إسلام ويب

مجالات لخدمة الإسلامللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن دين الله سبحانه وتعالى منصور، لكنه يحتاج إلى بذل الأسباب الشرعية القولية والفعلية من قبل الدعاة إلى الله، فلابد لكل داعية وطالب علم أن لا يحتقر نفسه وأن يعرف ما يصلح أن يخدم به الدين، فالدعوة إلى الله لها مجالات متعددة منها ما هو فرض كفائي، ومنها ما قد يتعين على بعض الناس في بعض الأوقات والأماكن ... وهكذا.

    1.   

    طاقات معطلة عن العمل للدين

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    الحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام، هو دين الله القويم، ومنَّ علينا بإرسال أفضل الأنبياء والمرسلين، بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، وداعياً إلى الله بإذنه، فتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    إخواني! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    وانقضت معظم أوقات المسلمين في البحث عن اللذات، والعمل للدنيا، وانشغل جمهور المسلمين عن الآخرة بأنواع من الملاهي، والشُغل بالنفس، فصار العمل لدين الله قليلاً أو نادراً، فلا شك أن هذه علامة ضعف وخطر، وهي من أسباب تقهقرنا وتخلفنا نحن المسلمين، إننا لا نرى جمهور المسلمين يعملون للإسلام، ولا يحملون هم الإسلام.

    ثم إننا إذا نظرنا إلى واقع الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى أو المحسوبين على قطاع الدعوة إلى الله، والمتمسكين بالإسلام أو الذين ينتسبون إلى التمسك بالدين؛ لوجدنا أن هناك خللاً كبيراً أيضاً وتفريطاً عظيماً، وكما أن هناك غثاء في الأمة فهناك غثاء أيضاً في هذا القطاع الذين ظاهرهم التمسك بالدين.

    وذلك أن كثيراً من الشباب قد اتجهوا في الآونة الأخيرة لأنواع من الملاهي والانشغال عن العمل للدين، وصار همهم هو أنفسهم، وعملهم للدنيا، ودراستهم للدنيا، وسعيهم للوظائف، وبناء البيوت وتحصيل الأموال وغير ذلك، والانشغال بالأثاث والمتاع والرياش، وحتى الأماكن التي يذهب كثير منهم إليها، ويسافرون إليها ليست لتحصيل مصلحة في الدعوة لدين الله ولا لتحصيل علم شرعي، ولا لتربية النفس على الطاعة وإنما هي أشياء من ضياع الوقت واللذات، حتى أن كثيراً منهم يذهبون في رحلات للصيد ويصيدون من الدواب أحقرها وأسوأها.

    فصارت الهمة متدنية حتى فيما يصيدون، لم تعد كثير من تلك الجموع همها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو الدعوة إلى الله أو طلب العلم، وتراخى كثير من الذين كانوا من القدوات والعاملين للإسلام في يوم من الأيام حتى صاروا في آخر الركب في مؤخرة الناس، وتحول كثير من الطيبين إلى طاقات معطلة، لا تستفيد منها الأمة ولا تعمل لرفع شأن الدين، وأصيب عدد آخر منهم بالإحباط، وهم يقولون: ما هو السبيل وماذا عسانا أن نفعل؟

    وعدد منهم قد أشغلتهم الأحداث عن التمعن في الدين والتفكر فيه وانساقوا وراء أغراض لأعداء الإسلام، انشغال عن حقيقة الدين واتباع للتوافه أو لأشياء يحسبونها عظيمة، وهي عند الله هينة لا خطر لها.

    وانطلت خدع أعداء الدين على عدد من هؤلاء؛ فصاروا يهتمون لا أقول بالقشور أو تحسبون أني أتكلم عن السنن؟ لا. معاذ الله، فإن من صلب ديننا التمسك بالسنة والعمل من أجلها، لكن المسألة -أيها الإخوة- صارت عند كثير من المسلمين وعند كثير من هؤلاء الذين كانوا يعملون للإسلام ويضحون من أجله، صار الانشغال بالتوافه واللعب واللهو، أو الدخول في أشياء من النقاشات والجدل العقيم الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.

    وصارت حتى المجتمعات والأندية التي يجلسون فيها خالية من ذكر الله، ومن العلم الشرعي وطرح الأفكار الجادة والأطروحات التي من شأنها رفع شأن الدين، وصارت القضية خلافات وجدل وأخذ ورد، وتفسخات في الجسد الإسلامي الذي ينبغي أن يكون جسداً واحداً إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

    إن الذي يبحث وراء انشغال الكثيرين بالأمور التافهة أو بالأمور الدنيوية والمتاع الزائل، يجد أنهم لا يشعرون بالواجبات الشرعية التي أوجب الله عليهم القيام بها، الواجبات الدينية غير سائرة في الدماء، وليست خاطرة على البال في الوقت الحاضر، بل كانت تخطر في وقت عند البعض ثم أزيحت الآن، وليس هناك قلق يزعج نفوس هؤلاء وعقولهم إلى التفكير في وسائل جادة لخدمة الدين، ولا شك أن الواجبات الدينية والوظائف الشرعية كثيرة، لكنها غائبة عن أذهان الكثيرين، فمثلاً: من الوظائف الشرعية الإمامة والخطابة، والأذان، والقضاء، والفتيا، والجهاد، وكشف سُبل العدو، والحسبة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله عز وجل، والقيام على سد حاجات الفقراء، وإغاثة المنكوبين من المسلمين، فالواجبات الشرعية كثيرة جداً في هذا الزمن؛ لأن الثغرات المفتوحة في المجتمعات الإسلامية عموماً متعددة وواسعة، وتحتاج إلى همم كثيرة وجهود متظافرة للقيام بسد الخلل وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ودفع عجلة العمل الإسلامي إلى الأمام، والنهوض بشأن هذا الدين ليعود إلى ممارسة دوره في الواقع.

    1.   

    فروض الكفاية واهتمام العلماء بها

    وهذا يقودنا أيها الإخوة! إلى مسألة مهمة ومفهوم مهم جداً؛ ألا وهو قضية فروض الكفاية، إن كثيراً من الشباب لا يدركون لهذا المفهوم حقه، وربما لم يطلعوا أصلاً على كلام العلماء في هذه القضية، هناك واجبات كثيرة في المجتمع الإسلامي وبلدان المسلمين، كلنا آثمون بتركها جميعاً إلا من سعى للقيام بها، وكأن الواحد يظن أن صلاحه في نفسه أو بعده عن بعض المنكرات والمعاصي هو الواجب عليه، وأنه لا يجب عليه أكثر من ذلك، لا يجب عليه أكثر من الامتناع عن سماع الأغاني، والامتناع عن الإسبال، والامتناع عن بعض المنكرات والمعاصي التي كان يفعلها في السابق، هذا كل ما من شأنه، والمداومة على صلاة الجماعة ومصاحبة بعض الأخيار ممن هو على شاكلته فقط.

    لكن المسألة أعمق من هذا بكثير، وكما قال ذلك الرجل الصالح: يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ [يس:26] يا ليت قومي يعلمون بالثغرات الموجودة والواجبات الشرعية في سدها، يا ليت قومي يعلمون بمعنى: فرض الكفاية الذي دندن حوله العلماء كـابن تيمية رحمه الله والشاطبي والقرافي والموقري والعز بن عبد السلام ونحوهم، هؤلاء العلماء الذين عاشوا في فترة أو في أزمة صار فيها شأن المسلمين إلى تضعضع وانحسار، وشعروا بالثغرات الموجودة فتكلموا في كتبهم، وبالذات مواضع أصول الفقه من كتبهم على هذه الواجبات الشرعية، فروض الكفاية، الذي دعا العلماء إلى توضيحها شعورهم بوجود العجز في الأمة، وشعورهم بوجود الثغرات التي ليس هناك من يقوم بتغطيتها.

    ولذلك تكلموا في مسألة فروض الكفاية، والكلام عنها الآن في هذا الوقت من الأشياء المهمة والمهمة جداً؛ لأن الكلام عن فروض الكفاية هو الذي يشعرنا بتخاذلنا، وهو الذي يشعرنا بضعفنا وتقصيرنا فلعلنا نتحمس للقيام بالدور المطلوب.

    تعريف العلماء لفرض الكفاية

    العلماء يُعرفون فروض الكفاية: بأنها إيقاع الفعل مع قطع النظر عن الفاعل، المهم أن الفعل يقع، بغض النظر عمن أنجزه، ويقولون: فعل البعض يكفي في سقوط الإثم عن الباقين.

    فرض الكفاية: إذا فعله البعض كفى وسقط الإثم عن الباقين، وإلا أثموا كلهم، والذي يقوم بفعل فرض الكفاية مأجور، ويُسقط الإثم عن الباقين.

    1.   

    أمثلة على فروض الكفاية

    ومن الذين تكلموا عن موضوع فروض الكفاية الشافعي رحمه الله واستدل بقوله تعالى: إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً [التوبة:39] النفير للجهاد والقيام به واجب، هذا فرض على الأمة يجب أن تقوم به لحماية الثغور ونشر الدين، وتحطيم الطواغيت ومقارعة جيوش الكفر لئلا يكون هناك فتنة ويكون الدين كله لله، ولئلا يوجد عوائق تحول دون انتشار الدين.

    الجهاد واجب إذا قام به البعض سقط عن الباقين، استدل الشافعي بقوله تعالى إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً [التوبة:39] أي: أنه إذا لن تنفر الأمة أثمت كلها، ويعذبهم الله عذاباً أليماً، فهو فرض على الأمة -فرض الكفاية- فرض عام على الأمة يجب أن تقوم به, فإذا قام به بعضهم بكفاية سقط الإثم عن الباقين وثبت الأجر لمن انتدب لإيقاعه وإلا أثم، من الذي يأثم؟

    أثم من كان يستطيع القيام به فلم يفعل، لأن بعض فروض الكفاية يوجد من المسلمين أناس عجزة لا يستطيعون القيام بها، فإذا لم تقم الأمة بها أثم الجميع، ولكن من المقصود بالجميع؟

    المقصود القادر على أن يقوم بالعمل ولم يقم به، وليس المشلول والأعمى، فإنهما لا يأثمان إذا تركوا الجهاد لأن الله عذرهم، وإذا نفر الكفاية حصل المطلوب وأنُقذت الأمة من الإثم، ومن كلام العلماء في فرض الكفاية: أنه ليس فرض الكفاية أن يقوم به البعض كما اتفق أي: على أي صورة حتى لو لم تكون صحيحة مجزئة، وإنما يجب أن يكون هذا البعض قادراً على تحقيقه، فيمكن مثلاً أن يقوم بعض الناس بإنكار المنكرات، لكن عددهم قليل جداً لا يكفي، فهل يكون الإثم قد سقط عن الباقين؟ الجواب: لا. ليس القضية أن يقام به بأي طريقة، بل لا بد أن يقام به بطريقة صحيحة كافية تغطي العجز وتقوم بالمطلوب، إن لم يحصل فإن البعض الذين قاموا بالجزء من العمل لا يُسقطون الإثم عن الباقين، هم مأجورون ولكن لأنه مازال يوجد عجز فالباقون كلهم آثمون حتى يقوموا بهذا الواجب.

    ومن أمثلة فروض الكفاية التي ضربها أهل العلم مثلاً: صلاة الجنازة، إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين، رد السلام إذا رد السلام واحد أجزأ عن الجماعة، وقال الإمام أحمد رحمه الله عن فرض الكفاية: واجب على الجميع، ويسقط إذا قام به من تقوم به الكفاية ويأثمون إذا تركوه جميعاً، وهذا الإثم مقيد بالاستطاعة والطاقة فغير المستطيع والقادر لا يأثم، ونص على ذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى.

    ومن القواعد المهمة في فروض الكفاية -هذا الكلام مقدمة قبل الدخول في مسألة المجالات أو الحقول لخدمة الإسلام- لأن المسألة الآن مهمة في تنشيط الكسالى، وإعادة الذين انحرفوا عن جادة العمل وركنوا إلى الدعة والكسل إلى حقل الدعوة والعمل مرة أخرى، وهذه مسألة مهمة.

    1.   

    قواعد فروض الكفاية

    قواعد فروض الكفاية:

    سقوطه عن العاجز

    الأول: أن العاجز يسقط عنه.

    أن فروض الكفاية تتعين على البعض

    الثاني: أن فروض الكفاية تتعين على بعض الناس في بعض الأوقات، وذكر شيخ الإسلام رحمه الله في المجلد التاسع عشر في: مجموع الفتاوى قال: وفروض الكفايات تتنوع تنوع فروض الأعيان، يعني مثل الفروض التي فيها صلاة وصيام وحج مثلاً، كذلك فروض الكفايات تتنوع بتنوع فروض الأعيان، ولها تنوع يخصها وهو أنها تتعين على من لم يقم بها غيره، إذا وجد أحد في موقع ورأى ثغرة في المسلمين يجب عليه أن يقوم بها إذا لم يكن هناك من يقوم بها غيره، ربما تجد منكراً أمامك أنت الذي رأيته، سيفوت لو ذهبت تستدعي غيرك مثلاً، يجب عليك أن تنكر أنت بالقواعد والضوابط الشرعية ما لم يترتب عليه منكر أكبر إلى آخر ذلك، المهم أنه في بعض الأحيان والأوقات يكون فرض الكفاية متعيناً على هذا الشخص المعين في الوقت المعين في المكان المعين.

    قال شيخ الإسلام : فقد تتعين في وقت ومكان وعلى شخص وطائفة، قد تكون متعينة على شخص، قد تكون متعينة على طائفة وفي وقت آخر أو مكان آخر على شخص آخر أو طائفة أخرى كما يقع مثل ذلك في الولايات والجهاد والفتيا والقضاء وغير ذلك.

    وذكر شيخ الإسلام رحمه الله بعده كلاماً في المستحبات، وأنها تتنوع بشكل أبلغ، وأنه قد يستحب في حق فلان شيء أكثر مما يستحب في حق فلان، الذي صوته جميل يستحب في حقه الأذان أكثر من غيره، صاحب الحفظ والإتقان في القراءة ومراعاة أحكام الصلاة يتعين في حقه الإمامة أكثر من غيره، وصاحب الفصل بين المتخاصمين والعلم بالقضاء والقدرة على تمييز الحق من الباطل فهذا متعين عليه القيام بالقضاء أكثر من غيره.

    الشخص الذي عنده قدرة على الحفظ والفهم يتعين عليه التفرغ لطلب العلم أكثر من غيره، صاحب الرأي السديد في القتال وصاحب النجدة والمروءة والمسارعة والقوة الجسدية والعقلية والمهارات القتالية يستحب في حقه الجهاد أكثر من غيره.. وهكذا، وحتى صاحب القدرة على التجارة الذي ينفع المسلمين وليس الذي يغوص في التجارة وينسى العلم والدعوة، وينسى الدين! لا. وإنما صاحب القدرة على القيام بسد حاجة المسلمين من المال بأن يكون ماهراً بالتجارة قادراً عليها مثلاً، فهذا يتعين في حقه أكثر من غيره ، من غير المجربين والذين ليس لهم سابق خبرة بالتجارة.

    ومن الكلام الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله: الجهاد واجب على الكفاية ، لكن وجوبه على المرتزقة الذين يُعطون مال الفيء للجهاد أوكد، الجيوش النظامية الإسلامية التي تُعطى من مال الفيء يعطون مرتبات من بيت المال، لأجل التفرغ للقتال، الجهاد عليهم أوكد هذا كلامه رحمه الله.

    فإذاً القضية تتعين على طائفة أو على شخص في زمان أو مكان، هذه القضية تختلف باختلاف الأحوال، وقال رحمه الله: وكذلك أهل العلم الذين يحفظون على الأمة الكتاب والسنة صورة ومعنى، صورة: أي: يحفظون النصوص، القرآن والأحاديث، والمعنى: الفقه في النصوص، وأهل العلم الذين يحفظون على الأمة الكتاب والسنة صورة ومعنى، مع أن حفظ ذلك واجب على الأمة عموماً على الكفاية، واجب عيني على كل مسلم أن يعلم كيف يحج إذا أراد الحج، وكيف ينكح إذا أراد الزواج، وكيف يطلق إذا أراد الطلاق، وكيف يبيع إذا أراد التجارة، هذا واجب عيني على كل واحد أن يعلم، لكن على أصحاب العلم الذين لهم نظر ثاقب وفهم وفقه ودقة وحفظ الإلمام بالأشياء العلمية والتبحر في العلم هذا عليهم أوجب من غيرهم، وجوب ذلك عيناً وكفاية على أهل العلم الذين رأسوا فيه، أو رزقوا عليه أوجب منه على غيرهم، لأنه واجب بالشرع عموماً، وقد يتعين عليهم لقدرتهم عليه وعجز غيرهم، وهذا من أوجه التعيين. ويدخل في القدرة استعداد العقل وسابقة الطلب.

    وقال شيخ الإسلام رحمه الله: فروض الكفاية قد يتعين على بعض الناس في بعض الأوقات، ومن قواعد فروض الكفاية: أنه يلزم السلطان ما لا يلزم غيره بشأن فروض الكفايات، أي: واحد عنده قدرة وقوة يلزمه من فروض الكفايات مالا يلزم غيره، هذا شيء طبيعي بدهي، فإن لم يقم به صاحب القدرة أو السلطان وجب على غيره من المسلمين القادرين أن يقوموا به.

    ولذلك ابن تيمية رحمه الله في وقت غزو التتار قام بعدد من فروض الكفاية مثل إقامة بعض الحدود هو وتلاميذه رحمه الله، كانوا يجلدون شُرَّابَ الخمور، أقاموا الحدود لما لم تقم في البلد وصارت فوضى؛ نتيجة هجوم التتار وذعر الناس وخوفهم واضطربت الأمور.

    كان هو وتلاميذه رحمه الله تعالى ممن يقيمون شرع الله في البلد، وكانوا يقومون بوظيفة السلطان في الحدود؛ لأن أمر الحدود إلى السلطان، لكن لما ذهبت مع ذلك الواقع المختل قام بها شيخ الإسلام رحمه الله وتلاميذه، وأقاموا بعض الحدود.

    إذا تزاحمت الفروض قدم أوكدها

    وكذلك فإن فروض الكفايات إذا تزاحمت فما هو الحل؟

    قال شيخ الإسلام رحمه الله: إذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما في الوقت نفسه فيقدم أوكدهما إذا صار هناك فرضا كفاية لا تستطيع أن تجمع بينهما أو واجبان عموماً لا تستطيع الجمع بينهما فأنت تقوم بالأوكد والأوجب منهما في هذه الحالة ، ولايكون الآخر عليك واجباً ، ولذلك لا تأثم بتركه، وكذلك إذا اجتمع محرمان لا بد من ارتكاب أحدهما، فإنك ترتكب الأدنى لدفع الأسوأ، ترتكب المحرم الأخف لدفع المحرم الأثقل والأسوأ، وفي هذه الحالة لا تكون آثماً بارتكاب المحرم الأخف.

    متى يسقط فرض الكفاية

    متى يسقط فرض الكفاية؟

    ذكر القرافي رحمه الله تعالى: أنه لا يشترط في فرض الكفاية تحقق الفعل ولكن غلبة الظن تكفي، أي: إذا غلب على ظنك أن هناك طائفة قد قامت به أو شخص آخر قام به سقط عنك، وإذا غلب على ظنك أنه لم يقم به أحد وهذا مفيد في علاج قضايا المنكرات، بعض الناس يقول: ربما يوجد غيري يقوم بها، ربما غيروه وأنا ما أدري، ربما قام به أحد وغيره، نقول: ما الذي يسقط عنك المسئولية أمام الله عز وجل؟

    إذا غلب على ظنك أن طائفة أو شخصاً قد قام به سقط عنك، وإذا غلب على ظنك أنه لم يقم به أحد فإن التعيين باقٍ عليك، يتعين عليك القيام به.

    أن فرض الكفاية حسب الاستطاعة

    وكذلك من قواعد فروض الكفايات: أن فرض الكفاية حسب القدرة والاستطاعة، بعض الناس عنده قدرة أكثر من غيره، ولذلك فإن بعض أصحاب الاستطاعة أو القوة والقدرة يكون إثمهم عند الله ومسئوليتهم أشد من غيرهم من الضعفاء، والدخول في المجالات التي تمكن من القيام بفرض الكفاية إذا تعين طريقاً واجب، يجب الدخول فيها لأجل القيام بفرض الكفاية، وكان هناك عدد من العلماء لهم وجهة نظر في تولي الولايات، مثل: إسماعيل بن علية رحمه الله فإنه أخذ ولاية الصدقات، تولى ولاية الصدقات وظيفة في بيت المال، يجمع الصدقات ويصرفها في مستحقيها، هذا اجتهاده رحمه الله وإن أنكر عليه من أنكر لكن رأيه دخل فيها لأجل إقامة هذا الفرض، وكذلك خالد بن الوليد لما قُتل الثلاثة الأمراء الذين عينهم النبي صلى الله عليه وسلم تقدم هو لسد الثغرة وحمل اللواء كل على حسب طاقته وكل بحسب موقعه.

    من الأشياء اللطيفة التي أشار إليها الشاطبي رحمه الله في المسألة الحادية عشرة في المجلد الأول من كتاب: الموافقات في مسألة فروض الكفاية، بعد أن ساق الأدلة في قضية فروض الكفاية: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ [التوبة:122] وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:104] على أحد المعنيين في تفسير الآية ذكر أن القيام بالشيء هو بحسب القدرة والاستطاعة، وأن الذي يأثم هو صاحب القدرة والاستطاعة إذا لم يقم، واستدل بحديث أبي ذر : (يا أبا ذر ! إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأَمَرَنَّ على اثنين، ولا تولين على مال يتيم) وقال الشاطبي رحمه الله: وكلا الأمرين من فروض الكفاية، ومع ذلك فقد نهاه عنها، أي: تولي مال اليتيم من فروض الكفاية لئلا يضيع، وكذلك الإمارة من فروض الكفاية، لا يصبح الناس فوضى لا سراة لهم.

    قال: ومع ذلك فقد نهاه عنه، لأنه يعلم أنه لا يطيق القيام بهذه المسئولية، فلو فرض إهمال الناس لهما لم يصح أن يقال بدخول أبي ذر في حرج الإهمال ولا من كان مثله، يعني: إذا لم يقم بهما العجزة أصلاً على القيام ليس عليهم حرج ولا يدخلون في الحرج، قال: وعلى هذا النهي جرى في تقليل كثير من فروض الكفايات فقد جاء عن مالك أنه سئل عن طلب العلم أفرض هو؟

    قال: أما على كل الناس فلا، أي: الزائد عن الفرض العين، كل واحد عليه أن يعلم إذا أراد أن يطلق كيف يطلق، إذا أراد أن يبيع كيف يبيع، لكن طلب العلم كله والتفقه في الدين ليس بفرض، لما سُئل مالك قال: أما على كل الناس فلا، وقال أيضاً: أما من كان فيه موضع للإمامة فالاجتهاد في طلب العلم عليه واجب.

    عموماً: الشاطبي رحمه الله أشار إلى نكتة بديعة في القضية وهي مسألة تهيؤ الناس لأداء فروض الكفاية، قال: الذين ليس عندهم قدرة للقيام بها يجب عليهم أن يدفعوا غيرهم على القيام، وأن يساعدوا غيرهم للقيام بها، قال: ومن لا يقدر عليها مطلوب بأمر آخر وهو إقامة ذلك القادر وإجباره على القيام به.

    أبٌ ما يستطيع أن يطلب العلم ولمس في ولد من ولده القدرة، إذاً يجب عليه أن يدفعه لهذا لأجل سد الثغرة الموجودة عند الناس في قضية الإمامة في العلم والفُتيا والتعليم، ولذلك قال رحمه الله: فإذا فُرض أن واحداً من الصبيان ظهر عليه حسن إدراك، وجودة فهم، ووفور حفظ لما يسمع، ميل به نحو ذلك القصد الذي هو طلب العلم، وجهنا الصبي هذا لطلب العلم، وهذا واجب على الناظر فيه من حيث الجملة؛ مراعاة لما يرجى فيه من القيام بمصلحة التعليم، إذاً يجب على ولي الصبي أن يوجهه لهذا المجال إذا أَنَسَ من الولد القدرة، يجب أن يدفعه إلى هذا المجال أو إلى هذا الحقل لأجل أن يغطي في المستقبل، إذاً هذه قضية بعض الأشياء المتعلقة بفروض الكفاية.

    وقد كان السلف رحمهم الله قد قاموا بذلك خير قيام، وكان كل واحد يقوم على قدر طاقته، هذا شبير في معركة القادسية واحد من المسلمين قزم قصير كانوا ربما استهزءوا به، تقدم واحد من فرسان الفرس للمبارزة والتحدي ما خرج إليه أحد، فهذا المسلم القصير قام وخرج حتى ضحك به ذلك الرجل وأمسكه وأنزله من الفرس ودقه في الأرض، ولكن تعلقت قدم ذلك الفارس بشيء فسقط على الأرض فقعد عليه شبير فذبحه بسيفه والناس ينظرون بين تكبيرة المسلمين وتأوهات الفرس الملاعين، كانوا يستشعرون أهمية القيام بالقضية، هذا كان على مستوى الضعفاء.

    أما على مستوى الوزراء: انظر مثلاً في ترجمة الوزير ابن هبيرة رحمه الله يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعد بن الحسين هذا الرجل العظيم ولد في ربيع الآخر سنة (499هـ) وكان معاصر لـنور الدين الشهيد ، والرجل هذا نشأ فقيراً محتاجاً فدخل في بعض أعمال الخليفة حتى صار وزيراً، لكن الرجل هذا ما ضاع في متاهات المناصب والقصور والغنى والثراء، وإنما حافظ على دينه.

    ولذلك لما تولى الوزارة مازال يطلب العلم وقد كان يطلبه وهو شاب، وتخرج على عدد من العلماء، صنف كتاباً وهو في الوزارة، وهذا الكتاب المشهور باسم: الإفصاح عن معاني الصحاح ، اعتنى به وجمع عليه أئمة المذاهب وأوفدهم من البلدان إليه لأجله، بحيث أنفق على ذلك مائة وثلاثة عشر ألف دينار، وحدث به واجتمع خلق عظيم لسماعه عليه، وبُعث إلى الأطراف بنسخ منه حتى السلطان نور الدين الشهيد واشتغل به الفقهاء في ذلك الزمان على اختلاف مذاهبهم يدرسون منه في المدارس والمساجد، ويعيده المعيدون ويحفظ منه الفقهاء.

    لكنه ما غصبهم عليه أو أنه استغل منصبه لفرض كتابه بالقوة أبداً، لكن كان يستعين بحكم منصبه بالفقهاء ويستقدمهم على نفقته ويتيح المجال لمناقشة ما في الكتاب والتصحيحات، وهو رجل عالم قبل أن يكون وزيراً، وكان هذا الرجل من فقهه يقول: لا تقولوا في ألقابي سيد الوزراء فإن الله سمى هارون وزيراً، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن وزيريه أبو بكر وعمر ، وقال: (إن الله اختارني واختار لي أصحاباً فجعلهم وزراء وأنصاراً) ولا يصح أن يقال عني: أني سيد فهؤلاء السادة.

    وهذا الشخص لما ولي الوزارة وكنيته أبو المظفر ابن هبيرة رحمه الله، بالغ في تقريب خيار الناس من الفقهاء والمحدثين والصالحين، واجتهد في إكرامهم وإيصال النفع إليهم، وارتفع به أهل السنة غاية الارتفاع، وقال مرة في وزارته: والله لقد كنت أسأل الله تعالى الدنيا لأخدم بما يرزقنيه الله منها العلم وأهله، فسعيه للمال أو المنصب من أجل خدمة أهل العلم، وكان مع كونه وزيراً يُنفق أمواله في سبيل الله.

    ولذلك قال مرة: ما وجبت عليَّ زكاة قط، وقال ابن الجوزي : كان يتحدث بنعم الله عليه ويذكر في منصبه شدة فقره القديم فيقول: نزلتُ يوماً إلى دجلة وليس معي رغيفٌ أعبر به، وكان من ورعه لا يلبس ثوباً فيه الإبريسم وهو الحرير على القطن ولو كان مخلوطاً بالقطن، فإن شك في ذلك سل طاقته ونظر في نسجه هل دخل فيه الحرير أم لا! ونظر هل القطن أكثر أم الإبريسم، إذا دخل فيه شيء من الحرير نظر أيهما أكثر، فإن استويا لم يلبسه.

    قال: ولقد ذكر يوماً في بعض مجالسه فقال له بعض فقهاء الحنابلة: يا مولانا! إذا استويا جاز لبسه في أحد الوجهين عند أصحابنا، قال: إني لا آخذ إلا بالأحوط، والشاهد أنه كان مُكرماً لأهل العلم ويقرأ عنده الحديث ، وعلى الشيوخ في حضوره ويجني من البحث والفوائد ما يكثر ذكره، وكان مقرباً لأهل العلم والدين كريماً طيب الخلق، وكان شديد الإيثار لمجالسة أرباب الدين والفقراء، بحيث كان يقول لبعض الفقراء: لأنت أخي والمسلمون كلهم إخوة، وكان أكثر ما يحضره الفقراء والعميان إذا مد السماط، فلما كان ذات يوم وأكل الناس وخرجوا بقي رجل ضرير يبكي، ويقول: سرقوا مداسي ومالي غيره، والله ما أقدر على ثمن مداسي، وما بي إلا أن أمشي حافياً وأصلي، فقام الوزير من مجلسه ولبس مداسه وجاء إلى الضرير فوقف عنده وخلع مداسه والضرير لا يعرفه وقال: إلبس هذا وأبصره على قدر رجلك؟! فلبسه وقال: نعم. لا إله إلا الله كأنه مداسي قال: خذه، فأعطاه إياه.

    الرجل هذا لما مات رحمه الله تعالى من شدة كرمه وحلمه وخُلقه الحسن وخِدمته للمسلمين غُلقت أسواق بغداد وخرج جمع عظيم في الأسواق وعلى السطوح وعلى شاطئ دجلة وكثر البكاء عليه رحمه الله.

    الشاهد من الكلام: أنهم كانوا يبذلون للدين على قدر طاقاتهم ومناصبهم وولاياتهم واستطاعتهم وأموالهم، وربما يكون الواحد ما عنده شيء فكان يوقف نفسه لأحد العلماء، كما جاء في سيرة القرافي أنه لما دخل بلداً جاءه شاب قال: وقفت نفسي عليك هذا اليوم، ماذا تريدني أن أفعل فعلت، كانوا يعملون ولو لخدمة العلماء إذا لم يجد ما يقدمه قام في خدمة أهل العلم، فهذا يكون مبلغاً في حلقة حديث لأنه صاحب صوت قوي مشترك في التبليغ، الأعرابي يشترك في تثبيت الإمام أحمد ، حتى اللصوص في السجن سعوا في تثبيته رحمه الله تعالى، كل واحد كان يبذل ما يستطيع، هذه القضية الغائبة الآن عنا، كل واحد يبذل ما يستطيع.

    ابن أم مكتوم الأعمى رضي الله عنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج في غزوة قال: أقيموني مع السارية وأعطوني العلم لأني أعمى ما أفر، ما أرى ما حولي أمسك لكم العلم، والشاهد -أيها الإخوة- أننا نحن الآن في مشكلة كبيرة وهي قضية عدم خدمة الإسلام من المواقع التي نحن فيها، والواحد إذا كان في موقع صغير احتقر نفسه قال: مالي شيء ولا أستطيع أن أخدم الإسلام في شيء، احتقر نفسه ولم يكن هذا فعل السلف رحمهم الله تعالى.

    1.   

    إشارات في بعض مجالات خدمة الإسلام

    والآن ندخل في موضوع: فرص لخدمة الإسلام ولنسم هذا الدرس: فرص لخدمة الإسلام.

    إشارات سريعة لبعض المجالات التي يمكن للإنسان أن يقدم فيها خدمات للدين، أن يخدم الدين ويقوم بحمل الدين، مع التذكير مرة أخرى.

    طلب العلم

    أيها الإخوة! لئلا نحقر أنفسنا الآن لا شك أن أعظم مجالات خدمة الدين طلب العلم، وقد تكلمنا سابقاً في موضوع طلب العلم، وطرق تحصيله والمنهج في ذلك، والحفظ والرحلة وبعض آداب الطلب، ولا شك أن تحصيل الدين والعلم من أعظم الخدمات التي تقدم لدين الإسلام، لأن المسلمين لا يمكن لهم الانتصار مطلقاً وهم يعيشون حالة جهل عام بدينهم، وهناك الملايين الملايين من المسلمين الذي يجهلون أبسط الأشياء والأساسيات في الدين الإسلامي.

    فيجب على كل واحد منا أن يقوم بما يستطيع القيام به في التعلم وتعليم الغير، وربما يكون طالب علم في مكان فإذا انتقل إلى قرية صار شيخاً، لما يُوجد من التقصير عندهم.

    فعلى الإنسان أن يقدر الأمر حق قدره، وأن يقوم بالمسئولية، وهناك أشياء كثيرة يمكن معرفتها بالكتب، الواحد إذا لم يكن عنده فقه أو لم يكن عنده طاقة في الحفظ، فيمكن أن يعمل أشياء كثيرة يخدم بها العلماء، كما حصل لذلك الشاب مع القرافي رحمه الله حيث وقف نفسه عليه، خدمة العلماء، القيام بشئونهم سواء ما يتعلق بالعلم أو بتوفير الوقت لهم لأجل تحصيلهم للعلم والتعلم، وكفايتهم الأرزاق مثلاً أو القيام بشئونهم الخاصة حتى يتوفر لهم الوقت.

    وكان مع الإمام أحمد رحمه الله محمد بن نوح شاب ما عنده فقه، ليس ذا فقه وعلم كبير، لكن كان مع الإمام أحمد في محنته، كان يصبره ويصبر معه، محمد بن نوح رحمه الله، ولما مات في طريقه إلى المأمون صلى عليه الإمام أحمد ودفنه، وأثنى عليه ثناءً عاطراً، فالقيام مع أهل العلم في أحوالهم وفي شئونهم فضيلة.

    مساعدة أهل العلم وطلابه

    كذلك مساعدة طلبة العلم وأهل العلم -مثلاً- يمكنك يا أخي المسلم! أن تجرد بعض المطولات في الكتب قراءة ، ما تحتاج إلى قضية فقه وتثقيف وحفظ لا تطيقه إذا قلت أنني لا أطيقه، واستخراج العبر والعظات وجمعها في أوراق مستقلة وتقديمها لطلبة العلم، يمكنك أن تحضر خطبة أو عناصر موضوع تفيد به طالب علم أو محاضراً أو خطيباً من الخطباء، ألا تستطيع ذلك؟ بلى ولا شك، استخرج القصص في الصدق، القصص في ذم الكذب، القصص في الزهد، القصص في العبادة على سبيل المثال، قصص في تربية الأولاد من سيرة السلف هذا تستخرجه من كتب السير وغيرها.

    انظر -مثلاً- إلى الفهرس الموجود في آخر كتاب: نزهة الفضلاء مختصر كتاب: سير أعلام النبلاء ، وسر على منواله في تجميع هذه القصص والشواهد والأشياء الجيدة التي تساعد بها غيرك من المفوهين أو القادرين على الإلقاء إذا لم تكن أنت صاحب قدرة على الإلقاء.

    وإذا كنت صاحب قدرة على الترجمة من لغة إلى أخرى، فإن عليك القيام بترجمة بعض الرسائل الصغيرة إلى الأعاجم الذين يتكلمون باللغات المختلفة، إذا استطعت، هناك أشرطة عند بعض الجاليات لما راجعها بعض طلبة العلم وجدوا فيها بدعاً وخرافات وشركيات، وتوزع عليهم وتعطى لأجل أنه لا يوجد غيرها، ويأتيكم الحجاج كل سنة مئات الألوف من أنحاء العالم، ماذا فعلنا من أجلهم؟ ماذا قدمنا لهم؟ ماذا خدمناهم في قضية تعليم الدين؟

    وهم قد جاءوا إليك لا تكلف أنت بالنفقة للذهاب، حضروا عندك، لو أردت أن تكلمهم تزورهم، ربما تنفق الآلاف المؤلفة والأوقات لتلف حول العالم من أجل أن تزورهم، وهم قد حضروا عندك فماذا فعلنا إذاً لتعليمهم ولتثقيفهم؟ زيارتهم، معرفة ظروفهم، تقديم النصائح التي تصلح شأنهم، مراسلتهم ومواصلتهم بعد الحج.

    هناك أيضاً من المجالات العلمية بعض الكتب العلمية التي ليس لها فهارس يمكنك عمل فهارس لها، وهذه قضية لا تحتاج إلى مزيد من العلم أو الفقه حتى تقوم بها، ثم توزع على طلبة العلم الذين عندهم مثلاً هذه الكتب حتى يستفيدوا منها، وأشرطة بعض المشايخ التي شرحوا فيها المتون الفقهية هذه لو أنك قمت بتفريغها وإصلاح شأنها، وعرضها على الشيخ، ولسنا ندعو أبداً إلى قضية تسرع الشباب في التأليف، هذه من الأشياء التي فيها خطر عظيم، أو نقول: أنزلوا إلى ميدان تحقيق الأحاديث والتخريخ، فتخرج علينا بعد ذلك كميات من الأوراق الغثائية المملوءة بالأشياء العجيبة؛ نتيجة لتسرع بعض هؤلاء الشباب في التأليف والكتابة والتحقيق والتخريج وهم ليسوا بأهل ولا درسوا قواعد الجرح والتعديل، ولا تخرجوا على علماء هذا الشأن، علماء الحديث، ثم بعد ذلك يكتب عليه تخريج وتحقيق فلان، فهذا من المصائب، وتكثير الأغلفة والعناوين دون فائدة، وينتج من المفاسد إضاعة كتب كثير من أهل العلم الحقيقية، فنحن نقول: خدمة كتب العلماء أو السعي إلى خدمة العلماء أنفسهم أو طلبة العلم.

    هناك مشاريع علمية كثيرة لو أراد الشخص أن يعمل مشاريع علمية يمكن أن يدل عليها، سواء كان طالب علم أو كان إنساناً ما عنده علم لكن يريد أن يخدم في مجال طلب العلم.

    وكذلك ترجمة بعض المقالات التي تفيد المسلمين من العلوم الأخرى الطبية أو الإنسانية أو الإدارية التي يسمونها العلوم الإنسانية مثلاً، دون أن يضطر الإنسان إلى الوقوع في معاصي أو يدخل في متاهات، لأن بعض الذين يراجعون هذه الكتب يطلعون على صور منحرفة وسيئة أو مقالات منحرفة، ربما تنطلي عليهم، فيحتاج الإنسان إلى شيء من الثقافة الإسلامية التي تبين له حكم الإسلام في هذه النظريات الوافدة أو الحديثة.

    المشاركة في الدورات العلمية

    والمجالات كثيرة إذا أردنا أن نسرد من غير ترتيب، فنقول: المشاركة في الدورات العلمية التي تقام مثل فصل الصيف تقام فيه دروس ودورات علمية، يأتي مشايخ أو علماء إلى المنطقة أو بعض المساجد في بعض المناطق، فأين الناس الذي يزعمون الاهتمام بطلب العلم؟! وأنهم يريدون المنهج لطلب العلم! وأنهم حريصون على طلب العلم! فإذا جاء الشيخ أو العالم وبدأ في تدريس الكتاب رأيت هؤلاء يصدون عنك صدوداً، وقد تبخروا كما يتبخر الماء فوق النار، ويختفي هؤلاء الأشخاص فجأة بعد ما كانوا يطالبون ويلحون يقولون: نريد حِلق علم، نريد مشايخ، نريد علماء يأتون وبعد ذلك يهربون إذا جاء هؤلاء الصادقون المخلصون أو طلبة العلم.

    الإنسان يتتلمذ على طلبة العلم إذا ما وجد العلماء، فيحصل خيراً كثيراً، وربما يكون عند بعض طلبة العلم من القدرة على الشرح أكثر مما عند بعض العلماء الكبار، أو ربما يستطيع أن يبسط القضية للمبتدئين بتبسيط جيد، فعند ذلك التخرج على هؤلاء يكون من الأفكار أو الأشياء الصائبة، وتقوم كثير من الهيئات الخيرية الإغاثية أو التي تساعد الفقراء في البلد، يحتاجون إلى تجميع الصدقات وتجميع الطعام من الولائم، والذهاب به إلى هؤلاء الفقراء، وإلى بيوتهم والتعرف على بيوت الفقراء، والقيام بإعانة الهيئات الرسمية في كل ما من شأنه دعم الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    خدمة الحجاج

    وكذلك كما سبق أن أشرنا في قضية خدمة الحجاج حتى في غير القضايا العلمية، لما صار هناك زحام في عرفة انتدب بعض الشباب أنفسهم بتوزيع بعض العصير والماء البارد على الحجاج، الحجاج كثيرون جداً، فكان لذلك أثر كبير على الناس، ليست القضية فقط تقديم العلم وإنما حتى تقديم الأشياء الأخرى التي فيها سد جوعة وزوال عطش.

    إهداء الهدايا وتوزيع الكتيبات

    وإهداء الهدايا الجميلة كثير من هؤلاء الذين قلنا: أنهم يخرجون إلى البر، ولو كانوا يخرجون لضياع الوقت ولتزجية الوقت ماذا عليهم أنهم لو اصطحبوا معهم من هذه الأشياء الموجودة في المكتبات والمطبوعة ما يفيد الناس في دينهم، وما يستمعون به إلى الدروس المفيدة والمحاضرات القيمة؟ أين هؤلاء الذين يقيمون الدروس لأهلهم في البيت ويشرحون لهم الأحكام المتعلقة بالعبادات كالطهارة والصلاة، ويشرحون لهم شيئاً مبسطاً في العقيدة الإسلامية، ويذكرونهم من خلالها بالتوحيد وما يناقضه من الشرك، ويذكرونهم أيضاً باليوم الآخر؟!! لأنه لا يمكن فصل قضية البعث والنشور والتذكير باليوم الآخر عن مسألة العقيدة فهي من صلب العقيدة، فلا ينصرف الذهن إلى مسائل الأسماء والصفات ونترك قضايا اليوم الآخر لا نذكر بها الناس، لا شك أن هذا قصور كبير في تعليم الناس العقيدة.

    السفر إلى الخارج للدعوة وغير ذلك

    كذلك بعض الذين يسافرون إلى الخارج لنقل: إنهم عصاة يسافرون إلى بلاد الكفار للسياحة، لو أنه صنع أشياء لتكفير ذنوبه مثلاً، ونحن لا نحثه على الذهاب أصلاً لكن من باب تكفير بعض الذنوب على الأقل أن يشارك في شيء من دعم المسلمين هناك، أو اصطحاب بعض ما ينفعهم إلى هناك، ثم لو خرج مضطراً لعلاج أو خرج لمصلحة شرعية كدعوة إلى الله مثل بعض الذين يذهبون ليؤمون المساجد في المراكز الإسلامية في رمضان أو في غيرها؛ أو يذهبون مع البعثات العلمية التي توفدها بعض الجامعات في هذا البلد، تقوم جامعة الإمام مثلاً بدور مشكور وعظيم جداً في إرسال البعثات إلى بلاد المسلمين مثل الجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفيتي سابقاً أو غيرها.

    وأنشطة كثيرة تقوم بها بعض الهيئات الخيرية كما قد تقوم به في ألبانيا وغيرها، وهذه لا شك تحتاج إلى سواعٍ وإلى جهود وطاقات إدارية، وطاقات تنظيمية، وطاقات تجمع التبرعات وتقوم بالاتصالات، وهذه أشياء ينبغي أن يكون هناك شباب يقومون بها، وحتى لو رافق الإنسان أهله في رحلة داخل البلد وذهب معهم للصيد في الطائف أو أبها أو الباحة أو المناطق التي يغشاها الناس لاعتدال الجو فيها فسيلاقي هناك من المصطافين الكثير، وحتى الذين يأتون هنا في أوقات الإجازات إلى الشواطئ يجب أن نستشعر دورنا تجاههم، وأن نقوم بدورنا في النصح والتوجيه وإقامة الصلاة لهم مثلاً بأماكن قد لا توجد فيها مساجد، أو القيام بنصحهم إذا ارتكبوا منكرات، أو ارتفعت الأصوات في الغناء ونحو ذلك، وعقد درس لهم قد يستفيدون منه في تبيان بعض أحكام السفر أو غير ذلك من الأشياء الوعظية.

    سد الثغرات والقيام بالواجب

    المسلم خير أينما حل انتفع به، وهو كالشجرة إذا رمي رمى بالتمر، فهو صابر على ما يصيبه من البلاء والأذى من الناس السفهاء من أجل تعليم الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهناك كثير من القرى والهجر محتاجة إلى إقامة المواعظ والدروس، وهناك مجال للتعاون مع كثير من الهيئات لأجل القيام بما يحتاج إليه هؤلاء، والمساجد قد تحتاج إلى عناية وصيانة، تحتاج إلى تنظيف وإصلاح أشياء، ينبغي أن يكون هناك في كل حي وفي كل مسجد من الناس ممن حوله من يقوم بهذه المهمات، ويوجد هناك حلقات تحفيظ قد يغيب مدرس التحفيظ، يكون هناك من يقوم مقامه، إذا غاب الإمام يكون هناك من يقوم مقامه، إذا غاب الخطيب يكون هناك من يخطب بدلاً منه.

    إذاً: سد الثغرة والقيام بما يجب، ومن الخطأ أننا نسمع أحياناً أن جماعة من الناس في مسجد لم يحضر الخطيب، فصلوا صلاة الظهر ما فيهم واحد يستطيع أن يمسك مصحفاً ويصعد المنبر، ويحمد الله ويثني عليه ويتشهد بالشهادتين، ويقرأ آيات من المصحف ويجلس، ويقوم الخطبة الثانية يفعل شيئاً مشابهاً ويدعو للمسلمين وينزل، ومع ذلك تجد تراجعاً عن القيام بمثل هذه الأدوار؛ والسبب ولا شك أنها هزيمة نفسية وعدم جرأة مطلوبة ومحمودة في هذا الموطن، وتخاذل عن القيام بفرض الكفاية.

    مسجد في البلد كيف لا تصلى فيه صلاة الجماعة؟ وهناك كثيرون من غير المسلمين من العمال الأجنبيين الموجودين يحتاجون إلى من يكلمهم بلغتهم، ويتحرك بينهم لتوعيتهم، وخصوصاً أنه يوجد عندهم كثير من التقبل، وكذلك المستشفيات التي فيها أصحاب الأمراض المزمنة الذين يحتاجون إلى مزيد من التصبير كأصحاب العاهات والشلل، العاهات المزمنة أو الدائمة، وكذلك ربما يكون هناك مجال للتعاون مع مستشفيات الأمل أو غيرها.

    زيارة الإخوان وطلاب العلم

    ماذا بالنسبة للزيارات الأخوية؟ زيارة الإخوان في الله حتى لو كانوا في بلد آخر والتعرف عليهم والتعاون معهم والتناصح، وزيارة المشايخ وطلبة العلم في بيوتهم أو في مكاتبهم، لا شك أن مثل هذه الأشياء مما يُملأ به الوقت وهي فرص لعمل الخير.

    المراسلة عبر الكمبيوتر

    وكذلك فإننا نحتاج أيها الإخوة! إلى سد عدد من الثغرات مثل مراسلة بعض الذين يكتبون في ركن التعارف، ونصحهم خصوصاً أنهم في الغالب يريدون تعرف الشاب بالفتاة أو الفتاة بالشاب، وقد آتت كثير من الثمار الدعوية في هذا المجال أكلها، ووجد هناك من الناس من جرب الاتصال بالكمبيوتر عبر جهاز الموديم في بعض الأجانب الذين عندهم أجهزة في بلدان أخرى، ودعوتهم إلى الإسلام وقد أثمرت بعض هذه الجهود.

    يوجد أيضاً أيها الإخوة! ثغرات في الأحياء، التعرف على الجيران، جذبهم إلى المساجد، نصحهم وتقديم ما ينفعهم وينفع أسرهم.

    تصميم أشياء شرعية وإخراجها

    وعندنا إشكالات في قضايا تحتاج إلى تصميم وإخراج، ما أكثر المنكرات الموجودة في ألعاب الأطفال، وفي أفلام الكمبيوتر، ألا يكون هناك من أولي الألباب من أصحاب القدرة والطاقات المكدسة الموجودة التي تسرح وتمرح وتلعب بالألعاب من يصمم أشياء تنفع أطفال المسلمين من شرح العبادات مثلاً؟ أو عرض تفسير سور قصيرة ونحو ذلك من الأشياء، بدلاً من ترك هذه الأشياء تغزو عبر الأجهزة أدمغة أطفالنا.

    دعوة الأعاجم والتجمعات

    وكذلك فإن الإنسان المسلم يمكن أن يُوصل خيره إلى مجموعات كبيرة من العمال الأعاجم إذا أتاهم بواحد فقط منهم، يستطيع أن يتفاهم معه، قد اصطحبه وعقد معه آصرة الأخوة الإسلامية، وقام بتعليمه وإيصال الخير له، وهذا الرجل يكون رسولاً إلى بني قومه، وقد يأتيك بأسئلة من عندهم، وأنت بدورك تتصل بأهل العلم للمجيء بالإجابات عليها، ألا يكون هناك ممن ينتدب نفسه للإتيان إلى محلات الانتظار كصالونات الحلاقة والمستوصفات وأماكن النقل الجماعي والدوائر التي يكون فيها كثرة مراجعين ينتظرون؛ مستشفيات.. جوازات وغير ذلك، ويقوم بالإتيان بهذه الكتب التي طبعت ورخصت رسمياً، لكي تعطى لهؤلاء الأشخاص ليستفيدوا منها، فيكون هناك نشر عظيم للخير.

    هناك من العوائل من يكون لهم ديوانيات أو مجتمعات خاصة للأسرة خاصة بالعائلة، ألا يكون هناك من ينتدب نفسه لعمل مجلة لهذه العائلة، فيها أخبار العائلة والأسرة، ومن سار ومن حضر ومن تزوج ومن توفي ونحو ذلك، ومن سافر ومن رجع ومن تخرج ثم تطعم هذه المجلة بالفتاوى والمقالات المناسبة وأشياء مفيدة وخيرة؟!

    استغلال المناسبات الاجتماعية

    وهناك أيضاً مجال للمشاركة في المجلات، كتابة المقالات الإسلامية وإرسالها، هذه أشياء وأشياء كثيرة جداً، وهناك مجال أيضاً لقضية استغلال المناسبات الاجتماعية، كالعقيقة وغيرها وإذا حضر الإنسان يكون مفيداً في المجلس.

    بعض الناس إذا أتوا إلى مجلس يكونون في غاية التقوقع، ما يقدم شيئاً ويترك المجال للعابثين لاستلام وإدارة زمام هذا المجلس، وهو قادر على أن يقوم بإلقاء كلمة أو فتح حوار مناسب.

    أيها الإخوة! إن هناك عدداً من المناسبات الاجتماعية التي يمكن استغلالها لخدمة الدين وتعليم الناس وعلى الأقل إزالة ما فيها من المنكرات، كولائم الأعراس أو دعوة العقيقة وغيرها، كم نحن نهدي هدايا بمناسبات مختلفة، إذا جاء إنساناً مولود أهديناه هدية، وإذا نزل إنسان بيتاً جديداً أهديناه هدية، وإذا تزوج أهديناه هدية، وإذا رجع من سفر قد تخرج مثلاً أهديناه هدية، لماذا لا نرفق مع الهدية شيئاً مفيداً يقرؤه أو شيئاً طيباً يستمع إليه؟

    ويمكن كذلك أن تؤخذ هذه الكميات من الأشياء التي سبقت وأن قرئت، والأشياء التي سبق وأن سمعت وصارت مستخدمة وهي عرضة للتلف لأن تؤخذ ويعاد توزيعها إلى من يستمع إليها ويقرأ فيها، وكذلك فإن الشاب الداعية إلى الله سبحانه وتعالى ينبغي أن لا تخلو سيارته أو جيبه من شيء يقدمه لغيره، إذا التقى مفاجأة في مناسبة من المناسبات أو سوق أو دكان ونحو ذلك بما يفيد الآخر، وهذا يعتمد ولا شك على حنكة هذا الداعية وتقديره للواقع، فإنه إذا ذهب إلى مكان يتوقع أن يوجد فيه منكر من المنكرات اصطحب معه فتوىً لأهل العلم في الموضوع نصح بها ذلك الشخص أو قدمها إليه، أو دلالة على خير يدل بها بعض الناس إلى خير، كما إذا زار بعض أرباب الأموال مثلاً قدم إليهم نصيحة عن المجالات التي يمكن أن يضعوا فيها أموالهم في خدمة الدين، والأماكن الموثوقة التي يمكن أن يعطوا تبرعاتهم وزكواتهم وصدقاتهم إليها.

    أصحاب الوظائف ودورهم في الدعوة

    ولا ننسى أن هناك كثيراً من الأماكن التي لا يصل إليها النصر ولا يصل إليها الخير، وكأنها موقوفة على أهل الرذيلة والفساد، ولكن إذا كان الإنسان مجتهداً في الدعوة إلى الله فيمكن أن يصل إليها، وأن تكون بؤرة خير، والمدرس في مدرسته يستطيع أن يعمل للإسلام وهو في فصله يعمل للإسلام، والطبيب في عيادته يعمل للإسلام، ويستطيع الموظف في الدائرة أن يعمل للإسلام يستطيع الإنسان في أي موقع من المواقع أن يعمل للإسلام، وأصحاب الوظائف الدينية عليهم المسئولية الكبرى كأئمة المساجد والخطباء الذين لا بد أن يقدموا للناس ما يفيدهم، حتى من الأشياء التي ربما لا تكون شرعية بحتة، وإنما هي داخلة في الدين، لكن ليست مما يتعلق بالعلم الشرعي، كبعض النصائح أو الأشياء المفيدة طبياً واقتصادياً أو اجتماعياً مثلاً.

    وكذلك هناك أشياء تحتاج إلى تجارة وضبط كأوقاف المسلمين التي ضاعت في كثير من المحلات والأماكن، وعندنا مجالات واسعة للعمل للدين حتى في الورش والمحلات التي ربما لا يغشاها إلا بعض الناس من أصحاب الأجور المتدنية، أو يعملون فيها، هؤلاء لنا واجب معهم، يذهب الواحد منا لإصلاح سيارته في الورشة أو يشتري طعاماً من المطعم، ونحو ذلك ربما يرى منكراً أو فرصة للخير والأمر بالمعروف يسأل هذا العامل عن اسمه، أمسلم أو كافر، فإن كان مسلماً نصحه بنصيحة أو علمه شيئاً أو سأله عن بعض أحوال بلده.

    فربما قال له شيئاً فيه بدعة فعلمه أنها بدعة مثلاً، أو إذا كان كافراً دعاه إلى الإسلام ألقى كلمة: (لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار) على الأقل يقيم الحجة.

    المجالات النسائية

    وعندنا مجالات كثيرة منها المجالات النسائية، النساء عليهن أيضاً مسئوليات عظيمة، المرأة تعلم المرأة التي لا تجيد تلاوة القرآن، وتعلم المرأة الأخرى تلاوة القرآن حتى لا نقع في حرج أن تجلس أو تتعلم امرأة عند رجل أجنبي ولو من وراء حجاب ثم تزين صوتها وتجوده، نقول: عندنا من النساء من يكون عندها علم بالتجويد وإتقان للتلاوة، على هؤلاء النساء فرصة ومسئولية كبيرة في تعليم النساء الأخريات.

    وكذلك الرجال كل واحد يعلم النساء من محارمه طريقة التلاوة الصحيحة وأحكام التلاوة التي لا بد منها، أما أن يوجد عند أمك وأختك وخالتك لحن جلي في القراءة يُفسد المعنى ويغيره، وأنت لا تغير شيئاً ولا تحرك ساكناً فلا شك أن هذا من العجز والتفريط العظيم جداً.

    وهؤلاء النساء في مراكز تحفيظ القرآن عليهن واجبات كثيرة، وداخل الأسر والعوائل، يمكن أن تلقى المرأة المتعلمة الملتزمة بالدين درساً لقريباتها، ونشر الحجاب.

    المدرسات في المدارس نصائح مهمة جداً ربما تكتشف طالبة عندها عن منكر كصور، مراسلات، معاكسات هاتفية وأشياء من هذا القبيل، يجب عليها أن تقوم بواجب النصح والتحذير وتأليف القلوب على الدين، وأن إهمال القضيةلمجردإلقاء المنهج وأخذ الراتب لا شك أنه قصور عظيم في فهم مسئولية المرأة المسلمة، المسئولية عن هذا الدين: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ [الزخرف: 4 ].

    السفر إلى بلاد أخرى ومجال الدعوة فيها

    ونحن ندخل المحلات التجارية وقد يكون فيها أشياء كثيرة تحتاج إلى نصح أصحابها أو استبدالها بأشياء طيبة فلا نتكلم ولا ننبس ببنت شفة، لا شك أن ذلك من الأشياء التي تُوجع القلب، عندما تحين الفرصة للسفر إلى بلاد أخرى فيها جاليات إسلامية لنصحهم، وهذه مهمات فبعض الناس عنده هواية للسفر، نقول: هناك مجالات للسفر إلى بلاد المسلمين فيها جهل عظيم تحتاج إلى إغاثة وعمل مشاريع ولو صغيرة، تحتاج إلى إقامة دروس، الذين طافوا تلك البلدان تأثروا جداً باستقبال أهلها لهم عندما علموا أنهم من بلاد الحرمين ومهبط الوحي، وتأثروا لما قدموا لهم من النصائح وتجمعوا عليهم بأعداد كبيرة يسألون عن أشياء في أساسيات الدين.

    فإذا كان هؤلاء عندهم قدرة وعندهم رغبة في الإفادة فعلاً، ويقولون: لابد من السفر نقول: إذاً اذهبوا إلى تلك الأماكن فإن في العمل فيها خير عظيم جداً، ولو اصطحب معه بعض التبرعات لإقامة مسجد أو حفر بئر أو عمل شيء، المشاركة مع غيره في خدمة طبية أو علاج اصطحب معه من الأدوية المتداولة التي لا شك أن الناس يحتاجون إليها في كل مكان، كأدوية الحرارة والصداع مثلاً وغير ذلك.

    ألا يكون في تقديمها أيضاً أجر ومساعدة وسبق لنشاط الجمعيات التنصيرية في بلدان المسلمين؟!!

    هذه الجهود ولو كانت بسيطة وفردية، لكن الله سبحانه وتعالى يبارك فيها ولا شك أيها الإخوة.

    وكذلك فإن الإنسان المسلم يحاول دائماً أن يبرز الخير، وأن يعلن عن دين الإسلام وعن الأحكام الشرعية، إذا جاءت مناسبات عشر ذي الحجة، رمضان، عاشوراء، يوم عرفة، أشياء فيها فضائل يحتاج الناس فيها إلى تذكير في المساجد أو غيرها، وإعطاء الناس ما كتبه أهل العلم في فضائل هذه الأيام مثلاً، نحن الآن مقبلون على عشر ذي الحجة، إشاعة أهمية عشر ذي الحجة بين الناس، وأجر العمل في هذه العشر، والناس كثير منهم فيهم خير أو رغبة في الخير أو على الأقل يفتحون لك المجال للكلام، يستمعون إليك.

    فأين عملك أنت في هذه المناسبة؟! كل واحد في موقعه، نكون في مواقع مختلفة، يمكن أن نذكر في تلك المواقع أناساً يحتاجون للسؤال عن أشياء من الدين لا يجدون، لكن أنت لو فتحت المجال وسألوا وأنت تنقل لهم فتاوى أهل العلم.

    1.   

    لا تحتقر الجهود والدعوات العامة

    وأعود وأقول أيها الإخوة! لا يصح أن نحتقر أنفسنا أو مجهوداتنا، ويجب أن نقدم، وهذه قصة شاب أبكم لا يتكلم، قصة لا شك أن فيها عبرة، كان يذهب إلى أماكن الورش، الأماكن التي فيها الصناع والعمال من هؤلاء المسلمين الذين كثير منهم لا يعلمون أشياء كثيرة عن الدين، فيعطيهم ما تيسر من الأشياء المقروءة والمسموعة التي فيها مواعظ والتي فيها تذكير وتعليم، وفي يوم من الأيام ذهب إلى ذلك المكان؛ ليقدم ما عنده فخرج إليه عامل ذو لحية واعتنقه وقبله وقال: ألا تعرفني.. ألا تذكرني.. أنت مررت بي ذات يوم وأعطيتني شريطاً قبل فترة طويلة، وكان سبب هدايتي، وهذا شاب أبكم كلامه عسير لا يتكلم، لكن شعوره بواجب التبليغ وواجب الدعوة دفعه إلى أن يقدم شيئاً.

    نعود للمسألة ونقول: ماذا قدمنا للإسلام؟ هل قيامنا بهذه الفروض الكفائية موجود؟

    وقد رغب في عرض بعض الأصول الشرعية للمسألة حتى لا يظن بعض الناس أن المسألة كلام، أو أن المسألة مجرد عرض للمجالات ليس لها مستند على أصل شرعي نقول: إنها مستندة على أصول شرعية موجودة في كتب العلماء، هناك وظائف إسلامية وشرعية يجب أن نعد أنفسنا للقيام بها، وتغطية هذه الثغرات الموجودة في المدن والقرى والأحياء والمساجد وأماكن الناس، وأن نعلمهم دين الله سبحانه وتعالى، نحن رسل خير وهداية، ونقفو آثار الأنبياء وهكذا ينبغي أن نكون.

    أما أن تذهب أوقات الشباب سدى وتذهب في مجالس الغيبة والنميمة، والشجار والعراك، والجدل العقيم والتقوقع بدون فائدة، تكديس طاقات بدون أن تنطلق في خدمة هذا الدين ، وكذلك فإننا نذكر أنفسنا بقضية المسئولية في العمل، نذكر أنفسنا أن هناك واجبات كفائية لا بد من القيام بها، ونذكر أنفسنا أن الدعوة إلى الله أياً كان مجالها وأياً كانت الوسيلة التي تسلك فيها، هي مسئولية سنسأل عنها، كما قال تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ [الزخرف:44] سنسأل عن هذا، صحيح أن هذا شرف، الانتساب إلى الإسلام شرف عظيم، كثيرون يعبدون البقر وآخرون يعبدون الجواميس ويعبدون تمثال بوذا، ويعبدون الشيطان وبعضهم يعبدون المال، ويعبدون أهوائهم وشهواتهم، فضلك الله عليهم بأن جعلك مسلماً توحد الله عز وجل، لكن هذا الشرف له تكليف، لا بد للتشريف من تكليف، إذا شرفك الله بأن كنت من أهل الدين فماذا قدمت لرفع شأن الدين إذاً؟!

    فانقسم الكلام في موضوعنا السابق عن واجبات كفائية يجب السعي لسدها والإعداد، لأن السبق قد لا يكون حاصلاً الآن، لكن الإعداد لسد الثغرات.

    وكذلك تنبيه على بعض الوسائل التي تستخدم في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى التي تعين على سد بعض الثغرات، لكن القضية الأساسية قضية تحقيق فروض الكفاية، على أن لا يعيب المسلمون على بعضهم، ولا يحتقر بعضهم بعضاً في المجهودات التي يقدمونها، طلبة العلم لا يحتقرون الذين يقومون مثلاً بدعوة العامة ووعظهم، مع أن الذي يقدم المواعظ ما عنده علم، لكن يستطيع بهذا التقديم بفضل الله عز وجل أن ينقل أناساً من معسكر أهل الشر والضلال إلى طريق الهداية، ولا يعيب طلبة العلم ولا الوعاظ مثلاً على من يشتغل في خدمة قضايا المسلمين، وقضايا الجهاد وقضايا الإغاثة مثلاً.

    الثغرات كثيرة جداً، ونحن نحتاج إلى عمل متكامل، المسلمون يكمل بعضهم بعضاً، ولا يعيب بعضهم على بعض، هناك حد أدنى من العبادة يجب أن يكون موجوداً، هناك حد أدنى من العلم، ما يصلح إغاثي ولا مجاهد أن يعمل لهذا الدين وهو ما عنده الأساسيات التي يعبد الله سبحانه وتعالى بها، يصلي ويصوم ويحج وينكح ويبيع خطأ لا يجوز له ذلك حتى لو كان مشتغلاً بعمل آخر غير قضية العكوف على طلب العلم.

    فإذاً: أهل الحسبة والجهاد والعلم والوعظ والإغاثة، هذه الفروض الكفائية يجب أن تسد وأن يقوم لكل ثغر منها من يطيق القيام به، ويكون صاحب خبرة فيه ويستطيع أن يقدم فيه، ولا يعيب بعضهم على بعض، فبهذه الطريقة تجتمع الجهود، والقضية في النهاية نصرة الإسلام والعمل لدين الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    الأسئلة

    الجمع بين طلب العلم والدعوة

    السؤال: إذا رأى الإنسان أن موقعه يستطيع من خلاله خدمة الإسلام ولكن نفسه تتوق لطلب العلم، فهل الأفضل له ترك موقعه والتفرغ لطلب العلم؟

    الجواب: كيف كان العلماء يفعلون؟

    أي: ابن المبارك ما كان يذهب للمرابطة في الثغور؟ ما فائدة طلب العلم أليس التبليغ وتعليم الناس؟!!.

    فإذاً: لماذا الفصل المقيت بين المهمات المختلفة؟

    ونقول: طالب العلم هذا لا يصح له مطلقاً أن يجمع تبرعات لعائلة فقيرة لماذا؟

    هذا فصل مذموم، ولذلك ينبغي علينا أن نرتقي بهممنا حتى نستطيع الجمع بين أكثر من باب من أبواب الخير.

    خدمة الإسلام في المدارس والجامعات

    السؤال: كيف نقوم بخدمة الإسلام في المدارس والجامعات؟

    الجواب: نقول: لا شك أن المدارس والجامعات هي مجمع يجمع أعداداً من الطلاب، ولا شك أنه يحصل في هذه الأماكن اجتماع بهم لفترات طويلة خصوصاً عندما يكون هناك سكن داخلي مثلاً في الجامعة، فأنت لا تلتقي بهم فقط في الفصل الدراسي، تلتقي بهم في السكن وتلتقي بهم في المطعم وتلتقي بهم في أماكن مختلفة.

    إذاً لا أقل من كلمة خير؛ نصيحة عابرة لهذا الشخص، فأقول: إن الشخص مادام موجوداً في مجمع من الناس، فإنه ينبغي أن يقدم ما يستطيع تقديمه في هذا المجال، ولا شك أن هذا الاحتكاك ينبغي أن يستثمر لصالح الإسلام، بأن تكون مصاحبة هذا الشخص في المدرسة والجامعة طريقة للدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وهدايته أو إنقاذه من أهل الشر، ربما يكون جلوسك عنده مانعاً لأصحاب السوء من الإتيان إليه لأنهم إذا رأوك موجوداً عنده في مسكنه ما جاءوا إليه، مرة ومرتين وثلاثاً وفي النهاية يتركونه، فأنت تكون قدمت خدمة غير مباشرة عن طريق منع المنكر هذا.

    عوائق في طريق خدمة الدين

    السؤال: إنني معلمة وأريد أن أخدم الدين في هذا المجال، فإذا كان يوجد لدي عوائق من إدارة المدرسة فماذا أفعل؟

    الجواب: أقول: لا أقل من الصلة الشخصية بالطالبات، لو لم تستطيعي أن تقدمي لهن شيئاً لا في الحصة ولا في الفسحة، فلا أقل من أن يكون هناك ارتباط شخصي، والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى -أيها الإخوة- هي تأثير شخصي، في كثير من الأحيان النجاح يكون وليد التأثير الشخصي؛ علاقات تقوى، إكرام الشخص، الدخول إلى قلبه، كسب محبته هذا هو الطريق للتأثير ، بحيث في النهاية إذا قلت له الحكم نفذ، وإذا قلت له نصيحة قبل واستمع.

    لا إيثار في القرب

    السؤال: إذا تساويت أنا وشخص في الطاقة أمام مجال من مجالات خدمة الإسلام، هل أتقدم لأنال الأجر أم أوثره لغيري؟

    الجواب: لا، تقدم يا أخي تقدم أنت، لماذا تترك الأجر هذا ربما يكون دليلاً على عدم الحرص.

    الدعوة في الأهل والأقارب أولى

    السؤال: كثير من الشباب فاشل في أسرته وتراه كالنحلة مع إخوته؟

    الجواب: صحيح.. وهذا مثل جيد وتشبيه واقعي لعدد من الناس الذين عندهم هذه القضية وهي: أنهم فاشلون مع آبائهم وأمهاتهم وإخوانهم وأخواتهم، وأعمامهم وعماتهم، وأخوالهم وخالاتهم، وأجدادهم وجداتهم، أقرب الناس: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء:214] هذا لا يعمل معهم شيئاً البتة، لو أنه جرب وقال: ما ما استطعت وقال: هم أكبر مني سناً ما تقبلوا، طردوني وأغلقوا فمي، وأسكتوني واحتقروني، لقلنا: أنت قمت بالواجب وبلغت وما تقبلوا منك فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد، لكن أنت مجهوداتك مع إخوانك وتنسى أهلك وأسرتك، وهذا لا ينبغي مطلقاً لشاب يفقه دين الله سبحانه وتعالى.

    الدعوة بالمراسلة

    السؤال: ما رأيك في المراسلة لدعوة بعض الشباب المنحرفين؟

    الجواب: وسيلة مجربة وناجحة، والشخص يمكن إذا ناقشته أن يجادلك وأن يضيع وقتك، وأن يسكتك وربما يفحمك إذا كان هو أقوى بالجدل، لكن إذا أرسلت له برسالة فإنه لن يقوم بهذا الجدال والمراء لأنه يقرأ شيئاً جامداً لا مجال للاعتراض، فربما تكون الرسالة أكثر تأثيراً مع بعض الأشخاص.

    سبب موت الهمم وعلاجه

    السؤال: هل ترى أن قلة التوجيه وانعدامه عند بعض الدعاة هو السبب الرئيسي في موت الهمم والانشغال بالصغائر عن معالي الأمور؟

    الجواب: نعم، لا شك في ذلك، لكن كونه ما وجد أحداً يُوجهه هل نعفيه من المسئولية؟

    الجواب: لا. ينبغي هو أن ينصح نفسه بنفسه، وأن يدل نفسه على الخير وأن يبحث عن أبواب الأجر وأن يقوي همته، ما معنى هذا الرجل الذي ذكر الله خالياً ففاضت عيناه؟ هل أحد وعظه؟ هل أحد ذكره بالله؟ هل أحد تلا عليه آيات العذاب؟ لا، هذا رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، فنريد نحن من الشباب أن يذكروا الله وهم في خلواتهم، ويذكروا أنفسهم بالمسئولية تجاه الدين، فربما يحيا في أنفسهم واعظ الله عز وجل فيقومون للعمل بدلاً من الجلوس والكسل وتعطيل الطاقة.

    تسخير الشِّعْر في نصرة الإسلام

    السؤال: أنا شاعر فكيف أجعل شعري لنصرة الإسلام؟

    الجواب: وجه شعرك بأن تكتبه، تجعل هذه الأوزان والقوافي محملة بالمعاني الدينية والشرعية، وبالأحكام وبالأخلاق، وبالرقائق وبالآداب وبالذب عن الدين وبمهاجمة أعداء الدين (اهجهم وروح القدس معك) هكذا كان حسان بن ثابت يهجو كفار قريش، وكان شعره أشد عليهم من بعض سهام وسيوف المسلمين، عرض المآسي، استدرار العواطف، إيقاظ الهمم، إلهاب المشاعر، هذه أشياء يطيقها الشعراء.

    فإذا وجه هذا إليهم بعض القصائد المؤثرة عن التوبة كان لها الأثر في نفوس الناس، قصائد عن التوبة وقصائد عن الموت واليوم الآخر والزهد في الدنيا وقصر الأمل، هذه كان لها آثار كبيرة على النفس، هي أبيات شعرية لكن آثارها كبيرة على النفس، بدل من الانشغال بألوان الجناس والطباق والبديع والأشياء التي هي أشبه ما تكون بالطرف الشعرية، والألغاز والأحاجي الشعرية، بدلاً من هذه لنسكب هذه المعاني الإسلامية في أشعارنا لمن كان يعمل الشعر.

    إقامة الحجة واجبة

    السؤال: أنا طالب جامعي أعيش في مدينة تكثر فيها البدع والمعاصي، وأنا شخص ليست لدي حجة وبيان، ولا أستطيع النصح والدخول في مناقشات مع بعض السفهاء؟

    الجواب: لا بد أن نقوم لله بالحجة، أن نتكلم فإذا اعترض واحد وسفه الآخر، واستهزأ الثالث يكون قد قمت بالواجب، ثم ماذا لقي الأنبياء من أقوامهم؟

    هل لقوا الكلام الجميل والثناء العاطر والشكر الجزيل والإكرام؟ لا. أكثرهم لقي الصدود والإعراض والاستهزاء، وقالوا عنه شاعر ومجنون وأفاك وبه جنة، قالوا عنهم أشياء كثيرة جداً، فإذا كان هذا سيتوقع أنه إذا نصح وعلم أنه سيقابل بالإكرام والحفاوة والترحاب، فلا شك أنه قد غابت عن باله دعوة الرسل، ثم إذا كنت لا تستطيع الكلام مطلقاً قدم شيئاً مسموعاً أو مكتوباً يستفيد منه وتقام به الحجة عليهم.

    كيفية الدعوة في الدول الأجنبية

    السؤال: أنا شخص أدرس في آخر السنة ومسافر إلى أمريكا فما هي المجالات التي أفعلها هناك؟

    الجواب: أولاً: ينبغي أن تتأكد من شرعية ذهابك إلى بلاد الكفار، وأن هناك حاجة للمسلمين في ذلك، وأن عندك عقلاً تدفع به الشهوات، وعلماً تدفع به الشبهات، وبعد ذلك تسافر فإذا سافرت فلا شك أنك ستجد من الأقليات الإسلامية هناك من تتعاون وتتناصر معهم، وتصطحب معك من الأشياء المفيدة ما يحتاجون إليه هناك، ولا شك أنك ستكون واحداً في خلية من المسلمين الذين يحمون أنفسهم من التأثيرات الكفرية في تلك البلاد، ولا شك أنك ستذكر نفسك كثيراً بقضية غض البصر عن الأشياء الموجودة هناك.

    بعض الثغرات التي لم تسد

    السؤال: معلوم أن من فروض الكفاية دعوة أهل الكتاب، وبحكم وجود بعض النصارى فقد تجرد بعض الشباب لدعوتهم للإسلام، فهل تظن أن هذه الثغرة قد سدت؟

    الجواب: لا. لأنهم أكثر بكثير من هؤلاء الشباب الذين يدعونهم إلى الإسلام.

    هذا عن بعض الفرص الدعوية، ذكرت أشياء وهناك أشياء أيضاً موجودة في كتاب كتبه بعض الأفاضل وهو إبراهيم بن عثمان الفارس عن اثنين وتسعين وسيلة أو طريقة دعوية، فأيضاً يمكن الرجوع إليه، وعنه نقلت بعض النقاط.

    معنى التفرغ لطلب العلم

    السؤال: التفرغ لطلب العلم ماذا تعني هذه الكلمة؟

    الجواب: إذا ذهب الإنسان إلى جامعة شرعية، تكون دراسته واختباراته مذاكرته وواجباته وبحوثه كلها شرعية، فهذا نوع من التفرغ، وإذا كان يأخذ مكافأة شهرية فماذا يريد أكثر من ذلك، لكن لو قال: وترك الدعوة إلى الله هل تعني ترك إنكار المنكر؟ الجواب: لا. بطبيعة الحال، وإلا صار العلم الذي تتعلمه وبالاً عليك، ماذا استفدت من العلم إذا كنت ستترك الواجبات الشرعية.

    كيفية المحاسبة للنفس

    السؤال: هل يشترط في معاتبة النفس أن يتحدث الإنسان مع نفسه بصوت مسموع، أم يكفي التفكير والمعاتبة داخل النفس؟

    الجواب: يكفي التفكير والمعاتبة داخل النفس ولا يشترط أن يكون الكلام مسموعاً، وخصوصاً إذا كان حوله أشخاص فإنه لا يكون من الإخلاص في المحاسبة أن يرفع صوته.

    أهمية التقيد بالأذكار الشرعية

    السؤال: هل يجوز أن يقول الإنسان بعد الأكل أو الشرب: اللهم جزاؤك الحمد والشكر، بدلاً من قولك: لك الحمد والشكر؟

    الجواب: جزاؤك الحمد والشكر؛ بعض العبارات قد تكون صحيحة من ناحية المعنى، لكن لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمثل هذه الأذكار أذكار الطعام والشراب، والعطاس والسلام وغيرها، ينبغي أن تكون مقيدة بما ورد في السنة، وقد ذكر ابن حجر رحمه الله بحثاً في الاستعاذة من الشيطان عند التثاؤب في كتاب الأدب من صحيح البخاري فليرجع إليه.

    حكم دخول الحائض المسجد

    السؤال: هل يجوز للحائض أن تدخل المسجد لسماع المحاضرة؟

    الجواب: قد اختلف أهل العلم في دخول الحائض إلى المسجد، الأحوط للحائض أن لا تدخل المسجد، وهذا المشهور من فتاوى علمائنا.

    صلاة النافلة في المسجد من أجل الأذان

    السؤال: أستيقظ مبكراً لكي أصلي من الليل فلا أستطيع، ولكي أتمكن من أداء أذان صلاة الفجر أضطر للذهاب للمسجد، وأصلي هناك لكي أسبق غيري بالأذان، فهل أصلي في بيتي؟

    الجواب: لا بأس أن يذهب إلى المسجد ليصلي ما تبقى له من قيام الليل لكي يكون هو الذي يؤذن.

    طريقة السؤال في الدرس

    السؤال: أحضر حلقة تجويد ولا أجيد فهم الدرس، وأخشى أن أسأل الشيخ فأعطل زملائي وأضيع وقتهم؟

    الجواب: أقول: اجعل السؤال في آخر الدرس بعد انتهاء الدرس، اسأل الشيخ حتى لا تعطل الزملاء من القراءة وحتى لا تفوت عليك الفائدة.

    بدعية محاسبة النفس بالكتابة

    السؤال: ما حكم محاسبة النفس بالكتابة على ورقة وعمل جدول يومي؟

    الجواب: هذا الجدول المعمول عند بعض الناس في بعض الأوراق ومكتوب فيه (صح وخطأ) وعلامات أو أرقام ليس من فعل السلف ، وهو طريقة مبتدعة للمحاسبة، لكن الإنسان يذكر نفسه بما فعل من التقصير الذي حصل، أو بالذنوب، أو بما ترك من الواجبات، أو بما ترك من الأوراد المستحبة لكي يأتي بعوض عنها.

    تقديم شارب الدخان في الإمامة

    السؤال: إذا اجتمع شخص يشرب الدخان وآخر يحلق لحيته فمن يتقدم لصلاة الجماعة؟

    الجواب: إذا فرض أنه لا يوجد إنسان مطبق للسنة بهم، فإن الذي يتقدم هو الذي أطلق لحيته ولو كان مدخناً لأن منكره غير مستمر، بخلاف الذي حلق لحيته.

    كل ما خرج من السبيلين ناقض للوضوء

    السؤال: هل كل خارج من السبيلين يعتبر ناقضاً للوضوء ولو حصاة صغيرة ؟

    الجواب: هذا المشهور من كلام الفقهاء، أن كل خارج من السبيلين فهو ناقض للوضوء حتى لو كان شعراً أو حصىً أو دوداً أو دماً فإنه يعتبر ناقضاً للوضوء.

    مس حلقة الدبر لا ينقض الوضوء

    السؤال: هل إذا لمس الإنسان دبره ينقض الوضوء؟

    الجواب: هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم فقال بعضهم: إنه ينقض لأنه فرج، وتعريف الفرج: أنه ما انفرج وأن فتحة الدبر مما انفرج، وقال في الحديث (من مس فرجه فليتوضأ) لكن الراجح والله أعلم أن لمس حلقة الدبر لا ينقض الوضوء وأن الفرج قد ورد مشروحاً ومبيناً في حديث آخر بقوله: (مس ذكره) فإذاً الراجح أن لمس حلقة الدبر لا ينقض الوضوء.