إسلام ويب

شرح صحيح البخاري [2]للشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بدأ الإمام البخاري كتاب العلم من الصحيح بباب فضل العلم، لكي يشوق الناس لطلب العلم، فهو شرف لصاحبه يرفعه في الدنيا، وإن حسن قصده فهو ممن يرقى في درجات الآخرة، وقد جاء في الحديث: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين).

    1.   

    العلم ومكانته في الإسلام

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد..

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثه بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

    رتب الإمام البخاري رحمه الله صحيحه ترتيباً يدل على عمق فقهه وعلمه، فافتتح كتابه الصحيح بكتاب بدء الوحي، وختم كتابه بكتاب التوحيد، فكأنه يريد أن يقول: من أراد أن يخرج من الدنيا على التوحيد فعليه بالوحي.

    وما بين بدء الوحي وكتاب التوحيد الإسلام كله، والوحي قرآن وسنة، وكانت السنة توحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم مثلما يوحى القرآن، لكن السنة من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، وهو لا ينطق عن هوى نفسه عليه الصلاة والسلام، قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ الأنفال:24].

    فالخروج من الدنيا على التوحيد يكون بالوحيين، والفرق التي ضلت السبيل إلى الله، إنما سلكت سبيلاً آخر غير الوحي الذي هو السنة، وحتى الوحي الذي هو كتاب الله عز وجل ما استضاءوا فيه بقول الذين نزلَ القرآن وهم شهود، وهم الصحابة، وهم الصحابة، وفي الحديث أن الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، وهؤلاء ما اختلفوا في الأحكام الفرعية، كالوضوء، وعدد غسلات الأيدي، والمسح على الرأس، والبيوع والأنكحة، وإنما اختلفوا في الإيمان والتوحيد.

    فبدأ هؤلاء يضعون متاريس يتقون بها ضربات أهل السنة القائمة على ساق الحجة والمحجة، وبدءوا يؤصلون من عندهم أصولاً يردون بها الأحاديث، فيقولون مثلاً: إن خبر الواحد لا يعمل به في العقيدة، وهذا أصل فاسد، لكنهم أصلوه، لماذا؟

    حتى يتقوا به الأحاديث التي هي حجة عليهم، فأهملوا شطر الوحي، فالسنة بيان للقرآن، ومعلوم أن المرء لا ينتفع بالقرآن إلا إذا أخذ بالسنة، فنفى هؤلاء السنة، وكان من جراء نفيها أنهم لم يوالوا أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام.

    فالإمام البخاري بدأ صحيحه بكتاب بدء الوحي، وثنى بكتاب الإيمان، ليقول لك: إن الإيمان لا يصح إلا إذا كان مؤيداً بالوحي، فهل يعقل أن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام الذين نقلوا تفاصيل هذا الدين عنه نقلاً لا يعلم لأصحاب نبي قط نقل عشر معشاره، حيث نقلوا هذا الدين بهذه الدقة، بتفاصيل دقيقة، بل نقلوا حتى اهتزاز لحيته عليه الصلاة والسلام في الصلاة.

    فأهم المطالب كلها معرفة الله عز وجل، فهل يتصور أن هؤلاء الصحابة ماتوا ولم يفهموا هذا الباب؟ إن المبتدعة جميعاً يقولون: نعم. ماتوا ولم يعرفوا هذا الباب.

    ولو جمعنا المسائل الفقهية التي اختلف الصحابة فيها لكانت بالألوف، وحسبك كتاب: الإجازة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة، لـبدر الدين الزركشي رحمه الله، وهذا الكتاب أورد فيه مصنفه ما استدركته عائشة ، وتعقبته على الصحابة رضي الله عنهم -يعني الاعتراض منها على الصحابة- فجمع كتاباً.

    فلو أردت أن تجمع كتاباً لكل صحابي اعترض على الباقين لطال الأمر، ومع اختلافهم في المسائل الشرعية لا نعلمهم قط اختلفوا في مسائل الإيمان، إلا في مسائل يسيرة ومحكمة، وكان يراجع بعضهم بعضاً في النقل في المسائل الفقهية، لكن في المسائل الاعتقادية لا، وهذا من أكبر الأدلة على أنهم لم يختلفوا في مسائل الإيمان، أو في مسائل التوحيد.

    فالرسول عليه الصلاة والسلام لما قال: (إن الأمة ستختلف على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا وحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟! قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي).

    فترتيب الإمام البخاري لكتابه ترتيب يدل بعضه على بعض، الأول: بدء الوحي، حتى إذا أراد أحد أن يدخل الدين يدخله من بوابة الوحي؛ لأنك إذا اختلفت معي بعقلك واختلفت معك بعقلي، فلا بد أن يكون هناك عقل سابق يحكم بيننا، فإذا اختلفنا نحن الاثنان فلا بد أن يكون هناك حكم.

    فمن الذي يحكم بيننا؟

    لابد أن يكون هناك عقل كبير؛ نرجع ونتفق عليه، ولا يكون ذلك إلا النبي عليه الصلاة والسلام، فرجعنا في الأخير إلى تحكيم النبي عليه الصلاة والسلام بيننا، وكلامه موجود، فإذا اختلفنا في مسألة من مسائل الإيمان رجعنا إليه، ونظرنا إلى السنة العملية للصحابة، هل اختلفوا في هذا الباب أم لا؟

    فإذا لم يختلفوا فلا يتأتى الخلاف، لا يحل لنا أن نختلف، أما إذا اختلفوا فيسعنا كما وسعهم.

    فإذاً أول باب ندخله هو باب بدء الوحي، ثم أهم المطالب جميعاً الإيمان، فلا يكون الإيمان إلا بالوحي، ثم ذكر ثالثاً: كتاب العلم؛ لأن كل الأحكام الشرعية التكليفية لا تكون إلا بعلم.

    والإنسان يستغرب عندما يخرج ليشتري جهازاً كهربائياً، ويعطى رسالة لتشغيل الجهاز وهو (الكتلوج)، واتفق الناس جميعاً على ضرورة الرجوع إلى مثل هذا الكتاب، لفهم هذه الآلة التافهة، فيستغرب المرء أن أقواماً لا يرجعون إلى الكتاب على الإطلاق، ولكن يدخل ليعبد الله عز وجل كيفما يريد، ولا ينظر إلى مثل هذا الكتاب، والله عز وجل يقول: الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا [الفرقان:59] اسأل عن الرحمن من يعرفه، لا تسأل عنه الجهلة الذين لا يعرفونه، لكن اسأل عن الرحمن من يعرفه، وهذا فيه دلالة على ضرورة العلم والتعلم، وأن المسائل الاعتقادية كلها لابد أن تؤخذ من مشكاة النبوة، فلا تؤخذ من عقل، لأن الوحي هو الشاهد، ثم أتى ثالثاً بكتاب العلم بعد كتاب الإيمان وقبل كتاب الطهارة، وهذا يدل على أن كل تصرفاتك تفتقر إلى العلم.

    التشويق إلى العلم بذكر فضائله

    بدأ الإمام البخاري الكتاب بداية معتادة، فبدأه بعقد باب لفضل العلم، وذلك فيه نوع من التشويق، فقبل أن تَأْمُرَ بالشيء اذكر فضله، وهذا من سداد الحكمة، فالنبي عليه الصلاة والسلام لما رغب الصحابة في الجهاد بين لهم منزلة الشهيد، ومنزلة من يقتل في سبيل الله، فتحمسوا، لماذا؟ لأن الله عز وجل لما خلق الإنسان خلقه باحثاً عن الهدف، لا يعمل عملاً مجرداً من الهدف، وإنما يعمل العمل لشيء أو لهدف، وفي الحديث الصحيح: (أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم -وكان النبي قد سأله، ماذا تقول عندما تسجد في صلاتك- فقال: أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ ، لكني أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، فقال: حولها ندندن) يعني كل هذا الكلام الذي تسمعه ولا تستطيع أن تفهمه، كله من أجل أن يدخلنا الله الجنة، ويعيذنا من النار، كل كلامنا منحصر في هذه الكلمة التي قلتها أنت: نسأل الله الجنة ونعوذ به من النار.

    ونصب الله الجنة والنار للناس، فنصب الجنة ترغيباً، لذلك أخطأ من يظن أن العمل لأجل الجنة فاسد، وهذا عند بعض غلاة الصوفية، ويذكرون العبارة المشهورة -التي تعرفونها جميعاً إن شاء الله- عن رابعة العدوية : اللهم إن كنت أعبدك طمعاً في جنتك فاحرمني من جنتك، وإن كنت أعبدك خوفاً من نارك فأحرقني بنارك، وإن كنت أعبدك طمعاً في وجهك فلا تحرمني من وجهك.

    هذا الكلام فيه مغالطة، لأنها لا يمكن أن ترى الله إلا في الجنة، فالله لا يرى إلا بعد دخول الجنة، فعندما أقول: اللهم ارزقني الجنة فأعظم ما في الجنة هي رؤية الله عز وجل، فكأني أقول: يا رب! امنحني رؤيتك، لكن أن أقول: إن سألتك طمعاً في جنتك فاحرمني من جنتك، فكيف، والنبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما سأل الله الجنة واستعاذ به تبارك وتعالى من النار؟!

    فالإنسان مخلوق ليعمل ويبحث عن الأجر، فإذا علم أنه لا يؤجر فترت همته، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها)، فالإنسان عندما يغرس النخلة لن يأكل منها، وإنما ليأكل منها أولاده وأحفاده كما أكل هو من غرس أجداده، إذاً ما غرس الفسيلة إلا لهدف، فترغيباً من النبي صلى الله عليه وسلم في غرس هذه الفسيلة قال: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها) وتقدير الكلام: فلا يقل: لمن أغرسها وقد قامت الساعة ولن ينتفع بها أحد؟! فحري أن يتركها ولا يغرسها، فكأنه قال له: خالف طبعك واغرسها مع أنك لن تجد من ورائها ثمرة دنيوية.

    والرجل الذي جاء للنبي صلى الله عليه وسلم وفي يده تمرات فقال: (مالي عند ربي إن قتلت في سبيله؟ فقال: لك الجنة، فقال: إنها لحياة طويلة حتى آكل هذه التمرات، وألقى بها وقاتل حتى قتل).

    فسأله ما يكون لي؟ فقال له: أن تدخل الجنة، فقال: لا يحول بيني وبين الجنة إلا أن آكل هذا التمر، إذاً هي حياة طويلة، وهي ثانية أو ثانيتان، أو دقيقة أو دقيقتان، إذاً الحياة طويلة في هذه الدنيا، فرمى بالتمرات وقاتل حتى قتل.

    فتخيل لو أن الجواب: ليس لك شيء، كان من الممكن أن يأخذ جراب تمر ثم يقعد ويأكل، وعلى ماذا سيستعجل؟! وطالما أن المسألة لا أجر فيها ولا حافز. فلماذا لا ينعم بالحياة؟!

    كالرجل الذي جاء إلى عبد الله بن الزبير لما كان يتقاتل هو وعبد الملك بن مروان على الخلافة، فقال له: أنا بطل مغوار وفارس معروف، لكن كم تعطيني من الأجر؟ فقال: أعطيك كذا وكذا، قال له: إذاً هات! فقال له: هذا عندما تقاتل وتبلي بلاء حسناً! فتولى عنه الرجل وقال: أراك تأخذ روحي نقداً وتعطيني دراهمك نسيئة.

    يعني تأخذ روحي مقدماً بينما دراهمك تعطينيها مؤخراً، فهو يريد أولاً أن ينعم بهذا المال قبل أن يموت، فلما علم أنه قد يقتل ولا يأخذ الأجر فترت همته وتولى.

    ولهذا خلق الإنسان باحثاً عن الأجر، فإذا أردت أن ترغب إنساناً ما في شيء ما فعليك أن ترغبه، وتبين له أجر عمله، لأن هذا أدعى لأن يقدم، ولذلك تجد القطاع الخاص ناجحاً، والقطاع العام فاسداً، لماذا؟ لأن القطاع الخاص يربط الأجور بالإنتاج، بينما القطاع العام، لا. فالموظف يذهب لينام ثم يأخذ العلاوة ويأخذ المرتب والحوافز، بينما القطاع الخاص يقول لك: القطعة بجنيه مثلاً، فيحث العامل على أن لا يجلس فارغاً، فيقول: لماذا أجلس ولا أعمل؟ وكلما عمل كسب، فنجح، والشركات التي تعطي أجوراً عالية عندها مبدعون، لأنها تعطيهم الأجر وزيادة، وهذا نوع من الحافز.

    الصبر وأهميته في تبليغ العلم

    فلذلك الإمام البخاري رحمه الله بدأ كتاب العلم بذكر باب فضل العلم؛ لأن العلم واسع ومضن وشاق ليس بسهل، وتحرير محل النزاع في كثير من المسائل يحتاج إلى صبر بالغ، فتبليغ العلم للناس، والصبر على أذاهم ومخالفاتهم، وعلى بلادة المجتمع أحياناً، كل هذا يحتاج إلى صبر.

    وتبليغ العلم مع كثرة المناوئين لك، وكثرة الأسفار والترحال، كل هذا يحتاج إلى صبر، ويحتاج إلى مجهود كبير، فلا يدخل فيه إلا من يعلم قدره.

    والإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من ليس بأهله، وكفى بالجهل عاراً أن يتبرأ منه من هو فيه)، يعني لو قابلت أبا جهل في الطريق فقلت له: يا جاهل! لاحمر وجهه من الغيظ، مع أن أبا جهل ليس جاهلاً فحسب، وإنما هو أب للجهل، ومع ذلك يستنكر أن تصفه بالجهل، فالوصف بالجهل مر، كل الناس تدعي العلم في أي فن من فنون الدنيا، حتى لو لم تكن متحققة من هذا العلم، لماذا؟ لأن العلم شرف، فالعلم يرفع صاحبه، يرفع صاحبه حتى في علوم الدنيا، لما يلبس الشخص لباس أهل العلم، ويطلبه كل الناس فإنه يشعر بالعز من كثرة الطالبين.

    1.   

    بالعلم تصح النيات

    هناك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم جامع رائع، يبين فضل العلم، وهو الحديث الذي رواه الترمذي وصححه، وابن ماجة، وأحمد في مسنده من حديث أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الدنيا لأربعة نفر: رجل آتاه الله علماً ومالاً فهو يتقي الله فيه، يصل به رحمه، ويرعى لله فيه حقه، فهذا بأفضل المنازل، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فهو يقول: لو أن لي كفلان لعملت بعمله، فهو ونيته، فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً فهو يخبط في ماله، لا يرعى لله فيه حقه، ولا يصل به رحمه، فهذا بأخبث المنازل، ورجل لم يؤته الله مالاً ولا علماً فهو يقول: لو أن لي كفلان لعملت بعمله، فهو ونيته فهما في الوزر سواء).

    فالناس اثنان، واثنان تبع لهما، فالثاني تبع للأول، والرابع تبع للثالث.

    الرجل الأول: آتاه الله علماً ومالاً، وهناك نكتة في قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الدنيا لأربعة نفر) فذكر الدنيا ليصبر الناس على طلب العلم، بعض الناس يبدأ في العلم بنية فاسدة، كأن يتمنى أن يكون شيخاً كبيراً وعالماً جليلاً ومفتي الديار، وهذه النية ما لم يبتغ بها الآخرة فهي نية فاسدة.

    فأقل قدر من طلب الدنيا يعكر عمل الآخرة، ونمثل لهذه المسألة بإناء فيه قطعة من الطين الرقراق، ثم صببت الماء في هذا الإناء، فكيف سيصير شكل الماء، سيصير كله بشكل الطين، برغم أن حجم الماء كثير بالنسبة لحجم الطينة الموضوعة في الإناء، إلا أن هذا عكر ذاك كله، فأقل قدر من الدنيا يعكر عمل الآخرة، لذلك الإخلاص لله ضروري ومهم.

    النبي عليه الصلاة والسلام استفاد من مال أبي بكر رضي الله عنه، وقال عليه الصلاة والسلام: (إنه ليس أحد أمنّ علي في صحبته وماله من أبي بكر ، وقال له: لك يد علي لا يجزيك بها إلا الله).

    ومع ذلك لما أراد أن يهاجر عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري، وأخبر أبا بكر أنه سيهاجر اشترى أبو بكر راحلتين وحبسهما يطعمهما ويعلفهما استعداداً للهجرة، فلما آن أوان الهجرة وجاء أبو بكر بالراحلتين فأعطى راحلة للنبي صلى الله عليه وسلم، قال له النبي عليه الصلاة، والسلام: (بالثمن) فلماذا قال له عليه الصلاة والسلام بالثمن وهو قد أخذ منه كثيراً قبل ذلك ولم يعطه الثمن؟ وكم واساه أبو بكر رضي الله عنه بماله، لأن الهجرة لله فلا يريد أن يعكرها بشيء من الدنيا، قال له: (لا أخذ الراحلة إلا بثمنها)، تجريداً للقصد.

    وكذلك لما دخل النبي عليه الصلاة والسلام المدينة فوجد قطعة أرض لغلامين يتيمين من الأنصار، فقال: (ثامنوني بحائطكم يا بني النجار) يعني: بيعوه مني بالثمن، فقالوا: لا والله لا نأخذ ثمنه إلا من الله عز وجل، ومع ذلك أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم الثمن، لأن هذا بيت الله.

    فأقل قدر من الدنيا يعكر الآخرة، فالإنسان في بداية طلبه العلم يتمنى أن يكون مفتياً وإماماً وفقيهاً ومحدثاً، وكل هذا يعكر فضله، لكن قد يدخل المرء بوابة العلم بهذه النية الفاسدة، ثم يطلب العلم فتصلح نيته بعد ذلك مع طلب العلم.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إنما الدنيا لأربعة نفر) أي من طلب الدنيا بالعلم نال الدنيا، والعلماء سلاطين غير متوجين، والعامة تخضع لهم أكثر من خضوعهم للسلطان؛ لأن العلماء يملكون سلطان الحجة الذي يخضع القلب له، بينما السلاطين لا يملكون إلا سلطان اليد؛ الذي لا يخضع البشر إلا له.

    لأنه قد تجد الرجل يكابر العالم وقلبه خاضع لسلطان الحجة الذي ذكره العالم، إذاً العالم يسيطر على القلب؛ لأجل هذا كان سلطانه أقوى، قال تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14] فهو جاحد، لكن في حقيقة أمره مستيقن وخاضع لها قلبه، فالعالم يملك قلوب الناس، ومن هنا تأتي قوته.

    فمن أراد الدنيا فعليه بالعلم، وهذا نوع من الترغيب، فكأنه يقال لك: إذا طلبت العلم فعجزت عن تصحيح نيتك، وأحسست أن الدنيا متقدمة فلا تنصرف عن العلم، رجاء أن يصلح الله حالك.

    بعض الناس يقول لك: أنا لم أستطع، أحس أني أريد أن أكون فقيهاً، فخلطه بين الرياء والدعوة يصرفه عن العلم، فنقول له: اصبر، وهذا من دليل نصح النبي عليه الصلاة والسلام.

    إن العابد يزهد الناس في الدنيا والناس لا تستغني عنها فقلما يطيعونه، لكن العالم يحبب الناس في الله، فتهون الدنيا عليهم، وهذا هو الفرق، فإذا قلت لإنسان: اترك الدنيا وأت ورائي، لا يسمع منك هذا الكلام، ليس لأنه لئيم، أو لأنه غير مؤمن، ولكن لو بينت له أن التقلل من الدنيا طاعة لكان أحرى وأجدر، ولذلك ما أحسن نصيحة أصحاب قارون له، قالوا: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص:77].

    يعني عندما نقول لك: اتبعنا، فأنا لا أقول لك اترك ما أنت فيه من الأبهة، فإذا كان هناك رجل غني جداً، وعنده كل رفاهيات الحياة، وأراد أن يلتزم كيف تريده أن ينخلع من كل هذا، أتريد أن يكون مثل أبي ذر مثلاً، وتقص عليه قصة أبي ذر ؟ لماذا لا تقص عليه قصة عبد الرحمن بن عوف ؟ وإذا صعدت قليلاً فتقص عليه قصة سليمان عليه السلام.

    وانظر إلى سفيان بن عيينة رحمه الله عندما قال له سائل: أيهما أحب إليك قول مطرف بن عبد الله بن الشخير : لأن أعافى فأشكر خيراً لي من أن أبتلى فأصبر، أم قول أخيه أبي العلاء : اللهم إني رضيت لنفسي ما رضيته لي، فسكت سفيان ساعة ثم قال: قول مطرف أحب إلي، لماذا؟

    قال: إني قرأت كتاب الله عز وجل فرأيت وصف سليمان مع ما كان فيه من النعمة: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:30] ورأيت وصف أيوب مع ما كان فيه من البلاء: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:44] فقام الشكر مقام الصبر وبقيت العافية، فلأن أعافى فأشكر خير من أن أبتلى فأصبر، إذا كانت الدرجة عند الله واحدة.

    فسليمان عليه السلام قام بحق الله في شكر النعم، فإذا كان هذا الرجل الذي تدعوه عنده مال وقلت له: اترك المال لا يتبعك؛ لأنه يشق عليه ذلك، هناك بعض الناس يقول: أنا أخشى الفقر وأخافه، ولا أتخيل أنني أعيش فقيراً، فمثل هذا لا نقول له: اترك مالك ونظل نحبب هذا الشيء إليه، لا.

    فهذا قارون لو أن كل أغنياء العالم الآن جمعوا ما عندهم من المال، لكان ما يمتلكونه شيئاً يسيراً بالنسبة لما يمتلكه قارون، انظر إلى عظم حجم الأموال التي كان يمتلكها قارون، ولك أن تتخيل إذا علمت أن العصبة أولي القوة يحملون مفاتيح الخزائن فقط.

    فإذا كان هناك شخص غني وعنده كل هذا المال مثل قارون، وفي نفس الوقت وضيع، فلا يمكن أن يترك هذا المال، وعلامة أنه وضيع قول الله عز وجل: إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى [القصص:76] يعني شخص من قوم، أي: ليس له قيمة، ليس له كنية، ليس له أي قيمه في المجتمع، ثم صعد هذا الصعود الهائل وصار غنياً هذا الغنى.

    فعندما يكون وضيعاً وغنياً ثم أحب أن يلتزم أو يقترب، فمن الخطأ الجسيم أن تقول له: اترك مالك واتبعني! ولكن قل له: تمتع بكل المباحات وأخرج حق الله من المال، واعطف على ابن السبيل والأرملة والمسكين، وكل كما تحب وتريد، قال: وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص:77].

    فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما يقول: (إنما الدنيا لأربعة نفر) هناك بعض الناس يدخل العلم بهذه النية، فنقول له: لا تضطرب، ولا يحرمنك فساد نيتك أول الأمر على ترك طلب العلم، لكن اطلب العلم، واطرق بابه، وستصحح نيتك بعد ذلك كلما أضفت شيئاً إليك قرآناً أو سنة، كل هذا تتعلم منه شيئاً فشيئاً، فتصحح نيتك بعد ذلك.

    1.   

    ثمرات العلم

    كما قال ابن جريج رحمه الله: طلبنا العلم لغير الله فأبى الله إلا أن يكون له، وشبيه به قول عبد الله بن وهب رحمه الله -فقد كانوا صرحاء، وما كان يضرهم أن يهضموا حق أنفسهم- قال: نذرت أنني كلما اغتبت إنساناً أن أصوم يوماً، فكنت أغتاب وأصوم، فلم يجد نفعاً من ذلك فقطع الصوم، فقال: فنذرت أنني كلما اغتبت إنساناً أن أتصدق بدرهم، فمن حبي للدراهم تركت الغيبة، فكل يوم يخسر درهماً، ودرهماً، ودرهماً، فقال لك: لا. يجب أن أتوقف عن الغيبة.

    من ثمرات العلم: معرفة الإنسان قدر نفسه

    وما ضره أن يعترف هذا الاعتراف، وهذا من ثمرة العلم، فثمرة العلم أن تعرف قدر نفسك، مهما زكاك الناس ومدحوك، فأنت أدرى بقدر نفسك.

    معرفة الله عز وجل وصلة الرحم من ثمرات العلم

    فقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الدنيا -فيه إشارة إلى هذا المعنى الذي جليناه- لأربعة نفر) فكلنا واحد من هؤلاء الأربعة، وليس هناك واحد منا يخرج أبداً عن هؤلاء الأربعة.

    الأول: رجل آتاه الله العلم والمال، فثمرة العلم أنه يعرف لله فيه حقه، ويصل به رحمه، فالعلم هو الذي عمل هذا كله، بدليل أن الرجل الثاني الذي عنده مال فقط وهو جاهل قال عنه عليه الصلاة والسلام: (فهو يخبط بماله لا يرعى لله فيه حقه).

    فالرجل الذي عنده العلم والمال استطاع أن يوظف المال بالعلم، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن أو الحكمة أو العلم فهو يعلمها الناس، ورجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق) لا حسد، الحسد هنا: الغبطة، أن تتمنى لنفسك ما لأخيك، بغير أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك؛ لأن العبد إذا حسد الحسد المذموم فإن الضرر يعود إليه، إذ: لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر:43].

    فمعنى لا حسد: أي لا غبطة، وإن كان القصد لا حسد أي: الحسد المذموم. (رجل آتاه الله علماً أو قرآناً فهو يعلمه الناس، ورجل آتاه الله مالاً -فجعل المال تابعاً للعلم- فسلطه على هلكته في الحق) وانظر هنا إلى تعبير الحديث، سلط المال على هلكته، يعني أهلك المال بسرعة، وليس ينفق ببطء، وإنما يهلك المال، ووضع القيد وهو أنه لا يكون إلا بالعلم، يعني لو أنك جئت في رمضان فعملت موائد إفطار، وتقول: أنا شرطي أن هؤلاء الجماعة يأكلون مثل أكلي أنا في البيت، وتشرف على هذه الموائد، وتتأكد أنها على ما يرام، وتهلك مالك في هذا الشرط، والله طيب لا يقبل إلا طيباً.

    فهذا الخير لا يكون إلا بفضل العلم، فالرجل الأول آتاه الله علماً ومالاً، فعرف كيف يوظف ماله بالعلم الذي عنده، والرجل الثاني: آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فهو يقول: لو أن لي مثل فلان، فأعانه العلم على تصحيح نيته، والرجل الثالث: آتاه الله مالاً، ولم يؤته علماً فهو يخبط فيه خبط عشواء، فهذا لم يستطع أن يوظف ماله؛ لأنه جاهل، والرجل الرابع: جاهل ولا مال له، فهذا خسر الدنيا والآخرة بنيته الخبيثة.

    وهذه قصة فيها أن الجاهل لا يميز بين الطيب والخبيث: أن رجلاً -مثل الذي يسمع الكلمة ويأخذ بشرها- جاء إلى راعي غنم، وقال: يا راعي الغنم أعطني شاة، فقال صاحب الغنم لهذا الرجل: انزل وخُذْ لك أسمن شاه فدخل فأخذ بأذن كلب الغنم وقال: هذه أسمن شاة.

    فقال عليه الصلاة والسلام: (فهو يقول: لو أن لي كفلان لعملت بعمله فهو ونيته) هو ونيته: معناه قول النبي عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).

    فهو ونيته: إن كانت لله ورسوله فهي لله ولرسوله، وإن كانت للدنيا فهي للدنيا،. (فهما في الأجر سواء) إذاً: كيف يكونان في الأجر سواءً، ولم يستويا في العطاء؟ فالرجل الأول تعدى خيره بخصلتين: عنده علم وعنده مال، والرجل الثاني تعدى خيره إلى الناس بخصلة واحدة، وهي نيته، فكيف يستويان؟ قال العلماء: قوله عليه الصلاة والسلام: (فهما في الأجر سواء) يعني قريباً من السواء، أتينا بمثال تقريبـي لهذا الحديث، فهذا أبو حاتم الرازي رحمه الله قال له ابنه: إنك تقول على الراوي مرة: ثقة، وتقول مرة: لا بأس به، فقال له: من قلت فيه: لا بأس به فهو ثقة، إذاً ما هو الفرق، لماذا لا تقول: ثقة فقط؟ يعني مثلاً في التقديرات الجامعية عندنا الامتياز، عندنا جيد جداً، وجيد، ومقبول، وضعيف، وعندنا راسب، فالمائة بالمائة امتياز، والتسعين بالمائة امتياز وهل يستويان؟ لا يستويان، لكنهما في نفس التقدير، فهذا القول الأول.

    والقول الثاني وهو الأصح: هما في الأجر سواء، والرجل الثاني ما امتنع عن الإنفاق باختياره حتى يؤاخذه الله عز وجل بما كسبت يمينه، هو فقير، وهذا ليس باختياره، والله يعامل هذه الأمة بالفضل، وليس بالعدل، فمناسب لتمام فضله وكرمه وتفضله على عباده أن يرفع الرجل بغير كسب منه، تفضلاً منه على عبده.

    والإمام البخاري رحمه الله التقط هذا المعنى في باب من أبواب الصحيح سماه: باب من أدرك من العصر ركعة، أي: قبل أن تغرب الشمس، وروى فيه حديث أبي هريرة الصريح في المسألة: (من أدرك ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك الصلاة) ثم ذكر بعد ذلك حديثاً لـأبي موسى الأشعري ، وحديثاً لـعبد الله بن عمر والحديثان فحواهما واحدة، يقول الحديث: (إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس).

    مثال ذلك: رجل صاحب عمل استأجر أجراء يعملون له من أول النهار إلى آخر النهار بمبلغ معين، كأن يعملوا من الصبح إلى المغرب بعشرين جنيهاً فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا وقالوا: لا حاجة لنا في هذه الأجرة، فقال لهم: يا جماعة أنا اشترطت في البداية أن تعملوا من الصبح إلى الليل، وإذا أكملتم أعطيتكم الأجر، قالوا: لا حاجة لنا في هذه الأجرة، فقال: ننظر آخرين! فاستأجر أجراء فقالوا لهم: تعملون من الظهر إلى المغرب بعشرين جنيهاً، فعملوا من الظهر إلى العصر وعجزوا، فاستأجر أجراء من العصر إلى المغرب وقال لهم: بأربعين جنيهاً، فلما قال لهم: بأربعين جنيهاً، اعترض العمال السابقون وقالوا له: ماذا تصنع؟ نحن كنا أكثر عملاً منهم، وهم أكثر أجراً منا! فقال كما في الرواية الثانية من حديث ابن عمر قال: (أعطاهم قيراطاً قيراطاً وأعطانا قيراطين قيراطين) وفي رواية أخرى قال: (فعجزوا وقالوا: لا حاجة لنا في هذه).

    والجمع بين الحديثين: أنهم لما عجزوا وقالوا: لا حاجة لنا في أجرك، أمر الله عز وجل بإعطاء أهل التوراة أجرهم قيراطاً، وأعطى أهل الإنجيل أجرهم قيراطاً، وأعطى المسلمين أجرهم قيراطين، فضل الله يؤتيه من يشاء. وبهذا نكون قد جمعنا بين الحديثين ولا تناقض، ففي الحديث الأول أعطاهم قيراطاً قيراطاً، والحديث الثاني قال: فعجزوا وقالوا: لا حاجة لنا في أجرك.

    المهم فلما أخذ كل واحد منهم أجره، جاء السابقون فقالوا: (أي ربنا! نحن أكثر عملاً منهم وهم أكثر أجراً منا! قال: هل ظلمتكم من أجوركم شيئاً؟ قالوا: لا. قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء) مالي أعطيه من أشاء من عبيدي وأنا ما ظلمتكم.

    فلماذا وضع الإمام البخاري هذين الحديثين، وما علاقة هذين الحديثين بباب من أدرك ركعة من العصر؟

    فلو أن هناك شخصاً يصلي العصر ولم يبق على أذان المغرب إلا دقيقة واحدة، فأدرك ركعة من العصر وأذن المغرب بعد أن أتمَّ ركعة واحدة، إذاً سيصلي ثلاث ركعات في غير الوقت، فالعدل أن يثاب على ركعة، وثلاث يذهبن عليه، لكن الله عامله بالفضل، فوهب له الثلاث التي وقعت في غير الوقت بركعة وقعت في الوقت، إذاً عامله بالفضل أم لا؟ نعم. عامله بالفضل، فـالبخاري رحمه الله بعد أن ذكر دليل المسألة، ذكر الحديثين من باب التعليل. أن الله إنما عاملنا بفضله تبارك وتعالى قال: (فذلك فضلي أوتيه من أشاء).

    وفي هذا دليل على أن الإنسان يسعى في الشر بسرعة الريح كما في الحديث: (فهو يخبط في ماله لا يرعى لله فيه حقه، ولا يصل به رحمه)، فهذا بأخبث المنازل، فالذين لم يستضيئوا بنور العلم كما قال القائل: لم يحصل على دنيا ولا على آخرة.

    1.   

    الجهل وأثره السيئ على الإنسان

    العامي أيها الأخوة الكرام! لا مذهب له إلا هواه، مثل الجماعة الذين تمنوا مال قارون، فوقفوا على الطرقات ينظرون إلى قارون ويقولون: يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [القصص:79] لكنهم قالوا عندما ابتلعته الأرض: وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا [القصص:82].

    هناك أحد الصحفيين كان ذاهباً ليشاهد مباراة نهائيات كأس العالم بين ألمانيا وهولندا في هولندا، ولم يذهب قبل أن تقلع الطائرة بنصف ساعة أو بساعة، ولكن ذهب في وقت قصير، المهم وهو ذاهب في آخر لحظة، انفجر إطار السيارة، فما أن نزل وغيّر إطار السيارة ودخل المطار حتى قالوا له: إن الطائرة قد أقلعت، ولكن اجلس وشاهد المباراة في التلفاز.

    وفي صباح اليوم التالي أخذ الجريدة ليتصفحها فقرأ خبر الطائرة التي كان سيسافر فيها، وأنها قد اصطدمت بأحد الجبال، ومات كل الذين فيها.

    فقال: الحمد لله إذ لم أكن معهم، فهو لم يدر ماذا سيحدث، ولا يعرف أين الخير، فلعل الخير أقرب لك من شراك نعلك، والشر كذلك، فالعوام لا يتحققون من شيء، ولكن يريد الشيء إذا جاء على هواه ومذهبه.

    فهذه فوائد البنوك، لجان الفتاوى في العالم، في السعودية، وقطر، والإمارات، والمغرب، ومصر، كل اللجان العلمية أجمعت على أن ربا البنوك حرام، ثم يأتي مفت ويقول: لا، بل هي حلال، فتعجب العوام: حلال؟! نجعلها في رقبة العالم.

    أنت أيها العامي خالفت مذهبك؛ لأن مذهب العوام أن يزنوا الحق بالكيلو.

    لما كنا مثلاً نتابع السنة في أول الطلب، فكان أول ما نتعرف على سنة نذهب لننشر هذه السنن بديارنا وفي الأرياف، تجدهم يقولون لنا: كل الناس هؤلاء على باطل وأنتم على حق! فكانوا يستدلون على الحق بالكثرة. إذاً: ليس من الحكمة أن نقول لهم: كل هؤلاء على باطل ونحن على حق! لا تأتي المسائل هكذا؛ لأنه يعتقد أنه على صواب، وهو في الأصل يمشي على هواه، ولكن نبين لهم الحق بحكمة.

    هذا يذكرني بالثعلب الذي أتى حائطاً لشخص وهذا الشخص كان قد نصب فخاً للثعلب، وكان الثعلب ماكراً، عندما رأى الحديد والأسلاك حول الحائط، حاول أن يدخل رأسه فما استطاع، والعنب أصفر وحلو! قال الثعلب -يخاطب صاحب العنب-: يا يوسف أفندي العنب هذا طعمه مر. قال: هكذا الثعلب يتمرد، يقول ذلك؛ لأنه لم يصل إليه ولم يستطع أن يأتي به فيقول: هو مر، الحمد لله أني ما أكلته.

    فالعوام مثل هذا الثعلب، إذا لم يستطع أن يصل إلى الحرام، قال: الحمد لله أني ما أكلته. ولذلك العامي مذهبه ما ناسب هواه، فهذا: خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ [الحج:11]، لا معه الدنيا يتمتع، ولا عقد النية عقداً صحيحاً مثل أحد الرجلين العالمين: العالم الأول، أو العالم الثاني بسب جهله.

    1.   

    بالعلم يرفع الله الناس به درجات

    إذاً هذا الحديث -أيها الإخوة الكرام- يبين لنا فضل العلم، وأن الله تبارك وتعالى يرفع الناس درجات، والدرجة -كما ورد في بعض الأحاديث- كما بين السماء والأرض، يرفع الناس درجات في العلم، كم من ضعيف متضعف أعزه الله بالعلم!.

    والإمام مسلم رحمه الله روى في صحيحه من حديث نافع بن عبد الحارث ، وكان عاملاً لـعمر على مكة (أن عمر لقيه بعسفان: قال له: من تركت -يعني: عاملاً بمكة-؟ قال: تركت عليها مولى لنا يقال له: ابن أبزى . قال: تركت مولى يؤم أبناء المهاجرين والأنصار؟! قال: يا أمير المؤمنين! أما إنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض. فقال عمر رضي الله عنه: إني سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين) فكم من ضعيف متضعف أعزه الله بالعلم!

    فهذا الأعمش رحمه الله لقب بـالأعمش لعمش كان في عينه، حتى ذكروا من سيرته أن امرأته نشزت عليه يوم من الأيام، فقال لتلميذ من تلاميذه: تعال من وراء الستار وقل لها: أنت في ماذا أغاظك الشيخ؟ من حسن حظك أنك تعيشين معه باستمرار، بينما نحن نتمنى أن نقعد معه ساعة. فقال: قل لها هاتين الكلمتين ربما يحن قلبها عليّ.

    فـالأعمش هذا قعد هو وصاحبه فبدأ صاحبه يثني عليه ويقول: إنه الأستاذ الكبير، الذي كلنا نعظمه ونجله ونكرمه، وقال كلام بهذا المعنى، ثم قال: حتى والله إنه لا يعيبه إلا أنه أعمش .

    فـالأعمش قام عليه وقال: قاتلك الله! وهل نشوزها عليّ إلا بسبب هذا؟!

    كان الأعمش رحمه الله يقول: لو كنت بقالاً لاستقذرتموني، لكن رفعه الله بالعلم درجات، حيث يعتبر من ثقات الأئمة الكبار، وكان قاسياً مع الطلبة، ومع قسوته كانوا يتهافتون عليه.

    من الرواة عن الأعمش : شعبة بن الحجاج ، وسفيان الثوري ، انظر إلى تلامذته الجبال الرواسي هؤلاء! هذا شرف للأعمش أن يكون تلامذته هؤلاء وأمثالهم.

    يقول الحافظ ابن حجر في (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة) في ترجمة ابن تيمية يقول: ولو لم يكن لهذا الإمام من فضل إلا تلميذه ابن قيم الجوزية ، صاحب المصنفات العديدة، التي انتفع بها الموافق والمخالف؛ لكان دليلاً على إمامة هذا الرجل. يكفي أنه أخرج ابن القيم، وهو شبيه جداً بشيخه ابن تيمية، لكنه أفهم الناس في علل النفوس، حيث كانت المسألة واضحة عنده، مع أنه يغرف من بحر ابن تيمية .

    فـالأعمش هذا الإمام الكبير، الذي يقول: لو كنت بقالاً لاستقذرتموني، تلامذته على هذا النمط العالي: سفيان الثوري ، وشعبة ، وسفيان بن عيينة ، وإسرائيل بن يونس ، وهمام بن يحيى ، وهشيم بن بشير كلهم علماء عظام، فكان الأعمش قاسياً معهم.

    ذكر الخطيب البغدادي في كتاب: (شرف أصحاب الحديث): أنه ربى كلباً لأصحاب الحديث، لأنهم يدخلون عليه كل حين وحين، لا يستطيع أن يأخذ راحته أبداً، يأتون من الآفاق: اقرأ علينا، أسمعنا.. فربى لهم كلباً، فكان إذا سمع وقع أرجلهم تقترب من الدار يرسل عليهم الكلب، ولك أن تتصور الموقف عندما يأتي شعبة وسفيان الثوري وغيرهما كلهم يجرون أمام الكلب! الشيخ يدخل من هنا وهم يلحقونه من هنا، ولا يملون على الإطلاق، فجاءوا يوماً إليه واقتربوا من الباب على حذر ولم يخرج الكلب، فهجموا على الدار ودخلوا عليه، فلما رآهم بكى، قالوا: ما يبكيك يا أبا محمد ؟! قال: مات الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. الذي هو الكلب.

    فـالأعمش كان عسر الرواية، وكان يهينهم، ومع ذلك كانوا يأتون إليه، لو لم يكن لديه علم لم يكن أحد ينظر إليه، فالذي رفعه إلى هذا القدر وصار إماماً في علم الحديث وغيره من العلوم هو العلم.

    مرة يذكر الخطيب -أيضاً- يقول: إن الأعمش كان عسر الرواية فقيه، وكان قريباً من العمى فلا يرى إلا يسيراً جداً، فمرة كانوا يشيعون جنازة شخص ما ليدفنوها، فخرج الأعمش معهم، فلقيه أحد الطلبة وأمسك بيده وقال له: أصحبك يا أبا محمد ، وهذا الطالب طالب لئيم، صار مع الأعمش وأخذ ينحرف به قليلاً قليلاً قليلاً إلى أن صار الناس يمشون في جهة وهما يمشيان في جهة أخرى، والأعمش شبه أعمى لا يعرف أين يمشي، المهم بعد مسافة قال التلميذ: يا أبا محمد أتدري أين أنت؟

    قال له: لا.

    قال: أنت في جبانة كذا وكذا -وهي بعيدة جداً عن البلد- والله لا أردك إلى البلد حتى تملأ الألواح بالحديث، أنا جاهز بمائة ورقة وأريد أن أملأها.

    فـالأعمش اغتاظ منه، واضطر أن يحدثه، وقعد يمليه: حدثني فلان وفلان وفلان حتى ملأ الألواح، ثم رجع بـالأعمش إلى البلد وهو مغتاظ عليه، لكنه ينتظر حتى يدخل البلد، أول ما دخلا البلد التلميذ قابل أحد أصدقائه فأعطاه الألواح سراً، وقال له: هذه أمانة عندك، وسأمر عليك في وقت لاحق حتى آخذها.

    ثم أوصل الأعمش إلى البيت، فأول ما قال له: وصلت إلى البيت يا أبا محمد ، قام فأمسك بيده مباشرةً، وقال: خذوا الألواح من السارق. فقال: قد مضت الألواح يا أبا محمد . فلما تأكد أن الألواح ذهبت ولن تعود، قال: كل ما حدثتك كذب!! قال التلميذ: أنت أعلم بالله من أن تكذب.

    وللأعمش جولات، فلو استطردنا فيه وفي سيرته سيطول بنا الوقت كثيراً، ولكن القصد من الكلام أن الأعمش رحمه الله كان أعمش العينين ويقول: لو كنت بقالاً لاستقذرتموني، فانظر إليه كيف رفعه الله عز وجل! هذا هو النسب الحقيقي إنه العلم.

    هل تعرفون شيئاً عن الأئمة الكبار، وعن بلادهم غير الإمام أحمد مثلاً وأبي حاتم الرازي ؟ لا، مثلاً الإمام البخاري هل تعرف شيئاً عن أولاده؟ لا تعرف أولاده، ما الذي رفع هذا الإمام، مع أنه لم يكن بأعظم الناس في حياته، كان له قرناء، وكان هناك من هو أفضل منه، ومع ذلك صار ذكره عبر القرون، وسار مسير الشمس، لدرجة أن هناك بعض الناس لما يغلط مثلاً في القرآن وينتقد يقول: لم نغلط في البخاري، يعني كأن البخاري أعظم من كتاب الله.

    مرة حكى لي بعض المشايخ يقول: ذات مرة دخل شخص ليصلي المغرب، فكان يقرأ: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ [التكاثر:1] قال: (إلهكم التكاثر) قيل له: ما هذا؟ قال: يا أخي! وهل غلطنا في صحيح البخاري! قال له: يا أخي هذا قرآن!!

    يعني هؤلاء العوام عندهم البخاري شيء لا أحد يقترب منه لماذا؟ ما الذي أعطى البخاري هذه الهيبة الكبيرة جداً من الإجلال والتوقير والاحترام، وأن كل ما في صحيح البخاري صحيح، مع أن العلماء لهم كلام في بعض ألفاظه؟: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [الجمعة:4] لكن بلا شك أن النسب الحقيقي هو العلم، مصنفاته هي أبناؤه، عندما يمن عليك ربنا سبحانه بالعلم والخير وتؤلف وتكتب، إياك أن تصنع كالموجة التي حصلت من عشر سنين، ولا زالت مستمرة حتى الآن: شباب لا ناقة لهم ولا جمل في العلم، اتبعوا سياسة نسخ الكتاب، ليس عنده علم، لكن يتعاقد بالملزمة، الملزمة بمائتي جنيه، والناقل الجاهل يقيس بالشبر، فكل شبر بثمن.

    مثلاً شعبة : شخص لم ينقل ترجمة شعبة من الترغيب والترهيب. أنت تنقل ترجمة شعبة عشر ورقات، تنقلها لمن؟ إذا كان من أهل العلم فليس بحاجة إليها، وإذا كانوا ليسوا من أهل العلم ليسوا بحاجة إليها أيضاً؛ لأنه لا يعلم ما هو المكتوب في الكتاب، هل رأيت الفرخ، هو (كتكوت منفوخ) عمره أكثر من أربعين يوماً وتستدل على هذا (الكتكوت) بصوته: صو صو ، إنما الديك البلدي حجمه صغير جداً ويصل صوته إلى سابع دار!

    فأنت تبدأ وتقرأ فيه بلا علم، ولا تستفيد منه، وأيضاً تدفع مالاً، إذا كان مائة صفحة ستدفع فيها مثلاً خمسة جنيهات، وإذا كان ثلاثمائة صفحة تدفع خمسين جنيهاً.

    قديماً كان المحققون معروفون أمثال: أحمد شاكر ، محمود شاكر ، محيي الدين عبد الحميد ، محمد فؤاد عبد الباقي ، محمد أبو الفضل إبراهيم ، علي البنجاوي ، إبراهيم زايد رحمة الله عليهم، ويحفظ الله من عاش منهم.

    هؤلاء كانوا محققين وآخرين معهم، الآن -على رأي الشيخ الألباني رحمه الله- يقول لك: فلان الأثري موضة العصر، موضة العصر الأثري ، أبو الفضل الأثري وهكذا.

    هل تعلم الأثري هذا من هو؟ ماذا عنده من علم؟ ما هي كتبه؟ لا تعرف.

    نحن نقول لطلبة العلم: لا تستعجل، الكتاب مثل ابنك، مثل ولدك بالضبط، لأنك ستأخذ صيتك وسمعتك منه، اتعب عليه، الولد الذي أنت تربيه اتعب عليه يجلب لك الثناء والرحمة، يقول لك: الله يرحمك ويرحم والديك، والولد الشقي يجلب على أبيه اللعنة في الدنيا والآخرة أيضاً. فاجعل الكتاب ابنك، والعلم نسبك.

    1.   

    نصوص تدل على فضل العلم

    العلم فضائله كثيرة، ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في كتاب: (مفتاح دار السعادة) فضل العلم من وجوه كثيرة جداً، فمن أراد ذلك فليطالع، لكن أذكر فقط نبذ عن فضل العلم تليق بالمقام وبالكتاب.

    الإمام البخاري رحمه الله قال: باب فضل العلم.

    بدأ به من باب التشويق حتى تصبر على طلب العلم.

    قال: وقول الله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة:11]، وقوله عز وجل: رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114]: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11]، تلاحظ أن هناك فرقاً: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وليس: أوتوا الإيمان: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ فخص العلم بالإيتاء.. لماذا؟ لأن العلم مواهب، ولأن الإيمان لازم لكل رجل، ولا ينجو في الآخرة إلا به، فجعله كاللازم له: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [المجادلة:11] يصلح أن يكون مؤمناً وجاهلاً ليس عنده علم؛ لأنه لا ينجو عند الله عز وجل إلا إذا كان مؤمناً، فإيمانه هو الذي ينجيه.

    ويعوض النقص الذي عنده في العلم من أهل العلم، فإذا احتاج إلى الاستدلال يمكن أن يسأل العلماء، وبذلك يكون أتم المراد، فجملة: (وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) دلالة على أن العلم يكتسب: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا [النحل:78]، ولهذا تجد أن المؤرخين في كتب السير يختلفون أحياناً، وربما كثيراً في مواليد العلماء، لكنهم لا يختلفون في وفياتهم، يقول لك: قيل: ولد سنة كذا، وقيل: سنة كذا وقيل: في شهر كذا.. لماذا؟ لأنهم يوم ولد لم يكن له ذكر، لم يكونوا يعلمون بأنه سيصير عالماً على السنة أو البدعة. فلما ولد لم يكن له صيت ولا ذكر، لكنه يوم مات كان كالشمس، فدوَّن الناس يوم وفاته، بل ساعة وفاته، بل ما حدث في وفاته.

    1.   

    حسن خاتمة أهل العلم

    مثل ما نقل الخطيب البغدادي وابن البناء وغيرهما، نقلوا عن أبي زرعة الرازي عبيد الله بن عبد الكريم رحمه الله، هذا إمام حبيب إلى القلب، لما تقرأ سيرته تحس أن فيه غبطة وحلماً، فهو شبيه بالإمام أحمد .

    يذكر أن محمد بن مسلم بن وارة ، وأبو حاتم الرازي دخلا على أبي زرعة وهو في النزع -أي: في الموت- فـمحمد بن مسلم يقول لـأبي حاتم : دعنا ندخل نلقنه الشهادة، فقال أبو حاتم : إني لأستحيي من الله أن ألقن أبا زرعة ذلك. فهو رجل سخر حياته كلها لنصرة هذا الدين ونصرة السنة، يرحل في الفيافي، يحمله ليلاً ويحطه نهاراً، يفترش الغبراء، ويلتحف السماء، وكم تحمل الجوع والعطش والتعب من أجل الحصول على العلم؟! فهذا الرجل أنفق حياته كلها لهذا الدين فأستحيي أن ألقنه.

    قال له: حسن.. دعنا نفكر في فكرة نلقنه بها الشهادتين.

    قال له : نعم.

    قال له: تقعد عنده وتذكره بحديث : (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) ونأتي بالطرق، وحدثني فلان عن فلان، وعلان عن علان، فأول ما نذكره بهذا لعله يقول: لا إله إلا الله. فنكون نحن بهذا قمنا بحق الصحبة.

    فلابد من النظر في المسألة هذه، أخوك لما يطلب معك العلم له حق عليك كبير: حق الصحبة، وتتمنى له أنه يخرج من الدنيا على التوحيد، فهما لكي يقوما بحق الصحبة لابد أن يلقناه الشهادة، فكانا يريان هذا مستحيلاً لماذا؟ لجلالة أبي زرعة .

    المهم دخلا عليه فقام محمد بن مسلم وقال: حدثني فلان عن فلان عن فلان عن... ونسي الحديث. فقال أبو حاتم : وحدثني فلان عن فلان و... وألبس عليه أيضاً، لم يستطع أن يكمله، قال أبو زرعة -وأشار-: أقيموني. وكان عندهم هذا من الأدب عند الحديث، لم يكن ليقل الحديث وهو نائم، وقد أخذوا هذا الأدب من النصوص، فكلما كانوا يتعلمون شيئاً يعملون به، والنبي صلى الله عليه وسلم عندما دخل على عبادة وهو مريض، قال: (ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله! الشهيد من مات في سبيل الله).

    قال عبادة : وكنت مريضاً فقلت: أقيموني. فأقاموني فقلت: الشهيد من مات في سبيل الله. ثم نام.

    هذا الفعل من الأدب فهو لا يتحدث بشيء من العلم وهو نائم، لا، وإنما يقوم أولاً ثم يتحدث وبعد ذلك ينام.

    فـأبو زرعة أشار -أن: أقيموني- فأقاموه فقال: حدثنا فلان عن فلان عن فلان... وأتى بالسند بأكمله، عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان أخر كلامه لا إله إلا الله...) وخرجت روحه مع الهاء، القصة وردت بسند صحيح، يرحم الله أبا رزعة .

    لا يخيب الله عز وجل سعي من سعى إليه، وأنفق حياته على دينه، هل تظن أن لا إله إلا الله تقال بسهولة؟! هي عند الموت أثقل من الجبال، يقولون له : قل لا إله إلا الله. لكن صار أصماً، ما سمعها، ما عبَّد نفسه لله، وما عمل بها في حياته، فكيف يقولها؟! يا إخوة: العمل يخف مع طول الممارسة.

    مثلاً: عامل العمارة الذي يحمل قطعة الطوب على كتفه ويصعد إلى الدور العاشر، فأنت ربما كنت أقوى منه وأصلب منه، طيب احمل هذه الطوبة واصعد بها إلى الدور الخامس، لا تستطيع، فما هو الذي جعل هذا قادراً على الصعود، هل هو من أول شهر أو أول أسبوع كان هكذا؟ لا، لم يصل إلى هذا الجلد إلا بعد سنين من العمل.

    فالمسائل مع طول الممارسة تسهل عليك، فأنت عندما تمارس لا إله إلا الله في حياتك فإنك تنجو بها، وكل شيء في حياتك تتمثل فيه حكم الله، حتى يصير ملكةً عندك، ممارستك للا إله إلا الله في حياتك؛ يسهل عليك أن تقولها إذا مت، أما أن تنحي لا إله إلا الله جانباً ثم تريد أن تنطق بها: إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:81].

    فـأبو زرعة رحمه الله كما قالت الروايات: إن روحه خرجت مع آخر كلمة قالها: (لا إله إلا الله) وهو يقول: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) فخرجت روحه.

    1.   

    الحصول على العلم يكون بالاكتساب

    وكنا قد قلنا: إن العلم يكتسب، يولد الرجل جاهلاً ثم يتعلم ويملأ الأرض علماً، وهذا فضل من الله تبارك وتعالى، هو الذي يؤتيه من يشاء من عباده.

    حينئذٍِ نقول: إن العلم بالتعلم، بخلاف الحلم فإنه لا يتعلم ولا يكتسب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عندما دخل عليه وفد عبد القيس وفيهم الأشج ، فلما دخل سلم وجلس حيث انتهى به المجلس، قال: (يا أشج : إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة).

    وفي مسند الإمام أحمد، سأله قال: (يا رسول الله! أهذان الخلقان جبلني الله عليهما؟ قال: نعم. قال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحب).

    فالحلم لا يعلَّم ولا يكتسب، أما العلم فإنه يكتسب، يولد المرء جاهلاً فيكون عالماً.

    فكأنه يقال لك: لا تيأس، الصفة المكتسبة هذه -التي هي العلم- يمكن أن تكون كالصفة الجبلية فيك، ولذلك قرن الحلم بالعلم إشارة إلى هذا.

    والدليل الآخر الذي ذكره البخاري رحمه الله قال: قال الله عز وجل: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114]، والله تبارك وتعالى لا يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالازدياد إلا من شيء هو يحبه وقد اصطفاه له، أمره أن يتقلل من الدنيا وأمره أن يستزيد من العلم، فقال: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114].

    نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا وإياكم ما جهلنا، وأن ينفعنا بما علمنا.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.