إسلام ويب

أي الغاديين أنتللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن حسن الخلق جماع كل خير، فهو من خصال الخير التي ينتفع بها المرء في الدنيا والآخرة كما ورد في الكتاب والسنة، فحسن الخلق أن تحسن إلى الناس في جميع تصرفاتك ومعاملاتك متأسياً بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم، فالإحسان يؤثر في أحقر الحيوانات وأدناها همة وهو الكلب فما بالك بالإنسان الذي كرمه الله؟ وليس هناك أثقل من البر -حسن الخلق- فمن برك فقد أوثقك، ومن جفاك فقد أطلقك.

    1.   

    الناس غاديان: بائع نفسه فموبقها أو معتقها

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين:

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    أيها المسلمون: الناس غاديان فبائع نفسه فموبقها أو معتقها، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها، أي: أن الغادي الأول يبيع نفسه، والثاني أيضاً يبيع نفسه، فأحدهما يعتق نفسه، والآخر يوبقها، أي: يدخلها في الرق، وهذا حديث يشير إلى نهاية كل حي، وأن الناس قسمان لا ثالث لهما كما قال تبارك وتعالى: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:105-108].

    الصنف الأول: بائع نفسه فموبقها

    في آخر سورة الفرقان ذكر ربنا تبارك وتعالى هذين الصنفين، لكنه قبل أن يذكرهما ذكر نعمه على عباده، وبعد ذكر النعم ذكر أحد الصنفين، وهو الصنف الذي أوبق نفسه وأدخلها النار، ثم أخر ذكر الصنف الصالح، وفي تقديمه للصنف الذي دخل النار عبرة وفائدة، تعلمها بعد سرد الآيات.

    لقد امتن الله عز وجل على عباده بنعم عظيمة وكثيرة، فقال تبارك وتعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا * وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا * وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا * وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان:47-54].

    فتأمل هذه الآيات: (وهو الذي جعل لكم الليل لباساً...) إلى آخر الآية، (وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته)، (وهو الذي مرج البحرين)، (وهو الذي خلق من الماء بشراً) ولكن ... ما هي النتيجة؟ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا [الفرقان:55] إنما ابتدأ ربنا بذكر الكفر بعد تعداد النعم ليظهر لك العقوق، ليظهر لك عقوق الكافر بعد هذه النعم التي امتن الله عليه بها بأن عبد غيره سبحانه وتعالى، وكان ينبغي أن يشكر ولا يكفر. ولكن وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ [الفرقان:55].

    من الذي يعبد من يضره؟ من الذي يحب من يضره؟ إن الناس تحب الذي ينفع ويظهر النفع، وتكره الذي يضر.

    من خصائص الإله أنه يضر، وهذا الضرر إما أن يكون بعدوك -أن يضر عدوك- أو يضرك أنت، فتعرف الألم الذي يصيبك ولا تستطيع أن تتحمله -فالمرض مثلاً- قد يكون ألمه في غاية الشدة، وهذه نعمة؛ لأن أعظم الأمراض الفتاكة يأكل الجسم بلا ألم، فأول ما يتألم المرء يكون الأمر قد انتهى ولم يعد ثمة فائدة...

    لأنه إشعار لك بأن هذا الموضع من الجسد يحتاج إلى علاج ونظر طبيب، فالألم نعمة؛ لأنه ينبه إلى موضع المرض، وإلا فالأمراض مثل السرطان -عافانا الله وإياكم وأجارنا من الأمراض وسوء المنقلب- إنما يأكل بدن المرء فلا ينتبه إلا وقد انتهى الأمر.

    إذاً: هذا الضرر نعمة.

    كل إنسان في نفسه داعية الألوهية فلو ترك وما يريد لقال: أنا ربكم الأعلى، واعتبر بفرعون. وإن فرعون قدر فأظهر وعجز غيره فأضمر.

    وكل إنسان إذا استولى عليه الغرور لديه استعداد أن يقول: أنا ربكم الأعلى، فإنه إذا اغتنى وارتفع وتكبر يكاد أن يقول: أنا ربكم الأعلى، كما حصل في سنة إحدى وثمانين عندما خطب رئيس الجمهورية آنذاك خطابه وضرب على المنضدة ضربة وقال: (أنا الحاكم، ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد) هكذا قالها في خطابه، وتكلم عن العلماء بكلام ممقوت بغيض، ووصفهم بمجانين السويد وغير ذلك.

    فدل الواقع الذي يصير إليه الناس أن كل إنسان إذا استولى الشر على قلبه فإنه على استعداد أن يقول: أنا ربكم الأعلى. فإذا ابتلاه الله عز وجل بقاصمة له: مرض، فقر، ظلم؛ فإذا به يرتدع ويتوب، وهذه كلها قدر وضرر لكنها في تمام النفع لهذا العبد، فلو أنه تُرك وما يريد لدخل النار، فكان -إذاً- لابد أن يضره -رحمة به- ليوقفه عن اقتحام النار.

    إذاً: من خصائص الله عز وجل أنه ينفع ويضر: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا [الفرقان:55] الكافر كلما وجد مناوئاً لله وضع يده في يده، فبدأ ربنا عز وجل بذكر هذه الصنف بعد تعداد النعم؛ ليظهر لك قبح الكفر وأهله.

    الصنف الثاني: بائع نفسه فمعتقها

    ثم ذكر تبارك وتعالى الصنف النفيس، الذين هم أولى الناس بهذه الحياة، فبدأها بذكر خصلة جامعة، وهي التي لا يكاد المرء ينتفع بخصلة من خصال الخير إلا بها، فقال عز وجل: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا [الفرقان:63] (وعباد الرحمن) ولم يقل: وعباد الله؛ لأن صفة الرحمة مدعاة لحسن الخلق، (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً) يمشي بوقار وسكينة، لا يصعر خده للناس، ولا يمشي في الأرض مرحاً، ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً) أي: قولاً سلاماً، وهذه الخصلة هي جماع كل خير، وكل الخصال بعد ذلك تنبني عليها؛ ولذلك بدأ الله بها، وهي جماع حسن الخلق.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن العبد ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم) لماذا؟ لأن في الآخرة تنصب الموازين، والنبي صلى الله عليه وسلم سأل أصحابه يوماً؛ فقال: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: يا رسول الله! المفلس فينا من لا دينار له ولا درهم. قال: لا المفلس من أتى يوم القيامة بصلاة وزكاة وصدقة -وذكر بعض أصناف الخير- كأمثال الجبال يأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، فطرح في النار).

    إذاً: هذا رجل معه صيام وقيام، وصدقة وحج، وزكاة فدخل النار؛ لكثرة خصومه وظلمه لهم، فإن استطعت أن ترحل إلى الله ولا خصم لك فافعل، فربنا تبارك وتعالى قال: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [النساء:40]، وقال عز وجل: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء:47].

    فالرجل إن كان حسن الخلق فإنه يلقى الله عز وجل بلا خصوم، وهذا هو سر إدراكه لدرجة الصائم القائم: أنه يلقى الله بلا خصوم، حسناته موقوفة عليه.

    1.   

    أهمية حسن الخلق وفضله

    ومن حسن الخلق: الإحسان إلى الناس، فالإحسان يدق العنق، بل يؤثر في أحقر الحيوانات وهو الكلب مع ذلك إذا ألقيت له قطعة خبز أو لحم هز ذيله، -اعترافاً بالجميل- وأثر فيه إحسانك إليه.

    ومن طريف ما يذكر في ذلك أن حاتماً الطائي رأى ابنه يضرب كلبة له، فقال: يا بني! لا تضربها، فإن لها علي جميلاً ومعروفاً. فإنها تدل الضيفان عليَّ. أي: إن الضيف يسمع نباح الكلب ويرى النار، وكانت النار والكلب وسيلتان في الجاهلية لإرشاد الضال، ولذلك كانوا يتخذون الكلاب، فالغريب السائر يتبع صوت الكلب؛ لأن الكلب لا يكون إلا في مجتمع أهلي، ولا يعيش إلا في سكن وبين ناس.

    وقصص وفاء الكلاب معروفة، والإحسان يدق العنق، حتى إن تأثيره يتعدى إلى أرذل الحيوانات.

    وقد صدق الحكيم الترمذي -وهو غير الترمذي صاحب السنن- إذ يقول: (ليس هناك حمل أثقل من البّر، من بّرك فقد أوثقك، ومن جفاك فقد أطلقك). أي: إذا أردت أن تدخل رجلاً سجنك -وأن تكون أشرف سجان- أحسن إليه، فإذا أحسنت إليه فلا يستطيع أن يوصل السيئة إليك؛ لسابق إحسانك إليه، ولكن إذا جفوته وشتمته فقد أطلقت لسانه في عرضك، يتكلم فيك بحرية؛ وهذا مصداق قول الحكيم الترمذي : (ليس هناك حمل أثقل من البر، من برك فقد أوثقك، ومن جفاك فقد أطلقك).

    صور من حسن الخلق في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام

    وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث المسور بن مخرمة رضي الله عنه في حديث صلح الحديبية ، لما صدت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه عن البيت، وبدأت المفاوضات بين قريش وبين النبي عليه الصلاة والسلام، فجاء بديل بن الورقاء يتفاوض مع النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له عليه الصلاة والسلام: (إننا ما جئنا للقتال، إنما جئنا لنعتمر، فخلوا بيننا وبين البيت، وإلا فوالله! لأجاهدنهم عليه حتى تنفرد سالفتي) فذهب بديل بن الورقاء إلى قريش وأخبرهم.

    فجاء عروة بن مسعود الثقفي وقال لقريش: ألستم مني بمنزلة الوالد، وأنا منكم بمنزلة الولد؟ قالوا: بلى. فقال لهم: دعوني آتيه، وقد عرض عليكم أمر رشد، فجاء عروة بن مسعود الثقفي -وكان إذ ذاك مشركاً، ولكنه أسلم بعد ذلك- فلما جاء قال: يا محمد! إنها واحدة من اثنتين: إما أن تغلب وتظفر على قومك، فهل رأيت أحداً اجتاح قومه قبلك؟ وإن تكن الأخرى -فوالله- ما أرى حولك إلا أوباشاً -وفي الرواية الأخرى: أوشاباً- خليقاً أن يفروا ويدعوك -يعني: لا جلد لهم على قتال، وقد رأى الصحابة رضوان الله عليهم، وقد عظهم الفقر بنابه، وظهرت عليهم الرثاثة، وقد ارتدوا القديم المرقع من الثياب، وظهر الفقر.

    فيقول: إن قامت حرب إياك أن تظن أن هؤلاء ينصرونك، إنهم مجموعة من الأوباش، من الغجر- فلما سمع أبو بكر رضي الله عنه هذا الكلام وهذا الشتم للصحابة، قال: أنحن نفر وندعه؟ امصص بظر اللات، وهذا سب مقذع لآلهتهم؛ فانزعج عروة وغضب، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: من هذا المتكلم؟ فقال: هذا ابن أبي قحافة أبو بكر فقال عروة بن مسعود : والله! لولا أن لك عليَّ يداً لأجبتك -أي: لولا أن لك علي جميلاً سابقاً أديته إلي لرددت عليك عيبك في آلهتنا-.

    فانظر كيف صده الإحسان عن الرد، وكيف صان لسانه عن الرد لسابق جميل أبي بكر ، وهذه هي عاقبة الإحسان، وهذا هو شاهدنا من القصة.

    فربنا تبارك وتعالى بدأ بهذه الخصلة الجامعة وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا [الفرقان:63]، وقال: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ [الفرقان:72] أي: أعرضوا عنه، والرسول عليه الصلاة والسلام استعان بهذه الخصلة العظيمة على نشر دعوته، فكان صلى الله عليه وسلم يسمع السب بأذنه وكأنه لم يسمع، بل إذا جاء رجل أراد أن ينتقم له أمره بالعفو، وأمره بالصفح كما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من أكمة -مكان فيه أشجار كثيرة- فلما رآه عبد الله بن أبي ابن سلول -رأس المنافقين- قال: لقد غير علينا ابن أبي كبشة -وهو يسب النبي عليه الصلاة والسلام، يقول يعني: كنا سادة في أقوامنا، وبلال الحبشي لم يكن له ذكر ولا قيمة، وجاء فوضعه بجانبي، وأوقفه في الصف بجانبي، فأهدر سيادة السيد، ورفع منزلة العبيد، لقد قلب الموازين...- فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يمشي معه عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول -ابن رأس المنافقين، وكان صحابياً صالحاً، وسمع كلمة أبيه- فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله: والذي بعثك بالحق! والذي أكرمك! لئن أمرتني لآتينك برأسه. قال له: لا. ولكن بر أباك وأحسن صحبته).. وهكذا فليكن الخلق.

    والانتقام عادةً يكون انتقاماً شخصياً، فنزه نفسك عن الانتقام لنفسك، فإن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً بيده قط، إلا أن تنتهك حرمات الله) وعائشة رضي الله عنها هي المرأة الوحيدة التي ضربها النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أنها تخطت هذا الحد. تقول عائشة رضي الله عنها: (لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلتي التي هي لي جاء ففتح الباب رويداً رويداً -بهدوء- وخلع نعله ومشى رويداً رويداً؛ حتى لا يحدث النعل صوتاً، ووضع جنبه رويداً رويداً على الفراش، فما هو إلا أن وضع جنبه على الفراش حتى قام رويداً رويداً، وأخذ نعله رويداً رويداً، ومشى رويداً رويداً، وفتح الباب رويداً رويداً، وانطلق.

    قالت: فقمت وراءه وتقنعت إزاري -ظلت تمشي خلفه- حتى وجدته عند البقيع، فرفع يده ثلاث مرات يرفعها ويخفضها، قالت: ثم انحرف -أي: راجعاً- فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر -أحضر أي: مشى بتمهل- فأحضرت، دخلت الغرفة، ودخلت تحت اللحاف -لكن أنفاسها لا زالت متلاحقة، وهذا ليس حال امرأة نائمة- فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فوجد اللحاف يرتفع وينخفض مع أنفاسها، فقال: مالك يا عائشة ! حشية رابية؟ -تشتكين من شيء في صدرك، لقد تركها مستريحة، وجاء وهي تنهج- رآها ارتبكت. فقالت له: لا شيء. فقال: أخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير. فقالت: يا رسول الله! مهما يكتم الناس يعلمه الله، وقصت عليه الخبر، وهي كانت مراقبة للموقف كله، والنبي صلى الله عليه وسلم يظنها نائمة، وهذا من رفقه وحسن خلقه أنه لا لم يزعجها عند دخوله، وكان إذا دخل فوجد في البيت إنساناً مستقيظاً يسلم سلاماً لا يوقظ النائم ويسمع اليقظان، وهذا من حسن خلقه صلى الله عليه وسلم؛ فظنت عائشة رضي الله عنها أنه ذاهب لبعض نسائه، ولذلك خرجت وراءه، وهذا حيف وجور، لا يليق أن يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا تعد- فقصت عليه الخبر، فقال لها: أنت السواد الذي كان أمامي؟ -الزي المستحب للنساء هو الأسود، فهي لبست هذا السواد وخرجت- قالت عائشة : فلهزني -أي: ضربني بمجامع يده- في صدري لهزة أوجعتني، وقال: أظننت أن يحيف عليك الله ورسوله بأن تكون النوبة لك وأذهب لغيرك-؟ إن جبريل أتاني، وما كان ليدخل عليك وقد وضعت ثيابك، فناداني فأخفا منك -أي: ناداني بصوت لم تسمعيه، حتى لا تسمعي فتستيقظي- فأجبته فأخفيته منك، وكرهت أن أوقظك فتستوحدي -فهي حديثة السن، وحدها بالليل، وتخاف، فحمد الله أنها نائمة- قال: وكرهت أن أوقظك فتستوحدي، فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل بقيع فتستغفر لهم -فأدارت عائشة دفة الحوار بذكاء- وقالت: يا رسول الله! ماذا أقول إذا دخلت عليهم؟ -غيرت السيرة- فعلمها دعاء زيارة القبور).

    وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم بجانبي فتحسسته فلم أجده، فظننت أنه ذهب لبعض نسائه فقمت، فوقعت يدي على قدميه منصوبتان وهو ساجد، يقول: أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، أعوذ بك منك ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. فقلت: بأبي أنت وأمي -يا رسول الله- إنك لفي شأن وأنا في شأن آخر) هو ساجد يثني على ربه تبارك وتعالى، وهي تظن أنه ذهب لبعض نسائه، فحياته صلى الله عليه وسلم كلها تجسيد لحسن الخلق، فقد وصف من أعدائه بالأمين، ولم يكذبه أحد قط وهو معتقد أنه كاذب صلى الله عليه وسلم.

    وهذا هو جماع الخير فكل خصلة من خصال الخير يمكن أن تقبل منك بحسن الخلق، وكل خصلة من خصال الخير قد ترد عليك بسوء الخلق، فحسن الخلق يحفظ كل خير، بينما لا يبقى مع سوء الخلق حسن، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يسمع سبه بأذنه، وكان يتجاهل ويتغاضى، وكانت قريش لما اغتاضت من النبي عليه الصلاة والسلام تقلب اسمه وتسبه، فيقولون: مذمم -محمد من الحمد، ومذمم من الذم- فيقولون: قاتل الله مذمماً، قبح الله مذمماً، لعن الله مذمماً، فيبتسم النبي صلى الله عليه وسلم ويقول لـأبي هريرة : (انظر كيف يصرف الله عني شأن قريش، إنهم يشتمون مذمماً، ويلعنون مذمماً، وأنا محمد!) مع أنه صلى الله عليه وسلم يعلم يقيناً أنه المشتوم والمقصود، ولكنه يتغاضى ويتغافل، وهذا من حسن خلقه صلوات ربي وسلامه عليه.

    فلا يكون لك مع الناس خصومات إلا من كان عدواً لله ورسوله، فهذا ينبغي أن تغاضبه، وأن تعلن الخصومة له إذا قدرت على ذلك.

    فكن ذا خلق حسن متأسياً برسولك محمد صلى الله عليه وسلم -بحسن خلقه- في جميع أوقاته ومعاملته حتى مع أهل بيته، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيته أفضل زوج، وكن نساؤه أسعد نساء على وجه الأرض، وإنما كان ذلك لحسن الخلق، فليتعلم الأزواج الذين حولوا بيوتهم إلى ثكنات عسكرية، وضرب ومشاكل على الدوام من خلق النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع زوجاته وأهل بيته. فهو صلى الله عليه وسلم ما أسر قلوب زوجاته إلا بحسن الخلق.

    وعلى سبيل المثال أقول لك: هل تستطيع أن تذهب بعد صلاة الجمعة اليوم إلى بيتك إن كان عندك مثلاً صالة واسعة، وتجري أنت وامرأتك وتتسابقون؟ أظن أنك تنكر ذلك وتقول: كيف يكون هذا؟ أنا رجل والرجل له هيبة وهي امرأة- فأقول لك: إن أشرف من وطأ على الأرض بقدميه فعلها، كما رواه أحمد في مسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كنا في غداةً مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال للصحابة: تقدموا فتقدموا، فقال لـعائشة : تعالي أسابقك. قالت: فسابقته فسبقته، فتركني -أي: تركها فترة- حتى إذا حملت اللحم -بدنت- ونسيت أمر المسابقة، وكنا في غداة؛ فقال لهم: تقدموا، فتقدموا، فقال: تعالي أسابقك. فسابقته فسبقني، فجعل يضحك ويقول: هذه بتلك) سبقتيني المرة السابقة وأنا سبقت هذه المرة..

    من يفعل هذا مع امرأته؟!

    وهذا من حسن خلقه ولطفه صلى الله عليه وسلم.

    وفي الصحيح أيضاً عن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما رأيت صانعة طعام أجود من صفية ) ولهذا القول قصة، وذلك أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم دعا أضيافاً من الصحابة عند السيدة عائشة رضي الله عنها فبعثت صفية رضي الله عنها وعاءً فيه أكل، فكانت أحسن نساء النبي صلى الله عليه وسلم طباخة، وعائشة رضي الله عنها كانت حديثة السن، فإنه صلى الله عليه وسلم بنى بها وهي بنت تسع سنين -لكنها مثل عشرين سنة الآن- أي: أنها لم تكن تحسن الطبخ، والسيدة صفية بعثت له صحناً من الطبيخ، ففهمت عائشة رضي الله عنها أنها تريد أن تري الصحابة من يطبخ أحسن؟ فأخذت السيدة عائشة الصحن ورمته على الأرض أمام الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يلملم الطعام وبقايا الإناء من الأرض وهو يضحك، ويقول للصحابة: (غارت أمكم، غارت أمكم وأتى بإناء السيدة عائشة السليم وأرسله إلى صفية ، وقال: إناء بإناء، وطعام بطعام) وهكذا، وانتهت المشكلة بحسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم وابتسامته وعباراته اللطيفة.

    فأنت تتسلط على المرأة لماذا؟ نحن نعرف أنك الرجل، وأنك تملك ثلاث طلقات، نحن نعرف أن المسألة بيدك، والمرأة ضعيفة، فهي ضعيفة العقل، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إن المرأة لا تستقيم لك على طريق) بل مرة هكذا، ومرة هكذا أوضاع متقلبة ولذلك قال: (إن المرأة لا تستقيم لك على طريق) أبداً، وقال: (إن المرأة خلقت من ضلع أعوج، وإن أعوج الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته -لأنه عظم، هو مخلوق هكذا، إذا أردت أن تعدله كسرته- وإن تركته ظل على عوج، فاقبلوهن على عوج).

    بل إن المرأة لا تسقيم لك إلا بالمعروف، فلو أنها اعتدلت مثلك هكذا تماماً ستشعر أن هناك رجلاً معك في البيت، ولا وئام ولا ائتلاف أبداً، فكان لابد من الاعوجاج حتى تسير الحياة؛ ولذلك الرسول عليه الصلاة والسلام يقول لـعائشة : (تعالي أسابقك)، وهل هذا يليق بالرجال؟! فضلاً عن أن يليق بمقام النبوة؟! لا، نزل صلى الله عليه وسلم إلى مستواها، لأن الله عز وجل أعطى الرجل الصلاحية أن ينزل إلى مستوى المرأة، وأعجز المرأة أن تصل إلى عقله واتزانه وتفكيره، فأنت عندما تحاول أن ترفعها إليك لن ترتفع، بل انزل إليها فإذا نزلت استقامت الحياة، والنبي صلى الله عليه وسلم أعطانا المثل من نفسه.

    إذاً: اعوجاج المرأة من كمال خلقتها، وليس عيباً فيها، ويحتجن إلى حسن الخلق، فكان النبي صلى الله عليه وسلم أسعد زوج، ونساؤه أسعد زوجات على وجه الأرض، كل هذا بحسن الخلق، وهي الخصلة الجامعة التي ابتدأ ربنا تبارك وتعالى بذكرها في أول خصال عباده المتقين.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

    1.   

    قيام الليل والتضرع إلى الله راحة وطمأنينة

    الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    قال تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان:64] فانظر إلى هذا العجب (يبيتون سجداً وقياماً) ولفظة (بات) إذا جاءت مطلقة فهذا يعني: النوم والراحة، أي: الاستغراق في النوم والغياب عن الوعي، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في وضوئه، فإنه لا يدري أين باتت يده) والحديث هذا مختص بالماء الموضوع في الأواني. فإذا استيقظت من النوم فلا تضع يدك في الماء. ولكن خذ في إناء صغير، واغسل يدك ثلاث مرات بالكامل، ثم ضع يدك في الماء..

    قال صلى الله عليه وسلم: (فإنك لا تدري أين باتت يدك) والعلماء قالوا: لاحتمال أن تمر اليد على موضع النجاسة فتحمل النجاسة وأنت لا تدري.

    إذاً: قد تمر اليد على محل النجاسة وأنت لا تدري، لأنك: نائم، غائب عن الوعي، ولذلك جاءت لفظة (باتت) مطلقة، بخلاف ما إذا كانت مقيدة، فإنها قد تأتي مقيدة وتدل على أنك سهران لم تنم، كأن تقول مثلاً: بات فلان لا يكتحل بنوم... فهذا يدل على أنه سهران، ولكنها هنا مطلقة فتعني: النوم الاستغراقي.

    (والذين يبيتون) جاءت مطلقة. أي: أنه نائم، فكيف يستقيم ذلك مع قوله (سجداً وقياماً) وهذا يدل على السهر؟ نقول: اعلم -يا عبد الله- أن راحة المؤمن ليست في النوم بل راحة المؤمن أن يصف قدميه بين يدي من يحب، فكأنما قال: هو في حال قيامه وسجوده مستريح كالذي ينام تماماً، وراحته في الركوع والسجود، ولذلك اللفظ (يبيتون) يعني: مستريحون، لا ضجر عندهم من الصلاة بالليل، وهو يعلم أن الله عز وجل يضحك له، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليضحك) وضحك ربنا على حقيقته، يضحك؛ لكن كما يليق بجلاله، لا تقل لي: يضحك كضحك عباده بقههقة، وله لسان وشفتان.. ونحو ذلك، لا، الله عز وجل (ليس كمثله شيء)، لكنه يضحك على الحقيقة وليس مجازاً: كناية عن الرضا، والسرور، والقبول.. لا. يضحك ربنا على الحقيقة، لكن لو سألتني كيف يضحك؟ أقول لك : لا أدري، فالكيف محجوب عنا، لكننا نثبت لله ما أثبته رسوله صلى الله عليه وسلم له، إنما الرضا والقبول يكون له أثر صفة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليضحك إلى عبد كان في رفقة يمشون بالليل، وكان النوم أحب شيء إليهم، فعرجوا -ضربوا الخيام، والنوم أحب شيء إلى هؤلاء الرفقة، من شدة الإعياء والتعب، إلا أن هذا العبد لم يستطع أن ينام فقام فتوضأ فصلى لربه ركعتين) قبل أن ينام صلى لمحبوبه، والله عز وجل هو الذي ينزع التعب عنه، والله عز جل يبارك له في نومه، ويذهب عنه التعب، ولذلك كان قتادة يقول: (اللهم اكفنا من النوم باليسير). لكن انفعنا بهذا النوم.

    فهذا الرجل قبل أن ينام قدم هواه لمحبوبه على هواه لنفسه، فقام يتملق ربه بركعتين، ولا ينتفع بنزول الله عز وجل إلى السماء الدنيا كل ليلة إلا الركع السجود في صلاة الليل، في جوف الليل الآخر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن ربنا يمهل حتى الثلث الأخير من الليل، فينزل فينادي عباده: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فأعطيه) فلا يدعو إلا المستيقظ آنذاك، والنائم لا تسمع نومه، إلا شخيره وهذا لا ينتفع بنزول الله عز وجل إلى السماء الدنيا، بخلاف هؤلاء الذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً.

    إذاً: السجود والقيام ليس مشقة، بل هو راحة وطمأنينة.

    نسأل الله تبارك وتعالى أن يردنا إلى ديننا رداً جميلاً.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.

    اللهم اجعل الحياة لنا زيادة في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

    اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

    اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.

    ربنا آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

    اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.