إسلام ويب

شرح صحيح البخاري [4]للشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للإسناد في الأحاديث أهمية عظيمة، وفوائد جليلة، فبه تحفظ السنة، ويميز بين الصحيح وغيره، وبه نعرف أهل التدليس، وقد قال ابن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. وهذا يظهر جلياً في دين اليهود والنصارى؛ فإنهم لما ضيعوا الإسناد ضاع دينهم.

    1.   

    الإسناد وأهميته في معرفة السنة

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

    قال الإمام البخاري رحمه الله:

    (باب من سئل علماً وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث ثم أجاب السائل)

    حدثنا محمد بن سنان ، قال: حدثنا فليح (، ح) وحدثني إبراهيم بن المنذر ، قال: حدثنا محمد بن فليح ، قال: حدثني أبي، قال: حدثني هلال بن علي ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة قال: (بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال له: متى الساعة؟ فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال؛ فكره ما قال. وقال بعضهم: بل لم يسمع. حتى إذا قضى حديثه قال: أين أراه السائل عن الساعة؟ قال: هأنا يا رسول الله. قال: فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) .

    هذا الحديث رواه الإمام البخاري أيضاً في موضع آخر من صحيحه في كتاب الرقاق، لكنه أورده مختصراً، وأورده من طريق محمد بن سنان -بهذا الإسناد الذي ذكره في هذا الموضع- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: وكيف إضاعتها يا رسول الله؟! قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) .

    وكذلك روى هذا الحديث من أئمة الحديث: الإمام أحمد رحمه الله، قال: حدثنا يونس وسريج ، قالا: حدثنا فليح ...بهذا الإسناد الذي أورده البخاري في صحيحه .

    ويونس هذا هو ابن محمد المؤدب ، وسريج هو ابن النعمان .

    وأخرجه الحسن بن سفيان في مسنده قال : حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا يونس بن محمد ، قال: حدثنا فليح وساق الحديث بهذا الإسناد.

    وأخرجه أيضاً الإمام البيهقي في سننه الكبرى، في كتاب آداب القاضي، من طريق أحمد بن علي الخزاز قال: حدثنا سريج بن النعمان ، قال: حدثنا فليح ...وساق هذا الإسناد.

    وأخيراً رواه ابن حبان رحمه الله في صحيحه من طريق محمد بن المثنى قال: حدثنا عثمان بن عمر ، قال: حدثنا فليح بن سليمان ...بهذا الإسناد الذي أورده البخاري في صحيحه.

    إذاً: الرواة عن فليح بن سليمان: ابنه محمد بن فليح ، ومحمد بن سنان عند البخاري ، ويونس بن محمد وسريج بن النعمان عند أحمد ، وعثمان بن عمر عند ابن حبان ، هؤلاء خمسة يروون هذا الحديث عن فليح بن سليمان ، عن هلال بن علي ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

    وللحديث ألفاظ منها: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله) و(إذا أسند الأمر) كما في رواية محمد بن سنان ، ورواية سريج بن النعمان ( (إذا أسند الأمر إلى غير أهله) ، وفي مسند الإمام أحمد (إذا توسد الأمرَ غير أهله فانتظر الساعة) وهذه الألفاظ لها دلالات سنقف عليها بعد إن شاء الله.

    كنا في الدرس الماضي ذكرنا أن الإمام البخاري رحمه الله عقد هذا الباب كمثال لأدب الطالب، ولما ينبغي أن يكون عليه الشيخ، وذكرنا نتفاً من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم، والتي ينبغي أن يتحلى بها الشيخ، وسنكمل بقية الآداب إن شاء الله عندما نأتي على حديث ابن عمر لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشجرة التي هي كالمؤمن ولا يسقط ورقها، قالوا: في هذا الحديث جملة وفيرة من الآداب.

    حرص علماء السلف من المحدثين على علو السند

    سنقف الآن على بعض الفوائد الإسنادية في هذا الحديث:

    فالإمام البخاري روى هذا الحديث من طريقين له عن فليح بن سليمان : طريق عال، وطريق نازل.

    وأشرف أنواع العلو الذي كان يحرص عليه المحدثون هو: تقليل عدد الوسائط بينك وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي عليه الصلاة والسلام هو المصباح، وكلما اقتربت من ضوء المصباح؛ كلما يكون أشرف لك، فلذلك كان المحدثون يحرصون على الأسانيد العالية، ويبذلون حر المال في سبيل تحصيل هذه الأسانيد.

    وقد سئل يحيى بن معين أبو زكريا إمام الجرح والتعديل رحمه الله، وهو في مرض موته فقيل له: ما تشتهي؟ قال: بيت خال وإسناد عال. وكانوا -كما قلت- يحرصون على هذا النوع من العلو، وهو تقليل الوسائط بينهم وبين النبي عليه الصلاة والسلام.

    إحراز العلو أحد الأسباب الحاملة على التدليس

    وإحراز العلو هو أحد الأسباب الحاملة للمدلس على أن يدلس؛ لاسيما في تدليس الإسناد، وقد تكلمنا عن تدليس الإسناد فيما مضى، ولكن لا بأس أن أذكر به حتى أبين أن الحامل للمدلس على إسقاط من حدثه إذا كان نازلاً هو محبة العلو في الإسناد.

    وتدليس الإسناد: هو أن يروي الراوي عن شيخه الذي سمع منه ما لم يسمع منه.

    لنفترض أننا في هذا المسجد في مجلس حديث ومجلس إسناد، وأنا أحدثكم بالحديث، وهناك طالب دائماً يحضر هذه الدروس، ولكن لأمر ما سافره أو تغيب، ففاته مجلس من هذه المجالس، وقد حدثت في هذا المجلس بعدة أحاديث، وهذا الطالب لو أراد أن يحدث بهذه الأحاديث التي فاتته فلا بد أن يسمعها من رفيق له عني، أي: من شخص حضر هذا المجلس يحدثه عني، إذاً هو قد نزل درجة، فإنه كان يقول: حدثني فلان مباشرة، لكنه أصبح بسبب هذا التغيب عن المجلس يقول: حدثني فلان عن فلان، وبهذا يكون قد نزل في الإسناد درجة.

    هذا هو النزول الذي كان المحدثون يحرصون على تلافيه، فالمدلس يقول: بدلاً من أن أروي عن زميلي عن شيخي، أسقط زميلي وأروي عن شيخي مباشرة، ولكنه لا يستطيع أن يرويه عن شيخه بلفظة التحديث، كأن يقول: حدثني فلان؛ لأنه سيكون كذاباً، لكنه يأتي بلفظة لها وجهان: وجه اتصال، ووجه انقطاع، وهي لفظة (عن)، ولذلك فإن من يقرأ في كتب المحدثين يجدهم يقولون: فيه فلان وهو مدلس، وقد عنعنه. (عنعنه) أي: رواه بصيغة (عن)؛ لأن صيغة (عن) فيها معنى الاتصال، ومعنى الانقطاع، فلو أنك قلت: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال؛ لما كذبك أحد، لكن لو قلت: حدثني رسول الله. فلفظة التحديث لا تحتمل أبداً إلا اللقاء المباشر، والسماع المباشر، أما لفظة (عن) فإنها تحتمل وجهين، فقد تقول: عن فلان، مع عدم اللقاء، ومع ذلك لا يكذبك أحد.

    فلذلك المدلس يسقط الواسطة بينه وبين شيخه، ويرتقي بلفظة (عن).

    إذاً: أحد الأسباب الحاملة للمدلس على التدليس هو: العلو، فيسقط الواسطة مر ويعلو بلفظة (عن) إلى شيخه.

    فالإمام البخاري -رحمه الله- روى هذا الحديث بإسناد عال وإسناد نازل، والراوي المشترك بين الإسنادين -أول راو مشترك بين الإسنادين- محمد بن فليح .

    إذاً فقد قال في الإسناد الأول: حدثنا محمد بن سنان ، قال: حدثنا فليح . إذاً بينه وبين فليح راو واحد وسيط.

    الإسناد الثاني: قال: حدثني إبراهيم بن المنذر ، قال: حدثني محمد بن فليح ، قال: حدثني أبي فليح . فقد نزل في هذا الإسناد.

    إذاً: في الإسناد الأول بينه وبين فليح راو واحد، والإسناد الثاني بينه وبين فليح راويان، والإمام البخاري حول الإسناد بلفظ التحويل، وهو حرف (ح) التي هي عملية الاختزال في هذا العصر، ومعناها: أن الإمام حول الإسناد للاختصار، ولو أن البخاري رحمه الله لم يستخدم هذه اللفظة، لكان سيروي الحديث هكذا: يقول: حدثنا محمد بن سنان ، قال: حدثنا فليح ، عن هلال بن علي ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة ، ويسوق المتن، ثم يرجع ويقول: وحدثني إبراهيم بن المنذر ، قال: حدثني محمد بن فليح ، قال: حدثني أبي، عن هلال بن علي ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة، ويسوق المتن.

    وهذا تطويل، فحتى لا يكرر الإسناد مرة أخرى يأتي من عند الراوي المشترك في الإسنادين ويضع لفظة (ح) فكأنه يقول: سأحول الرواية إلى إسناد آخر، هذا معنى لفظة (ح) التي هي التحويل، أي سيحول الحديث إلى إسناد آخر عنده عن شيخه، والقصد من هذا التحويل: الاختصار.

    والإمام مسلم يستخدم هذا التحويل أكثر من البخاري ، فإن البخاري قليلاً ما يحول الإسناد.

    هذه نكتة إسنادية -أو لطيفة إسنادية- في حديث اليوم.

    اهتمام العلماء الأوائل بالإسناد

    نفهم من سرد هذه الأسانيد كيف كان العلماء يهتمون بالإسناد، ولا يقبلون من المتحدث حديثاً إلا إذا أسنده، ويا ليتنا نراعي مثل هذا؛ إذاً لسكت من لا يعلم! كثير من الناس يتكلمون جزافاً، ولأنهم تعودوا أن الجماهير لا يسألونهم، فإنهم يتكلمون، حتى إن بعض الخطباء أو المحاضرين يأتي فيتكلم بأي كلام، بدون تحضير للدرس ولا إعداد، وهذا خطأ، بل ينبغي للمحاضر أن يحترم عقول الجالسين، وأن يتعب في تحضير الدروس والخطب، وينبغي عليه أن يعتقد أن في الجالسين من هو أفهم منه، وليس معنى أنه تصدر وجلس على كرسي الوعظ، أو كرسي التدريس، ليس معنى ذلك أفضل من كل الجالسين. إن هذا الفعل فيه غبن لحق الآخرين، وغمط لحق نفسه، فلا ينبغي له أن يجهل قدر نفسه.

    فلو أن كل متكلم يعلم أن الجماهير لا تقبل منه الكلام على علاته؛ إذاً لبحث في أسانيده، كما كان السلف الأوائل، فقد سمع محمد بن مسلم بن شهاب الزهري رحمه الله إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة سمعه يحدث بأحاديث ليس لها أسانيد، فقال: ما هذا يا ابن أبي فروة ! تحدثنا بأحاديث لا خطم لها ولا أزمة؟! فالإسناد بالنسبة للكلام مثل الخطام بالنسبة للبعير، ولأجل هذا -لأن الإسناد كان له وقع في النفوس- كان كثير من الناس يستخدم الإسناد حتى ولو كان مخترعاً، لكنه كان يعلم أن الإسناد له قيمة في نفس محدثه.

    روى الخطيب البغدادي رحمه الله في كتاب: التطفيل -وهو كتاب عن أخبار المتطفلين- حكاية لطيفة عن أبي عمر نصر بن علي الجهضمي -وهو أحد أئمة الحديث واللغة- قال أبو عمر : كان لي جار طفيلي من أحسن الناس منظراً، وأجملهم ملبساً، وأعجبهم منطقاً، وما من وليمة أُدعى إليها إلا ويتبعني، فيكرمه الناس لأجلي، يظنون أنه معي -فغاظ هذا الأمر نصر بن علي - قال: فقلت في نفسي يوماً: لو دعاني جعفر بن القاسم -أمير البصرة - وتبعني هذا لأفضحنه اليوم، قال: فما هو إلا أن طرق الباب، ففتحت الباب فإذا برسول جعفر بن القاسم يقول: أجب الأمير. وكان عنده ختان لابنه. قال: فما هو إلا أن لبست ثيابي وخرجت فإذا بالرجل واقف على الباب، قال: فتبعني ودخل، فلما جلسنا على المائدة قلت: حدثنا درست بن زياد ، حدثنا أبان بن طارق ، عن نافع مولى ابن عمر ، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من دخل بيت غيره من غير دعوة دخل مغيراً وخرج سارقاً) ، ففهم الطفيلي أن الكلام عليه، فقال له: أنفت لك يا أبا عمر، فما من واحد من هؤلاء الجلوس إلا يظن أنك تعنيه دون صاحبه، ثم تتحدث بمثل هذا على مائدة سيد من أطعم الطعام، ثم إنك تحدث عن درست وهو ضعيف، عن أبان بن طارق وهو متروك الحديث، ونسيت ما حدثناه أبو عاصم النبيل ..

    انظر إلى الطفيلي هذا! أبو عاصم -الذي هو الضحاك بن مخلد الشيباني - من أوثق الناس، وهو من كبار شيوخ البخاري .

    يقول: ونسيت ما حدثناه أبو عاصم النبيل ، عن ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (طعام الواحد كافي الاثنين، وطعام الاثنين كافي الأربعة، وطعام الأربعة كافي الثمانية)، وهذا متن صحيح وسند صحيح؟!! قال نصر : فأفحمني، ولم أجد له جواباً، وخرجنا من المائدة، فقال لي:

    ومن ظن ممن يلاقي الحروب بأن لا يصاب فقد ظن عجزا

    أي: إذا كنت تريد أن تدخل في حرب، وتريد أن تخرج وأنت سليم منها، فقد ظننت عجزاً، قال: وفارقني ولزم جانب الطريق الآخر.

    فانظر إلى هذا الطفيلي صار ناقداً! يقول: درست ضعيف، وأبان متروك، وبعد ذلك يروي حديثاً بإسناد نظيف، ومتن صحيح.

    بالإسناد نعرف الذين يكذبون في الحديث

    لقد كان العلماء لعنايتهم بالأسانيد يكتشفون الذين يكذبون في الأسانيد، ولله در عبد الله بن المبارك رحمه الله! فقد قال: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. فلولا أننا نحقق ونسأل كل إنسان عن مستنده؛ لقال من شاء ما شاء.

    وهنا أذكر شيئاً اسميه: محنة جسيمة في الواقع، لكن لا يشعر بها أكثر الناس، وهي: ضياع فن التراجم في هذا العصر.

    لو أن إنساناً سئل عن شيوخه فادعى جماعة من الشيوخ، وقال مثلاً: شيوخي مائة: ثلاثون في الحديث، وثلاثون في الفقه، وعشرة في القراءات، وعشرة في النحو، وعشرة في الصرف.. فهل تستطيع أن تكذبه؟ حتى لو قلت له: إذاً سم لي شيوخك في الحديث مثلاً؟ فسيقول: علي، إبراهيم..إلخ، وهل تقدر أن تأتي بهم؟ وهل تعرف أين هم في الكرة الأرضية؟! فلما كان هناك عناية بفن التراجم لم يستطيع أحد أن يكذب.. لأنه إذا قال أحد: أنا قرأت العلم الفلاني على فلان، ينظر في كتب العلماء الذين ترجموا لأهل ذلك العصر: هل هذا الرجل له وجود أصلاً أم لا؟ هل هذا الرجل كان متيناً في مادته أم لا؟ أما في وقتنا فإنه يستطيع أي إنسان أن يدعي لنفسه ما يشاء ولا يستطيع أحد أن يكذبه.

    وبعض الناس الآن قد يكونون أئمة بعد ثلاثمائة عام، فمثلاً: لو أني قلت: حدثني أبو لمعة ،فالكل يعرف أن أبا لمعة هو أستاذ الكذب في العصر الحديث، ولأنه لم يؤرخ أحد لـأبي لمعة ، ولم يقل أحد أنه كذاب، فقد يكون أبو لمعة هذا إماماً بعد خمسمائة سنة؛ لأنه لا حس ولا خبر عنه.

    فهذا الفن -فن التراجم- فيه صيانة لعلم العلماء، وقطع للمدعين، وقد كان قديماً إذا ألف أحد سنداً من الأسانيد يكتشف مباشرةً.

    يذكر العلماء قصة حدثت لـيحيى بن معين وأحمد بن حنبل ، والقصة معروفة، وإن كان قد طعن فيها بعض العلماء كـابن الجوزي -كما أظن- يقولون: إن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين دخلا مسجداً من مساجد الكوفة ، فإذا رجل من الفسطاط يحدث عن الأسماء اللامعة، يقول: حدثنا أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، قالا: حدثنا فلان عن فلان عن فلان... وساق سنداًً من الأسانيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قال: لا إله إلا الله؛ خلق الله له بكل كلمة طائراً، كل طائر له سبعون ألف رأس، كل رأس فيه سبعون ألف منقار، كل منقار فيه سبعون ألف لسان، كل لسان يستغفر الله لهذا الرجل بسبعين ألف لغة) ، ترتيبة عجيبة! وكانيحيى بن معين يصلي في ناحية المسجد، فسمع هذا الكلام فما صبر، فذهب إلى الرجل، وبعد أن أكمل هذا القاص هذه الحكاية رمى له كل واحد من الحاضرين بدرهم أو أي شيء، فناداه يحيى بن معين ، فجاء الرجل متوهماً لنوال -أي: لعطاء، ظن أنه سيعطيه شيئاً- فقال له يحيى : اجلس، فجلس، فقال: من حدثك بهذا؟ قال: حدثني يحيى بن معين وأحمد بن حنبل . فقال له: أنا يحيى بن معين وهذا أحمد بن حنبل ، ما سمعنا بهذا قط. وكان الرجل ذكياً، فقال له: قد كنت أسمع أن يحيى بن معين أحمق، فما تحققته إلا الساعة -عرفت أنه أحمق في هذا الوقت- أو تظنان أن ليس في الدنيا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين غيركما ؟ لقد حدثت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ، وسبعة عشر يحيى بن معين . يخلق الله من الشبه سبعة عشر! نحن عندنا يخلق الله من الشبه أربعين بحكم العصر، فكلما نتقدم ونقترب من الساعة يزداد العدد.

    فوضع أحمد فمه في كمه، يكتم الضحك، وقال: دعه يقوم، فقام كالمستهزئ بهما.

    فهذا إذاً رجل يعرف أن الإسناد له شأن عند الجماهير، فأتى بسندٍ من الأسانيد، لكن كان هناك من العلماء من يقوم لأمثال هؤلاء.

    دور علماء السلف في كشف الأحاديث الموضوعة

    قيل لـعبد الله بن المبارك : الأحاديث الموضوعة ماذا نفعل فيها؟ قال: تعيش لها الجهابذة. وكان العلماء يعدون العدة لأمثال هؤلاء الذين كذبوا في الأسانيد وألفوا أسانيد من عندهم، فالله تبارك وتعالى يوجد من العلماء من يكشف مثل هذا الخطل؛ لأن فيه جناية عظيمة على السنة.

    يحيى بن معين رحمه الله ذات يوم في ركن يكتب صحيفة أبان بن أبي عياش ، عن أنس ، فرآه أحمد بن حنبل ، وكان يحيى إذا اقترب منه شخص وهو يكتب الصحيفة طواها، فلما جاء أحمد بن حنبل -وكان صديقاً لـيحيى بن معين - قال: ماذا تكتب يا أبا زكريا ؟ قال: أكتب صحيفة أبان عن أنس . كان لبعض الرواة صحف بإسناد واحد للكذابين وغيرهم، أبان مثلاً عن أنس بن مالك وغيره، يروي أربعين حديثاً، أو خمسين حديثاً، أو مائة حديث، وتظل هذه اسمها صحيفة فلان، وتروى بإسناد واحد، مثل صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فكل واحد يأخذها عن عمرو هي صحيفة عمرو ، فإسناد كل صحيفة لا يتغير.

    فقال: هذه صحيفة أبان بن أبي عياش عن أنس .

    وأبان بن أبي عياش متروك في الحديث، وكان شعبة شديد الحمل عليه، وكان يكذبه، حتى إن أبان وسَّط حماد بن زيد وآخرين كـسليمان بن حرب في أن يكلموا شعبة بن الحجاج أن يكف عنه؛ لأن العالم مثل شعبة مثلاً إذا جرح شخصاً فقد يقضي عليه، لأن كلامه كان له قيمة كبيرة، وكذلك غيره من علماء ذلك الزمان.

    فيقول يحيى بن معين : هذه صحيفة أبان عن أنس ، أكتبها ثم أحفظها، فإذا جاء كذاب فجعلها ثابتاً عن أنس، أقول: كذبت، بل هي أبان ، عن أنس . تأمل في الكتابة ( ثابت وأبان ) قريبة من بعضها، فيمكن أن يحصل فيها تصحيف، فربما أن واحداً من لصوص الأسانيد، قد يسرق حديثاً ويركب له أسانيد متعددة، فيأتي فيضع ثابتاً بدلاً عن أبان ، مع أن ثابت بن أسلم البناني من أوثق الناس عن أنس ، فقد لازم أنس بن مالك أربعين سنة، وهو من أثبت الناس في أنس .

    فلما تضع ثابتاً مكان أبان، إذاً الحديث صار صحيحاً من حيث السند، هذا في الظاهر، فمن عناية يحيى بن معين أن يحفظ الكذب، حتى إذا جاء سارق أو مصحِّف فجعل بدل أبان ثابتاً ، يقول له: كذبت، بل هذا أبان عن أنس ، وليس ثابت عن أنس.. هذا كله لصيانة حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    فكان الإسناد له قيمة كبيرة، والإسناد كما قلت: هو المستند الذي تقدمه، الذي يدل على صحة الكلام من ضعفه، ونحن الآن نحكم على الأحاديث أنها صحيحة أو ضعيفة أو حسنة... إلخ بالأسانيد، نجمع الأسانيد ونجمع الطرق وننظر في المتابعات والمخالفات... إلخ، ونستضيء بكلام العلماء المتقدمين، وكلام العلماء المتأخرين، ونخرج في النهاية بنتيجة أن هذا الحديث صحيح، أو أن هذا الحديث ضعيف.. كل هذا بسبب الإسناد، وإلا لو ذهب الإسناد فإننا لن نستطيع أن نحكم على الكلام، حتى نعرف نقلة هذا الكلام.

    حتى الذين كانوا يتسولون في القديم، كانوا يتسولون الأسانيد أيضاً، مثل ما ذكر ابن الجوزي : أن رجلاً متسولاً كان يستجدي العطاء من الناس، فأبوا أن يعطوه، فقال لهم: ما أعطيتموني! لأخزينكم سائر اليوم، ثم أخذ من كيسه إسناداً عن يزيد بن هارون بإسناده النظيف عن فلان عن جمع من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سأل السائل فلم يعطه الناس فكبر عليهم أربعاً) ، فلما سمع الناس منه هذا الحديث خافوا، فسارعوا إلى إعطائه، فأخذ المال ومضى، وجاء يزيد بن هارون فسألوه: هل حدثت بالحديث الفلاني؟ قال: كذب عدو الله، ما سمعت به إلا الساعة. إذاً هو يعرف أن الإسناد له وقع عند الناس فألف هذا الإسناد.

    حتى في الخلافات المذهبية والخلافات الفقهية، كل طائفة كانت تفتري من الكذب على النبي عليه الصلاة والسلام المتون التي تؤيد ظاهر ما تذهب إليه.

    مثلاً: كان هناك خلاف بين الحنفية والشافعية في كثير من العصور، وكان خلافاً شديداً وحاداً، حتى وصل الأمر ببعض المتأخرين من الأحناف أنه أفتى بأنه لا يجوز للحنفي أن يتزوج بشافعية. لماذا؟ قال: لأن الشافعي يستثني في إيمانه، والاستثناء في الإيمان شك، والشك في الإيمان كفر. أي أن الشافعي يجوز أن يقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله، والإيمان عند الحنفية تصديق، والتصديق لا يتصور فيه استثناء، فلابد أن يكون التصديق جازماً، فقال الحنفي: إن هذا شك في الإيمان فيصير كفراً.. وقد حدثت بسبب هذه المسألة مشاكل كثيرة.

    فجاء أحد متأخري الحنفية، وكان يسمى: بمفتي الثقلين -مفتي الإنس والجن- فقال: أنزلوها منزلة نساء أهل الكتاب! أي أنزلوا المرأة التي تتمذهب بالمذهب الشافعي منزلة النصرانية أو اليهودية، فكما أنه يجوز لك أن تتزوج بنصرانية أو يهودية؛ يجوز لك أن تتزوج شافعية.

    إذاً: كان الخلاف شديداً، وقد ألف بعض الناس -انتصاراً لـأبي حنيفة رحمه الله- حديثاً، يقول بلسانه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أبو حنيفة سراج أمتي، ويكون في أمتي رجل يقال له: محمد بن إدريس، أضر على أمتي من إبليس)، ومحمد بن إدريس هذا هو الشافعي رحمه الله.

    العجيب في المسألة: أن البدر العيني رحمه الله في تاريخه، يميل إلى أن لهذا الحديث أصلاً عن النبي عليه الصلاة والسلام، مع أنه كذب محض، لا ينبغي للمرء أن يتردد في تكذيب هذا الراوي، وفي الحكم ببطلان هذا المتن بشقيه: بالبشارة بـأبي حنيفة ، وبالافتراء على الشافعي ،كلاهما كذب على النبي عليه الصلاة والسلام.

    ومما يذكر في باب وضع الأحاديث: أنه كان هناك شخص كان له ابن في الكتَّاب، فضربه المعلم، فجاء الولد إلى أبيه وهو يبكي، وأبوه كان متخصصاً في الكذب، فقال لولده: لماذا تبكي يا ولدي؟ قال: ضربني المعلم. قال: لأخزينه، ثم اختلق حديثاً قال فيه: حدثني عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (شراركم معلموكم) ، ولكن مع ذلك فإن العلماء الكبار الجهابذة كانوا لهذه الأسانيد المكذوبة بالمرصاد، فقلما يكذب رجل على النبي عليه الصلاة والسلام إلا ويكشف ذلك أهل الحديث.

    قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: ما هم رجل أن يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم في البحر إلا فضحه الله في البر. ونحن نقول هذا الكلام لأن له علاقة وثيقة بالمتن الآن.

    1.   

    اعتراض أهل البدع على النصوص الشرعية وضرورة مواجهتهم

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)، لقد تحقق معنى هذا الحديث في هذا الزمان، فهناك هجمة شرسة على أصحاب الحديث، حتى دخل في هذه الهجمة الشرسة النسوان -وكلمة (النسوان) لغة عربية فصحى- فامرأة تقول: إنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا سبعة عشر حديثاً فقط. انظروا إلى هذه المرأة! وهي معلمة، تقول: لم يصح إلا سبعة عشر حديثاً..! وتقول: لا أدري من أين أتى البخاري بكل هذه الأحاديث؟!

    هذا والله هو الهوان! أن يسمح لامرأة تتكلم بهذا الكلام، في بلد تعج بعلماء الشرع، والمرأة تقول هذا الكلام ولا تحاسب.. سبحان الله! لا توجد نقابة للعلماء.. هناك نقابة للحيوانات، تدافع عن الحيوانات، وتنتزع حقوقاً للحيوانات! وهناك نقابة للأطباء، وهناك نقابة للصيادلة، وهناك نقابة للمهندسين، والنقابات هذه إنما أقاموها لحفظ حقوق الطائفة التي تنتمي إليها، والدفاع عنها، والذب عن حقوقها.

    بينما قد يأتي إنسان ويتكلم في دين الله عز وجل بغير علم ولا أحد يرده.

    (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)، فلو عمل أحد طبيباً وقبضوا عليه وهو ليس طبيباً، فسيحملوه قضية في الحال، والقوانين جاهزة، لكن لو ضبطوا شخصاً يفتي دون أن يكون لديه رخصة إفتاء -التي هي قسيمة الإثبات بأنه مفتٍ- فهذا أمر سهل ولا توجد قوانين تردعه، يقولون: يا أخي! الدين لله.. الدين هذا للكل نعم، الدين للكل كاعتقاد، ولكن كعلم لا.. الدين كعقيدة للكل نعم، ولكن كعلم له رجال، فلا يجوز لإنسان أن يفتي إلا إذا كان مؤهلاً، فإن الفتوى كما يقول ابن القيم -في كتابه: إعلام الموقعين عن رب العالمين-: إن المفتي يوقع عن رب العالمين. لو أن إنساناً زور توقيع رئيس الجمهورية مثلاً، أو المحافظ، أو المدير، وعرف أنه مزور لهذا التوقيع، لعوقب عقوبة شديدة.

    فأنت إذا قلت: هذا حلال وهذا حرام، أليس هذا توقيع؟ كأنك توقع عن الله. وإذا قلت: هذا حرام، وهذا حلال. فإن هذا إذن منك بحل هذا، أو بحرمة ذاك.. أليس هذا توقيعاً؟! إذاً الذي لم يستوف أدوات وشروط الفتوى ثم يفتي؛ فهو مزور، وينبغي أن يعاقب أشد العقوبة؛ لأنه مزور.

    والآن كل من هب ودب يتكلم حتى في غير تخصصه.. إن علم الحديث هو علم الذكران من العالمين، علم مصطلح الحديث لا يذلل لامرأة قط، مهما فعلت وبذلت.. لماذا؟ لأن فطرة المرأة وخلقتها تمنع من أن تكون ناقدة، وعلى مدار تاريخنا الطويل ما رأينا امرأة قط ناقدة، إنما رأينا نساء راويات، تأخذ كتاباً لترويه، مثل: بيبي بنت عبد الصمد الهرثمية ، لها جزء عن ابن أبي شريح عن شيوخه، وكريمة بنت أحمد المروزية، لها رواية في صحيح البخاري ، والحافظ ابن حجر اعتمدها، وهي من أوثق الروايات، كذلك أمة الله مريم الحنبلية لها مسند صغير، إذاً المرأة تروي بإسنادها، لكنها تنظر ولا تنقد، فإن هذا علم تفرد به الرجال.

    هناك امرأة صحفية كتبت كتاباً هو عبارة عن جملة مقالات، ثم نزلت هذه المقالات في كتاب، والكتاب هذا يباع بلا حرج، على الأرصفة وفي المكاتب، وعنوان هذا الكتاب: (هل النساء أكثر أهل النار؟)، وواضح من خلال عنوان الكتاب أنها تعترض على كون النساء أكثر أهل النار، فحتى هذه الأشياء تريد النساء أن تقتسمها باسم حقوق المرأة، وباسم الدفاع عن حقوق المرأة.

    فهل النساء أكثر أهل النار؟ قالت: إن هناك حديثاً رواه راو اسمه البخاري .. سبحان الله! تقول: رواه إنه راو اسمه البخاري ، روى حديثاً عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه جاء النساء يوم عيد فذكرهن ووعظهن وقال: (يا معشر النساء! تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار. فقامت امرأة فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير- تكفرن الإحسان- فقالت: نكفر بالله؟ قال: لا، تكفرن العشير، ولو أحسن الرجل إليكن الدهر، ثم رأيتن منه يوماً سوءاً، لقلتن: ما رأينا منك خيراً قط)، فتقول: إن هذا الحديث رواه راو اسمه البخاري ، وتقول: وابن الجوزي يقول: إن صحة السند لا تستلزم صحة المتن المروي به، فقد يكون السند صحيحاً لكن المتن ضعيف، ونحن نرى أن هذا السند -وإن كان صحيحاً- لكن المتن معلول وغير معقول.. لماذا غير معقول؟ قالت: أولاً: إن الرسول عليه الصلاة والسلام الذي علمنا الذوق والأخلاق الحسنة، يأتي إلى النساء في يوم عيد، فبدلاً من أن يقول لهن: كل سنة وأنتن طيبات، ومن العائدات، يقول لهن: أنتن في جهنم وبئس المصير! هل يعقل أن أحداً يقول هذا الكلام؟! رسول الأخلاق والمعاملة يقول هذا الكلام وفي يوم عيد؟!

    فانظر يا أخي! من تكلم في غير فنه أتى بمثل هذه العجائب! عندما تأتي امرأة وتتكلم في علم الحديث، وتأخذ كلام علماء أهل الحديث ولا تستطيع أن تصرفه؛ النتيجة أن تأتي بمثل هذه الدواهي.

    صحيح أن من علماء الحديث من قال: إن صحة السند لا تستلزم منه صحة المتن المروي به؛ لأن هناك بعض لصوص الأسانيد يركب إسناداً نظيفاً لمتن غير صحيح، مثلاً: مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، هذا إسناد مُذَهّبٌ، وهناك أسانيد يسمونها: سلسلة الذهب، من ضمن سلاسل الذهب أن يروي الإمام مالك، عن نافع ، عن ابن عمر ، فأنت إذا رأيت مالكاً عن نافع ، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو علمتم ما في الجرجير لزرعتموه تحت السرير)، أو (المؤمن حلو يحب الحلاوة) ، أو (ربيع أمتي في العنب والبطيخ)، وهذه كلها أحاديث موضوعة أو (المؤمن كيس فطن)، فإن هناك من يعتقد أن هذا حديث، وهو كذب على النبي عليه الصلاة والسلام.

    فلما ترى إسناداً كالشمس، ومتناً كالظلمة، إذاً: هناك نوع من التباين والذي سببه المتن، فإن الإمام مالكاً عن نافع عن ابن عمر لا يأتي إلا بمتن نظيف وفيه معان، فهناك بعض لصوص الأسانيد يركب إسناداً من عنده على متن هو مؤلفه، ولذلك قال العلماء: إن صحة السند لا تستلزم منه صحة المتن؛ لاحتمال أن يكون هناك أحد ركب سنداً صحيحاً على متن موضوع.

    لكن لا ينبغي أن يحكم بهذا إلا إمام كبير متمرس، اختلط الحديث بشحمه ولحمه، حتى صار له فيه ملكة، وهذا لا يستطيعه إلا الأئمة الكبار، مثل: البخاري، وأحمد، وابن معين، وأبو عاصم النبيل، وأبو حاتم الرازي ، وأبو زرعة الرازي ، وأمثال هؤلاء الكبار الذين اختلط الحديث بدمائهم حتى صارت عندهم ملكة.

    يسأل أبو حاتم الرازي عن حديث يرويه الأعمش ، عن أبي سفيان طلحة بن نافع ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، وساق متناً، فيقول أبو حاتم الرازي : هذا لا يشبه أحاديث الأعمش ، هذا يشبه أحاديث عمر بن الحصين . وعمر بن الحصين هذا كذاب.

    فلكل راو أحاديثه التي أصبح لها طعماً، وأول ما يسمع الحديث يقول: هذا ليس حديث فلان. انظر إلى أين وصل بهم الاهتمام والملكة إلى درجة أن يعرف سمت أحاديث الأعمش ، فإن لها سمتاً معيناً لا تخرج عنه!

    يقول: ثم إنه بعد سنين دخل أحد البلاد، فإذا به يقع على هذا الحديث يرويه الأعمش ، عن عمر بن الحصين، وإذا الأعمش قد دلس عمر وأسقطه من الإسناد، إذاً: صدق ظنه، فلا يحكم في هذا الباب إلا هؤلاء العلماء.

    إذاً: هذا هو معنى قولهم: صحة السند لا تستلزم صحة المتن.. لكن هذا للأئمة الكبار، الذين عندهم ملكة، إما من بعدهم فلا يستطيع أن يحكم على متن من المتون إلا إذا وقف على الإسناد.

    إن الذي أغرى هذه المرأة وأمثالها أن يتكلموا في مثل هذه العلوم: هو هوان علماء الشريعة على أنفسهم وعلى الناس، وأن الجاهل يتكلم ويُخرج من دين الله ما هو فيه، ويُدخل في دين الله ما ليس منه، ولا يتحرك العلماء؛ بل بالعكس: فقد وجد ممن ينتسبون إلى الشريعة من فعل هذا، فهذا الختان مثلاً -ختان الإناث- هل من المعقول أن يأتي إنسان ينتسب إلى الشريعة ويقول: إن الختان عادة جاهلية، ولا أصل له في الشريعة؟! مع أنه يدرس في باب الطهارة في كتب الأزهر: (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل)، وأن الختان من سنن الفطرة، ويدرس للطلبة من يوم أن أنشئ الأزهر إلى هذا الزمان، وفجأة يخرج هذا ويقول -مهما كان قدره-: إن الختان لا أصل له في الدين!

    هذا اتهام لكل العلماء الذين درسوا الناس على أنه من الشريعة، أنهم كانوا يكذبون على الناس. ويخرج أحدهم ويكتب مقالاً: أن أحاديث الختان ضعيفة، مع أن هذا الرجل لا يعرف شيئاً قط في علم الحديث، ويقول: ينبغي علينا أن نحترم التخصص، وأهل التخصص في مسألة الختان هم الأطباء.

    فإذا كنت تحترم التخصص مع الأطباء، فلم لا تحترم التخصص مع علماء الحديث؟ وهل لك في النقد وفي تصحيح الحديث وتضعيفه ملكة؟ وهل تفهم شيئاً في علم الحديث، وتعرف شروط قبول الحديث الصحيح؟ لماذا تكلمت من تلقاء نفسك وقلت: إن أحاديث الختان ضعيفة، وأنت لست من علماء الحديث؟! وانتزعت التخصص من علماء الحديث ووضعته تحت قدمك، أما الأطباء فقشر رمان في المسألة؟!

    والذي يجهر بهذا بعض من ينتسبون إلى التدريس في كليات شرعية، فهذا هو الذي شجع هذا المرأة على فعل مثل هذا وزيادة!

    إن ختان الإناث واجب، وليس هناك دليل على استحبابه، والأصل في الأدلة أنها عامة للرجال والنساء معاً، حتى يقوم دليل بتخصيص الرجال أو بتخصيص النساء، فالأصل في الأدلة العموم، فإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً، فالأصل أنه يعم الرجال والنساء معاً؛ لأنهم مخاطبون بهذا الكلام ومكلفون، ولا نخرج طائفة من هذا الكلام إلا بدليل، فأين الدليل على أن الختان مكرمة للنساء وسنة للرجال؟ أما حديث (الختان سنة للرجال مكرمة للنساء)، فهو حديث منكر عند علماء الحديث، ولم يصح قط من وجه من الوجوه، وهو أليق بكلام الفقهاء منه بكلام النبي عليه الصلاة والسلام. هذا هو الحديث الوحيد الذي اتكئوا عليه في قولهم أن ختان النساء مكرمة.

    وإذا قلنا بوجوب ختان الرجال، قلنا بوجوب ختان النساء ولابد؛ إذ لا دليل صارف على الإطلاق، وهذا هو الذي جنح إليه الشافعية، وهو من أجل الدليل، وهو أقوى بكثير من القول الآخر الذي يقول: إن ختان الإناث مكرمة.

    لكن لما صرنا في زمن الغربة وجد من يتكلم في دين الله تبارك وتعالى بمثل هذا، وذلك بسب أن وسد الأمر إلى غير أهله.. تتكلم المرأة في علم الحديث، وتتكلم في علم الفقه، وتختلط الآراء والمفاهيم.. هذا هو الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أن الأمانة ستضيع، ومتى سيكون ذلك؟ إذا سمح لغير المتخصص أن يتكلم فيما لا يحسن.

    1.   

    رواية العلماء الأوائل عن آبائهم

    ونعود مرة أخرى ونقول: إن الاهتمام بالأسانيد مسألة تفصيلية، فليس المقصود منها الأسانيد لذاتها؛ بل المقصود أن نعيد النظر في حياتنا كلها، وأن كل شيء لابد أن يكون له أصل، كما لو نظرنا هنا في هذا الحديث فوجدنا أن أصل الحديث هو الإسناد.

    ومن الأشياء التي أريد أن أنبه عليها في هذا الإسناد أيضاً: قول محمد بن فليح : حدثني أبي. أين هؤلاء الآباء؟ لقد انقرضوا، فلم نعد نسمع طالب علم يقول: حدثني أبي، أو وجدت في مكتبة أبي، أو قال لي جدي، مثلما كان في الأزمنة السابقة، فهذا الإمام أحمد بن حنبل أولاده علماء: عبد الله ، وصالح ، وأبو حاتم الرازي ابنه عبد الرحمن بن أبي حاتم ، وزهير بن حرب ابنه أحمد بن أبي خيثمة صاحب التاريخ الشهير، وهكذا كان هناك أولاد يقول أحدهم: حدثني أبي، وسألت أبي.

    إن ضياع مثل هذا النمط من حياتنا له أسباب كثيرة، من أهم هذه الأسباب: غياب العلماء الربانيين الذين يتدينون بعلمهم.. إننا نريد أن ننطلق في نصر هذا الدين مثلما ينطلق أهل الدنيا في صناعاتهم وفي تجاراتهم.

    نماذج معاصرة سخرت جهودها لخدمة هذا الدين

    هذه قصة لا أنساها أبداً، وكلما تذكرتها زادتني حماساً وانتماءً، وهي قصة حديثة:

    فقد كنت في مكة، والتقيت بعد أن خرجت من بيتي بمجموعة من العلماء من بخارستان، تقريباً خمسة عشر أستاذاً ومدرساً، ولهم شيخ يقترب من التسعين إن لم يكن تجاوزها.. رجل عليه سمت وله وقار، وقلما يتكلم، وتلامذته يتكلمون بلغة عربية جيدة، فتكلموا عن الشيوعيين، وكيف كانوا يقتلون علماء المسلمين، وتكلمنا في هذه المسألة فترة، فسألت أحد التلاميذ وقلت له: اسأل هذا الشيخ كيف نجا من مذابح الشيوعيين؟ فإن عمره تسعون سنة ومع ذلك لم يذبح ولم يقتل من قبل الشيوعيين، فسأله هذا السؤال، فتكلم الرجل وقال: إنه فرض على نفسه الحبس الاختياري أكثر من ستين عاماً، فقد كان تحت جنح الظلام يتسلل إلى قرية من القرى، ويدخل بيتاً من البيوت، ويجلس في هذا البيت ثلاثة أو أربعة شهور، أو أكثر أو أقل، المهم أنه لا يخرج من هذه القرية إلا بعد أن يعلم أطفال القرية القرآن والحديث، والآباء يخرجون الأبناء إليه في سرية تامة، ويظل الفترة التي يظن أنه قد قضى حاجته من هذا البلد، ثم إذا انتهى يخرج تحت جنح الليل إلى قرية أخرى... وهكذا ظل الرجل ستين سنة باختياره محبوساً، وهو يدرس القرآن والسنة، ورضي لنفسه هذا الحبس الاختياري!

    نحن نهيب بإخواننا أن يكون عندهم مثل هذه العاطفة لهذا الدين، لنتحرك بهذه العاطفة.. أنت لا تحتاج أن يقول لك أحد: اخدم دينك، فإنك متى احتجت أن يقول لك أحد: اخدم دينك؛ إذاً فابك على نفسك، ولهذا تجد الإسلام ينطلق إليك بتلقائية.. رجل يحرم نفسه من الدنيا ومن ملذاتها الدنيا، ويفرض على نفسه الحبس الاختياري ليعلم الناس القرآن، وأطول مدة قضاها في بلد هي خمس سنين، ظل في بيت من بيوت البلدة يخدم الكتاب والسنة، ويعلم الناس القرآن والحديث.

    نحن نحتاج إلى مثل هذا الانتماء، إن صدق الانتماء هو الذي يعطيك قوة النفس، ولا يمكن أن ترتقي هذه الأمة إلا إذا وجدنا رجالاً يحتسبون ويضحون بملذاتهم وشهواتهم، من أجل أن ينصر هذا الدين في زمن الغربة، قال تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ [الحديد:10].

    تأثر الآباء بالهزائم التي منيت بها الأمة

    آباؤنا جيل شهد كل الهزائم التي منيت بها أمتنا المعاصرة، فهؤلاء الآباء الذين شهدوا هذه الهزائم المتوالية حتى فقدوا الثقة في ذواتهم، فصاروا أقزاماً، مهما حاولت أن ترفعه فإنه قزم من الداخل، لا يصدق أن له قيمة، وهذا أقوله على سبيل الإجمال، فلا أقضي على الجيل كله، لكن أقول هذا وأذكره إجمالاًً.

    فهؤلاء الآباء الذين ورثوا هذه الهزائم -مع قلة العلم- حاولوا أن يورثوا هذا الضعف إلى أبنائهم، فكلما أراد الولد أن يتحرك ليسمع درساً مثلاً -مثل هذا الدرس- وعنده همة عالية، ويريد أن يخدم هذه الأمة، ويريد أن يقوم بالأمانة ولا يلقى الله خائناً لهذه الأمة، يريد أن يفعل شيئاً، فإذا به أمام صخرة عظيمة وهي أبوه، الذي يقول له: وهل أنت ستصلح الكل؟ أو يقول له: نريد أن نأكل العيش، أو يقول: (الحيطان لها آذان)، هذه العبارات المتكررة التي يحاول الأب أن يغرسها في ابنه، وإذا التزم الولد بهذه النصائح فإنه يعتبر ولداً باراً وفاهماً وذكياً، وإذا خرج هذا الولد وتجاوب مع كلام العلماء وحضر الدروس، وكانت عنده همة عالية ونصر دينه، حدثت المشاكل، وبسبب هذا الأمر حدثت مشاكل كثيرة في البيوت بين الآباء والأبناء.

    فأمثال ذلك الجيل الذي ظهر فيه الأدباء الذين استهزئوا بالله ورسوله، وظهر فيهم الصحفيون الذين استهزئوا بالله ورسوله، عن طريق القصص التي تكتب، والتي تدعو إلى الدعارة، وتدعو إلى الانحلال، مثل قصص إحسان عبد القدوس ، وقصص وليد منصور ، وقصص توفيق الحكيم ، ونجيب محفوظ ، وكل هؤلاء الذين شكلوا عقلية هذا الجيل، هؤلاء الأدباء هم الذين شكلوا عقلية هذا الجيل.

    وأحيل القراء إلى كتاب يؤرخ تاريخاً صادقاً لهذه الحقبة، وهو من أمتع الكتب التي سوف تقرؤها، وهو كتاب: (أباطيل وأسمار) للشيخ أبي فهر محمود شاكر رحمه الله، هذا الرجل من أفضل المقاتلين عن الدين، الذين قاتلوا وغزوا وانتصروا، وكتاب آخر اسمه: (الطريق إلى ثقافتنا) أيضاً للشيخ محمود شاكر ؛ لتعلم هذا البلاء الذي عاشت فيه الأمة ما مبدؤه، فقد أرخ تاريخاً صادقاً بقلمه الرشيق، والشيخ محمود شاكر هو من أفضل من كتب في هذا المجال، وكأن كلماته حبات لؤلؤ منظومات!

    أحياناً كنت أقرأ له عبارة فأنفجر ضاحكاً؛ من شدة سخريته بهؤلاء المنحرفين، فأنا أحيل القراء، وألح عليهم أن يقرءوا هذا الكتاب؛ لما قرر حقيقة هؤلاء الأدباء، ووصف ذلك الجيل وصفاً دقيقاً، ينبغي على الذي تهمه هذه الأمة وينظر في عللها أن ينظر في هذا المرض الضارب بجذوره من أيام محمد علي ، الذي يسمونه: باني مصر الحديثة، وستعلم إذا قرأت كتاب: (الطريق إلى ثقافتنا) مدى جناية هذا الرجل على مصر؛ عندما حاول أن يستقل بمصر عن الخلافة العثمانية.

    1.   

    معاملة النبي صلى الله عليه وسلم للناس على حسب أحوالهم

    كان الرسول عليه الصلاة والسلام -كما في هذا الحديث- يحدث أصحابه، فجاءه أعرابي وهو يتكلم فقال: (يا رسول الله! متى الساعة؟) فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، فقال بعض الصحابة: سمع ما قال؛ فكره ما قال. وقال بعضهم: بل لم يسمع)، فلماذا انقسم الصحابة إلى فريقين؟

    كل راعى شيئاً لحظه في النبي صلى الله عليه وسلم، فالذين قالوا: سمع ما قال فكره ما قال، كانوا يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كره شيئاً أعرض عنه، وظهر على وجهه، فإنه عندما جاءه عبد الله بن عمرو وهو يلبس حلة حمراء فأعرض عنه.. لقد كانت كل حياة الصحابة واهتمامهم بالنبي عليه الصلاة والسلام، وكانت عيونهم (الكاميرا المسجلة) كل شيء يرمقونه حتى اضطراب لحيته، يقول الصحابي (كنا نعرف قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في الظهر باضطراب لحيته) ويقول مثلاً أبو حميد الساعدي (قلت: لأرمقن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم سائر اليوم.. )، ويقول صحابي آخر: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم والقمر في ليلة إضحيان -ليلة أربعة عشر- فجعلت أنظر إلى القمر مرة وإلى وجهه مرة، فكان في عيني أحلى من القمر) وهذا كلام شخص محب، ويقول جابر بن سمرة (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة قمراء وعليه حلة حمراء، ما رأيت قط أجمل منها)، ويقول أنس بن مالك : (ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول صلى الله عليه وسلم) .

    المهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان كل حياتهم، وكان محور ارتكاز عندهم.

    فكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا كره شيئاً ظهر على وجهه، وأعرض إعراضاً لطيفاً، فالصحابة الذين قالوا هذا، رأوا أنه كثيراً ما كان يعرض عن بعض أصحابه إذا ارتكب شيئاً، فلا يحتاج إلى كلام.

    والذين قالوا: بل لم يسمع؛ بنوا ذلك على أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يواجه أحداً بما يكره أبداً.

    جاء في صحيح مسلم: (كان في المدينة بنت مصابة بمرض التخلف، وكانت تأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتطوف به المدينة فلا يمتنع منها، ولا ينزع يده منها)، هذه أشياء لها دلالة، وإن كان بعض الناس قد يعتبرها مواقف صغيرة لكن لها دلالة.. (وكان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياءً من العذراء في خدرها)، وكان رفيقاً، كثير احتمال الأذى، لاسيما مع الأعراب، فما كان يعرض عن الأعرابي، حتى ولو قال قولاً جاهلياً، إنما كان يعرض عن أصحابه الذين يعيشون معه في المدينة ، وهكذا ينبغي على الشيخ أن يفرق في معاملته بين أهل البلد وبين الغرباء، فيعطي الغرباء من حقه ومن وقته؛ لأنهم غرباء، ولأن هذا الغريب لا يعلم ما قد ينبه عليه الشيخ أكثر من مرة، لكن يعلمه أهل البلد.

    جاء في الصحيح أن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن، وكان يعجبنا أن يأتي الرجل العاقل من البادية فيسأل ونحن نسمع)، فلو أن شخصاً من أهل المدينة سأل النبي صلى الله عليه وسلم سؤالاً بعد النهي؛ لكان له أن يعزره، أما هذا الأعرابي فلم يشهد النهي، فقد جاء من بعيد، وسأل النبي عليه الصلاة والسلام؛ فما كان يعنفه، إنما كان يتلطف معه، وهذا هو مستند الذين قالوا: بل لم يسمع؛ لأنه كان يعامل الأعراب معاملة خاصة غير معاملة أهل الحضر.

    وفي الحقيقة هناك أدلة تبين هذا، أذكر بعضاً منها:

    في سنن أبي داود والنسائي من حديث خزيمة بن ثابت الأنصاري (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى قعوداً لرجل من الأعراب -والقعود: جمل صغير السن- فقال: بعني جملك. قال: بكم؟ فقال: بكذا. فقال: إذاً. اشتريت منك الجمل، وسأعطيك الثمن عندما نرجع إلى المدينة. وجاء صحابي من الصحابة لم يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام اشترى الجمل، فأعجبه الجمل، فقال للأعرابي: أتبيع الجمل؟ قال: بكم؟ قال: بكذا. وذكر ثمناً أعلى من ثمن النبي عليه الصلاة والسلام، فعلم النبي عليه الصلاة والسلام أن الأعرابي باع الجمل، فقال: يا أعرابي! أولم تبعني الجمل؟ فقال: ما بعتك شيئاً. قال: كلا يا أعرابي! بل بعتني. قال الأعرابي: هلم شهيداً يشهد أنني بعتك. والصحابة يلوذون برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقولون للأعرابي: ويحك! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا حقاً. وهو يقول: هلم شهيداً يشهد أنني بعتك.

    وحينئذٍ انبرى خزيمة بن ثابت الأنصاري وقال: أنا أشهد أنك بعته الجمل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بم يا خزيمة ؟ قال: بتصديقك) ، أي: أنك لا تكذب، ولو لم أكن حاضراً لهذه الصفقة وهذا البيع فأنت قد اشتريت الجمل، والأعرابي قد باعك الجمل، (بتصديقك)، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين؛ لأجل هذا الأمر، وهذا من خصوصيات خزيمة بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه.

    والنبي عليه الصلاة والسلام لم يكفر هذا الأعرابي، ولم يقل له: كذبت رسولك فكفرت، فاغتسل إذاً، وجدد الإسلام، وانطق بالشهادتين؛ لأنه راعى هذه المسألة، فكان النبي عليه الصلاة والسلام كثير الاحتمال.

    وهذا أعرابي يقول: (يا رسول الله! ثيابنا في الجنة ننسجها بأيدينا أم تتفتق عنها ثمار الجنة؟ فضحك الصحابة، فقال عليه الصلاة والسلام: أتضحكون من جاهل يسأل عالماً؟)، لماذا تضحكون؟ الرجل يسأل: ماذا سوف نلبس في الجنة؟ هل سنخيط ملابسنا، أم سنجد الملابس جاهزة؟ وهذا يدل على أن الصحابة كثيراً ما كانوا يسألون عن الجنة وما فيها، وقد جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (استأذن رجل ربه في الزرع -أي: أن يزرع في الجنة- فقال الله عز وجل: دونك يا ابن آدم! فإنه لا يشبعك شيء. فرمى البذرة وفي طرفة عين رأى الثمرة والشجرة الكبيرة، فقال الرجل: والله يا رسول الله! لا تجده إلا أنصارياً)؛ لأن الأنصار هم الذين يحبون أن يزرعوا. إن الجنة لا أحد يعرفها، وهي منتهى الآمال، وكلنا نعمل لكي ندخل الجنة، وأعظم نعيم في الجنة هو رؤية الله عز وجل، ونحن عندما نطلب من الله عز وجل الجنة إنما نطلب أن نرى رب العالمين تبارك وتعالى هناك، فكان الصحابة يسألون عن الجنة، فسأل هذا الرجل عن ملابسه: كيف سنلبس؟ وكيف سنخيطها؟! فضحك الصحابة من هذا السؤال، فقال صلى الله عليه وسلم: (مم تضحكون؟! من جاهل يسأل عالماً، نعم يا أعرابي، تتفتق عنها ثمار الجنة)، تفتح الثمرة فتجد جلابية جاهزة وعلى مقاسك، والجنة -كما يقول بعض العلماء، وقد استندوا إلى آثار صحيحة موقوفة لها حكم الرفع- لا يسأل الإنسان فيها، وإنما بمجرد أن يتمنى يجد حاجته ماثلة إمامه؛ لأن السؤال ذل، وأهل الجنة معافون من هذا كله، إنما إذا خطر على باله أنه يأكل رماناً فإنه يجد الرمان أمامه.. يخطر على باله أنه يأكل فاكهة، أو حماماً، أو أي شيء من لحوم الجنة وفواكهها، فإنه يجد ذلك الشيء أمامه في الحال.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام كان كثير الرفق بهؤلاء الأعراب، وكان الصحابة يعلمون ذلك، فقالوا: بل لم يسمع.. لماذا؟ راعوا حال النبي عليه الصلاة والسلام، وفي هذا ينبغي مراعاة قرائن الأحوال، فإن الصحابة حكموا بما علموه من النبي عليه الصلاة والسلام، ومسألة اعتبار القرائن في الحكم مسألة ضرورية جداً، فإن الصحابة في حكمهم لما انقسموا إلى فريقين كلٌ راعى القرينة التي حضرته، ورآها على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    1.   

    في لفظة (إذا أسند الأمر...)

    يقول أبو هريرة رضي الله عنه: حتى إذا قضى حديثه قال: (أين أراه السائل عن الساعة؟) (أين أراه) هكذا على الشك، وليس: (أين السائل عن الساعة؟) وهذا الشك هو من محمد بن فليح ؛ لأن كل الذين رووا هذا الحديث عن فليح بن سليمان وهم خمسة: محمد بن سنان ، ومحمد بن فليح ، ويونس بن محمد ، وسريج بن النعمان ، وعثمان بن عمر ، لم يذكروا هذا الشك في روايته، بل قالو جزماً: (أين السائل عن الساعة؟) -باستثناء محمد بن فليح - ولو كان هذا الاختلاف من فليح بن سليمان لاتفقوا عليه فيه، أما وقد اختلفوا فيه؛ فنحن ننظر إذاً إلى اختلاف الرواة واختلافهم في مثل هذا.

    اتفق أربعة من الرواة عن فليح بن سليمان على الجزم وترك الشك، ولم يشك فيها -في هذه اللفظة- إلا محمد بن فليح ، ولذلك جعل العلماء -ومنهم الحافظ ابن حجر - الشك فيها من محمد بن فليح ، قال: (حتى إذا قضى حديثه قال: أين أراه السائل عن الساعة؟ -أو أين السائل عن الساعة؟- قال: ها أنا يا رسول الله. قال: فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة). وكان رجلاً عاقلاً، فسأل سؤالاً آخر كشف الأمر وجلاه، فقال: (وكيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) ، ووقع في صحيح ابن حبان: (إذا اشتد الأمر فانتظر الساعة)، وأنا أظن أن هذا خطأ وفيه تصحيف، فلو كان (إذا اشتد الأمر) إجابة على السؤال الأول لكان له وجه: متى الساعة؟ فيقول: (إذا اشتد الأمر فانتظر الساعة)، و(اشتد الأمر) أي: زادت الفتن، فهذا الجواب يمكن أن يكون صحيحاً، لكنه قال: (كيف إضاعتها؟) فقال: (إذا اشتد الأمر فانتظر الساعة)، فهذا الجواب لا يكون جواباً كافياً لهذا السؤال، وكأن الكتاب وقع فيه تصحيف وخطأ، وكلمة (اشتد) هذه يكون أصلها (أُسند)، وهي نفس الحروف مع اختلاف النقط؛ لأنه إذا أسند الأمر إلى غير أهله فوقع تصحيف فـ(أسند) صارت (أشتد)، وسقط من الرواية (إلى غير أهله) ليتفق ذلك مع بقية الروايات.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.