إسلام ويب

أهلا رمضانللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جعل الله شهر رمضان موسماً للخيرات، وندب الناس للاجتهاد فيه، فهو زاد لباقي العام، وفوق هذا فقد وعد الله من صامه إيماناً واحتساباً بالخير الكثير، فكيف بمن قام بغير ذلك من أعمال الخير كالصدقة والبر والصلة .. إلخ . وقد قام أعداء الله باستنفاذ كل طاقاتهم من أجل تفريغ هذا الشهر من كل ما فيه، فسلطوا على المسلمين فضائيات اشتكى الفضاء من محتواها، فكيف بعباد الله المؤمنين؟! فالحذر كل الحذر ممن يريدون أن يعبثوا بديننا وخصوصاً في مثل هذا الشهر الكريم .

    1.   

    ترقب المؤمنين لشهر رمضان

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعــد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    حرص الشرع على التشويق لشهر رمضان

    قال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة:185]، شهركم على الأبواب، ونفوس المؤمنين تنتظر، والفرحة بقرب قدوم الغائب عمت القلوب التي تنتظره؛ لأن المؤمن يتطلع إلى موسم الخير، وإلى الأوقات الفاضلة، ليتعرض لنفحات ربه.

    وها قد اقترب شهر الصيام، وتأججت في النفوس اللوعة ونيران الاشتياق لشهر رمضان، وتأتي الشريعة بالأحكام التي تؤدي إلى حصول الشوق والتطلع، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقدموا رمضان بيوم أو يومين إلا من كان يصوم صوماً فليصمه) فمن صام فيما تبقى من الأيام قضاءً عما فاته من رمضان الماضي، أو كفارة ليمينٍ ونحوه فلا بأس بذلك، وأما من صامه بنية الاحتياط لرمضان فهذا منهيٌ عنه، ومن كانت له عادةٌ فوافقت عادته قبل رمضان بيوم أو يومين فهو يستمر على عادته، فلو كان دخول رمضان الجمعة وكان معتاداً على صيام الخميس من قبل، فهو يصومه على عادته كما جاء في الحديث، أما من لم تكن له عادة وليس له قضاءٌ أو كفارة فممنوعٌ من الصيام قبل رمضان بيومٍ أو يومين، لماذا؟

    ذكر العلماء عدة أسباب:

    أولاً: ألا يزاد في رمضان ما ليس منه.

    ثانياً: الفصل بين الفرض والنفل.

    ثالثاً: الاستعداد للصيام والتشوق له، فيدخل رمضان بطعمٍ جديد، وينحبس الناس عن الصيام ترقباً لدخول الشهر حتى يصوموا، حبستهم الشريعة عن الصيام قبله لكي يدخلوا به وقد استطعموه طعماً جديداً، وحبسوا عن الصيام قبله تشوقاً إليه، فهذه الشريعة تشوقهم لشهر رمضان.

    أخطاء الناس عند الاستعداد لشهر رمضان

    ذكر العلماء أن بعض العامة يظنون بأن المراد بالفطر قبل رمضان وعدم الصيام هو اغتنام الفرصة للأكل؛ لتأخذ الأنفس حظها من الشهوات قبل أن تمنع من ذلك، ولذلك يقولون في الأيام الأخيرة من شعبان: هي أيام توديعٍ للأكل، وبعضهم يسميها الشعبانية، وذكر بعض أهل اللغة أن أصل ذلك مأخوذ من النصارى، فإنهم كانوا يفعلونه قرب صيامهم، وليس المقصود بالمنع من الصيام قبل رمضان أن نستعد بالأكل ونشبع، كلا والله. والعصاة يستعدون بالازدياد من المعاصي قبل دخول رمضان، ويقولون: حتى ندخل فيه فيغفر لنا، فيستهينون بالأيام الأخيرة من شعبان، كما قال بعضهم:

    إذا العشرون من شعبـان ولّت     فواصل شرب ليلك بالنهار

    ولا تشرب بأقداحٍ صغارٍ     فإن الوقت ضاق عن الصغار

    ويكثرون من شرب الخمور قبل دخول الشهر والعياذ بالله.

    ومن كان هذا حاله، ويظن أن التزود الآن بالشبع والمعاصي قبل دخول رمضان، فالبهائم أعقل منه، وله نصيبٌ من قوله تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا [الأعراف:179] وربما يكره كثيرٌ منهم صيام رمضان ودخوله، حتى إن بعض السفهاء كان يسبه لأجل أنه سيحرم فيه من الشهوات، والله عز وجل جعل الليل مجالاً للأكل والشرب والنكاح، فليس ما سبق بممنوعٍ إلا ساعات، وفي هذا الفصل في هذا الشهر سيكون النهار من أقصر أيام السنة، وربما لا يحس الإنسان بكثير مشقة في الامتناع عن الطعام والشراب، فلابد ألا يُفقد لذة رمضان، وعليه بالازدياد من العبادات، ومن أراد الله به خيراً حبب إليه الإيمان وزينه في قلبه، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان وجعله الراشدين، ومن أراد الله به شراً خلى بينه وبين نفسه، فأتبعه الشيطان فحبب إليه الكفر والفسوق والعصيان فكان من الغاوين.

    باع قومٌ من السلف جارية لهم، فلما قرب شهر رمضان رأتهم يتأهبون له ويستعدون بالأطعمة وغيرها، فسألتهم فقالوا: نتهيأ لصيام رمضان، فقالت: وأنتم لا تصومون إلا رمضان، لقد كنت عند قومٍ كل زمانهم رمضان، ردوني عليهم.

    وباع الحسن بن صالح رحمه الله جارية له، فلما انتصف الليل قامت، فنادتهم: يا أهل الدار! الصلاة الصلاة، تقصد قيام الليل، قالوا: طلع الفجر، قالت: وأنتم لا تصلون إلا المكتوبة، ثم رجعت إلى الحسن الذي باعها، وقالت له: بعتني على قوم سوء لا يصلون إلا المكتوبة ردني ردني.

    تتطلع النفوس إلى الشهر الكريم بالازدياد من العبادة، ويقبل الناس على الله تعالى بالدعاء أن يبلغهم هذا الشهر، ويستعدون لذلك بأنواع الاستعداد، ويدرسون أحكام الصيام، ويتنبهون إلى مسألة عقد النية قبل الفجر في أول ليلةٍ من رمضان على العزم على الصوم، والنية محلها القلب، والتلفظ بها بدعة، ويحتاط إلى أن يستيقظ في جزءٍ من الليل قبل الفجر حتى يعلم هل دخل الشهر أم لا؛ ليكون عنده نية جازمة يدخل بها شهر رمضان.

    يا من عليه صيام قضاءٍ! سارع، فما بقي شيء.. ويا من عصى الله! تب الآن وجدد التوبة، ويا معشر أصحاب الأموال! احصوا الزكاة استعداداً لإخراجها إذا كان الحول يحول في رمضان.

    الاستعداد الواجب لشهر الصيام

    عباد الله: إن قوة الترقب لموسم العبادة يدل على قوة الإيمان، والفرح بالقدوم يدل على قوة الإيمان، وحسن الاستعداد يدل على قوة الإيمان.

    فيا معشر الأئمة والدعاة إلى الله! بادروا بترتيب الدروس وحسن انتقاء الكتب، وشحن الناس لدخول الشهر، أتاكم شهر رمضان شهر مبارك، وكان عموم الناس يتراءون الهلال على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من تشوقهم وتطلعهم يقول في الحديث: (تراءى الناس الهلال) الناس يتراءون الهلال، الجود بالعلم والخلق، والقدوة أن يعد نفسه للاقتداء، جيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في سفرٍ في رمضان، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإن الناس ينظرون ماذا فعلت، فدعا بقدحٍ من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون إليه.

    الدعاة قدوة فينبغي أن يكملوا أنفسهم، لا استعداداً بما فيه معصية كما يفعل الكثيرون، ينبغي إعداد المساجد لصلاة التراويح، ليس بزيادة الأنوار، فزيادة الأنوار في رمضان بدعة، وإنما بتنظيفها وتطيبها وليساهم أهل اليسر والمال في ذلك، فإن فيه أجراً عظيماً، المساجد التي لم تكتمل.. المساجد التي فيها نقصٌ في فرشها ونحو ذلك مما يحتاجه الأمر، وتجهيز أماكن النساء التي لا يكون فيها اختلاط بالرجال، ولا يجوز أن يحول المسجد إلى مجالٍ للدعاية والإعلان عن السلع التجارية، وتعلق الإعلانات وبعض التقاويم المطبوعة فيها خانةٌ الإمساك قبل الفجر بعشر دقائق وهي بدعة ضلالة.

    أيها المسلمون: إن كثيراً من الناس يتجهزون، ولكن مع الأسف لا يتجهزون بالتقوى وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197] سيأتي رمضان في إجازة، ومعنى ذلك أننا سنتوقع سهراً طويلاً في الليل، والليل طويل، ومعنى ذلك: أن عدداً من الناس سيسهرون ثم يرقدون قبل الفجر، ومعنى ذلك: أن صلاة الفجر ستضيع، وربما رأيت اهتماماً بصلاة الفجر في أول ليلة أو ليلتين ثم يعود الأمر إلى المعتاد أو أقل من المعتاد، وبعض المسلسلات ستجتذب بعض الناس عن صلاة العشاء في الجماعة، وعن بعض صلاة التراويح، وسيأتون إلى المساجد متأخرين لأجل المسلسل الفلاني الذي يعرض؛ فتباً وتعساً لهم لهذا الاستعداد، يتأخر عن الصلاة لأجل اللهو.

    1.   

    سهام الأعداء في رمضان

    عباد الله: هذا الشهر مجالٌ عظيم لاستغلال الطاعات والعبادات، وفيه تضاعف الحسنات والأجور؛ لأن القاعدة الشرعية هي أن الطاعات في الأزمنة الفاضلة تضاعف، والسيئات في الأزمنة الفاضلة تضاعف، ونحن نعلم مكانة هذا الشهر جيداً، ونعلم مكانة الصيام في أركان الإسلام، ونعلم الأجر العظيم في الصيام والقيام والاعتكاف والعمرة في رمضان، وسائر العبادات وتلاوة القرآن.

    ولما علم أعداء الله مكانة رمضان في الدين، وأنه شهر توبة للكثيرين والرجوع إلى الله سلطوا سهامهم على شهر رمضان، وأعدوا العدة للانقضاض على روح العبادة في هذا الشهر بأنواع المعاصي التي يجرون إليها الناس، فإذا نظرت وقرأت في الدعايات والإعلانات ماذا ستجد بمناسبة شهر رمضان؟

    أصبح الآن قدوم رمضان مجالاً ومناسبة وفرصة للمعاصي بأنواعها، بمناسبة شهر رمضان خصومات على الاشتراك في القنوات الفضائية.. الأوائل في الفسق والمجون ومبارزة الله بالمعصية، ثلاثة أشهر مجاناً، تسهيلات في قيمة جهاز فك الشفرة.. خمس قنوات بكذا، وثلاث قنوات بكذا، كنا نعجب من حديث النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: (ورأيت رجلاً جالساً ورجلاً قائماً بيده كلوب من حديد -حديدة معوجة- يدخل ذلك الكلوب في شدقه ويشرشره ويقطعه من شدقه الأيمن إلى القفا، ثم يعود فيضع الكلوب في الشدق الأيسر ويشرشره إلى قفاه، فيعود الشدق الأيمن سليماً، فيعود فيشرشره.. وهكذا باستمرار، فسألهم: من هذا؟ قالوا: أما الذي رأيته يشق شدقه فكذابٌ يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به هكذا إلى يوم القيامة) .

    والآن بعد وجود القنوات الفضائية لم يعد هناك مجالٌ للعجب، فإنهم ليس فقط يكذبون الكذبة حتى تبلغ الآفاق، وتحمله الموجات إلى أرجاء الأرض، وإنما يدبرون المؤامرات والمعاصي.

    تحول شهر رمضان إلى شهر غناءٍ وطرب، وأمسيات رمضانية في المعصية، والأغاني والفلكلورات الشعبية.. ونحو ذلك، وكذلك الفوازير التي تعرض بالغناء مع اللوحات الاستعراضية الراقصة.. هكذا شهر العبادة! هكذا شهر الصيام!! مخطط أعداء الإسلام لتفريط رمضان من محتوياته، ما دام شهر توبة وعبادة لابد من الإغارة عليه، ولابد من تفريغه من محتوياته، ولابد من منع تأثيره على الناس، ولابد من عزل هذه الروح العظيمة في هذا الشهر عن الناس، لئلا يتنسموها.. كيف؟ بهذه المسلسلات والأغاني والعروض، والفوازير والاشتغال بها، ومكاتب تبيع الأسئلة، حتى قضية جمع المعلومات ليس فيها فائدة، وخصوصاً أن بعض هذه الأسئلة لا علاقة لها بالإسلام.

    ثم برامج للطبخ، وطبق اليوم، ولقمة هنية.. طبق رمضان.. المأكولات العربية، إشغال ربات البيوت في الوقت الفاضل.. في وقت الصيام.. في اللحظات الغالية بمتابعة هذه الأطباق، وبعد الإفطار يعرضون مواقف كمودية، والكاميرا الخفية، ونجوم الفكاهة، ويعرضون مسلسلات عن التاريخ الإسلامي بزعمهم أن هذه الأشياء إسلامية، وهي في الحقيقة تشويهٌ -والله العظيم- للشخصيات الإسلامية، فشوهوا شخصية عمر بن عبد العزيز ، وشوهوا شخصية شيخ الإسلام ابن تيمية ، وشوهوا شخصية صلاح الدين الأيوبي ، وعرضوا المناظر المقذعة الفظيعة التي تبين أنهم عشاق، وهذا له علاقة بالنساء، ونحو ذلك من أنواع التبرج والفجور في الفيلم، ويمثله شخصٌ فاجرٌ يقوم بتمثيل رجلٍ من أبطال الإسلام.

    وسنرى الدور على من في تشويه تاريخ المسلمين، ولو قاموا في هذه القنوات الفضائية العالمية التي تبث على العالم بأشياء من الدين أو إجابات أو برامج فإنها لا تخلو من التساهلات والتنازلات، وبالتالي ماذا سيكون أيها الإخوة؟! النهار ليس هناك دراسة عند الطلاب في هذا الشهر، سيتحول النهار إلى أي شيء؟ والليل إلى أي شيء؟ وأوقات صلاة التراويح إلى أي شيء؟ والليل في الألعاب والملاهي والمعاصي والتمشيات، والشباب على الأرصفة، وربما دقوا بالعود وعزفوا وفعلوا وفعلوا، ونظموا المباريات والسداسيات، واشتغلوا بالرياضة عن قيام الليل، وعن اغتنام هذه الأوقات الثمينة بالمعاصي أو الملاهي، ولو قلت: اللهو المباح، فأي غبنٍ أعظم من جعل هذه الأوقات مجالاً للفسق والفجور، وحتى اللهو المباح.. أليس غبناً؟ أليس خسارةً؟

    عباد الله: هل يا ترى سننساق وراء مخططات أعداء الإسلام لتفريغ رمضان من محتوياته أم لا؟

    هذا ما ستكشفه الأيام القادمة، وشتان شتان بين الذين سيسافرون إلى الخارج في هذا الشهر وينقطعون بالكلية عن مجتمعات المسلمين، ويعتبرونها سياحة في الأرض لا يسمع أذاناً، ولا يشهد صلاةً، وبين من سيعد العدة للذهاب إلى مكة .

    أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج، فقالت امرأة لزوجها: أحجني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ما عندي ما أحجكِ عليه، قالت: أحجني على جملك فلان، قال: ذاك حبيسٌ في سبيل الله عز وجل -أي: وقف في الجهاد- ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن امرأتي تقرئ عليك السلام -أدب النساء- وإنها سألتني الحج معك، وقالت: أحجني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على جملك، فقلت: ذاك حبيسٌ في سبيل الله، فقال: (أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله، قال: وإنها أمرتني أن أسأل ما يعدل حجةً معك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقرئها السلام، وأخبرها أنها تعدل حجةً معي عمرة في رمضان) رواه أبو داود بإسنادٍ حسن.

    وأول رمضان هو ليلة الأول منه، فإذا غربت الشمس وثبت دخول الهلال بدأنا في رمضان، ومن أوقع عمرته في ليلة الواحد من رمضان -الليلة التي تسبق نهار الأول من رمضان- فقد أوقعها في رمضان.

    عباد الله: الحذر الحذر من المعاصي، فكم سلبت من نعم، وكم جلبت من نقم، وكم خربت من ديار، فما بقي فيها ساكنٌ ولا ديَّار، وكم أخذت من العصاة بالثأر، وكم محت لهم من آثار.

    يا صاحب الذنب لا تأمن عواقبه      عواقب الذنب تخشى وهي تنتظر

    فكل نفسٍ ستجزى بالذي كسبت      وليس للخلق من ديانهم وزر

    نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل البصيرة، اللهم اجعلنا من أهل البصيرة، اللهم اجعلنا ممن عرفوا الشر فتركوه، وممن عرفوا الخير فسلكوا طريقه واتبعوه.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    أصناف الناس في استقبال رمضان

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا هو الملك الحق المبين، وأشهد أن محمداً رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    عباد الله: رمضان سيصنف الناس أصنافاً شتى، فمنهم من سيكون همه طاعة الله تعالى.. صياماً وقياماً احتساباً للأجر ورجاءً للثواب، وطمعاً فيما عند الله، ويتوب إلى الله مما سلف، ويرجع عما كان من المعصية، ويجدد العهد مع الله، لينطلق فيما بقي من حياته إلى طاعة الله تعالى، وطريق الجنة، ومنهم من سيجعل هذا الشهر شهر نومٍ وكسلٍ ولهوٍ وبطالة، وجل النهار وهو نائم، وأكثر الليل وهو لاعب، وربما سهروا إلى بعد صلاة الفجر ثم ناموا وفاتتهم صلاة الظهر والعصر ليستيقظوا عند صلاة المغرب للأكل والشرب.

    ومن الناس من سيكون هذا الشهر بالنسبة إليه موسماً للتسول، وسؤال الناس، وتأتيك المعاريض والأوراق ويطوف المحتالون على المساجد.

    وينبغي للمسلم أن يكون كيساً فطناً، وأن يتحرى بزكاته وصدقته المحتاجين، وإذا لم يعرف المحتاجين والفقراء يدفعها للثقات من المسلمين ليوصلوها إلى المحتاجين حقاً، فلا يغتر بهؤلاء الذين جعلوا رمضان شهراً للتسول، والازدياد من المال وأكل الحرام.

    ومن الناس من سيكون همه التفنن بالأكل والشرب وصنع المأكولات بأنواعها، والمفاخرة، ونصيحة للنساء بالاقتصاد، وعدم ملء هذه اللائحات وهذه القائمات بالمأكولات والمشروبات التي تدفعها إلى زوجها، ليندفع إلى السوق ويشتري الناس ثلاثة أضعاف ما كانوا يشترونه في الأيام العادية، هل هذا هو المطلوب في هذا الشهر؟ ثم تنشغل المرأة والخادمة معها بطبيعة الحال في المطبخ ساعاتٍ طويلة، ثم بعد ذلك تمد السفرة على الأصناف، وينهمك الجميع في الأكل وقد صوبوا أنظارهم تجاه الشاشة، ويزدادون شراهةً، وتمتلئ البطون بأنواع المأكولات والمشروبات، وما سيرمى في القمامة أكثر.

    ثم جعل الصيام شافعاً للعبد يوم القيامة كما جعل للصائم فرحة عند لقاء الله.

    يا عبد الله! الفرحة عند لقاء الله لا تعدلها فرحة، ومن فرح ذلك اليوم فلا يحزن أبداً: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62] فهذا الصائم إذا لقي ربه فرح بصومه، والصيام يقول يوم القيامة: (أي رب! منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، فيشفع فيه).

    بشرى لكل محتسب لأجر الصيام

    جعل الله رائحة فم الصائم الكريه عند الناس أطيب عنده من ريح المسك، وجعل الصوم جُنة ووقاية من عذاب النار، وأخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أن (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً).

    يا معشر المسلمين: أبشروا أبشروا! (إن في الجنة باباً يقال له: الريان يدخل منه الصائمون لا يدخل منه أحدٌ غيرهم -خصوصية للصائمين- فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد).

    يا عباد الله! اُشعروا بالنعمة العظيمة عندما تفتح أبواب الجنان في أول ليلة من رمضان، وتغلق أبواب جهنم وتصفد الشياطين.

    هذه النعمة: تصفد الشياطين، وتفتح أبواب الجنة، وتغلق أبواب النيران، وضاعف الأجور، وهو يقول لك: يا عبدي! هلم فاعمل، وكثر شهوة نفسك بما أعانك على ذلك من منعك عن الطعام والشراب في النهار، والجسد ينجذب إلى الأرض، والروح تحتاج إلى غذاء، وخفة المعدة والتجرد من الشهوات يؤدي إلى صفاء النفس وفراغ الخاطر، فيعرف المسلم تفاهة الدنيا، فيحن إلى الآخرة حنين الطائر إلى وكره، والسمك إلى مائه.. إنه الحنين إلى الآخرة.

    فحيا على جنات عدنٍ فإنها     منازلك الأولى وفيها المخيم

    ولكننا سبي العدو فهل ترى     نعود إلى أوطاننا ونسلم

    أخرج أبونا من الجنة بمكيدة إبليس، والجنة وطننا الأصلي الذي نزل فيه أبونا.. الجنة هي الدار الأصلية لهذا المخلوق البشري، ولكن مكيدة إبليس أخرجت الأب من الجنة، فهل يا ترى سنرجع إلى وطننا الأصلي؟ هل سنرجع إلى أرضنا الأصلية أرض الجنة؟ هل سنرجع إلى تلك الدار أم لا؟ السعيد من رجع بسلام، والشقي من تاه عن درب الجنة، فسقط في عذاب النيران.

    عباد الله: صيام شهر رمضان يعدل صيام عشرة أشهر: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) إيماناً بالله، وإيماناً بفرضية الشهر، وعدم الشك بوجوبه.. إيماناً بما أعد الله للمؤمنين، واحتساباً للأجر، فهو لا يزال يراجع نفسه ويذكرها بأجر الصوم، في نهاره يقول لنفسه: إلا الصوم، فإنه لله وهو يجزيني به.. إلا الصوم فإن جزاؤه بلا حساب، يرجو ثواب الله، ويأمل في موعود الله، ويتعلق أمله بهذه الحسنات العظيمة يوم يقال للصائمين: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:24] منعناكم عن الطعام والشراب والنكاح في نهار أشهر رمضان.. في أعماركم، خذوا الآن الأجر: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:24].

    الاحتساب مهمٌ جداً في حصول الأجر، والذي لا يحتسب لا يرجو رحمة ربه.. لا يأمل في الثواب.. لا تتعلق نفسه بالحسنات، فيفوته أجرٌ عظيم، تذكر الحديث إيماناً واحتساباً في كل أيام الشهر، تذكر الحديث ( إيماناً واحتساباً ) ولله عز وجل، عند كل فطرٍ تفطره في أيام هذا الشهر له فيه عتقاء من النار.. فيا فرحة الذي كتب في العتقاء في ليالي هذا الشهر، نسأل الله أن يكتبنا فيهم، ونسأل الله أن يجعلنا منهم، ونسأل الله ألا يحرمنا الأجر في هذا الشهر.

    عباد الله: إذا كانت المسألة عظيمة إلى هذه الدرجة، وإذا كانت القضية خطيرة ولها شأنٌ عظيم، الأمة كلها مطالبة بأن تصوم (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) وجعل القمر دليلاً عينياً على بلوغ الشهر أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً، فعند ذلك تتجه الأمة وتتوحد، وقد آلمنا وآلم المسلمين تفرقهم شيعاً وأحزاباً، دولاً وبلداناً، تفرقوا والإسلام فيه ما يجمع ( صوموا لرؤيته ).

    ولذلك قال جمهور العلماء: إذا رأى رجل ثقة من المسلمين الهلال صام المسلمون كلهم في أرجاء الأرض: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) لا حسابات ولا فلكيات، ولكنه دليلٌ عينيٌ، المسلم الثقة الذي يوثق ببصره وخبره إذا رأى الهلال صامت الأمة كلها.

    عتاب لكل من ضيع رمضان

    عباد الله: إذا كانت القضية بهذه الخطورة فهل يجوز لنا أن نذهب الحسنات بالانشغال بالترهات والسيئات والأفلام والمسلسلات والمباريات والجلسات الفارغات، أو التسكع في الطرقات، أو اللهو بالسيارات، أو الازدحام في الأرصفة والطرقات؟

    هل يجوز لنا إذا كان هذا هو الأجر، وهذا هو المغنم أن ننام ونضيع الصلوات أو نفوت الجماعات؟

    هل يجوز لنا بأي حالٍ من الأحوال أن نسافر إلى بلاد الكفار للتمتع بالإجازات في موسم الخيرات؟

    هل يجوز لنا أن نفعل المنكرات حتى في المساجد؟

    هل يجوز أن يحول الشهر إلى شهر لهوٍ ولعب وصفقٍ بالأسواق، وتطوافٍ على المحلات وتتبعٍ للبضائع، والله يدعونا إلى مائدته، ونحن نعرض عنها؟

    كلا والله، فاترك هذه الملهيات التي خطط لها أعداء الإسلام جيداً وحبكوا طرائقها حبكاً محكماً من أجل أن يلهوك أنت يا أيها المسلم لأنك أنت المستهدف وأنت غنيمتهم ومرادهم وبغيتهم، لا يجوز لك أن تجعل الحيلة تنطل.. وأن تقع في الفخ.. اترك اللهو.. اترك هذه الملهيات.. اترك الانشغال بالقنوات وما أدراك ما القنوات، وأقبل على الله تعالى.. عَِّد الطاعات.. خذ آداب الصيام من الحرص على السحور وتأخيره، وتعجيل الفطر، وعدم الإكثار من الطعام، ولا تشغلوا نساءكم في البيوت بالطبخ حتى لا يعود لهن وقتٌ يعبدن الله فيه.. جودوا بالعلم، جودوا بالمال، جودوا بالجاه في هذا الشهر، الأجر مضاعف، جودوا بالبدن، جودوا بالخلق الحسن، ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان -كل ليلة اجتماع ثنائي بين النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل، ما هو موضوع الاجتماع؟ ما هو جدول الاجتماع؟- فيدارسه القرآن ) هذا شهر القرآن: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة:185]، ( فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة ) فإن قلت يا عبد الله: إنني عازمٌ على الختمة، والله أيها الإخوة! إن الذي بدأ رمضان يريد الوصول إلى الله سيصل وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69] وعدٌ قاطع من الله، لما غربت شمس الأمس ففتح ذلك الرجل مصحفه وأقبل على القراءة، عازم على البداية الصحيحة، أن يختم -والصحابة كانوا يختمون القرآن في كل أسبوعٍ مرة- سيختم، والذي لهى وأجل وسوف فلن يتقدم.

    1.   

    نقاط على الطريق لمن أراد الخير

    أولاً: أن يقرأ القرآن لله، لا من أجل الناس؛ لأن الله يقول لأحد الناس يوم القيامة: (ألم أعلمك ما أنزلته على رسولي؟ قال: بلى يا رب! قال: فماذا فعلت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به أناء الليل، وأناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلانٌ قارئ فقد قيل، ثم يسحب إلى النار).

    ثانياً: أن يتلوه على طهارة، ويستقبل القبلة، ويستخدم السواك (إن أفواهكم طرق القرآن فطيبوها بالسواك) وأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأفضل صيغها: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه).. الترتيل وتحسين الصوت.. التأني والترسل في القراءة.. الصبر على مشقة التلاوة لمن لا يحسن تهجي الحروف.. أو به علةٌ في نطقه.. البكاء والتباكي: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً [الإسراء:109] وبكى النبي صلى الله عليه وسلم عند قوله: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً [النساء:41-42].

    ودخل عمر دير راهب فناداه فأشرف الراهب، فجعل عمر ينظر إليه ويبكي، فسألوه: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ قال: [ذكرت قول الله عز وجل: عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً [الغاشية:3-4]] مع عملها ونصبها تصلى ناراً حامية؛ لأنها تعمل وتنصب في الباطل والبدعة والشرك.

    وكتب عمر إلى رجلٍ سمع أنه يشرب الخمر: [ من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان: سلام عليك، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [غافر:3] ] ولما بلغت الرجل الرسالة جعل يقرأها ويردد، ويقول: غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ [غافر:3] قد حذرني عقوبته، ووعدني أن يغفر لي، فلم يزل يرددها على نفسه ثم بكى، وبعد ذلك نزع ما كان فيه من شرب الخمر.

    يا أيها الناس .. يا عباد الله! لقد تفشى شرب الخمور في المجتمع تفشياً عظيماً، والأغنياء يشربون النوع الأصلي، والذين هم أقل يأخذون الزجاجة أو القارورة الكبيرة بخمسين والصغيرة بخمسٍ وعشرين، والذي يشرب الخمر يسقيه الله من ردغة الخبال يوم القيامة، وهي عصارة أهل النار، قرف وعرق وصديد وقيح أهل النار، هذا هو شرابه يوم القيامة، والذين أساءوا وأسرفوا على أنفسهم ينتهزون رمضان ليجعلوه فرصةً للتوبة، نريد أن يكون هذا الشهر -أيها المسلمون- شهر انقلاب في حياتنا، نريد أن نتغير فعلاً، نريد أن نحول مسارنا من مسار المعصية إلى مسار الطاعة، وعددٌ من الناس الذين يرتكبون المعاصي عندهم صراع نفسي، فإذا جاء رمضان غلبت نزعة الخير في أنفسهم نزعة الشر وأقبلوا على الله، وجاءوا إلى المساجد زرافاتٍ ووحداناً، يتقاطرون إلى بيوت الله تعالى، يشهدون الإفطار، يأكلون بعد صيام، ألا ليتذكروا أنه الذي قال: (يدع طعامه وشرابه وزوجته من أجلي) الذي قالها في الحديث القدسي (يدع شهوته)، وفي رواية: (يدع زوجته) يدع طعامه وشرابه من أجلي إذا كانت حلال وتركها لله وهي حلال؛ لأن الله أمره بتركها في نهار رمضان فحريٌ به أن يترك الآن الحرام الذي هو حرام في الأصل.. زنا.. خمر.. مخدرات.. علاقة بالنساء.. ربا.. أموال حرام.. ظلم، اترك وأقبل على الله، هذا موسم التغيير، فإذا لم تتغير الآن فمتى تتغير؟ وإذا لم تقبل الآن فمتى تقبل؟

    بكى الصحابة من قوله تعالى: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق:19]، وقرأت عائشة : فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ [الطور:27] فلا زالت تبكي وتبكي مدةً طويلة، وبكى الصحابة من قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة:284] وبكوا من قوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [الحديد:16] استبطأ الله إقبال قلوب المؤمنين، فقال لهم: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا [الحديد:16] ما جاء الأوان بعد، فإذا ما جاء الأوان في رمضان فلن يأتي في الغالب، هذه هي الفرصة، هذه رقة ما بعدها رقة، وفرصة ما بعدها فرصة، فغير يا عبد الله! وتخلص من اللهو، وتخلص من أدوات المنكر الآن قبل أن يفوت الأوان.

    ثالثاً: من آداب التلاوة أن يكون بصوتٍ ليس بجهرٍ ولا مخافتة، وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً [الإسراء:110]، أن يكون بين الجهر والإسرار، والإخفاء أفضل حيث خاف الرياء، أو خاف أن يتأذى من بجانبه من صوته، والجهر أفضل لطرد الشيطان والنوم.. رتب السور، وحافظ على ترتيب المصحف ما أمكنك، فإنها السنة، وكف عن القراءة عند النعاس أو التثاؤب أو خروج الريح، وإذا مررت بسجدةٍ فاسجد، ولا تقطع القراءة لكلام الناس إلا عند الحاجة، وقف عند رأس الآية، والوقوف عند رءوس الآيات سنة وإن تعلقت في المعنى بما بعدها، واستحضر عظمة الله تعالى المتكلم بهذا القرآن، وقراءة التفسير تساعدك على التدبر، واستشعر بأنك المخاطب بهذا الكتاب، نسأل الله أن يجعلنا من أهل القرآن.

    1.   

    حال السلف في رمضان

    عباد الله: الجمع بين القيام والصيام وإطعام الطعام من أسباب دخول الجنان، ولذلك فإن هذا الشهر تجتمع فيه هذه الأمور، صيامٌ وقيامٌ وإطعام، ومن فطَّر صائماً فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء، كان كثير من السلف يؤثرون بإفطارهم وهم صيام، منهم: عبد الله بن عمر وداود الطائي ، ومالك بن دينار ، وأحمد بن حنبل رحمهم الله، وكان من السلف من يطعم إخوانه الطعام ويجلس يخدمهم.

    وكان رجالاً من بني عدي يصلون في هذا المسجد، كما قال أبو السوار العدوي : ما أفطر أحدٌ منهم على طعامٍ قط وحده، إن وجد من يأكل معه أكل وإلا أخرج طعامه إلى المسجد فأكل مع الناس وأكل الناس معه.

    إطعام الطعام، والإتيان به إلى المساجد التي فيها الفقراء والغرباء لإطعامهم، والمسألة تحتاج إلى تنظيم وترتيب حتى لا تتكدس الأطعمة في مكانٍ وتنقص في مكان، فاعملوا لذلك الجهد .

    يا عباد الله! هذا الشهر فرصة لصلة الأرحام التي انقطعت، ولتطييب النفوس والخواطر والاسترضاء، وإزالة الشحناء وقلب العداوة والبغضاء إلى مودةٍ وإخاء، وصلة الأرحام تهلهلت عند كثير من الناس، وتقطعت بهم الأسباب، والمادة غلبت عليهم، ولذلك وجدت حالات كثيرة من المآسي، ولا بأس بالتهنئة بدخول الشهر.. زوروا أرحامكم وأقرباءكم في هذا الشهر.. بروا آباءكم وأمهاتكم في هذا الشهر العظيم.

    أحد الناس عنده خيرٌ ونعمة، لكن لما رأى أباه قد بلغ من الكبر عتياً، وصار عالةً وكلاًّ وتعباً عليه ولم يطق أن يتحمل أباه في بيته.

    ويقوم بخدمته، ذهب به إلى مستشفى العجزة والمعاقين، وتركه هناك وذهب، وبعد فترة من الزمن قفز الابن في بيته في بركة السباحة الموجودة في البيت، فوقع على رقبته فأصيب بشللٍ رباعيٍ كامل، لا يستطع حتى النطق، وفي النهاية لما رأوا أنه لا يفيد علاجه نقلوه إلى هذا المستشفى -مستشفى العجزة والمعاقين- وَوُضِعَ في سريرٍ بجانب سرير أبيه، وكان والده يقوم على خدمته، وهو ينظر إلى والده ويبكي، حتى الكلام لا يستطيع أن يتكلم، فقط ينظر إلى هذا الوالد الذي جنى عليه وعيناه تمتلئان بالدموع.

    أيها المسلمون: نريد أن نجعل من هذا الشهر صلةً للرحم، كما أنه طاعة لله وإقبال على الله، كذلك هو شهر برٍ وخيرٍ وصلة.

    اللهم إنا نسألك في هذا اليوم يوم الجمعة، وفي هذا الشهر شهر رمضان أن تعتق رقابنا من النار، اللهم أعتق رقابنا من النار، واغفر لنا يا غفار! اللهم قدمنا عليك في شهرك هذا بذنوبٍ كثيرة، وسيئات عظيمة، وأنت غنيٌ عن عذابنا ونحن محتاجون إلى رحمتك فلا تعذبنا، اللهم ارحمنا أجمعين، واغفر لنا ذنوبنا يا رب العالمين!

    اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عتقائك في هذا الشهر الكريم، اللهم من كان منا مقصراً فرده إليك رداً جميلاً، اللهم من كان منا مشتغلاً بمعصية فارزقه التوبة منها يا رب العالمين! اللهم اجعلنا أخياراً أبراراً يا أكرم الأكرمين!

    اللهم انصر الإسلام وأهله.. اللهم انصر الإسلام وأهله في الأرض يا رب العالمين! اللهم اخز اليهود والنصارى والمشركين، اللهم اجعلها عليهم دماراً، اللهم أهلكهم وانصر المسلمين عليهم، اللهم اكشف أستار المنافقين، اللهم اهتك أستار المنافقين، اللهم واجعل عبادك الأخيار في خيرٍ ونصرٍ وعافية يا رب العالمين!

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.