إسلام ويب

صفات أهل الجنة وأهل النارللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه وتعالى ابتلى المؤمنين بمجاهدة الكافرين، وبين لهم أن الحرب سجال، ولكنه عز وجل وعد عباده أن الغلبة والنصرة لهم في الدنيا والآخرة. وقد بين الله عز وجل الصفات التي يتصف بها العباد ليكونوا من أصحاب الجنة، التي يتصف بها من يئول مصيره إلى النار.

    1.   

    شرح حديث (خلقت عبادي حنفاء)

    إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    أخرج الإمام مسلم والنسائي وأحمد من حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه، قال (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فكان مما قال في خطبته: ألا إن الله أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم فاجتالتهم الشياطين عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظاناً، وإن الله أمرني أن أحرق قريشاً، قلت: رب! إذاً يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة. قال: استخرجهم كما استخرجوك واغزهم نغزك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشاً نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، قال: وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال.

    قال: وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له الذين هم فيكم لا يبتغون أهلاً ولا مالاً، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، والذي لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك، وذكر البخل أو الكذب والفحاش والشنظير الفحاش).

    قال الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم: (وإنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك).

    إذاً: المسألة سجال، يبتلي به ويبتليه، ولكن الله عز وجل وعدنا؛ فقال: وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف:128] أي: في الدنيا والآخرة، فلابد أن يظهر هذا الحق مهما طال الزمان، فما هو السلاح الماضي الذي ميز الله عز وجل به نبيه وطائفته بحيث يغلبوا في النهاية في هذه الحرب.

    حفظ الله سبحانه وتعالى لكتابه من التحريف والتبديل

    قال: (وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظاناً).

    ومن المعلوم أن النجاسات إنما تزال بالماء خصوصاً المائعات، شرعاً وطبعاً، فإذا أصاب ثوب أحدنا نجاسة، وأراد أن يطهر النجاسة بالزيت أو بالسمن مثلاً، وهما من جملة المائعات، فإن النجاسة لا ترتفع عن هذا الثوب شرعاً وطبعاً، ولو أراد أن يغسله باللبن لم ترتفع النجاسة شرعاً وطبعاً، وإنما يرفع النجاسة الماء، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستفتاح يقول: (اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد)، وكلها ترجع إلى الماء، فلما كان أعظم نجاسة يبتلى بها الإنسان، ويتلطخ بها الروح هي الذنوب، سأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يغسل الذنب بالماء، مع أن الذنب عادةً لا يزال بالماء، وإنما ضرب لنا المثل تشبيهاً لتقريب الفكرة.

    والنجاسات المحسوسة تزول بالماء، وأعظم النجاسات الذنب، فلما كان مستقراً في أذهاننا أن الماء هو الذي يزيل النجاسة سأل الله تبارك وتعالى أن يزيل الذنب بالماء، فلما قال له تبارك وتعالى في هذا الحديث: (وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء) أي: لا يُمحى أبداً، ولا يستطيع أحدٌ أن يزيله ولا يزيل تأثيره.

    إن أعداءنا في محافلهم العامة، وفي مناقشاتهم الخاصة يجمعون أن زوال القرآن من أعظم أسباب انتصارهم وتمزيق هذه الأمة.

    ونحن نقول لهم: إن الله عز وجل وعدنا في القرآن وكما في السنة أنه سبحانه الحافظ لكتابه، قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9] ، استحفظ الله اليهود التوراة فخانوا وبدلوا، واستحفظ النصارى الإنجيل فخانوا وبدلوا، فلم يستحفظ المسلمين القرآن؟ لأنه كتاب مهيمن وخاتم وفرقان، والكل يرجع إليه، فلا بد أن يكون محفوظاً لا يتطرق إليه شك، وهذا وعد الله.

    ولو أن رجلاً زاد في القرآن كلمة أو حرفاً لرد عليه آلاف من المسلمين في الأرض، ولا نعلم كلاماً قط في الأرض يحفظ كله ولا يغادر منه حرف إلا القرآن، وترى الطفل الصغير الذي لا يحسن المعاني، ولا يعرف حقيقة الكلام يحفظ كلام الله ولا ينساه.

    وكثير من الناس الذين حفظوا (المعوذتين) في مطلع صباهم لا يعلمون تفسير كثير من ألفاظها، فلو قلت لأحدهم ما معنى: الفلق في قوله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1]؟ ربما تندهش لأن هناك رجالاً وصلوا إلى درجة الدكتوراه، وأناساً يدرسون، وأناساً لهم مناصب قيادية، ويحفظون السورة منذ ابتداء الكلام، ولا يعرفون معنى: الفلق!! فضلاً عن أن يعرف معنى (الغاسق إذا وقب) ونحن نعرف بداهة أن الكلام الذي لا ينطوي على معنى يزول، ولا يحفظه الذهن، فكيف حفظ الطفل هذا الكلام وهو لا يعرف له معنى؟ قال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17] يحفظه الكبير والصغير، فهذا وعد من الله أن القرآن محفوظ.

    وقوله في الحديث: (وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء)، إنما مثل القرآن بالماء لجملة المؤآمرات التي تحاك بهذا الكتاب لتمحوه كما يمحو الماء النجاسة، وشبكة الإنترنت كل يوم يظهر عليها قرآن مفترى، وقديماً افترى مسيلمة الكذاب قرآناً، وضحك العقلاء منه؛ لوشاشته وسماجته؛ ولأنه ليس له من المعنى والجلالة ما لكتاب الله عز وجل.

    فيؤلف الحاقدون كل يوم قرآناً جديداً، فسورة (الكافرون) سيضعون بدلها سورة (المسلمون)، ويطعنون على المسلمين وعلى دين المسلمين، ويأتي أطفالنا الذين لا يميزون بين الشمال واليمين ويقولون: هذا كذب، فكتاب الله (لا يغسله الماء) ولا يستطيع أحدٌ قط أن يبدل فيه شيئاً، ولو حرفاً واحداً، وهذا هو أقوى عدة المقاتل: القرآن، لأن فيه الوعد الحق أن الله ناصره.

    وجوب مجاهدة الكفار والمشركين

    في هذا الحديث يقول الله تبارك وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: (وإن الله أمرني أن أحرق قريشاً. قلت: رب! إذاً: يثلغوا رأسي، فيدعوه خبزة) أي: يفتحون دماغي، كما يفتح الرجل رغيف الخبز إذا أراد أن يأكل، أي: لا طاقة لي بهم، والعدة والعتاد الذي معي لا يقاوم قريشاً بجبروتها وإمكانياتها.

    حينئذ قال له: (استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نُغْزك -أي: نعينك على غزوهم- وأنفق فسننفق عليك) المسألة ليست مسألة خزائن ولا مال، فالذي ينفق عليه هو الملك سبحانه الذي له ميراث السموات والأرض، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يد الله ملأى سحاء ينفق كيف يشاء، انظر إليه كم أنفق منذ خلق السموات والأرض على عباده)، فإذا كان هذا الغني الذي لا منتهى لغناه، هو الذي يمده، إذاً: سيفلس عدوه وهو يقاتل؛ ولذلك قال: (وأنفق فسننفق عليك) ، وقد قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28] ، حسناً.. يا رب! هم الذين يعمرون الأسواق، وهم الذين يحضرون البضاعة، ونحن بالتالي نشتغل ونكسب، معنى (المشرك لا يقرب المسجد الحرام) فقال سبحانه وتعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ [التوبة:28] فهذا وعد من الله.

    ثم قال: (وابعث جيشاً نبعث خمسة مثله)، أي: من الملائكة، وكما ورد في الأخبار أن الله عز وجل لما أمر جبريل عليه السلام أن يقلب قرى قوم لوط: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى [النجم:53] ، المؤتفكة: هي المنقلبة، قالوا: إنه قلبها بريشة من جناحه، فكيف إذا دخل جبريل المعركة: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ [الأنفال:12]، أي: الملائكة ورب الملائكة، قال: (وابعث جيشاً نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك).

    أصناف أهل الجنة

    وقوله: : (وأهل الجنة ثلاثة)، هنا لا بد من وقفة أصولية مهمة، ونحن في أمس الحاجة لفهمها؛ لأن الجهلة الذين يعتدون على السنة يتكئون عليها، وما من مبطل يحتج بدليل صحيح إلا وكان في الدليل إهدار لاستدلاله لو كان يدري.

    قال: (ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال)، فهل هؤلاء هم الذين يدخلون الجنة فقط أو سيدخلها الألوف والملايين بألوف وملايين الأعمال؟ فما معنى حصر الكلام على هؤلاء؟ نقول: هذا كقوله صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) وعدهم، فهل هؤلاء هم الذين ينعمون بالظل فقط؟ لا. فقد ثبت في أحاديث أخرى أن آخرين ينعمون بظل الله تبارك وتعالى.

    فما معنى قوله: (سبعة) وعدهم، والأرقام قطعية الدلالة لا تحتمل تأويلاً، ولا يختلف العاد منها.

    والعلماء يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم تلقى القرآن منجماً، ولو شاء الله لأنزل القرآن جملة واحدة، وإنما أنزل الله تبارك وتعالى الآيات مفرقة على رسوله صلى الله عليه وسلم رعاية للحوادث؛ ويكون للكلام مقتضى، فمثلاً ينزل قوله تبارك وتعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً [البقرة:245]، فيسمع الآية أبو الدحداح رضي الله عنه، فيقول: (يا رسول الله! الله يطلب منا القرض، فيقول: نعم.) ولأنه رضي الله عنه معظم لربه عرف معنى القرض بمعناه الصحيح، وليس أن ربنا فقير ويريد أن يقرضه أي أحد مثلما قالت اليهود عندما سمعوا هذه الآية، قالوا: إن رب محمدٍ افتقر. وما ذاك إلا لأنهم كفار بالله لا يعظمونه، ومن يعبد العجل من دون الله خليق به أن ينسب كل نقيصة إلى ربه، لكن أبا الدحداح مسلم ومعظم لله، ففهمه على معناه الصحيح. (قال: الله يطلب منا القرض؟ قال: نعم. قال: يا رسول الله! إن لي حائطاً فيه ستمائة نخلة، فما لي عند ربي إن أقرضته حائطي. قال: لك الجنة. قال: أشهدك أني أقرضته حائطي) فهذه آية نزلت بمفردها، وربما لو نزلت مع جملة السورة ما انتبه لها أبو الدحداح.

    وكذلك ما حصل عند موت النبي صلى الله عليه وسلم من عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما شرع يلوح بسيفه ويقول: (من قال: إن رسول الله مات لأعلونه بسيفي هذا. حتى جاء أبو بكر، فقال: على رسلك أيها الحارس، ثم تلا قوله تبارك وتعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل عمران:144] ، فسقط السيف من يده، وقال: والله لكأني ما سمعتها إلا الآن).

    فهذه آية كان يقرؤها عمر لكنه لم يكن لها مقتضى عنده، لذلك مر عليها ولم يستطع أن يستحضرها لهول المصاب وجسامة الخطب، ذهبت عن باله.

    وفائدة نزول القرآن منجماً: أنه يكون له مقتضى، وينفعل المسلمون له كما انفعل أبو الدحداح حين خرج وترك المجلس وذهب إلى امرأته، ووقف على باب البستان ولم يدخل، ونادى امرأته، وقال: يا أم الدحداح! اخرجي بأولادك، فإني أقرضت حائطي هذا ربي. فقالت المرأة: ربحت البيح يا أبا الدحداح.

    فخرجت المرأة بعيالها، ولم تراجعه ولم تقل له: يا رجل! لو كنت تركت نصف المال وأقرضت ربنا نصفه، كما يفعل كثير من الناس، إذا طولب أن يبذل شيئاً نظر إلى رأس ماله، ثم يقول: أعطيه الربع، أعطيه الثلث.

    إن النبي صلى الله عليه وسلم سمع بلالاً يقول كلمة فأعجبته ورددها خلف بلال، سمع بلالاً يقول: (أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالاً) فأعجبته الكلمة!

    والقرآن نزل منجماً؛ حتى يكون له مقتضى، كذلك النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكن يستوفي كلامه كله على المسألة الواحدة في المجلس الواحد، وإنما كان يتكلم على مقتضى المجلس، فليس من شرط المتكلم إذا أراد أن يتكلم في مسألة أن يذكر كل ما يتعلق بالمسألة؛ فإن هذا أمر يطول، والإنسان ليس عنده من الوقت ما يكفيه لذلك، لكن حسبه أن ينبه على ما يقتضيه المقام.

    أي: كلمة مجملة، وهذه الكلمة قد فصلها في مجلس آخر، فليس بالضرورة كلما قال كلاماً مجملاً أن يفصل فيه مرة أخرى، ولكن على المستدل إذا أراد أن يجمع المتفرق من الكلام حتى يستقيم له المعنى.

    إذاً: مهمة الجمع -الأقوال كلها- إنما تكون على عاتق من يريد الاستدلال، وليست على عاتق المتكلم، إذ يصعب عادةً أن يتكلم المرء على المسألة في كل مرة بكل الكلام الذي يحيط بها.

    فهكذا كانت مجالس النبي صلى الله عليه وسلم، فكان ينزل الكلام على المقتضى، وإلا لو أخذنا كل حديث لوحده سنضيع الدين، واسمع هذه الجملة من الأحاديث، وخذ كل حديث وحده.

    قال صلى الله عليه وسلم: (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرم الله قدميه على النار) ، خذ هذا الحديث لمفرده، وخذ مثالاً: رجل لا يصلي، ولا يزكي، ولا يصوم، ولا يعمل شيئاً، ولما جاء الغزو ذهب وعفر رجليه، هذا الرجل هل سيحرم الله قدميه على النار وهو لا يصلي ولا يزكي ولا يعمل شيئاً، لكن حقق الذي ورد في الحديث.

    قال صلى الله عليه وسلم: (من قاتل في سبيل الله فُواق ناقة وجبت له الجنة) (فواق ناقة): أي: بمقدار حلب الناقة، يعني: قاتل في سبيل الله ربع ساعة تقريباً فوجبت له الجنة.

    حسناً.. هناك آخر قاتل في غزوة كاملة، وقتل ثمانية؛ ودخل النار، كما في الحديث الصحيح: (أن رجلاً رأوه في القتلى في آخر رمق، وكانوا قد تركوه كافراً، فلما رأوه بين القتلى، قالوا: يا فلان! مالك؟ ما الذي جاء بك؟ أأسلمت؟ فقال: لا. إنما جئت حدباً على قومي). عصبية، أتى ليحارب مع أولاد عمه، وهناك مثل جاهلي (أنا وابن عمي على الغريب) أي: عصبية.

    وقد يقول قائل: هذا كافر والجنة محرمة على الكفار، فنقول: وهذا آخر مسلم، وكان شجاعاً وقاتل وقتل، فذكروه عند النبي صلى الله عليه وسلم: أنه شجاع، وأنه قاتل قتال الأبطال، فقال عليه الصلاة والسلام: (هو في النار. فقالوا: لم يا رسول الله؟ قال: بعباءة غلها)، انظر الخذلان! عباءة سرقها من المغانم قبل أن توزع فدخل النار بها. نعوذ بالله من الخذلان.

    وقد يقول قائل: إذاً: أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم تناقض بعضها بعضاً؟ فمن قاتل فواق ناقة وجبت له الجنة، وهذا رجل قاتل عشر ساعات تقريباً ودخل النار لأجل عباءة غلها.

    فكان لابد من الجمع بين الأحاديث، فنقول:

    النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمين صبراً، أدخله الله النار وحرم عليه الجنة قالوا: يا رسول الله! وإن كان شيئاً يسيراً؟ قال: وإن قضيباً من أراك) أي: سواك. وما قيمة السواك؟! ولو أن شخصاً أخذه من شخص آخر، وقال: هذا السواك لي، كان جزاء الرجل ما ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام: (أدخله الله النار وحرم عليه الجنة) .

    والخوارج يستدلون بهذا الحديث وما شابهه على تكفير المسلمين بالكبائر؛ لأنهم أخذوا هذا الحديث وحده.

    والمتأمل في الحديث يجد أن هذا ذنب، وهو كبيرة من الكبائر، وقد وعد الله عز وجل عباده؛ فقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، وكل وعيد في القرآن لا يتحقق إلا إذا أصر عليه صاحبه، ولم يتب منه، لأن التوبة تسقط الوعيد.

    فإذاً: لا بد من جمع الأحاديث ومن ثم نحكم على المعنى كله، لا أن نأخذ حديثاً واحداً ونحكم به، فهذا عمل منكر عند جمهور العلماء، ويئول بصاحبه إلى الكفر، لأنه سيتهم رب العالمين بالتناقض والظلم تعالى الله عن ذلك.

    وكذلك القرآن فيه آيات ظاهرها التعارض، قال تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164]، يعني: كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور:21]، هذا معنى الآية: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر:38] فليس عليك شيء من وزر أبويك، ولا من وزر أحد، وفي الآية الأخرى يقول الله عز وجل: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ [العنكبوت:13] يعني: أثقالاً أخرى. أي: أنه سيحمل ما ارتكبه هو وما ارتكبه غيره.. فكيف نوفق بين الآيتين؟

    نقول: كلام أهل العلم في هذا أوضح من أن يخفى على الجهلة، وهو أن المعني بهؤلاء الذين يحملون أثقالهم وأثقال غيرهم الذين أضلوا الناس.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.