط اللقاء، وعنعنة المعاصر، هل تحمل على السماع أم لا؟

    البخاري قال: لا تحمل على السماع حتى يثبت في سندٍ من الأسانيد أنه قال: حدثنا.

    مثلاً: أنت تروي عن الشيخ الألباني رحمه الله، إذا ثبت لدينا أنك لقيت الألباني ولو مرة، وثبت لك إسناد أنك أنت قلت: حدثني محمد ناصر الدين الألباني . كل كلام منك عن الألباني بعد هذا سنأخذه؛ لأنه ثبت لدينا أنك لقيته يقيناً.

    والإمام مسلم يقول بالمعاصرة -إذا كانوا يعيشون في وقت واحد- وجائزٌ ممكن. فقرن الإمام مسلم الجواز بالإمكان؛ لأنه ممكن المعاصرة ولا يمكن اللقاء.

    فالإمام مسلم قال: وجائزٌ ممكن، فكأن مسلماً أراد معاصرةً بينة، وليست معاصرة مطلقة كما فهم عنه بعض العلماء، إن نقطة التعاصر كأنه أراد معاصرة بينة، كرواية مصريٍ عن مصري، وحجازي عن حجازي، وشامي عن شامي، وكوفي عن كوفي، وبصري عن بصري. وهكذا، فاحتمال اللقاء قوي جداً، إذ يتعذر أن يكون هناك طالبٌ للعلم، ويكون هناك شيخ مشهور، ومع ذلك لا يذهب هذا التلميذ ولا يلتقي مع هذا الشيخ أبداً، هذه مسألة متعذرة للعالم، قد نقول: مصري مع كوفي لا يلتقيان مع بعض وإن كانا متعاصرين.

    فالإمام البخاري يريد أن يقول: إن العنعنة إذا احتف بها ما يثبت اللقاء حملت على الاتصال، ولذلك أورد العنعنة هنا وألحقها بصيغ السماع.

    1.   

    إيراد البخاري لحديثين معلقين يدلان على العنعنة ووصلهما

    بقي لنا حديثان معلقان:

    قال أنس : عن النبي صلى الله عليه وسلم يروي عن ربه عز وجل.

    وقال أبو هريرة : عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربكم عز وجل.

    أما التعليق الذي هو عن أنس رضي الله عنه فوصله البخاري أيضاً في كتاب التوحيد، في نفس الموضع الذي روى فيه حديث أبي العالية عن ابن عباس ، والحديث الذي عناه البخاري هو حديث النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه تبارك وتعالى: (إذا تقرب العبد إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإذا تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، وإذا أتاني مشياً أتيته هرولة)، وهذا الحديث انفرد به البخاري عن مسلم من حديث أنس رضي الله عنه.

    أما حديث أبي هريرة رضي الله عنه -هذا التعليق عن أبي هريرة- فوصله البخاري في نفس الباب في كتاب التوحيد، وهو (باب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وروايته عن ربه تبارك وتعالى) وأورد نفس الحديث الذي هو (إذا تقرب العبد مني شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإذا تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً أو بوعاً).

    وقد ذكر البخاري هذا التعليق في كتاب التوحيد، واتفق معه الإمام مسلم في رواية هذا الحديث، أما حديث أنس فقد انفرد به البخاري.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.