إسلام ويب

البدعة وآثارها في محنة المسلمين [5]للشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تكفل الله عز وجل لهذه الأمة بمن يجدد لها أمر دينها، وينافح عن سنة نبيها عليه الصلاة والسلام، وإن من أعظم المجددين بشهادة تاريخ هذه الأمة هو ابن تيمية، الذي كانت حياته حافلة بالزهد والعطاء، والذي كرس جهوده في حماية جناب المصطفى سواء عرضه أو سنته ومنهجه، لقد وقف ابن تيمية في وجه أهل البدع مواقف مرضية حتى صار من بعده من العلماء عيال عليه، يستقون من رحيقه، ويتزينون من جوهره ولؤلؤه ومعدنه، فرضي الله عنه وأرضاه، ورحمه الله رحمة واسعة.

    1.   

    أهل البدع يتوارثون الحقد على ابن تيمية

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا *يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    إن محنة أي عالم تكون غالباً بسبب المبتدعة، وذلك أن العالم الرباني إذا أراد أن يأخذ الناس إلى خير الهدي فإنه بذلك يهجر البدعة من أسها، وللبدعة دولة وقوة.

    لذلك أردت أن أعرض نماذج من ابتلاءات العلماء التي كانت بسبب أهل البدع ووشايتهم، والعلماء الذين أوذوا بسبب أهل البدع كثرة كاثرة، بل لا أعلم عالماً متبعاً إلا أوذي بسبب أهل البدع، كلهم بدءاً من الإمام مالك ، وأشهر من أوذي من الأئمة الأربعة الإمام أحمد رحمه الله، ظل القيد في رجله سنتين وهو في السجن، وحفظ الله عز وجل الأمة به، وذهب المبتدعة إلى مزابل التاريخ، وبقي الإمام أحمد يبدأ بفكره ويعاد، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وآله وسلم عندما ذكر بلاء الأنبياء، وأنهم أشد بلاء، وهو بدأهم، فقال: (كذلك نحن معاشر الأنبياء نبتلى ثم تكون العاقبة لنا) نعم. لكنها تحتاج إلى صبر جميل، كما قال تبارك وتعالى: وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف:128] .

    لكنني لا أتكلم الآن عن الإمام أحمد ، فإن له حرمة بحيث أن بعض المبتدعة الذين يخالفونه أصبحوا يدافعون عنه، من باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله لينصر هذا الدين بالرجل الفاجر) والإمام أحمد له مذهب متبوع، وله مسند شهير، وأطبق الجميع على توثيقه وتبجيله، ولأنه كان في القرن الثالث الهجري -قرن الريادة العلمية، أخصب قرن في حياة المسلمين العلمية- ثم بدأ الانحصار العلمي إلى أن وصل إلى القرن الثامن الهجري، فبلغ الإمام الكبير العلم الذي أغلق الباب بعده، فما أتى بعده مثله قط حتى هذه الساعة.

    والذي حظا بالهجوم والتبجيل هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    هذا الرجل النبيل الكريم البحر العلم، الذي ما يزال يرمى بالكفر حتى هذه الساعة، وكثير من المسلمين لا يعرفون شيئاً عن ابن تيمية ، حياة شيخ الإسلام ابن تيمية حياة لا تعلم إلا بمطالعة كل ما كتب عنه سواءٌ بقلمه أو بقلم أتباعه؛ فإذا كنت ممن يحبه بالغيب تزداد له حباً، وإن كنت ممن يتوقف في محبته فتحبه بلا تردد، وإن كنت ممن عاديته فتراجع نفسك على أقل تقدير، فهذا رجل صوفي عملوا معه حواراً طويلاً عن شيخ الإسلام ابن تيمية ، كله بهتان وكذب، قال في آخر الحوار: لو حكَّمني ربي في ابن تيمية لقطعت لحمه ورميته للكلاب!!

    هذا الرجل لا يعنيني، وليس كلامه في موضع الحجة عندي، لكن أقول لك: انظر كيف يقال عن الرجل حتى هذه الساعة! ويقول: إن أردتم أن تعلموا حقيقة ابن تيمية فاقرءوا كتاب العالم الكبير ابن ناصر الدين الدمشقي : الرد الوافر على من سمى شيخ الإسلام ابن تيمية فهو كافر. أي: أنت إذا قلت: شيخ الإسلام ابن تيمية خرجت من الملة!!

    المدهش أن في هذا الكتاب رد على فتوى من قال: من قال ابن تيمية شيخ الإسلام فهو كافر وقلب الكتاب .... وهذا يدل دلالة قاطعة على أنه لم ير الكتاب بعينه؛ لأن هذا الكتاب من أعظم الكتب التي دافعت عن شيخ الإسلام ابن تيمية عندما قام علاء الدين البخاري المتعصب الحنفي، وقال: إن من قال عن ابن تيمية: إنه شيخ الإسلام فهو كافر، وقال هذا الكلام بعد وفاة شيخ الإسلام بمائة سنة، فأجج هذا نار الغيرة الدينية في صدور العلماء في دمشق آنذاك وعلى رأسهم ابن ناصر الدين الدمشقي -والمفروض كان يواجه الحافظ ابن حجر العسقلاني في مصر هناك- وجمع قول تسعين عالماً من وقت ابن تيمية إلى وقت تصنيفه الكتاب، كلهم أطلق هذه العبارة على ابن تيمية أنه شيخ الإسلام ، ونقل كلام العلماء -وخصوصاً القضاة- أن من قال هذه المقالة أن من يقول: إن ابن تيمية شيخ الإسلام فهو كافر، ينبغي أن يعزر، ومنهم من أطلق كفر هذا الخائن؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من قال لأخيه: يا كافر! فإن لم يكن كذلك فقد رجعت إليه) وابن تيمية ليس كافراً، إذاً: رجعت الكلمة إليه.

    فهو يقول: من أراد أن يعرف حقيقة ابن تيمية فليقرأ كتاب الرد الوافر، وأنا أقول لكم جميعاً: اقرءوا (الرد الوافر) لتعلموا أنهم لا يقرءون وإنما يرددون الاتهامات ولا يعرفون شيئاً، أعظم شخص افتري عليه في التاريخ ابن تيمية ؛ لذلك تكثر حسناته، كما قيل لـعائشة رضي الله عنها: (ألا ترين إلى الذين يسبون أبا بكر وعمر ؟ قالت: وما تعجبون من ذلك، قطع الله عنهم العمل، فأحب أن لا يقطع عنهم الأجر).

    ما من خطبة يضعها رجل في حق عالم أو ولي لله إلا رجعت إليه، وكانت حسنة في كتاب العالم، قطع الله عنهم العمل فأحب أن لا يقطع عنهم الأجر، معظم عداوة المبتدعة هي على ابن تيمية ليتهم يقرءون ليعلموا أن هذا الرجل فعل بالمبتدعة ما لم يفعله أحد، كان فيهم أنكى من الجيوش الجرارة وحده، هذا الرجل عمره (63) سنة قضى منها أربعين سنة يتكلم في نحور المخالفين، وينصر دين الله عز وجل، فلا يمكن الوفاء بحقه في ساعة ولا ساعتين ولا عشر ساعات، لكن كما قلت: أهل التجهيل المتوارث لا يقرءون.

    1.   

    ابن عبد الوهاب نال ما ناله ابن تيمية

    شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، مجدد دعوة التوحيد في جزيرة العرب، حتى الآن المبتدعة يكفرونه، ويلقبون كل من اتبع السنن أنه وهابي:

    إن كان تابع أحمد متوهباً فأنا المقر بأنني وهابي

    أحد طلاب العلم النابلين أصيب بمرض فذهب إلى تركيا للعلاج، وكان بجوار المستشفى مسجد، فكان ينزل يصلي فيه ويقعد قليلاً، فإذا به يفاجأ بأن إمام المسجد يعلم الناس العقيدة الماتريدية لأن أغلب الأتراك أحناف- وهذا الإمام يسب محمد بن عبد الوهاب ويحذرهم منه، بقوله: هذا الرجل الذي حارب الإسلام، والذي هو قرن للشيطان، والذي عناه النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح عندما قال: (من نجد يطلع قرن الشيطان ....) ونجد تابعة للسعودية، ونجد التي عناها النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث هي نجد العراق، لكنه قلب نجد العراق إلى السعودية، ثم قال لهم: وهذه بشارة من الرسول عليه الصلاة والسلام؛ من أن قرن الشيطان يطلع من نجد، وما هو إلا محمد بن عبد الوهاب الذي غير الدين.

    ولم يزل يتكلم على محمد بن عبد الوهاب رحمه الله كل مرة هكذا، فأضمر طالب العلم الذكي في نفسه شيئاً، أتى إلى الشيخ، وقال له: أنا زهقت من محمد بن عبد الوهاب وكلامك الحقيقة أنه مدهش، فأنا عندي كتاب وخفت أن تكون فيه بعض البدع، وأريد أن تنصحنا، هذا الكتاب كان كتاب التوحيد لـمحمد بن عبد الوهاب ، فهذا الطالب الذكي قطع الغلاف والعنوان وأعطى الكتاب لهذا الشيخ، هو جاهل لا يقرأ ولا يعرف شيئاً، وإنما عنده عداوة متوارثة لأولياء الله، وقال له: اقرأه ثم أرجعه لي، أعطاه الكتاب وبعد ثلاثة أيام جاءه وقال له: يا مولانا! ما هي أخبار الكتاب؟

    قال له: لم أجد شيئاً يخالفه، هو عبارة عن آيات قرآنية وأحاديث وما يستفاد من الحديث.

    قال له: هل تنصحني بقراءته؟

    قال له: نعم.

    قال: يا مولاي! هذا كتاب التوحيد لـمحمد بن عبد الوهاب الذي تحذر منه منذُ شهر. فبهت الرجل! أول مرة يقف على كتاب محمد بن عبد الوهاب ، اندهش الرجل وقال له: لا أدعك. أنا الآن عندك في مرتبة المتعلم، علمني، فأخذه إلى هناك وعلمه.

    أغلب الناس يهاجمون العناوين ولا يعرفون المضامين، وكله كذب، فإن أغلب العداوات التي تقع للعلماء الربانيي، بسبب الأشلاء المشوهة التي تصير عنهم، وهذا هو ما حصل لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    1.   

    ابن تيمية وحياته الحافلة بالعطاء

    توقد ذهن ابن تيمية في مرحلة الشباب

    ولد شيخ الإسلام رحمه الله يوم الإثنين العاشر من ربيع الأول، سنة (661هـ)، والتحق بطلاب العلم آنذاك في حفظ القرآن الكريم، فحفظه قبل أن يتم تسع سنوات، وبدأت تظهر عليه مخايل الذكاء والحرص من الصغر، حتى جاء رجل من دمشق ثم ذهب إلى حلب وجعل يمدحه ويثني عليه.

    واستكثر أحد علماء حلب هذا الوصف على طالب صغير، فجاء إلى دمشق ليعاين الأمر بنفسه، فجلس عند حائك -خيَّاط- قال له: هل سمعت عن فتىً يقال له أحمد بن عبد الحليم ، يقولون: هو أعجوبة في الحفظ؟

    قال: نعم، هو يمر إلى الكتَّاب من هذا الطريق.

    فجلس الرجل ينتظره، فلما أقبل أحمد بن عبد الحليم -وهو صبي صغير- أشار الحائك إليه، قال: هذا هو.

    فناداه العالم وقال له -وقد رأى في يده لوحاً-: أين تذهب؟ قال: إلى الكتَّاب.

    قال: أعطني اللوح، فأعطاه اللوح فكتب فيه ثلاثة عشر حديثاً، وقال له: اقرأها. فما زاد ابن تيمية على أن نظر فيها، فأخذ الرجل منه اللوح ومسحها، ثم قال له: هل حفظت شيئاً؟

    قال: نعم، حفظتها، قال: قل، فقرأها كما هي! فقال: لو عاش هذا الغلام لا يكون هناك مثله.

    وعاش ابن تيمية وفعلاً صدقت فراسة الرجل.

    شيخ الإسلام ابن تيمية حنبلي المذهب، دأبه في طلب العلم تعاهد نيته ليقوى قلبه. طالب العلم الذكي هو الذي يتعاهد نيته وقلبه في حال الطلب، فيكبر علمه وتكبر نيته مع العلم، لكن كثيراً من الذين يأخذون العلم يطلبونه بمعزل عن تعاهد النية، فيكبر علمه ولا تكبر نيته، لذلك تجد علمه أوسع من نيته وأكبر من إخلاصه مع كتابه، فعندما يأتي إلى قلبه يجد أن العلم صار أكبر وأوسع فلا يستطيع أن يطوع قلبه لعلمه، فلابد أن يتعاهد قلبه مع علمه، كلما كبر العلم كبرت النية والإخلاص معه، فينتفع به، فهذا ما حصل لـشيخ الإسلام رحمه الله.

    بداية ظهور إمامة ابن تيمية

    الكل منذهل ومندهش منه، لكن لم تظهر إمامته، لأن تعظيم الإمامة يظهر عند محك الخلاف.

    بدأت تظهر إمامة شيخ الإسلام سنة (698هـ)، ومع وجود إمامته بدأت محنته!

    لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود

    ويوضح هذا البيت الجميل قول القائل أيضاً:

    يقابلني السفيه بكل فتـح فأكره أن أكون له مجيباً

    يزيد سفاهةً فأزيد حلماً كعود زاده الإحراق طيباً

    هذا البخور إذا كان موضوعاً أمامك هل له رائحة؟ هل له عرف؟ ليس له عرف، أحرقه تشم رائحة زكية، تظهر الإمامة مع الخلاف، والخلاف يكشف كل زيف، كثير من الناس يدعون الإمامة كذباً، تعال نعرف إذا كنت كاذباً أم لا.

    كما قال ابن المعتز :

    سوف تعلم إذا انجلى الغبـار أفرس تحتك أم حمار

    دعنا من التهويل حتى ينتهي الغبار، لا تقل: أنا أركب فرساً مضمراً عربياً، قد يكون تحتك جحش.

    تأليف ابن تيمية للحموية

    بدأ الخلاف بالكتاب المشهور لشيخ الإسلام ابن تيمية : الفتوى الحموية الكبرى، قرر فيها مذهب السلف في الصفات، وأننا نمرها كما جاءت بغير تأويل ولا تفويض، وهناك فرقٌ بين التفويض والتأويل، لأنه حصل لبس في الاصطلاحات، فبعضهم يقول: كان الصحابة يفوضون معاني الصفات! لا. من قال: إنهم كانوا يفوضون؟!! فالتفويض معناه: تمرير النص بلا فهم للمعنى؛ فمعناه أنه الصحابة كانوا جهلة، حملوا صفات الله ولا يعلمون عنها شيئاً: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة:1] سميع ماذا يعني؟ أو تقول: سميع وتسكت؟ الألفاظ قوالب المعاني، ولا يوجد لفظ بلا معنى، فما معنى: إن الله سميع؟ يقول: سميع فقط، هو فوَّض المعنى على ظاهر النص، لكن ترك التأويل هو في خلاف ذلك نقول: نمرها كما جاءت، نعم، لكن نثبت له سمعاً يسمع، كيف يسمع؟! لا ندري، فهذا هو الفرق، أنا تركت تأويل كنه الصفة وأثبت شيئاً يليق بالله تبارك وتعالى، لكن التفويض: لا. ليس هناك إثبات معنى، وإنما هو إثبات اللفظ عارٍ عن المعنى، وما قال بهذا أحد من العلماء قط.

    فشيخ الإسلام ابن تيمية جاءته رسالة من مدينة حماة -ولذلك سميت الفتوى الحموية- فكتب هذا الكتاب المدهش من حفظه ما بين الظهر إلى العصر، ونقل أقوال العلماء من كتبهم، ارجع إلى كتب العلماء تجده كما نقل بالحرف.

    لا تندهش! فهناك ما هو أعظم من ذلك، ليس لـابن تيمية ولكن لتلميذ ابن تيمية النبيه، وارث علم ابن تيمية حقاً، وهو الإمام ابن القيم ، مؤلف زاد المعاد في هدي خير العباد ألفَّه من حفظه وهو مسافر إلى الحج، وما معه كتاب، واعتذر في مقدمة الكتاب بأن الخاطر مشغول وهو على سفر كتب ابن القيم خمسة مجلدات عند استراحته ونزوله في الطريق.

    فكتب شيخ الإسلام ابن تيمية الفتوى الحموية الكبرى، فقامت قيامة الأشاعرة والماتريدية وكل مبتدع، وبدأت المحن من هنا، فناظرهم وانتصر عليهم، ولم يستطيعوا أن يأتوا بحرف يخالف مقال السلف:

    وكلٌ يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك

    إذا كان الأشعري يقول:أنا سلفي .. والماتريدي يقول: أنا سلفي .. والجبري يقول: أنا سلفي .. حتى الشيعي، كل ينتمي للسلف القدامى، فكلهم يدعي وصلاً بليلى، لكن عند المحك يظهر المدعي.

    ألبوا عليه الأمير، فأمر العلماء أن يعقدوا مجلساً للوزراء، وجاء ممثل لكل مذهب من المذاهب الأربعة .. ممثل عن المذهب المالكي، وممثل عن المذهب الحنفي، وممثل عن المذهب الشافعي، وممثل عن المذهب الحنبلي، وبدءوا يناظرونه ويناظرهم، فانفض المجلس ولم يعثروا عليه حرفاً، إلا في بعض الألفاظ التي أطلقها، قالوا له: غيرها لكذا، ثم قال لهم بعد عدة مجالس: أنا أمهل كل من خالفني سنة أن يأتي بحرف عن أحد العلماء في القرون الثلاثة الأولى يخالف ما ذكرته، كان مدهش النقل! يقول الإمام الذهبي رحمه الله: له اليد الطولى في النقل، لدرجة أن الكل يتعجب من قوة استحضاره، حتى قال الإمام الذهبي -وهو العالم الكبير المشهور المحدث-: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث.

    إذا قال لك ابن تيمية : أنا لا أعلم هذا الحديث، فابك عليه، ولن تجد له أصلاً، مع أن ابن تيمية لا يصنفه العلماء محدثاً بل يصنفونه فقيهاً، وهو في الحديث في هذه المرتبة.

    ابن تيمية ونبوغه في علم التفسير

    أما علم التفسير فلا يعلم رجلٌ فتح عليه مثل ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ، يقول الذهبي رحمه الله: كان له مجلس تفسير كل جمعة، لكن أنا أقول لك: كيف يبدأ درس شيخ الإسلام ؟ يصلي الفجر ثم يجلس على هيئته يذكر الله عز وجل إلى شروق الشمس، ثم يقوم فيصلي الضحى ثماني ركعات، ثم يجلس لدرس التفسير إلى قبيل الزوال، فيأتي بما لا يخطر على البال من المعاني الجميلة، حتى وصل به الحال أن فسر آية واحدة في سورة محمد أربع سنوات، من أين أتى بهذا الكلام؟!!!

    وكان كلامه لصدقه وإخلاصه يؤثر في القلوب، لا يستطيع رجل أن ينام وابن تيمية يتكلم من حرارة كلامه وصدقه، وإذا ألقى الله عز وجل محبة رجل في قلوب الناس لا مغير لها، وهذا ما حدث لشيخ الإسلام ابن تيمية ، غلب الناس على حبه حتى المخالفين له.

    ابن مخلوف المالكي الذي أفتى بإهدار دم ابن تيمية ؛ حتى سماه الشوكاني في البدر الطالع: ذاك شيطان الإنس. وقال: أهدر دم ابن تيمية ! الحمد لله أنه لم يستجب له في إهدار دم هذا الإمام الذي لم يسمع الزمان بمثله!

    تأليف ابن تيمية للواسطية

    هذا قاضٍ من قضاة واسط جاء إلى ابن تيمية وقال له: اكتب لي عقيدةً ولأهل بيتي أضعها بيني وبين الله حجة، فاعتذر ابن تيمية ، فألح عليه، فكتب له شيخ الإسلام ابن تيمية العقيدة الواسطية في مجلس واحدٍ أيضاً بين الظهر والعصر، فقامت القيامة على هذه العقيدة أيضاً؛ لأن فيها نفس مقررات العقيدة الحموية السابقة واجتمع القضاة الأربعة، وصاروا إليه، فناظرهم وانتصر عليهم، كما تقول كتب التاريخ.

    وظل زماناً طويلاً يدخل السجن ويخرج منه، حتى إنه لما رحل إلى مصر -وشرفت مصر بقدومه- ظل فيها سبع سنوات، منها عدة أشهر طليقاً والباقي في السجن.

    ابن تيمية وجهاده للتتار

    العلماء والقضاة تنكروا للرجل بعد واقعة شقحب، التي كان من المفروض أن يدين أهل الإسلام بالولاء له بعدها، فعندما توجه التتار نحو مصر بعد أن غزوا العالم كله وفتحوه، حتى إن هولاكو كان إذا أرسل رسوله ومعه رقعة وكتب فيها: أنا سآتي، فترتعد فرائص كل من في البلد؛ لأن هولاكو كان معروفاً بسفك الدماء والإفساد في الأرض، فبدأ ابن تيمية يدعو الناس للجهاد ويحثهم عليه، ووجد السلطان خائفاً فطمأنه، وقال: إننا لمنصورون هذه المرة، فقال السلطان: قل: إن شاء الله، قال له: تحقيقاً لا تعليقاً، ثم يقسم بالله: إننا لمنصورون عليهم هذه المرة.

    قال ابن القيم رحمه الله في الوابل الصيب، حتى قال السلطان لبعض الحجاب: أرني خط الموت، أين خط الموت، فوقف عليه السلطان -الحاجب هو الذي يحكي حكاية- يقول: وأنا أعلم أنه مقتول، ثم يركب ابن تيمية الفرس ويدخل في المغول ويقسم بالله: إننا لمنصورون هذه المرة، وذهب إلى غازان قائد التتار، فقال له: نحن مسلمون، لماذا تخافون منا؟ الرجل يدعي أنه مسلم وعنده قاضٍ ومؤذن ورجل يؤم المسلمين شيخ الإسلام ابن تيمية علم أنه سيغرر بالناس، فدخل عليهم شيخ الإسلام ومعه أعيان البلد.

    يقول أحد العلماء الذين حضروا الموقف: كان ابن تيمية يكلم غازان بكلامٍ شديد، وأنا أجمع ثيابي حتى لا يصيبني دم ابن تيمية ، وكنا نقول: إنه لن يخرج حياً إنه سيقتله؛ من شدة الكلام الذي وجهه له.

    ومما قال له: أنت تزعم أنك مسلم؟ أبوك كان كافراً وجدك كان كافراً فوفيا وغدرت، وكان غازان يتلطف معه، ويمسك على كتفه، ثم قال له: ادع لي يا مولانا!

    هنا يتبين العالم الذكي، وهنا تتضح الدعوة الناضجة قال: نعم، اللهم إن كان عبدك هذا خرج لتكون كلمتك هي العليا فانصره، وإن كان خرج رياءً وبطراً فاقتله، قالوا: فكان يدعو عليه وهو يؤمن، وخرج إلى الشام مظفراً وقد قال له العلماء والدعاة: لا نتبعك بعد الآن، سوف نقتل جميعاً بسببك، قال: وأنا لا أتبعكم، قالوا: وتخلف شيخ الإسلام وتركناه وذهبنا راجعين إلى البلد، ورجع هو بعد خمسة أيام بصحبة ثلاثمائة راكب، شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الذي حصل له سنة (702) وبعدها كان المفروض أن يبجلوه، بعدما عرفوا قدره، لكن أهل البدعة الذين ناصبوا النبي صلى الله عليه وسلم العداء في هديه لا يستحون من عباد الله.

    محنة ابن تيمية في فتوى الطلاق

    دخل شيخ الإسلام ابن تيمية مصر سنة (705هـ) فأدخلوه السجن، خافوا منه أن ينشر العلم في البلد، فظهرت فتيا الطلاق، وهذه من العجائب!

    الآن في مصر والشام وفي سائر البلاد العربية وأغلب البلاد الأعجمية يأخذون بفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في الطلاق، ولكن أغلبهم لا يأخذ بها لأنها الحق، ولأنها وجه التشريع للناس، ولكن لأنها التيسير.

    أهل المذاهب الأربعة يقولون: إذا قال رجلٌ لامرأته بنفس واحد: أنت طالق ثلاثاً، فإنها تبين منه، سواء كان في حالة غضب أو لا، ولا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره، فقام شيخ الإسلام ابن تيمية في القرن السادس فقال: إن الرسول عليه الصلاة والسلام وأبا بكر و وصدراً من خلافة عمر كانوا يجعلون طلاق الثلاث بلفظٍ واحد طلقة واحدةً، فلما تتابع الناس على لفظ الطلاق واستهزءوا به، والكل يقول: عليَّ الطلاق وإذا امرأته طالق، أراد عمر أن يردعهم ويزجرهم، فقال: إن الناس قد تتابعوا في أمر كان لهم فيه سعة، أفلا ترون أن أضيقه عليهم عقوبةً لهم؟

    فوافقوه، فصارت الفتوى كذلك، وهذه فتوى الأئمة الأربعة والجماهير: أن من قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً بلفظ واحد أنها قد طلقت ثلاثاً وبانت منه.

    فجاء شيخ الإسلام ابن تيمية وقرر المسألة وأتى بأشياء، ولكن عندما تقرؤها تقلب كفيك عجباً من دقة استنباطه للنصوص ودفاعه عن الأحاديث، المهم انتصر شيخ الإسلام في هذه المسألة، فقامت قيامة الدنيا، وقالوا: هذا الرجل يلعب بأنكحة المسلمين، فمعنى: أن رجلاً يقول لامرأته: أنت طالق ثلاثاً ونحسبها طلقة واحدة وهو يردها لزوجها، إذا:ً ابن تيمية أباح الزنا، ولم يبق إلا أن يقولوا: ابن تيمية يجيز الزنا، كيف يجيز الزنا؟!! يقولون: لأجل لفظ الثلاث بالطلاق مرة واحدة فالمرأة لم تبن منه بينونة كبرى، ومع ذلك مضت الأيام والسنون وإذا فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية يتبنونها في القضاء وفي المحاكم وفي لجان الفتوى، ليس لأنه الحق لكن لأنه التيسير، فنحن لو أخذنا بفتوى العلماء الأربعة يبقى (999) من ألف، فأخذوا بها، وعندما دخل شيخ الإسلام ابن تيمية السجن أنكر عليهم أول ما دخل ولم يمكنهم من ممارسة اللهو واللعب، حتى تحول السجن إلى حلقة علم، ومن الغرائب: أن المسجون الذي كان يأتيه الفك بالخروج لا يريد أن يخرج، والذي خارج يتمنى دخول السجن لوجود هذا العالم المبارك، أعداؤه عندما نظروا إلى هذا الرجل انذهلوا، وألبوا عليه فطلبوا نقله إلى سجن الإسكندرية، فنقل إلى سجن الإسكندرية حتى جاء السلطان محمد الناصر وسأل ابن تيمية عن مسألة فأحبه وهو رجل بطل مغوار قائد شجاع يُكسب، عندما تكسب القادة العسكريين تتحطم أمامك الأبواب نتعلم من ابن تيمية على الأقل تقييد القلوب، فسأل عن ابن تيمية فقالوا: هو في سجن الإسكندرية فأرسل إليه وجعل الحكام يعتذرون له ويقول: اجعلني في حل، قال: أنت في حل، وكل من عاداني، ولا يعلم أنني على الحق في حل، انظر إلى السماحة!

    وما تركوا ممكناً في إيذائه إلا فعلوه، حتى وصلوا إلى أنهم ذهبوا إليه في المسجد وضربوه، فأتى أناس من أتباع ابن تيمية وأحلافه وقالوا له: نحن أتينا إليك؟ قال: لم؟ قال: ننتصر ممن ضربك، قال: إن كان الأمر لي والحق لي فقد أحللتهم، قالوا: لا بد أن نفعل، قالوا: إذاً افعلوا ولا تأتوني بعد ذلك، فكفوا، فقال: أنا أحل كل من عاداني إلا من كان عدواً لله ورسوله، ثم استمر عدة سنوات.

    محنة ابن تيمية في منع شد الرحال إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم

    جاءت المحنة الكبرى وهي منع شيخ الإسلام شد الرحال إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام، عندما جاءه رجل وسأله: ما تقول السادة العلماء في شد الرحال إلى قبور الأنبياء والصالحين، ومنهم قبر نبينا صلى الله عليه وسلم، هل هذا جائز، أم لا؟

    فكتب كتاباً ذهب فيه إلى عدم الجواز، وقال: إنه لا يجوز لأحدٍ أن يشد رحاله إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقامت القيامة عليه وقالوا: هذا يكره النبي صلى الله عليه وسلم، يمنع زيارة قبر النبي! طيب أيكون هذا مسلماً! فحرفوا فتوى شيخ الإسلام وقالوا: إنه يقول: لا يستحب أن تذهب إلى المدينة، هل قالها؟ وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من أربعة مواضع في غير هذا الكتاب على هؤلاء: هل سمع له أحد؟ هل رجع أحد وتحقق من صدق كلامه؟

    الجواب: لا. واستمروا في التأليب عليه، حتى حبس هذه المرة في دمشق؛ لأنه مكث في مصر سبع سنوات ثم انتقل سنة (712) إلى دمشق، فكان يكتب الفتاوى في الأوراق، وكان آنذاك مكرماً فسمح للناس بزيارته وإدخال كل الأوراق والكتب، ولا يحجب عن الناس، كالإقامة الجبرية فسمحوا للناس أن يدخلوا إليه، لكنه لا يخرج، وكان الأعيان والعلماء يستفتونه من باب ويأتيه الآخرون من باب آخر، فكان منشغلاً إما بالتصريح وإما بالفتوى وإما بحل المشاكل بين الناس، إلى أن شدد المخالفون عليه فأبقوه في السجن ليستريح، ومنعوا الدخول إليه والاستفتاء منه، ومن العجب أن العلماء كانوا موجودين بالمئات، ومع ذلك لم يكونوا يأتمنون أحداً على الفتوى كمثل شيخ الإسلام ابن تيمية ، وهو مسجون: وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [الحج:18] وقد أكرمه الله تبارك وتعالى، فما له من مهين، إلى أن أخذوا منه الأوراق والأقلام، ومنعوا أحداً أن يدخل عليه، فبدأ المرض يشتد على جسد ابن تيمية رحمه الله، وظل مريضاً نحو شهر كامل، ثم وافاه الأجل رحمه الله ليلة الإثنين في (26 من ذي القعدة سنة 728هـ) بعد حياة حافلة، فهذا مجمل حياة شيخ الإسلام ابن تيمية .

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

    الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    وبعد: فإن مسألة شد الرحال إلى القبر، انتصر شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا البحث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) وقد ذكر علماء العربية والأصول: أن نفي الاستثناء يفيد الحصر (لا وإلا) ، وإذا وجدت في الكلام اعلم أن المعنى محصور على ما ذكر بالنص، لا إله إلا الله، هذه (لا) نفي (إلا) أداة استثناء، فعندما يأتي على الاستثناء النفي ، يبقى محصوراً: لا إله إلا الله، فنفى الألوهية عن كل أحدٍِ إلا الله، فيبقى أنه أثبت للمذكور في الكلام ونفاه عن ما عداه، فأثبت الألوهية لله ونفاها عن كل من عداه، فعندما يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) أي: لا يجوز شد الرحال إلا للمسجد، فإذا شددت الرحال إلى المسجد والقبر بالمسجد فإنك تذهب لزيارة القبر، ولزيارة القبر آداب وهي: كذا وكذا .. يبقى: هل شيخ الإسلام ابن تيمية يحرم زيارة قبر الرسول عليه الصلاة والسلام؟! ما قال هذا شيخ الإسلام وإنما قال: لا يجوز أن تخرج من بلدك وقد نويت شد الرحال إلى القبر وحده، لكن انو شد الرحال إلى المسجد والقبر في المسجد، فستحصل زيارة القبر تبعاً، لكن لا تكن النية أصلاً مخصصة للقبر دون المسجد، ولذلك أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية على أن الرجل إذا خرج من بيته وقال: سأزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم، أن هذا سفر معصية، ولا يجوز له أن يقصر في سفره الصلاة، ولا يجوز له أن يفطر في رمضان؛ لأن هذه الرخص هي في السفر إلى الطاعات لا للمعاصي.

    فلو الآن انفصل قبر النبي عليه الصلاة والسلام عن المسجد لوجدت بعض الناس يزور قبره ولا يدخل المسجد؛ لأنه خرج لا ينوي الصلاة في المسجد إنما نوى زيارة القبر، وهذا غلو نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه وقال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد) وقد صار وثناً عند طائفة من الناس الذين ينتسبون لآل البيت وعلى رأسهم الشيعة في كل طوائفهم.

    قبل سنوات أرادت إدارة المسجد النبوي أن تغير نوافذ تكييف الحجرة النبوية، وتجعل التكييف والمواصير من فوق، فأرادوا أن يدخلوا الإسمنت والحديد ويرفعوا المواصير هاجت الرافضة وقالوا: يريدون أن يهزوا القبر، فما اجترءوا على أن يصلحوا شبكة التكييف؛ لأن للرافضة دولة في مكة والمدينة، فأشاعوا أن الوهابيين يكرهون النبي فأرادوا أن يهدوا القبر بدعوى إصلاح التكييف، وما شعروا إلا ومكة والمدينة ملآنة بالناس من الذي عمل هذا؟ هناك غلاة الروافض، هم المسئولون على مكة والمدينة.

    فشيخ الإسلام ابن تيمية عندما قرر هذه الحقيقة اتهموه بأنه يحرم زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام.

    والشيء الآخر الذي أريد أن أذكر به طلاب العلم هو: لابد أن تعلموا أن أعظم شيء يثبت العلم هو الإخلاص في طلبه وأدائه، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كان رجلاً ذاكراً، يقول شمس الدين الذهبي تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية : كان له أورادٌ يدمنها، وكان كثير الفكر، رابط الجأش، لا يترك الجلوس بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس أبداً، ويقول: هذه غدوتي لو تركتها نقصت قواي، وكان إذا سئل مسألةً أو أشكلت عليه ولم يتبين وجه الصواب يكثر من الاستغفار، حتى كان يقول: إذا أشكل عليَّ شيء من الجواب أذكر الله ألف مرة .. ويزيد، وأستغفره ألف مرة .. ويزيد، حتى يفتح عليه.

    أما غيره من طلاب العلم والعلماء إذا أشكل عليهم شيء قالوا: لابد أن نروح عن أنفسنا ونرفه عليها! وكل واحد من طلاب العلم يقول: أنا أحس بملل إذاً نذهب رحلة ترفيهية، كل هذا من أجل أن يفتح له! لا يفتح لك في العلم الشرعي إلا إذا أتيت الأمر من بابه، كما فعل شيخ الإسلام فإنه يكثر من الاستغفار، وكان يقول: لقد ذهبت إلى الخلوات -التي ليس فيها أحد من أقربائه- فأمرغ وجهي في التراب، وأقول: يا معلم إبراهيم علمني، فلا يرجع إلا وقد فتح له، وكان مباركاً في التصميم والكتابة واللغة، حتى تحس بأن واحداً يقذفك بالحجارة، ألفاظه قوية تحتاج إلى قاموس، وشيخ الإسلام ابن تيمية جعل الفقه سهلاً مبسطاً حتى إذا قرأت في كتب الفقه تحس أنك لا تريد أن تتوقف عن القراءة، لقد قرب الفقه إلى الناس، يقول ابن القيم في الوابل الصيب: وقد رأيت منه شيئاً عجيباً، كان يكتب في ليلة ما ينسخه الناسخ في جمعة. يعني: يمكث يكتب في ليلة هكذا ......... وواحد ينسخ لنفسه نسخة في أسبوع ينقل فيه الكلام، من الأولى بالوقت والحاجة هذه؟ الذي ينسخ بلا عقل، أو الذي يبسط ويرتب الأدلة؟ لا شك أن الذي يأتي بالأدلة محتاج إلى وقت، يعني: يقعد يكتب في ليلة كذا، كلمة مثلاً ..... ورقة، وواحد ينسخ لنفسه نسخة يمكث أسبوعاً ينقل فيه الكلام.

    فالذي يريد أن ينسخ يحتاج أن يرتب الأدلة والمواضيع وينظر إلى النسخ، فهذا بلا شك أنه يحتاج إلى وقت كبير، أما ابن تيمية فكان كالسيل الهادر إذا كتب أو تكلم.

    نبوغ ابن تيمية في اللغة والشعر

    جاءه رجلٌ نصراني وقد صنف قصيدة يعترض فيها على القضاء والقدر، ويقول فيها هذا السؤال: الظالم العاصي إذا كتب الله عليه المعصية فلم يعذبه؟! ولهذا فإن الرجل كتب أبيات شعر مختومة بحرف التاء يعترض فيها على الله ويحتج بالقضاء والقدر، وبدأ قصيدته بقوله:

    ألا يا علماء الدين والدين دينكم

    قال الذين حضروا هذه الواقعة وهم كثرة: فاعتدل شيخ الإسلام في جلسته، وثنى رجله يكتب عليها ورد عليه بمائة بيت على نفس الوزن والقافية.

    يستطيع الواحد أن يكتب شعراً جميلاً، يفتح فيه الخيال؛ لكن الشعر العلمي صعب، لأنك تريد أن تنظم فيه قواعد شرعية في قوالب شعرية، فرد ابن تيمية على النصراني في مائة بيت، وسميت التائية ولها شروحات.

    تأليف ابن تيمية للصارم المسلول

    علمتم الآن لماذا سلط المبتدعة كل هجومهم على شيخ الإسلام ؟ لأنه هو الذي كسر شوكتهم وأظهر دغلهم.

    أتته فتوى: أن رجلاً يشتم الرسول عليه الصلاة والسلام، فما حكم الدين فيمن سبّ الرسول عليه الصلاة والسلام؟

    فجلس.. وكتب كتاباً اسمه (الصارم المسلول على شاتم الرسول) تقلب كفيك عجباً من كثرة استحضاره لكلام العلماء فقط، دافع فيه عن الرسول عليه الصلاة والسلام، ومعظم إجاباته كتب.

    ورأى فخر الدين الرازي ألف كتاباً في تقديس العقل، فرد عليه في إحدى عشر مجلداً أسماه: درأ تعارض العقل والنقل، فأتى على كتابه من القواعد، حتى قال ابن القيم : لم يطرق سمع العالم كتابٌ مثله.

    ابن المطهر الحلي شيعي تهجم على الصحابة وقال: إنهم أخذوا الخلافة من علي ، والرسول صلى الله عليه وسلم نص على خلافة علي بنص قطعي، فجاء الصحابة فكتموا وماتوا على النفاق، وهناك أدلة تثبت أن علياً هو أولى بالخلافة من أبي بكر والصحابة كتموا هذا، فرد عليه في تسعة مجلدات في كتاب: (أسماه منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة القدرية) وأتى بنيانهم من القواعد، وفنَّد كل شبهة أوردوها بصحيح النص وصريح العقل.

    هذا الرجل له علينا جميعاً منة .. كل الجماعات الإسلامية الموجودة الآن على الساحة استفادت من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ، ليس هناك جماعة على وجه الأرض تنسب إلى أهل السنة والجماعة من قريب أو بعيد إلا وشيخ الإسلام ابن تيمية معظم عندهم.

    لذلك ظن بعض الجهلة أن شيخ الإسلام ابن تيمية هو سبب التطرف، فقال: مطلوب أحمد بن تيمية حياً أو ميتاً، ولا يعلم الجاهل أنه مات منذُ أكثر من سبعمائة سنة، فكان حياً أو ميتاً ويستحسن حياً لإغاظة الأعداء، لماذا؟ لأن كل هذه الجماعات رجعت إلى دين الله عز وجل بفضل ذاك الرجل وتلميذه ابن قيم الجوزية رحمه الله.

    سيرة شيخ الإسلام سيرة مبهرة، أنصح كل طلاب العلم أن يقتنوها، وليس للرجل ترجمة واحدة، بل تراجم، والذي وقفت عليه وهو قليل نحو ثلاثين ترجمة لشيخ الإسلام ابن تيمية ، ما بين مجلد كبير وكتيب بسيط، تقرأ حياة الرجل، وتترسخ خطاه، ولا زالت السيرة العملية والعلمية لعلماء المسلمين هي درس كل الباحثين، إذا أتاك الفتور اقرأ سير هؤلاء تقوي من همتك، وتعلم أن خلف الإنسان بقدر ما ترك من الحق بين الناس، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث .. وذكر منها: علم ينتفع به) .

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.

    اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

    اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا.

    رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

    اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

    الوداع الأخير في السجن لابن تيمية

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد؛ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد؛ كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

    قبل أن أدخل في الدروس المستفادة من حياة شيخ الإسلام رحمه الله أريد أن أقول: إن جنازة شيخ الإسلام ابن تيمية كانت من أكبر الجنازات التي شهدها العصر، حتى أن الذين ترجموا لشيخ الإسلام ابن تيمية قالوا: لن تُعرف جنازة فيها كثرة بعد الإمام أحمد مثل جنازة ابن تيمية ، وكان الإمام أحمد رحمه الله يقول للمبتدعة: بيننا وبينكم شهود الجنائز؛ لأن حضور الجنازة إنما تكون لوازع الحب المحض، لكن الدنيا ممكن أن يذهب الإنسان إلى الآخر وهو يكرهه لأجل مصلحة أو أنه خائف منه، والناس الذين يأتون العوام، يقولون: مات العمدة الكل ذهب يعزي ومات العمدة ولا أحد ذهب؛ لأن المطلوب رضا العمدة، فرضا العمدة حال حياته وكان لا يزال بينهم، لكن مات العمدة وانتهى الأمر.

    وعندما تجد الجنازة حافلة بالناس تعلم أن هذا الرجل الميت كان طيب الذكر وله مآثر ومناقب، وأنه من أهل الجنة طالما النفس تحبه وإلا فهناك مثلاً جنازة جمال عبد الناصر كان فيها ملايين الناس، ولا يلزم أنه من أهل الجنة كذلك عبد الحليم حافظ مطرب الشباب لما توفي في الإسكندرية خرج الشباب يبكون حزناً على العندليب، طيب هذا نعمله ماذا؟

    نحن نقول: إن الرجل المتطهر في حياته الملتزم بالكتاب والسنة، وظاهره الاستقامة، فالناس الذين خرجوا في جنازته يدل على أن هذا من حسن الخاتمة، لأنه كان ملتزماً بالكتاب والسنة، فهذا والله أعلم ظاهره الصلاح أو كان يصلي ويفتي في الناس لأجل أن يقال: عالم أو كان طيب الذكر، وهناك بعض العلماء والمصلحين لم يمش في جنازته إلا واحد أو اثنان، فهذا حسن البنا رحمه الله كما هو مذكور في ترجمته لم يُمكَّن لأحد أن يمشي وراءه إلا أبوه الشيخ عبد الرحمن البنا رحمه الله، والد الشيخ حسن البنا كان رجلاً بارعاً في علم الحديث، والحقيقة أن هذا الرجل كان لا يعرفه أحد، وهو أفضل من ابنه بالنسبة لخدمة العلوم الشرعية؛ لأنه عمل عملاً جباراً فعلاً، الرجل ظل خمساً وعشرين سنة وهو يؤلف كتاب الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد على الأبواب الفقهية بدءاً بكتاب الطهارة ثم الصلاة .. إلخ، ثم المسانيد يذكرها في نفس الأبواب الفقهية كمسند عمر وعثمان وعلي حتى يمر على الصحابة ثم على أمهات المؤمنين..

    المهم يذكر كل مسند صحابي فيه أحاديث متتابعة، فمثلاً: حديث: (توضئوا من ما مست النار) تلقاه عن أبي بكر وعن أبي هريرة وعن ابن مسعود وعن جابر وعن فلان وفلان، فيجمع كل الأحاديث هذه بمسانيدها ويضعها في باب واحد (باب: الوضوء مما مست النار) فهذا عمل جبار لا يعلمه إلا أهل العلم.

    فعندما قتل حسن البنا رحمه الله فلم يسمح لأحد أن يمشي في جنازته إلا أبوه وواحد مثلاً، فلا يعني أننا نحط بقدر عبد الحليم حافظ أو أم كلثوم ... وأمامنا مثلاً واحد لا يمشي في جنازته إلا أبوه! لا، نحن نقول: الضابط أن يكون الرجل متظاهراً بالكتاب والسنة، عاملاً بهما، منافحاً عنهما، فعندما تنظر إلى الجمع من الناس في جنازته تعرف أنها من علامات حسن الخاتمة.

    الإمام أحمد رحمه الله كان يقول: بيننا وبينكم شهود الجنائز. فإذا مات الإنسان فإن الهيمنة تذهب حتى أشار إليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما طلب من عبد الله بن عمر أن يذهب إلى عائشة ويستأذنها في دفن عمر في الحجرة وقال لابنه قل لها: : عمر ولا تقل لها أمير المؤمنين، فإني لست اليوم بأمير للمؤمنين، فلما ذهب إليها عبد الله بن عمر فقالت: والله إني كنت أعدت هذا القبر لنفسي، لكني أوثر به عمر ، فقال له عمر بن الخطاب : يا بني! إذا أنا مت استأذنها مرةً أخرى؛ حتى لا يلزمها الحياء وهو حي، أو قد يمنعها عيلة السلطان، فهو الآن بعدما مات وانتهت هيمنته وكل واحد راح لحاله استأذنها مرة ثانية ليعرف الرأي الحقيقي، هل يدفن مع صاحبيه، أم لا؟

    فالمهم أن هذه الجنائز إقبال الناس عليها من علامات أن هذا الرجل كان طيب الذكر، لكن بالشرط الذي ذكرناه.

    ذكر المترجمون الذين حضروا جنازة ابن تيمية أنهم زادوا على خمسمائة ألف، والنساء تزدن على خمسة عشر ألفاً، فأنت عندما تقرأ شيئاً في كتب المؤرخين لا تجعلها حجة شرعية، لا يأتي شخص يقول: هذا ابن عبد الهادي الحنبلي عندما ترجم لـابن تيمية ذكر أنه حضر جنازته خمسة عشر ألف امرأة، فهذا يدل على جواز أن النساء يخرجن لزيارة الميت، لا. لا تأخذ الأحكام الفقهية من كتب المؤرخين، هذا مجرد حكاية ونص فقط لا غير، ليس له دخل في الأحكام الشرعية، ويخطئ كثير من الناس عندما يستنبط الأحكام الشرعية من هذا الوصف.

    فهؤلاء الذين حضروا جنازة ابن تيمية والذين ما استطاعوا الحضور لبعد البلدان قيل: إنهم صلوا عليه صلاة الغائب أكثر من مائة وخمسين مرة.

    وكان شيخ الإسلام يقرأ القرآن في السجن، فوصل إلى آخر سورة القمر إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:54-55] ثم مات، فأكملوا قراءة القرآن عليه وهو مسجى قبل أن يدفنوه؛ وهذا على رأي بعض أهل العلم أنه يجوز قراءة القرآن على الأموات.

    والعجيب من شيخ الإسلام أن أول موقف يلفت النظر: أنه لما دخل السجن غير أهل السجن، مع أن الفروض النفسية للسجين قد لا تؤهله أنه يكون منفرداً، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية كان رجلاً فرغ حياته كلها للإسلام، ولم يكن متزوجاً، وكان باراً بأمه جداً، وقد ذكر بعض العلماء رسائله إلى أمه وقد نشرت في رسالة وهي: (رسائل شيخ الإسلام لوالدته) كانت دائماً توصيه بأن يهتم بنفسه فكان رده على أمه رفيقاً جداً يثني فيه على الله عز وجل وأن هذه عقيدة المتقين، وأن الله عز وجل أناط به الرد بها على المبتدعة، وأنه لا يستطيع أن يتخلى عن الدفاع عنها ويتمنى دعواتها وهو موفق بدعواتها له ويأتي بكلام يدغدغ عواطف أي أم، فكان باراً جداً بوالدته، مع قيامه بحق الإسلام وحق المسلمين في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، فلم تكن حياته حياة المترفين، فلا يتخاذل الإنسان عن قول كلمة الحق والصبر عند المحن، فهو قد يكون في الخارج معتاداً على حياة معينة، تعود أن ينام ويتغطى بغطاء صوف ويشغل آلة التدفئة ولا يشرب ولا يأكل إلا من الأكل الجيد لكن في السجن، لا، لابد أن ينام على البلاط وبعدها يأخذ راحته وينظر فتحة الباب المهم فيجعله ذلك في وحشة وحزن وعدم أنس؛ فهذا يجعله يضعف حتى يترك مبادئه ولا ينتصر الدين بأمثال هؤلاء، لا بد للإنسان أن يوطن نفسه.

    الإمام أحمد قال له أحد الناس: يا أحمد قلها كما قالها الناس تسترح، وقد قالها أساطين العلماء، أهو مخلوق؟ نعم مخلوق، حتى قيل لبعض العلماء وقد جاءوه يسألونه عن فتنة خلق القرآن، قال له: ما تقول: أمخلوق؟ قال: إياي تعني، قال: نعم، قال: مخلوق، انظر! أتى بتورية بينه وبين نفسه، لكن ليس هذا هو الجواب، لأن الجواب إنما يخرج على نية أو على فهم المجتمع، الجواب ليس على مرادك أنت، إياي تعني؟ الرجل ظن أنه يقول له: أتقصدني بكلامك فقال: أنا مخلوق؟ قال: نعم مخلوق، ثم نشر للناس؛ لكن الإمام أحمد بن حنبل لم يجرؤ العالم السابق ذكره فسلم من الأذى بجوابه لكن طواه النسيان ولا أحد يعرفه، لكن نعرف اسم أحمد بن حنبل ، ونترضى عليه ونترحم، والذي أخذه الإمام أحمد بالصبر على المحنة كان أعظم جداً من العرض الزائل الذي حصله غيره.

    ابن تيمية رحل من الدنيا زاهداً

    أكثر ما يبعد القلب تعلق الرجال بالدنيا، له أعمال معينة يريد أن يحققها قبل أن يموت.

    ولذلك يوشع بن نون عليه السلام لما خرج للغزو التفت إلى جنوده، وقال: لا يتبعني أحد ثلاثة منكم: لا يتبعني رجل بنى بيتاً ولم يضع سقفه، ولا رجلٌ بنى بامرأة ولما يدخل بها، ولا رجل له خلفات وهو ينتظر نتاجها، أي رجل متعلق بالدنيا إلا المقاتل إذا كان له أمل في الدنيا فإنه يضعف قلبه فيكون سبباً في الهزيمة؛ لكن الذي ذهب وخلف كل شيء وراء ظهره ناسياً كل حاجة، فهذا الذي يكون قلبه قوياً.

    فشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لم يكن عنده شيء يتعلق به أبداً، كان فقيراً لا يجد شيئاً، ولم يكن له زوجة ولا ولد، حتى يخاف عليهم ويقول لك: أخاف على مستقبل أولادي سيضيعون، ولم تكن له علاقة بأحد أبداً، كان عفيفاً متنزهاً، والناس الذين كانوا يحبونه يعطونه زكاة أموالهم بمئات الآلاف، وكان يوزعها كلها، ويرجع إلى بيته بغير درهم واحد؛ فالزهد ما لم يكن تصنعاً فهو حسن.

    ولذلك فقد ذكر ابن الجوزي : أن بعض الصوفية يقولون: الثياب المرقعة أحد علامات الزهد، حتى ذكر أن شخصاً لبس ثوباً مرقعاً، قيل له: وما هذا؟ قال: هذا شباك الزهد أي: يلبس ثوباً مرقعاً ويقول لك: الرجل هذا من أهل الله، ويقول: يا مولانا! ادع لنا، ووصل الأمر بهم أنهم يأخذون الملابس الجديدة من مصر ويرقعونها رقعاً فتجدها كلها مرقعة؛ لأن الزاهد لابد أن يكون ثوبه هكذا مطرزاً بأنواع من الرقع.

    فصار هذا شعاراً لهم، وهذا لاشك أنه لباس شهرة، ولو صار اللبس المرقع علامة على الزهد في بلد ما، فلو لبست مرقعاً يبقى لَبِس لُبس شهرة، وهذا لا يجوز، إنما الزاهد إذا كان فقيراً لا يجد ولا يتكلف أن يستدين، والزهد يكون له طعم إذا كان من الفقير.

    رأيت منظراً لا أنساه أبداً، عندما ذهبت أقابل الشيخ العلامة الإمام الكبير الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله، وما استطاع أحد أن يدخل عليه في مدة الحج؛ لأن الحراسة عليه مشددة؛ لأن الروافض الشيعة يريدون أن يقتلوه، فيقومون بحمايته، فكنت أسعى في مقابلته حتى وصلت إلى بعض تلامذته، فقال: أنا أدخلك عليه، وكنت أتصور الهيئة الجميلة والغترة الجديدة والعطر الفواح ..إلخ، المهم أني دخلت الخيمة فما وجدت أحداً، سألت: أين الشيخ؟ قالوا: خرج، خرجت من الباب الثاني أبحث عن الشيخ، فلقيت مجموعة حول رجل لو رأيته قلت: هذا حمال! لا تستطيع أن تعطيه مؤهلاً، يلبس ثوباً إلى نصف الساق، وهو متواضع في هندامه يميل إلى القصر، وبه سمرة ... قالوا لي: هذا الشيخ، عندما قالوا لي: هذا الشيخ، وقف شعري واقشعر بدني عندما رأيت هذا الرجل الذي دوخ الدولة كلها الشيخ عبد العزيز بن باز الدولة كلها من عند الملك إلى آخره تحت قدم هذا الشيخ، تحس بطعم الزهد، الدنيا كلها في قبضته، والناس تبعه، ومعهم مئات الملايين، ومع ذلك عندما تجلس معه على الأكل، تراه قليل الأكل، وله طريقة عجيبة جداً في الأكل، يسمي ويحمد الله مع كل لقمة، كل لقمة يضعها يقول: باسم الله وإذا انتهى قال: الحمد لله، باسم الله .. الحمد لله، باسم الله .. الحمد لله، إذا سمعته في المجلس تجد أنه يكثر من ذكر الله، أجمع على حبه الناس، حتى الذين يخالفونه في منهجه وفكره يحبونه ويعظمونه أيضاً، لما جعل الله تبارك وتعالى له من الحب في القلوب، وهذه منة من الرحمن عز وجل، فكان رحمه الله زاهداً، ليس له أي تعلق بالدنيا.