إسلام ويب

جوانب التكامل في شخصيات السلفللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله نظر إلى قلوب الأمة، فوجد الصحابة أطهرها قلوباً فاختارهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، فضرب الصحابة أروع الأمثلة في تبجيل النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره، فلذلك كملت شخصياتهم، وكلٌّ شجعه النبي صلى الله عليه وسلم حسب ميله وحبه، ونمى موهبته؛ فصار مجتمعاً متكاملاً في جميع جوانب الدين والحياة.

    1.   

    لا يصلح هذه الأمة إلا بما صلح به أولها

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فأرحب بكم -أيها الإخوة- في هذه الليلة في هذا اللقاء الذي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون لقاء خير وبر، وأن يجعلنا وإياكم فيه من المتعظين، وأن يرزقنا الاقتداء بسيرة السلف الصالحين رضوان الله عليهم أجمعين.

    أيها الإخوة: إن هذا الدين يحمله من كل خلف عدوله، يحمل هذا الدين رجالٌ صدقوا بالله وآمنوا، وصدقوا المرسلين، هذا الدين لا يمكن أن يتحرك في الواقع ولا يمكن أن يؤثر إلا إذا كان هناك أناس آمنوا به فجعلوه عقيدة تحركهم، وجعلوه حياتهم وهمهم، فصار يحركهم للعمل لأجل رفعة شأنه ونصرة أمره هذا الدين العظيم دين الإسلام، وخيرية هذه الأمة على بقية الأمم من أسبابها ما وجد في هذه الأمة من الرجال الذين حملوا لواء الإسلام، ما وجد فيها من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً [الأحزاب:23]، يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [النور:36-37] هؤلاء الرجال هم الذين يحملون هذا الدين، وقد شاء الله سبحانه وتعالى أن يوجد في هذه الأمة من هذه النوعية من حملة الدين عدداً كثيراً والحمد لله على فضله وإحسانه.

    أيها الإخوة: إنا حين ننشد التغيير الذي نحلم به من منطلق إسلامي من قول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11] عندما ننشد هذا التغيير في الواقع المر الذي نعيش فيه، إننا لنعلم علماً يقينياً أن هذا التغيير لن يحدث إلا إذا وجد هناك النفر المخلصون من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، هم الذين يخلصون الأمة وينقذونها من الشتات وعالم الضياع، إن هذه الفئة -جيل الإنقاذ- التي تريد أن تصل بسفينة المجتمع وسفينة الأمة إلى بر الأمان هم من نوعية مخصوصة اختارها الله سبحانه وتعالى، جعل فيهم من الصفات والميزات ما يستطيعون به حمل هذا الدين، والصبر على تبليغه، وعلى أذى المخالفين في سبيل الله سبحانه وتعالى، ونحن لا نريد أن نكون بمنأى عن هؤلاء الأشخاص، ولا نريد أن نقف متفرجين، وأن نرقب النصر المنشود من أناس آخرين، نحن نريد أن نكون من هذا الركب، ومن هذه الطائفة، ولكن المسألة تخليص الأمة من الهاوية التي انحدرت إليها أمرٌ في غاية الصعوبة، ويحتاج إلى تربية عميقة تصقل مواهب الرجال، وتنشئ فيهم حب الله ورسوله، وتجعل منهم قادة يقودون الأمة نحو الصلاح المنشود، وإننا في هذا الطريق نتلفت إلى الوراء لنرى من سلفنا عَبر تاريخنا فننشد من تلكم الشخصيات هذه الصفات التي ينبغي أن يكون فينا بعضها، ودرجات منها على الأقل، ولا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

    من أجل هذا سنتحدث في هذه الليلة عن موضوع بعنوان: جوانب التكامل في شخصيات السلف.

    الشخصيات التي خرجت في صدر الإسلام، والتي كُتبت سيرتهم في تاريخ هذه الأمة، هذه الشخصيات قد تميزت بميزات، من أجل ذلك كانت الأمة منصورة، وكان علم الدين قائماً، وكانت راية الجهاد مرفوعة، وكان المسلم يسير عزيزاً من شرق بلاد المسلمين إلى غربها رافعاً رأسه، كان الكفر في ذلة، وكان أهل الذمة في صغار، وكان أعداء الدين يَرهبون المجتمع الإسلامي، كان المجتمع فيه من الخصائص ما ضاع كثير منه في هذه الأيام، طبقت الشريعة، وأقيمت الحدود، وعقدت حلق العلم، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وجردت السيوف للجهاد، وعقدت الألوية، وحورب أهل البدعة، كان مجتمعاً فيه من الأخلاق الإسلامية والآداب الشرعية ما يفوق الوصف.

    لقد جاء على المسلمين يوم يقدمون فيه المال للزكاة والصدقة فلا يوجد من يقبل منه؛ لأن أمير المؤمنين عمر قد أغنى الناس.

    ونحن في هذه المحاضرة سنستعرض بعض الجوانب من تلكم الشخصيات التي ظهرت في هذه الأمة، وإن هذه الشخصيات كثيرة وكثيرة جداً لمن استعرض كتب التراجم والسير والتاريخ الإسلامي، ولعلنا سنذكر بعضاً منها من جيل الصحابة وتابعيهم، إذ أن الوقت لن يُسعف في أن نستقصي حتى جيل الصحابة والتابعين، ولن تخلو الأمة من خير أبداً، ولا تزال الشخصيات التي تحمل لواء هذا الدين تظهر بين آونة وأخرى، ولا يزال المجددون الذين تكفل الله بإظهارهم يظهرون بين حين وآخر، والحمد لله على نعمه وآلائه.

    1.   

    أبو بكر الصديق يبذل ماله ونفسه في سبيل الله

    أليس منا أبو بكر الصديق الذي كان من أمن الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه وماله؟

    أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرجال وأولهم إسلاماً (ما نفعني مالٌ قط ما نفعني مال أبي بكر) وهو يقول: (وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله، وهل نفعني الله إلا بك يا رسول الله) أتى بماله كله وقال: (أبقيت لهم -لأهلي- الله ورسوله).

    دافع عنه لما أرادوا ضربه، ونفض له الضرع وظلل عليه في طريق الهجرة، وجمع من خصال الخير ما لو وزن إيمانه بإيمان الأمة لرجح إيمان أبي بكر رضي الله عنه، إن جئت إلى الرأفة فهو أرأف الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم: ( أرأف أمتي بأمتي أبو بكر ) وإن جئت إلى القيادة فهو حازم خليفة جمع الله عليه المسلمين، وإن جئت إلى الأعمال الصالحة: (من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر : أنا، من عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر : أنا، من تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر : أنا، من أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر : أنا).

    كان حازماً في حرب المرتدين، فأرانا بسيرته البصيرة التي تكشف ظلمة الشبهات حزم العادلين، وكيف يكون موقف الرجل المسلم في موقف الأزمة لما ارتد المرتدون، وإن جئت إلى كونه أباً للزوجة كان موقفه من زوجة النبي صلى الله عليه وسلم -ابنته- موقفاً يدل على عقل وحكمة حتى في الجوانب الاجتماعية.

    1.   

    عمر بن الخطاب رضي الله عنه المحدث الملهم

    أليس منا عمر رضي الله عنه الشهيد العبقري، صاحب القصر في الجنة، المحدث الملهم؟ جعل الله الحق على لسانه وقلبه، ينطق على لسانه ملك، وافق ربه في عدة مواضع، أنزل الله فيها قرآناً يتلى إلى يوم الساعة، ما لقيه الشيطان سالكاً فجاً إلى وسلك فجاً غير فجه، شياطين الجن والإنس قد فروا من عمر، ما زال المسلمون أعزة منذ أسلم عمر، وهو الباب بين هذه الأمة وبين الفتن؛ فلما كسر الباب جاءت الفتن، كان وقافاً عند كتاب الله، إن جئت على الشدة في أمر الله فـعمر رأس المقدم وأشدها في أمر الله، عمر أشد الناس على أهل البدعة، ما تجرأ أحد من المبتدعة أن يخرج لسانه وأن يرفع رأسه في عهد عمر ، إن جئت إلى محاسبة الولاة فـعمر المقدم الظاهر، وإلى استشعار المسئولية: [لو أن دابة عثرت بأرض العراق لخشيت أن أسأل عنها يوم القيامة، لِمَ لَمْ تذلل لها الطريق يا عمر].

    إن جئت على تفقد الرعية فهو يسير بين البيوت يتفقد أهلها، ويحرس المسلمين بالليل، ويخرج إلى الأرض البعيدة؛ ليرقب خيمة فيها امرأة وحولها أولاد صغار يبكون، ليتأثر عمر فيحمل لهم الطحين على ظهره.

    شديد في أمر الله، وفي المعارك على الكفار لا يملك نفسه أن يرد على عدو الله في ذلك الوقت رداً تشعر فيه بعزة المسلم.

    1.   

    عثمان بن عفان رضي الله عنه أصدق الأمة حياءً

    أليس منا عثمان رضي الله عنه الشهيد الذي بشر بالجنة على بلوى تصيبه؟ أصدق الأمة حياءً تستحيي منه الملائكة، جهز جيش العسرة (ومن جهزه فله الجنة) اتفقت الأمة على البيعة له، مات ودمه على المصحف، إن جئت إلى خلق الحياء فأعظم وأصدق الأمة حياءً عثمان ، وإلى الإنفاق في سبيل الله فقد جهز جيشاً كاملاً من ماله، وإلى قراءة كتاب الله فقد كان له مصحف يقرأ فيه حتى كانت نهايته وهو يقرأ في المصحف، وقيام الليل، هو الذي فدى الأمة بدمه كان بإمكانه أن يقول للصحابة وأبناء الصحابة: دافعوا عن خليفتكم لكنه نهى الناس عن الدفاع عنه لما جاء هؤلاء الثوار الذين حرضهم عبد الله بن سبأ اليهودي وغيره، وصارت الفتنة، وفدى عثمان الأمة بدمه رضي الله عنه.

    1.   

    علي بن أبي طالب رضي الله عنه أقضى الأمة بعد نبيها

    أليس منا علي ؟ أول من أسلم من الصبيان، رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، أعطاه الراية يوم خيبر ففتح الله عليه، هو من رسول الله بمنزلة هارون من موسى (لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق)، (أنت مني وأنا منك) كما قال له المصطفى صلى الله عليه وسلم: (من سب علياً فقد سبني، من آذى علياً فقد آذاني، من كنت مولاه فـعلي مولاه) رابع الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، إن جئت إلى القضاء فأقضى الأمة بعد نبيها علي بن أبي طالب ، وإن جئت إلى قتال أهل البدعة والخوارج والقضاء على الفتن فـعلي بن أبي طالب الرأس المقدم في ذلك، إن جئت إلى لحكمة والعلم تجده قاضياً مفتياً رضي الله تعالى عنه.

    1.   

    طلحة بن عبيد الله الذي فدى الرسول بيده

    أليس منا طلحة بن عبيد الله ؟ أحد العشرة المبشرين، وقى بيده رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شلت، طلحة ممن قضى نحبه، أوجب طلحة، أي: عمل عملاً يوجب له الجنة.

    1.   

    الزبير بن العوام الذي تولى الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم

    أليس منا الزبير بن العوام ؟ حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن الذين استجابوا لله وللرسول من بعد ما أصابهم القرح، جمع له رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أبويه فقال: ( فداك أبي وأمي ) تولى الدفاع عن الرسول عليه الصلاة والسلام، وعن القائد، ضَرب هذا الرجل والذي قبله وغيره من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في ذلك.

    1.   

    سعد بن أبي وقاص صاحب الدعوة المستجابة

    واعتزل الفتنة سعد بن أبي وقاص وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله (ارم سعد فداك أبي وأمي) صاحب الدعوة المستجابة، نزلت آيات من كتاب الله: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ [العنكبوت:8] فاخر به صلى الله عليه وسلم فقال: (هذا خالي فليرني امرؤٌ خاله) حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفتح الله على يديه بلاد فارس .

    فإن جئت إلى القيادة وإلى الحكم وتخطيط المدن وبعد النظر في مصلحة المسلمين فـسعد بن أبي وقاص .

    1.   

    أبو عبيدة أمين الأمة

    أليس منا أبو عبيدة أمين هذه الأمة؟ نعم الرجل أبو عبيدة تولى فأحسن الولاية، وقاد الجيش فأحسن القيادة رضي الله تعالى عنه.

    1.   

    حمزة رضي الله عنه أسد الله ورسوله

    حمزة سيد الشهداء، أسد الله ورسوله، نافح عن الإسلام، وقد عليه الصلاة والسلام مع أفواج من المسلمين الذين استشهدوا في أحد يصلي عليهم في كل مرة، (ما كان الله ليدخل شيئاً من حمزة النار) أعز الله به الدين كما أعزه بـعمر بن الخطاب ، فأعز الله بـحمزة وبـعمر ما لم يعز بغيرهما من كفار قريش الذين أسلموا.

    1.   

    بلال الحبشي مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم

    وهذا بلال سابِق الحبشة إلى الإسلام، الذي سَمع رسول الله صلى الله عليه وسلم دف نعليه في الجنة، وصابر مع النبي صلى الله عليه وسلم في حصار الشعب ما ارتد عن دينه، ضرب لنا المثل في الصبر في وقت الشدة، وكان مؤذناً محتسباً لله يؤذن بلا أجرة، كان يؤذن فيأتي الناس إلى المسجد لأذانه، ضرب لنا مثلاً في المؤذن المحتسب، هانت عليه نفسه في سبيل الله، ألبسوه الدروع، وصهروه في الشمس، وأعطوه الولدان يطوفون به وهو يقول تحت الصخرة: أحد أحد، فإن أردت مثالاً في الثبات على دين الله تحت التعذيب فخذ بلالاً رضي الله عنه، فعن أسلم مولى عمر قال: قدمنا الشام مع عمر فأذن بلال والناس مجتمعون في الشام في ذلك الوقت عند فتحها، جاء عمر رضي الله عنه يشهد الفتح، وأذن بلال فتذكر الناس النبي صلى الله عليه وسلم وأيامه، فما رئي يوم أكثر باكياً منه في ذلك اليوم.

    1.   

    عمار بن ياسر الصابر في الفتنة

    أليس منا عمار بن ياسر ؟ من آل ياسر موعدهم الجنة، ملئ عمار إيماناً إلى مشاشه، أجاره الله من الشيطان، وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما وأرشدهما، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار (أبشر عمار) فضَرب مع بلال وخباب وغيرهم المثل في الثبات مع وقوع الفتنة.

    1.   

    ابن مسعود صاحب النعلين والوساد

    أليس منا عبد الله بن مسعود ؟ ساقاه أثقل في الميزان من جبل أحد ، مِن أقرب الناس عند الله وسيلة يوم القيامة: (من سره أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد) أقرب الناس سمتاً وهدياً ودلاً بالنبي صلى الله عليه وسلم، صاحب النعلين والوساد، وكان كاتماً لسره عليه الصلاة والسلام، والمطهرة فكان يصحبها لطهور النبي صلى الله عليه وسلم، أخذ من فم النبي صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، قال فيه: (إنك غلام مُعلَّم كنيِّف ملئ فقهاً) فضرب لنا مثلاً في المقرئ الذي يقرئ الناس ويعلمهم، رجل بأمة يأتي إلى الكوفة فيدرس هناك فيخرج أجيالاً من التابعين من الفقهاء العلماء المفتين عبد الله بن مسعود ، وقل عن عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم من نفس هذا المثال، علماء يخرجون علماء، ما دفنوا علمهم، ولا قبعوا في بيوتهم، وإنما برزوا للناس فتصدروا فأفتوا وعلموا وصاروا كالسحابة تمطر الخير حيثما جاءت، وكالآبار يُستقى منها، وكالعيون العذبة رضي الله تعالى عنهم.

    1.   

    مصعب بن عمير داعية الإسلام

    مصعب بن عمير ألم يضرب لنا مثلاً بشخصيته في صبره على الأذى، وترك النعيم، وحياة الترفه، والشباب اللاهي واللذات؟ كل ذلك في سبيل الله، يضرب لنا مثلاً في الدعوة بالقرآن قبل السنان، أسلم على يديه كثير من أهل المدينة فوطأ المكان لقدوم النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك مات بين يديه حاملاً اللواء في غزوة أحد ، فوقع أجره على الله، مضى ولم يأكل من أجره شيئاً، ترك اللذات في حياة الشباب، وهاجر وترك الوطن، وكان داعية ناجحاً وغازياً مجاهداً، ما أدرك وقت الفتوح ولا الغنائم ولا كثرة الأموال، حتى ما وجدوا شيئاً يغطون به جسده عند موته من الكفن، فغطوا رأسه بالثوب ورجليه بشيء من الإذخر، فمضى إلى ربه محتسباً ما نقص من أجره شيء.

    1.   

    البراء بن مالك البطل الكرار

    أليس منا البراء بن مالك البطل الكرار الذي ضرب لنا مثلاً بشخصيته في حرب مسيلمة لما أمرهم أن يحتملوه على ترس على أسنة رماحهم ويلقوه في حديقة مسيلمة فاقتحم عليهم وشد وقاتل حتى افتتح باب الحديقة، رجل بأمة، مقدام وجريء.

    هذه شخصياتهم رضي الله عنهم تتكامل في جميع الجوانب، وتكون ذلك المجتمع الذي لن يمر على الأمة مثله أبدا، فجرح بضعاً وثمانين جرحاً، وقتل في حروبه مائة من الشجعان مبارزة، كان من الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: (كم من ضعيف متضعَّف ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره) فكان المسلمون في الفتوحات يقدمونه فيقولون: ادع يا براء .

    1.   

    جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه صاحب الجناحين

    وهذا جعفر بن أبي طالب أبو المساكين، هاجر الهجرتين ودعا النجاشي إلى الله، ضرب لنا مثلاً في عدم كتم الحق والمواجهة بالحق، أشبه خَلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وخُلقه، وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشهد في غزوة مؤتة ، له جناحان يطير بهما في الجنة.

    1.   

    أبو دجانة آخذ سيف رسول الله بحقه

    و أبو دجانة سماك بن خرشة الذي أخذ سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم بحقه، خرج يتبختر عليه عمامة حمراء في مشية يبغضها الله إلا في ذلك الموطن، ففلق بسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم هام المشركين، إنهم أناس يقدرون المسئولية، من يأخذ السيف بحقه؟ أخذه سماك بن خرشة رضي الله عنه بحقه، ففعل به الأفاعيل، رمى بنفسه يوم مسيلمة إلى داخل الحديقة؛ فانكسرت رجله فقاتل حتى قتل رضي الله عنه.

    1.   

    خبيب بن عدي رضي الله عنه يقتل صبراً

    و خبيب بن عدي الذي سن لنا الركعتين عند القتل وقال: [والله لولا أن تظنوا أنما طولت جزعاً من القتل؛ لاستكثرت من الصلاة] كان يأكل وهو محبوس قطفاً من عنب ولم يكن في مكة عنب أبداً، كرامة من الله عز وجل لهذا الرجل، فيعلمنا الصبر ومعنى محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يرضى أن يشاك رسول الله صلى الله عليه وسلم بشوكة وأن يكون هو حراً طليقا، فهل جزع لما ربطوه ولما أطلقوا عليه رماحهم وسهامهم؟ كلا، بل دعا الله أن يبارك على أوصال شلوٍ ممزع، وصبر في ذات الله سبحانه وتعالى.

    حتى شيبان المسلمين وكبار السن ضربوا لنا مثالاً فكانت شخصياتهم مثالاً يحتذى.

    1.   

    عمرو بن الجموح يطأ بعرجته الجنة

    عمرو بن الجموح الذي قاتل في أحد وهو أعرج ليطأ بعرجته في الجنة وهو ابن ثمانين سنة، فقتل فيها شهيداً رحمه الله تعالى.

    1.   

    عبد الله بن حرام يكلم ربه كفاحاً

    أليس كذلك من هذه النوعية من كبار السن الذين أبلوا في الإسلام بلاء على تقدم أسنانهم وعلى شيخوختهم عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر أحد النقباء ليلة العقبة الذي استشهد في أحد ؟

    قال عليه الصلاة والسلام لولده جابر : (تبكيه أو لا تبكيه ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها حتى رفعتموه) كفن هو وصاحبه أخوه في الله: عمرو بن الجموح ، الشيخ الكبير الآخر، قتلا سوياً في معركة أحد ، ما توقف العطاء رغم كبر السن، يضربون لنا المثل بكبر سنهم وأفعالهم في سبيل الله، يقول عليه الصلاة والسلام لـجابر : (ألا أخبرك أن الله كلم أباك كفاحاً -مباشرة بعد موته- فقال: يا عبد! سلني أعطك؟ قال: أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، فقال: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، قال: يا رب! فأبلغ من ورائي) فأنزل الله عز وجل رسالة تبليغ من عبد الله بن عمرو بن حرام إلى المسلمين من إخوانه الأحياء: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169].

    1.   

    سعد بن معاذ يهتز عرش الرحمن لموته

    أليس منا سعد بن معاذ الذي ترك السيادة لله عز وجل، وكان سيد قومه فتنازل للرسول صلى الله عليه وسلم، أسلم على يد مصعب فقام في قومه وهو سيدهم يضرب لنا مثلاً في الداعية كيف يحمل قومه على الإسلام، قال: [إن كلامكم عليَّ حرام رجالكم ونساؤكم، حتى تؤمنوا بالله ورسوله] قال: فوالله ما بقي في دار بني الأشهل رجل ولا امرأة إلا أسلموا، وهو الذي تحدى أبا جهل بـمكة ليظهر لنا عزة المسلم في الطواف، فقال: [والله لو منعتني لقطعت عليك متجرك بـالشام] جرح يوم الخندق فقال: [اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني في بني قريظة] مع أنهم كانوا حلفاءه في الجاهلية، لكنه نسي الأحلاف والعلاقات كلها التي تقطعت بسبب الإسلام، فحكم فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات، ثم دعا الله أن يقبضه لكي لا يفوته وجه الشهادة، فمات فنزلت الملائكة تحمل جنازته، اهتز العرش فرحاً لموت سعد، فتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألف ملك، إنه يضرب لنا مثلاً.

    هذه الشخصيات أيها الإخوة! نرى منها العجب والعجاب نتيجة التربية النبوية، ماذا ظهر من الشخصيات؟ وما هي جوانب التكامل التي بناها أولئك الأشخاص في ذلك المجتمع؟

    1.   

    ثابت بن قيس خطيب الأنصار

    ثابت بن قيس خطيب الأنصار، لقد كان للمسلمين دور في الخطابة، كانت منبراً إعلامياً، قال عند مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم: [نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا] إعطاء العهد والوثاق، ولما جاء وفد تميم فافتخر خطيبهم، قال له ثابت بن قيس بخطبة فأسكتته، ولما نزل قول الله: لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [الحجرات:2] يضرب لنا هذا الصحابي مثلاً في حساسية المؤمن وتأثره وتفاعله مع الآيات، وكان امرأً من طبعه أنه صيت جهوري الصوت بطبعه، إذا تكلم كان صوته عالياً فقال: [ويلي هلكت فقعد في بيته] لما نزلت الآية أخشى أن أكون قد هلكت، هذا الذي تحنط يوم اليمامة ولبس ثوبين أبيضين فلما انهزم المسلمون في بداية الأمر قال: [اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - مسيلمة وأصحابه- وأعتذر مما صنع هؤلاء، بئس ما عودتم أقرانكم، خلوا بيننا وبينهم ساعة] فتحمل فقاتل حتى قتل، ولم تنفذ لرجل وصية بعد موته إلا هو فقد حكم بذلك الصديق.

    1.   

    معاذ بن عمرو بن الجموح رضي الله عنه وغيرته على رسول الله صلى الله عليه وسلم

    و معاذ بن عمرو بن الجموح الفتى الصغير، حتى الشباب الصغار كانت في جوانب شخصياتهم أمور تحمل على العجب، يميل على عمه في الإسلام عبد الرحمن بن عوف يقول: [يا عم! أتعرف أبا جهل؟ فقال له: لماذا؟ ماذا تصنع به؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم] هل سمعه يسب رسول الله؟ لا. لكن أخبرت وأريد أن أنتقم من رجل سب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالحمية لرسول الله في نفوس الفتيان الناشئة في ذلك المجتمع [والذي نفسي بيده لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا] فحمل على عدو الله فضربه فقتله، وأصيبت يده فصارت معلقة بجلده على جنبه فصار يقاتل ويسحبها خلفه، فلما آذته قال: [وضعت قدمي عليها ثم تمطأت عليها حتى طرحتها].

    1.   

    سعد بن الربيع وإيثاره للصحابة

    و سعد بن الربيع ، وما أدراك ما سعد بن الربيع ! وجانب الإيثار في شخصية سعد بن الربيع واضحة عندما قال لـعبد الرحمن بن عوف : [أشاطرك مالي، واختر أي زوجتيّ أحب إليك أطلقها كي تتزوجها]، وهو أحد النقباء في ليلة العقبة، قُتل في أحد شهيداً، ضرب لنا مثلاً في الثبات والوصية عند الممات بالثبات إلى آخر لحظة على المنهج والبيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال في آخر رمق: [أبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقل: إن سعداً يقول: جزاك الله عني خير ما جزى نبياً عن أمته، وأبلغ قومك السلام، وقل لهم: إن سعداً يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خُلص إلى نبيكم ومنكم عين تطرف] فالوصية بالثبات والاستمرار، فإن الرجل إذا مات وانتقل فإنه لا زال يوصي لمن بعده بالثبات على ما مات هو عليه.

    1.   

    ابن أم مكتوم خليفة النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة

    حتى المعوقون في المجتمع الأول كانت لهم أدوار، وقد فعل الإسلام فعله العجيب بنفوس أولئك القوم، فهذا ابن أم مكتوم الأعمى من السابقين المهاجرين، الضرير مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم، والخليفة على المدينة في غيابه عليه الصلاة والسلام يصلي ببقايا الناس، أنزلت فيه سورة عبس، كان حريصاً على طلب العلم وعلى الفائدة، يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [علمني مما علمك الله] وتظهر غيرته على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كانت امرأة تخدمه من اليهود، وكانت تسب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فينهاها فلا تنتهي، فغفلها يوماً فضربها بحربة في صدرها واتكأ عليها حتى ماتت، فأهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمها، هو الذي لما سمع قول الله: لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:95] قال: يا رب! أنزل عذري، فنـزل قول الله عز وجل: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ [النساء:95] وكان يغزو وهو ضرير ويقول: [ادفعوا اللواء إلي؛ فإني أعمى لا أستطيع أن أفر، وأقيموني بين الصفين].

    1.   

    خالد بن الوليد ومواهبه العسكرية

    ظهرت المواهب العسكرية والشجاعة الحربية في شخصيات أولئك النفر تكاملاً على تكامل، وزينة على زينة، فهذا خالد بن الوليد سيف الله وفارس الإسلام قائد المجاهدين أبو سليمان هاجر مسلماً سنة ثمان ثم سار غازياً فشهد مؤتة فاستشهد أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الراية قال: رأيتني يوم مؤتة اندق في يدي تسعة أسياف فصبرت في يدي صفيحة يمانية -سيف يماني- وقد احتبس أدراعه ولأمته في سبيل الله، وكان مغرماً بالجهاد، فجعل أدراعه ومتاعه وقفاً في سبيل الله، وحارب أهل الردة ومسيلمة وغزا العراق وانتصر، ثم اخترق البرية السماوية وقطع المفازة من حد العراق إلى أول الشام في خمس ليال في عسكره، وشهد حروب الشام ، ولم يبق في جسده قيد شبر إلا وعليه طابع الشهداء، وكان يقول: [ما من ليلة يهدى إلي فيها عروس أنا لها محب، أحب إلي من ليلة شديدة البرد، كثيرة الجليد، في سرية أصبح فيها العدو].

    1.   

    النجاشي وإكرامه للنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته

    حتى الملوك لما دخل فيهم الدين، فهذا النجاشي الملك المعدود في الصحابة من وجه وفي التابعين من وجه آخر، هو الذي بكى لما قرأ عليه جعفر بن أبي طالب صدر سورة مريم، فحمى المسلمين وأكرمهم، وآمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لمهاجرة الحبشة : [أنتم شيوم بأرضي -آمنون- من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم] آثر الحق ولم يخش ثورة البطارقة لما نخروا حوله فقال: وإن نخرتم والله.

    زوج النبيَّ صلى الله عليه وسلم من أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان التي كانت في أرض الحبشة ودفع الصداق إليها أربعمائة دينار إكراماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجهزها، لذلك لما مات قام صلى الله عليه وسلم وقال: (إن أخاً لكم قد مات بأرض الحبشة) فخرج بهم إلى الصحراء فصفهم صفوفاً ثم قام فصلى عليه.

    1.   

    جرير بن عبد الله ومبايعته للنبي صلى الله عليه وسلم

    وقريبٌ منه جرير بن عبد الله البجلي ، الذي جاء من اليمن أميراً لكنه ترك الإمارة بيعةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    سلمان الفارسي الباحث عن الحق

    و سلمان الفارسي الذي كان في شخصيته مضرب المثل في البحث عن الحق، الذي ظل يبحث عن الحق والتوحيد حتى أوذي وقيد وسجن، وعمل خادماً، واسْتُرِقَّ، وظل يتنقل حتى رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفه وآمن به، كان متواضعاً يخدم صاحبه في السفر، حتى قال صاحب له: إن أنا عجنت خبز، وإن خبزت طبخ. وهو الذي أشار بحفر الخندق (سلمان منا آل البيت).

    1.   

    أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

    إن أغنياء المسلمين قد ضربوا المثل منهم أبو طلحة الأنصاري وكان من أعيان أهل بدر ، وأحد النقباء ليلة العقبة الأولى: (صوت أبي طلحة في الجيش خير من مائة أو خير من فئة) لما كان يوم أحد جوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجفة، ورمى وكسر يومئذ قوسين أو ثلاثة وهو ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل فيقول صلى الله عليه وسلم: (انثرها لـأبي طلحة ، ويقول أبو طلحة : يا نبي الله! بأبي أنت لا تشرف لا يصيبك سهم، نحري دون نحرك) قتل يوم حنين عشرين رجلاً، وهو صاحب الأموال الكثيرة وقد تصدق بأحب ماله إليه (بيرحاء) بستان عظيم جداً، تفاعل مع الآية لما نزل قول الله: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] قال: ( يا رسول الله! ضعها حيث أراك الله، إنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله ) هذا الرجل العظيم الذي يضرب به المثل في النفقة في سبيل الله والإيثار رغبةً فيما عند الله وقد غزا آخر عمره في غزوة في البحر، وكان قد قرأ أمام بنيه قول الله عز وجل: انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً [التوبة:41] فقال: [استنفرنا الله وأمرنا شيوخنا وشبابنا، جهزوني، فقال بنوه: يرحمك الله إنك قد غزوت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ونحن نغزو عنك الآن] قال: فغزا البحر فمات فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فلم يتغير.

    1.   

    خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وتثبيتها للنبي صلى الله عليه وسلم

    والطائفة الأخرى من المجتمع والنوع الثاني: النساء.

    أليست منا خديجة بنت خويلد ؟ أم المؤمنين، أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم على الإطلاق قبل كل أحد، حمته وآزرته وثبتت من جأشه، مصونة كريمة، كاملة من بين النساء، وأنفقت عليه من مالها، أنفقت على الدعوة من مالها، كانت وزيرة صدق، تحميه، وتدافع عنه رضي الله تعالى عنها: (بشر خديجة ببيت في الجنة، من قصب لا صخب فيه ولا نصب).

    1.   

    عائشة بنت الصديق العالمة الكريمة

    و عائشة أم المؤمنين ضربت لنا مثلاً في جمع العلم فروت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم علماً كثيراً طيباً مباركاً فيه، قال أحد أئمة الإسلام: لا أعلم في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بل ولا في النساء مطلقاً في أي امرأة في العالم منذ أن خلق الله آدم إلى وقتها امرأةً أعلم منها، بَرَّأها الله من فوق سبع سموات، ولا يستبعد أن تكون هي أعلم نساء العالمين على الإطلاق، وأنزل الله في شأنها قرآناً يتلى إلى يوم القيامة، وأنزل بسببها آية التيمم، هذه الصديقة بنت الصديق تضرب لنا مثلاً لطالب العلم في جمع أنواع العلم، فإن بعض الناس يتخصص في فن ولا يدري عن بقية الفنون، وقد يحسن في بعض أنواع العلم وهو لا يحسن في أنواع أخرى كثيرة، عن أبي الضحى قال: قلنا لـمسروق : هل كانت عائشة تحسن الفرائض؟ قال: والله لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الأكابر يسألونها عن الفرائض.

    وعن عروة ابن أخت عائشة قال: [لقد صحبت عائشة -خالته- فما رأيت أحداً قط كان أعلم بآية أنزلت، ولا بفريضة، ولا بسنة، ولا بشعر، ولا أروى له، ولا بيومٍ من أيام العرب، ولا بنسب ولا بكذا .. ولا بكذا .. ولا بقضاء، ولا طب منها، فقلت لها: يا خالة! يعني: ربما بعض العلوم الأخرى نعلم لكن الطب من أين علمتيه؟ قالت: كنت أمرض فينعت لي الشيء ويمرض المريض فينعت له، وأسمع الناس ينعت بعضهم لبعض فأحفظه] وفي بعض الرواية: (إن أهل الخبرة من الطب في البادية، كان يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فينعت الدواء، فتحفظه عائشة). وتضرب مثلاً في الإنفاق فقد بعث إليها معاوية بمائة ألف، فقسمتها بين أمهات المؤمنين، وبعث لها ابن الزبير بمال في غرارتين يكون مائة ألف، فدعت بطبق، فجعلت تقسم في الناس، فلما أمست قالت: هاتي يا جارية! فطوري، فقالت: يا أم المؤمنين! أما استطعت أن تشتري لنا لحماً بدرهم؟ ما عندنا أكل، كل المال هذا الذي وزعتيه أما اشتريت لنا لحماً بدرهم؟ قالت: لا تعنفيني لو ذكرتيني لفعلت.

    1.   

    حذيفة بن اليمان أمين سر رسول الله صلى الله عليه وسلم

    و حذيفة بن اليمان الذي تصدق بدية أبيه على المسلمين؛ فازداد خيراً إلى خير يعلمنا درساً في كتمان السر، حافظ أسماء المنافقين، اهتم برواية أحاديث الفتن الكائنة في الأمة وضبطها [كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أساله عن الشر مخافة أن يدركني] ومثل في حسن تصرفه وشجاعته يوم الخندق لما انتدبه الرسول صلى الله عليه وسلم ليأتي بخبر المشركين وسرعة بديهته لما قال أبو سفيان : لينظر كل رجل من بجانبه، فقال لمن بجانبه: من أنت؟ وضبط نفسه في عدم قتل أبي سفيان وكان يستطيع قتله، وَليَ إمرة المدائن فعدل وعلى يده فتحت الدينور ؛ بلد من البلدان.

    1.   

    أبو موسى الأشعري رضي الله عنه صاحب الصوت الحسن

    و أبو موسى الأشعري الإمام الكبير الفقيه المقرئ قدم على أهل البصرة فأقرأهم وفقههم، كانوا سادة يعلمون الناس وجاهدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وحمل علماً غزيراً، وكان حسن الصوت بالقرآن جداً، حتى إن من الصحابة من كان يخرج بالليل قريباً من دار أبي موسى ليسمع صوته وهو يقرأ القرآن في قيام الليل، أُعطي مزماراً من مزامير آل داود، وكان فارساً مقداماً فلما رمي عمه بسهم من أحد الكفار؛ لحقه أبو موسى قال: ألا تستحي؟ ألست عربياً؟ ألا تثبت؟ فكف، وكان في العرب من الكفار نخوة قد زالت اليوم، فالتقيا فاختلفا ضربتين فقتله أبو موسى ، وهو من قواد الصحابة الستة، والمفتين الأربعة في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام، اجتهد قبل موته اجتهاداً شديداً في العبادة فقيل له: لو أمسكت ورفقت بنفسك، فقال: [إن الخيل إذا أرسلت فقاربت رأس مجراها أخرجت جميع ما عندها] الخيل إذا جاء نهاية السباق أخرجت جميع ما عندها، والذي بقي من أجلي أقل من ذلك فأنا أجتهد بأكثر ما عندي، وقال: [إني لأغتسل في البيت المظلم فأحمي ظهري حياء من ربي] رضي الله تعالى عنه.

    1.   

    أبو أيوب الأنصاري وإكرامه للنبي صلى الله عليه وسلم

    و أبو أيوب الأنصاري الذي نزل صلى الله عليه وسلم في بيته وخصه بالنـزول من باب إكرام الضيف، فكان أسفل البيت وأبو أيوب أعلاه، فانسكب الماء، فقام مع أم أيوب بالقطيفة ينشف الماء بسرعة؛ خشية أن ينـزل منه شيء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا رسول الله! انتقل إلى العلو، لا يمكن أن أمشي فوقك، لا يمكن أن أسكن في الدور العلوي وأمشي فوقك، وهو الذي نزل القرآن بلفظه لما قال في حادثة الإفك: مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [النور:16] فنـزل القرآن على لفظه، وكان يحب الغزو، وكان ورعاً لا يأتي وليمة فيها منكر، ولما مات في غزو القسطنطينية أوصى بأن يوغل به في أرض العدو، فدعي فدفن عند أسوار القسطنطينية ، حتى قيل: إن الروم كانوا يستسقون به عند القحط.

    1.   

    زيد بن ثابت شيخ أهل الفرائض

    وجوانب التكامل في شخصيات الصحابة كثيرة، ولقد عدَّ الرسول صلى الله عليه وسلم بعضها لما قال: (أرأف أمتي بأمتي أبو بكر ، وأشدها في أمر الله عمر ، وأصدقها حياءً عثمان ، وأقضاهم علي ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وأقرؤهم أبي بن كعب ، وأفرضهم زيد بن ثابت) وزيد بن ثابت شيخ أهل الفرائض، وأحد المفتين في المدينة ، رُبي يتيماً وكان أحد الأذكياء، أسلم وله أحد عشر عاماً، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم نجابته، والمجتمع الإسلامي يحتاج إلى رجل يتعلم لغة اليهود، لأن اليهود قوم بهت لا يؤمنون على كتاب، فأمره عليه الصلاة والسلام بتعلم السريانية لغة اليهود، فتعلمها زيد بن ثابت في سبعة عشر يوماً، وكان يكتب الوحي، وهو الذي تولى جمع القرآن.

    1.   

    أسامة بن زيد حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم

    فالطاقات تنبغ في المجتمع المسلم عندما تقام فيه الشريعة ويتولى أمر المجتمع رءوس الناس.

    و أسامة بن زيد حبه وابن حبه صلى الله عليه وسلم، شديد السواد خفيف الروح، رباه عليه الصلاة والسلام منذ صغره، أمَّره على جيش لغزو الشام وعمره ثمانية عشر عاماً، وفي الجيش عمر وكبار الصحابة.

    1.   

    حسان بن ثابت وكعب بن مالك شاعرا رسول الله صلى الله عليه وسلم

    و حسان بن ثابت كان منبراً إعلامياً منافحاً عن الدعوة، شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، المؤيد بروح القدس، يهاجي الكفار ومعه جبريل، انتدب لنصرة الإسلام بشعره، وقال: [ والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني هذا، والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم سل الشعرة من العجين ] حتى قال عليه الصلاة والسلام: (لقد شفيت واشتفيت).

    ومثله كعب بن مالك شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، صادق ضرب لنا المثل بصدقه، فما حدث حديثاً إلا صدقاً بعد حادثة تبوك ، قيل: أسلمت دوس فرقاً من بيت قاله كعب ، وهو:

    نخيرها ولو نطقت لقالت     قواطعهن دوساً أو ثقيفا

    يعني: السيوف نخيرها ولو نطقت لقالت، لأن البيت الذي قبله:

    قضينا من تهامة كل ريب     و خيبر ثم أجمعنا السيوف

    نخيرها ولو نطقت لقالت     قواطعهن دوساً أو ثقيفا

    فكانت أبياتهم ترهب العدو فجاءت قبيلة دوس مسلمين.

    1.   

    أبو هريرة أحفظ الصحابة للحديث

    و أبو هريرة الذي يعلمنا درساً في الحرص على طلب العلم، وتقديم طلب العلم على طلب الدنيا، الفقيه المجتهد الإمام الحافظ الذي روى عنه أكثر من ثمانمائة نفس، هذا الرجل العظيم الذي دعا أمه للإسلام، واجتهد إلى أن أسلمت، بسط ثوبه لسماع مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الناس يشغلهم الصفق بالأسواق وكان مرابطاً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يحفظ حديثه، وعن أبي الزعيزعة كاتب مروان الخليفة أن مروان أرسل إلى أبي هريرة وجعل يسأله، وأجلسني خلف السرير، وأنا أكتب، حتى إذا كان رأس الحول دعا به -بعد سنة- فأقعده من وراء الحجاب، فجعل يسأله عن ذلك الكتاب فما زاد ولا نقص ولا قدم ولا أخر رضي الله عنه، لقد كان حفظه متيناً، وعن أبي عثمان النهدي قال: تضيفت أبا هريرة سبعاً فكان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثاً، يصلي هذا، ثم يوقظ هذا، ويصلي هذا، ثم يوقظ هذا، حتى الخادم والمرأة لها تربية من نصيب أبي هريرة من عنايته في قيام الليل، وهو الأمير المتواضع لما ولي الإمارة كان يحمل حزمة الحطب على ظهره، ويقول: طرقوا للأمير طرقوا للأمير. وعن محمد قال: كنا عند أبي هريرة فلما تمخط مسح بثوبه وقال: [ أبو هريرة يتمخط في الكتان، لقد رأيتني وإني لأخر في ما بين منزل عائشة والمنبر مغشياً علي من الجوع، فيمر الرجل يحسبني مصروعاً فيقعد عليَّ -ليرقيه- فأقول: ليس الذي ترى إنما هو الجوع ] وقال: [ والله إن كنت لأعتمد على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، وكان مع أهل الصفة ] رضي الله تعالى عنه، وصلى بالناس يوماً فلما سلم رفع صوته مرة فقال: [الحمد لله الذي جعل الدين قواماً، وجعل أبا هريرة إماماً بعد أن كان أجيراً لابنة غزوان على شبع بطنه وحمولة رجليه].

    1.   

    نماذج من شخصيات التابعين

    عامر بن عبد قيس وزهده وعبادته

    ولما مضى جيل الصحابة وهم أكثر مما ذكرنا بكثير جداً، ومناقبهم أكثر مما ذكرنا بكثير جداً، فقد رباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعهم على عينه، خرج ذلك الجيل الذي فتح الأرض فربى الجيل الذي بعده، فانتقلت تلكم الصفات الكريمة من صفات الصحابة إلى صفات الجيل الذي بعدهم، وكان لهم أتباع وتلاميذ حملوا علمهم واقتبسوا خلقهم، فهذا مجاب الدعوة أبو مسلم الخولاني رضي الله تعالى عنه ورحمه، وهذا عامر بن عبد قيس الولي الزاهد القدوة من عباد التابعين، كان يقول: من أقرئ؟ فيأتيه ناس فيقرئهم القرآن، ثم يقوم فيصلي إلى الظهر، ثم يصلي العصر، ثم يقرئ الناس إلى المغرب، ثم يصلي ما بين العشائين، ثم ينصرف إلى منزله فيأكل رغيفاً وينام نومة خفيفة، ثم يقوم لصلاته، ثم يتسحر برغيف ويخرج، ولما احتضر بكى، فقيل: ما يبكيك؟ قال: [ما أبكي جزعاً من الموت ولا حرصاً على الدنيا، ولكن أبكي على ظمأ الهواجر وقيام الليل].

    أويس القرني وبره بأمه

    أويس القرني سيد التابعين له والدة كان بها بر؛ كان به برص أذهبه الله إلا موضع درهم يذكر به نعمة ربه، هذا الذي لما توجه حاجاً وفطن له عمر وطلب أن يدعو له وطلب أن يستوصي به قال: أُحب أن أكون في أغمار الناس، ولما تفطن له الناس يطلبون منه الدعاء هرب منهم فلا يدرى أين ذهب، إخفاء العمل، والتواضع، وخمول الذكر إخلاصاً لله.

    علقمة بن قيس مقرئ الكوفة

    علقمة بن قيس النخعي فقيه الكوفة وعالمها ومقرئها لازم ابن مسعود حتى صار رأساً في العلم والعمل، وكان أشبه الناس بـابن مسعود ، قال علقمة : ما حفظت وأنا شاب فكأني أنظر إليه في قرطاس، أوتي عبد الله بن مسعود بشراب فقال للآتي: أعط علقمة أعط مسروقاً فكلما أعطى واحداً قال: إني صائم، فقال ابن مسعود : (( يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ))[النور:37] وكان علقمة يقرأ القرآن في خمس ويقول: أطيلوا ذكر الحديث لا يدرس، أي: كرروا الحديث حتى لا ينسى.

    مسروق بن الأجدع الإمام القدوة

    والتلميذ الآخر مسروق بن الأجدع الإمام القدوة العلم أبو عائشة ، يقال: إنه سرق وهو صغير ثم وجد بعد ذلك فسمي مسروقاً ، حج فلم ينم إلا وهو ساجد، وكانت امرأته تقوم وهو يصلي حتى تتورم قدماه، فربما جلست تبكي مما تراه يصنع بنفسه، وكان لا يأخذ على القضاء أجراً، أرسل إليه أمير الكوفة ثلاثين ألفاً فلم يأخذ منها شيئاً وهو محتاج.

    عقبة بن نافع فاتح أفريقيا

    عقبة بن نافع الفهري المجاهد القائد فاتح أفريقيا ، الشجاع الحازم الذي اختط القيروان ، وكان مجاب الدعوة، ولما أراد أن ينـزل بجيشه في غابة نادى: يا أهل الوادي! إنا حالون إن شاء الله فاضعنوا، ثلاث مرات، فلم يبق شيء من السباع والأفاعي إلا خرجت، حتى الأمهات تحمل صغارها، ثم قال: انزلوا باسم الله.

    سعيد بن المسيب عالم أهل المدينة

    سعيد بن المسيب عالم أهل المدينة ، الذي ما فاتته الصلاة أربعين سنة، وما أذن المؤذن ثلاثين سنة إلا وهو في المسجد، وحج أربعين حجة، وكان يكثر أن يقول في مجلسه: اللهم سلم سلم، ويسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد، وكان جريئاً عزيز النفس، لما قدم عبد الملك بن مروان ، وقف على باب المسجد، وأرسل إلى سعيد رجلاً يدعوه ولا يحركه، قال: لا تحركوه ادعوه لي فقط، فأتاه الرسول فقال: أجب أمير المؤمنين واقفٌ في الباب يريد أن يكلمك، فقال: ما لأمير المؤمنين إلي حاجة ومالي إليه حاجة، وإن حاجته لي لغير مقضية، فرجع الرسول فأخبره، فقال: ارجع وقل له: إنما أريد أن أكلمك ولا تحركه، فرجع إليه وقال: أجب أمير المؤمنين، فرد عليه مثل ما قال أولاً، فقال: الرسول لولا أنه تقدم إلي فيك ما ذهبت إليه إلا برأسك، يرسل إليك أمير المؤمنين يكلمك تقول مثل هذا، فقال: إن كان يريد أن يصنع بي خيراً فهو لك، وإن كان يريد غير ذلك فلا أحل حبوتي حتى يقضي ما هو قاض.

    وعن قتادة قال: أتيت سعيد بن المسيب وقد ألبس تبان شعر، وأقيم في الشمس تعذيباً له، فقلت لقائدي -قتادة رجل ضرير لكن يطلب العلم ويأخذ عن سعيد بن المسيب- فقلت لقائدي: أدنني منه، فأدناني فجعلت أسأله -قتادة يسأل سعيداً وهو في الشمس يعذب- فجعلت أسأله خوفاً من أن يفوتني -أخشى أن يفوتني فيموت قبل أن أسأله ما في نفسي- وهو يجيبني حسبة والناس يتعجبون!

    أما قضيته في تزويج ابنته فهي مشهورة معلومة، فهي تضرب مثلاً للآباء الذين لا يضعون العراقيل أمام زواج بناتهم، ولا يغالون في المهور، ويرأفون بالشاب الصالح، كانت بنت سعيد قد خطبها عبد الملك لابنه الوليد ، فأبى عليه مع أنه ابن الخليفة، فلم يزل يحتال عليه فأبى، حتى ضربه مائة سوط في يوم بارد، وصب عليه جرة ماء، وألبسه جبة صوف، فلم يرضخ، فهو ليس الرجل المناسب، وكان من تلاميذه كثير بن أبي وداعة ، قال: كنت أجالس سعيد بن المسيب ففقدني أياماً، فلما جئته قال: أين كنت؟ قلت: توفيت زوجتي فاشتغلت بها، فقال: ألا أخبرتنا فشهدناها، ثم قال: هل استحدثت امرأة فقلت: يرحمك الله، ومن يزوجني ولا أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟

    قال: أنا، قلت: وتفعل؟ قال: نعم. ثم تحمد، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وزوجني على درهمين أو ثلاثة، فقمت وما أدري من شدة ما أصنع من الفرح، فصرت إلى منـزلي، وجعلت أتفكر ممن أستدين، فصليت المغرب ورجعت إلى منـزلي، وكنت صائماً، فقدمت عشائي أفطر، وكان خبزاً وزيتاً، فإذا بابي يقرع، فقلت: من هذا؟ قال: سعيد ، ففكرت في كل من اسمه: سعيد إلا ابن المسيب ، فإنه لم ير أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد، فخرجت وإذا سعيد ، فظننت أنه قد بدا له -يمكن غير رأيه- فقلت: يا أبا محمد ألا أرسلت إلي فآتيك، قال: أنت أحق أن تؤتى؛ إنك كنت رجلاً عزباً، فتزوجت وعقدنا لك، فكرهت أن تبيت الليلة وحدك وهذه امرأتك، فإذا هي قائمة من خلفه في طوله من خلف الباب، ثم أخذ بيدها فدفعها في الباب ورد الباب، فسقطت المرأة من الحياء، فاستوثقت من الباب، ثم وضعت القصعة في ظل السراج لكي لا تراه فأول عيشتها خبز وزيت، ثم صعدت إلى السطح فرميت الجيران، فجاءوني فقالوا: ما شأنك؟ فأخبرتهم ونزلوا إليها، وبلغ أمي فجاءت وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام، فأقمت ثلاثاً، ثم دخلت بها فإذا هي من أجمل الناس، وأحفظ الناس لكتاب الله، وأعلمهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعرفهم بحق الزوج -هذه تربية العلماء لأولادهم وبناتهم، هذه تربية العلماء لبناتهم- فمكثت شهراً لا آتي سعيداً -يأخذ عن بنت سعيد الآن- ثم أتيته وهو في حلقته، فسلمت، فرد عليَّ السلام، ولم يكلمني حتى تقوض المجلس، فلما لم يبق غيري قال: ما حال الإنسان؟ قلت: خير يا أبا محمد ، على ما يحب الصديق ويكره العدو، قال: إن رابك شيء فالعصا، فانصرفت إلى منزلي فوجه إلي بعشرين ألف درهم، قال عبد الرحمن بن حرملة : دخلت على سعيد بن المسيب وهو شديد المرض، وهو يصلي الظهر وهو مستلقٍ يومئ إيماءً، فسمعته يقرأ بالشمس وضحاها.

    الربيع بن خثيم من عباد التابعين

    و الربيع بن خيثم الإمام القدوة العابد من عقلاء الرجال، قال له ابن مسعود : يا أبا يزيد لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبك، وما رأيتك إلا ذكرتُ المخبتين، ما تكلم الربيع بن خثيم بكلام منذ عشرين سنة إلا بكلمة تصعد، أي: من الكلم الطيب كله، وعن بعضهم قال: صحبت الربيع بن خثيم عشرين عاماً ما سمعت منه كلمة تعاب، إنهم أناس يحفظون كلامهم، وعن الثوري عن أبيه قال: كان الربيع بن خثيم إذا قيل له: كيف أصبحتم؟ قال: ضعفاء مذنبين، نأكل أرزاقنا وننتظر آجالنا.

    سعيد بن جبير وثباته أمام الحجاج

    و سعيد بن جبير الذي قرأ القرآن على ابن عباس ، قال: ربما أتيت ابن عباس فكتبت في صحيفتي حتى أملؤها، وكتبت في نعلي حتى أملؤها، وكتبت في كفي، وكان لا يدع أحداً يُغتاب عنده، وعن الربيع بن أبي صالح قال: دخلت على سعيد بن جبير حين جيء به إلى الحجاج ، فبكى رجل فقال سعيد : ما يبكيك؟ قال: لما أصابك، الآن الحجاج سيقتلك، قال: فلا تبك، كان في علم الله أن يكون هذا، ثم تلا: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا [الحديد:22] ولما جيء بـسعيد بن جبير وطلق بن حبيب وأصحابهما، دَخلتُ عليه السجن، فقلت: جاء بكم شرطي من مكة إلى القتل؟ أفلا كتفتموه وألقيتموه في الطريق -تغلبتم عليه فأنتم اثنان وهو واحد- ألا كتفتموه وألقيتموه في البرية؟ قال سعيد : فمن كان يسقيه الماء إذا عطش؟ وكان قد فر من الحجاج لكنه في النهاية ثبت، وقال: والله لقد فررت حتى استحييت من الله، ولما علم فضل الشهادة ثبت للقتل ولم يقترف ولم يعامل عدوه بالتقية، وكان لـسعيد بن جبير ديك يقوم من الليل على صياحه، فلم يصح ليلة من الليالي حتى أصبح، ففاتت الصلاة على سعيد ، فشق عليه ذلك، فقال: ماله؟ قطع الله صوته -سعيد بن جبير يقول عن الديك الذي لم يصح تلك الليلة: ماله؟ قطع الله صوته- فما سمع للديك صوت بعد ذلك، فقالت له أمه: يا بني! لا تدع على شيء بعدها.

    زين العابدين وصدقته في ظلمة الليل

    وهذا زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، كان يدخل المجلس فيشق الناس حتى يجلس في حلقة عبد من العبيد مولىً من الموالي هو زيد بن أسلم وهو من هو؟ زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب

    ، وكان يقول له نافع بن جبير : غفر الله لك أنت سيد الناس، وتأتي حتى تجلس مع هذا العبد، فقال علي بن الحسين : العلم يبتغى، ويؤتى، ويطلب حيث كان، وكان يقول: يا أهل العراق ! أحبونا حب الإسلام، ولا تحبونا حب الأصنام. وكان يتذلل إلى الله تعالى بفناء الكعبة، وإذا أحرم ولبى ربما غُشي عليه، وإذا صلى أخذته رعدة وهيبة ممن يناجي، وكان يحمل الخبز في الليل على ظهره يتبع به المساكين في الظلمة، وربما قال: إن الصدقة في سواد الليل تطفئ غضب الرب. وكان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين يأتي معاشهم، يأتيهم الطعام ولا يدرون المصدر، فلما مات علي بن الحسين فقدوا الطعام، فعرفوا أنه هو الذي كان يأتيهم بالليل، ويضع الطعام على باب بيوتهم، ولما مات وجدوا بظهره أثراً مما كان ينقل الجرب بالليل إلى منازل الأرامل، ولما مات وجدوه يعول مائة بيت، وهو لما حج هشام بن عبد الملك قبل أن يتولى الخلافة كان إذا أراد أن يستلم الحجر زُوحم عليه، وإذا دنا علي بن الحسين من الحجر تفرقوا عنه إجلالاً له فوجم هشام وقال: من هذا فما أعرفه؟ فأنشأ الفرزدق وكان حاضراً يقول:

    هذا الذي تعرف البطحاء وطأته     والبيت يعرفه والحل والحرم

    هذا ابن خير عباد الله كلهـم     هذا التقي النقي الطاهر العلم

    إلى أن قال:

    هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله     بجده أنبياء الله قد ختموا

    وهو النبي صلى الله عليه وسلم.

    عروة بن الزبير أحد الفقهاء السبعة

    و عروة بن الزبير بن العوام عالم المدينة وأحد الفقهاء السبعة، قال: لقد رأيتني قبل موت عائشة بأربع حجج وأنا أقول: لو ماتت في اليوم ما ندمت على حديث عندها لأني وعيت كل الأحاديث، وقد كان يبلغني من الصحابي الحديث فآتيه فأجده قد قال -من القيلولة- فأجلس على بابه حتى يخرج وأسأله عنه، وكان يقرأ ربع القرآن كل يوم في المصحف نظراً، ثم يقوم به في الليل، وإذا كانت أيام الرطب سلم حائط البستان الذي له، وأذن للناس أن يدخلوا، فيدخلون فيأكلون ويحملون، وقد ابتلاه الله عز وجل بابتلاء عظيم فصبر، فإنه قد قدم في أحد السنوات على الوليد ومعه ابنه محمد وكان ابنه محمد بن عروة بن الزبير من أحسن الناس وجهاً، فأصابه بالعين بعضهم، فخرج الولد متوسلاً به نعاس، فوقع في اصطبل للدواب فلم تزل الدواب تطؤه بأرجلها حتى مات، وبعدها بقليل حدث أن الآكلة وقعت في رجل عروة فبعث إليه الوليد الأطباء فقالوا: إن لم تقطعها سرت إلى باقي الجسد فتهلك، فعزم على قطعها، فقالوا: لو سقيناك شيئاً كي لا تتوجع، قال: إنما ابتلاني ليرى صبري، فنشروها بالمنشار، فقطعها الطبيب من نصف الساق فما زاد أن يقول: حسبي، فقال الوليد : ما رأيت شيخاً أصبر من هذا. فلما صار المنشار إلى قصبة الساق وضع رأسه على الوسادة ساعة؛ فغشي عليه، ثم أفاق والعرق يتحدر من وجهه، وهو يقول: لا إله إلا الله والله أكبر، فأخذ رجله المقطوعة وجعل يقبلها في يده ثم قال: أما والذي حملني عليك إنه ليعلم -سبحانه وتعالى- أني ما مشيت بك إلى حرام، ولا إلى معصية، ولا إلى ما يسخط الله، ثم أمر بها فغسلت وطيبت ولفت في قطيفة وبعث بها إلى مقابر المسلمين، فلما رجع إلى المدينة وقد أصيب بولده ورجله تلقاه أهل بيته وأصدقاؤه يعزونه، فما زاد أن يقول: لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً [الكهف:62] وكان يقول: اللهم إنه كان لي بنون سبعة فأخذت واحداً وأبقيت لي ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت طرفاً وأبقيت ثلاثة، ولئن ابتليت لقد عافيت ولئن أخذت لقد أبقيت.

    ابن سيرين وزهده وورعه

    وهذا ابن سيرين العالم إذا سئل عن الحلال والحرام تغير لونه حتى نقول: كأنه ليس بالذي كان، وذلك ورع من الفتيا، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان يبر أمه ولم ير رافعاً صوته عليها قط، كان إذا كلمها كهيئة المصغي إليها، وكان إذا كان عند أمه لو رآه رجل لا يعرفه ظن أن به مرضاً، من شدة ما يخفض صوته عند أمه.

    هذه طائفة من سيرة أولئك النفر الذين قيضهم الله لحمل دينه ونشر دعوة نبيه، ضربوا لنا الأمثال في التقوى والورع والزهد والعبادة والتعليم والشجاعة والجرأة والجهاد والصبر وبر الوالدين والآداب العظيمة، هؤلاء أيها الإخوة حري بنا فعلاً إن كنا نريد أن نكون اليوم نحن حملة الرسالة، وأن نكون نحن من الطائفة التي يكون إنقاذ الأمة على أيديها، أن نبلو أخبارهم وأن نقتدي بهم، وفي التاريخ سطر كثير من العبر من حياة أولئك القوم، وإن تربية لا تأخذ في عين الاعتبار سير أولئك الكرام لهي تربية ناقصة، ونحن اليوم أشد ما نكون إلى معرفة هذه السير للتأسي والعمل، نحن بأشد حاجة إلى تربية متكاملة، ولذلك كنا نقول اليوم: جوانب التكامل في شخصيات السلف تربية متكاملة لا تركز على العبادة فقط، ولا على العلم فقط، ولا على الآداب فقط، ولا على الجهاد فقط، ولا على العقيدة وأمورها النظرية فقط، وإنما تلم كل ذلك وتحويه، وكل نقص في أبناء الإسلام اليوم مرده إلى عدم التكامل في التربية، وضعفت هذه التربية، ولن نستطيع أن نجابه كفار الشرق والغرب بنفوس مهلهلة وضعيفة، ونحن نعلم أن الدنيا ما فتحت لأسلافنا إلا لما كان فيهم أمثال من ذكرنا، في صفات أعظم، وما ذكرنا قطرة من بحر، ولذلك فإننا نرى اليوم ونحن نتطلع إلى فجر إسلامي قادم، أن طلائع الصحوة هذه لا يمكن أن تثبت وأن تؤدي دورها في العالم الآن إلا إذا ربيت التربية على منهاج هؤلاء السلف ، وتخلقت بمثل أخلاق أولئك السلف .

    وإن الوصية العظيمة في الاقتداء بهم والتأسي بأفعالهم لهي أمر متعب جداً؛ لأن جمع الفضائل لا يطيقه كل أحد، فإن الإنسان قد يجمع فضيلة أو فضيلتين، وقد ينشط في نوع من أنواع العبادة، أو يتجلد في بعض مجالس العلم أو في قراءة كتاب أو كتابين، لكن الجمع والتكامل مع الاستمرار على ذلك هذا هو الذي في غاية الصعوبة، وهو الذي نحتاج إليه اليوم في أشد الحاجة.

    وإننا أيها الإخوة في هذا العصر الذي ضعف فيه أهل الإسلام لنرى من بصيص الأمل والنور أمراً كبيراً ولله الحمد، في أن الله سبحانه وتعالى لن يخلي هذه الأمة من مجددين ومجاهدين ومصلحين، ونحن نسمع اليوم من أخبارهم في الواقع من جرأتهم وجهادهم وصبرهم ودعوتهم ما هو فعلاً أمل في الله كبير بأن ينصر الإسلام وأهل الإسلام، ولكن نرجو أن نكون نحن من هؤلاء، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن لهم حظ وافر من نصر الدين وأهله، وأن يجعلنا ممن يحملون لواء هذا الدين ويتبعون سنة سيد المرسلين.

    1.   

    الأسئلة

    نصيحة في الاطلاع على سير الصحابة والسلف وكتبهم

    السؤال: من الملاحظ أن بين الصالحين والدعاة ضعفاً في العلم بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم والسير والتاريخ، ونجد كثيراً من الملتزمين لا يعرف بعض الكتب المهمة في السيرة كـالبداية والنهاية ، وسير أعلام النبلاء ، ولا يفتح هذه الكتب، فما هو التعليق؟

    الجواب: هذا من القصور ومن ضعف الهمة، فإن بعض الشباب إذا رأى كتباً طويلة متعددة المجلدات هاب أن يفتحها، وأنا أقول: افتح ما تيسر منها، واقرأ ما تيسر، ومن الأسباب التي ربما حملت بعض العلماء على اختصار بعض الكتب: معالجة مسألة ضعف الهمة الموجودة عند مثل هؤلاء القوم.

    فأقول: أيها الإخوة! لابد أن نحرص على القراءة في تاريخ المسلمين وأوصيكم بكتابين: البداية والنهاية لـابن كثير وسير أعلام النبلاء للذهبي ، وهو مختصر في ثلاثة مجلدات لمن لا يطيق القراءة في الكتاب الكبير، فإنه يمكن أن يرجع إليه ويستفيد أمراً عظيماً، ووالله الذي لا إله إلا هو لو أنك فتحت هذه الكتب بقلب مفتوح مقبل على الله؛ لربما دمعت عيناك من موقف صحابي، أو خشعت لله من عبادة أحد السلف ، أو حصل في قلبك نوع من الخلق ما كان موجوداً من شدة ما تجد وأنت تقرأ، المهم هو التفاعل مع هذه القصص وتحس وأنت تقرأ فيها أنك انتقلت إلى ذلك الجو العطر، وأنك ابتعدت عن هموم هذا العالم المليء بالترهات، الذي يجلب الصداع للإنسان عندما يفكر، ولكن أقول: هناك شيء مهم كنت بالأمس قد سجلت سؤالاً من فترة ثم تسنى لي أن أسأل عنه الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله سؤالاً فيه إزاحة لجزء كبير من الهم، وفيه باب مهم من الأبواب، قلت له بنص السؤال: هل يؤجر الشخص على تفكيره بمصلحة الإسلام؟ يعني: لو أن شخصاً استلقى على فراشه ثم قعد يفكر في المسلمين ومشاكلهم وأوضاعهم في العالم، والأقليات الإسلامية، وأوضاع الجهاد، وأسباب تفرق المسلمين واختلافهم، وما هي الوسيلة المثالية في جمعهم؟ وكيف تكون الدعوة والتربية وطريق الدعوة ووسائل الدعوة؟ وكيف يبدأ بالدعوة والتربية وما هي الأشياء التي يتربى عليها؟ وموضوع الإخوة في الله، وكيف يلم شعث إخوانه؟ ويفكر بمسائل وأوضاع المسلمين في العالم ما يحصل لهم الآن هل يؤجر الشخص على تفكيره بمصلحة الإسلام مجرد التفكير وهو مستلقٍ على فراشه؟ أو هكذا ساهم وهو يقود السيارة مرة من المرات يفكر في أوضاع المسلمين، فقال الشيخ: لا شك أنه يؤجر، كيف لا يؤجر؟ وقلت: وهو مستلقٍ على فراشه؟ قال: نعم. يؤجر وهو مستلقٍ على فراشه يفكر في مصالح المسلمين، يفكر في مصلحة الإسلام.

    فالذي يجعل الإسلام همه، ويفكر دائماً بمصلحة الإسلام على الأقل يأخذ من الأجر، يخرج بأجر عظيم وهو يفكر.

    المرء مع من أحب

    السؤال: إن بعض الشباب قد يوهم عليه الشيطان أنه لا يستطيع أن يعمل عملاً كأعمال بعض الصحابة فيستصعب ذلك، فما هي النصيحة؟

    الجواب: هذا واقعي وصحيح ونحن نعترف أنه لا يمكن ونحن في قصورنا وضعف إيماننا أن نعبد الله كما عبده الصحابة، ولا أن تكون فينا الميزات التي كانت في الصحابة، لكن -أيها الإخوة- إن التشبه بالكرام فلاح، ونحن نعلم أننا لن نصبح مثلهم لكن لا بد أن نجاهد لكي نحصل شيئاً مما حصلوه، وما يدريك ربما تكون أنت داخلاً في حديثه عليه الصلاة والسلام: (المرء مع من أحب) ربما إذا أنت قرأت في سيرة سعد بن معاذ ، وتفكرت فعلاً في هذا الرجل العظيم الذي ضحى بالملك وقام وقاتل وبذل لله سبحانه وتعالى، وما أُصيب المسلمون في رجل مثل سعد بن معاذ ، فقلت في نفسك: اللهم احشرني مع سعد ، من حبك له قلت: اللهم احشرني مع سعد ، ربما يكون هذا من أسباب نجاتك يوم القيامة فـ(المرء مع من أحب) وقد جاء رجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم) لا صلاة مثلهم، ولا صيام مثلهم، ولا جهاد مثل جهادهم (قال: المرء مع من أحب قال الصحابة: ما فرحنا بشيء فرحنا بتلك المقولة وذلك الحديث).

    حكم من يعيش في البيت مع غير محارمه

    السؤال: أهل أخي يعيشون معنا في البيت وهي لا تتغطى. فهل يجوز أن أجلس معهم؟

    الجواب: أنت تنكر، وتجلس وتغض البصر، وتنكر عليهم فعلهم ذلك، فإذا لم تتمكن من غض البصر فتفارق ذلك المجلس.

    ذكر مراجع تتكلم عن آل البيت

    السؤال: لماذا نحن لا نعرف شيئاً عن أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أني قرأت كتب الأحاديث ففهمت أن حبهم واجب، وقوله: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به .. وأذكركم أهل بيتي) الصالحون من أهل بيته هم الذين يتبعونه؟

    الجواب: الحقيقة هذا الموضوع مهم، من مواضيع العقيدة محبة آل بيت رسول الله والاقتداء بالصالحين منهم، وقد ذكرنا منهم زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رحمه الله تعالى، ولعله يتاح هناك مجال معين لتبيين مراجع موثوقة لموضوع العقيدة في آل البيت إن شاء الله.

    كيفية تقوية الإيمان في حب الصالحين

    السؤال: إني أحب الشباب الملتزم، وأريدهم أن يكونوا أصدقائي، لكني ضعيف النفس أفعل المخالفات الشرعية، كيف أجعل صدق حبي للملتزمين يترجم على صدق إيماني؟

    الجواب: خذ منهم ما تراه موافقاً للإسلام، خالطهم وتشبه بهم، استنصحهم واقتد بهم، رافقهم والزمهم، فلاشك أنك ستتأثر عاجلاً أم آجلاً، سيرتفع إيمانك مثل هؤلاء الأشخاص، وأقول مرة أخرى: (المرء مع من أحب) وربما يكون قصورنا مغفوراً لنا بسبب محبتنا لأشخاص من أولياء الله الصالحين.

    ضرورة ضبط النفس عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    السؤال: رجل أراد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فاتهم الشخص الذي أمامه بالكفر؟

    الجواب: هذا الأمر خطير، فإذا كان الرجل ما أبدى كفراً بواحاً فلا يجوز لنا أن نرميه بالكفر، ولو كنا في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستلزم ضبط النفس؛ لأن الشخص المجادل الذي أمامك قد يستفزك، وبعض الشباب إذا أراد أن ينهى عن المنكر وهناك شخص يستفزه في المجلس ويجادله بالباطل ربما تَسرع فأطلق عليه كلمة الكفر، فلابد من ضبط النفس عندما نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر.

    حكم من فضَّل علياً على أبي بكر

    السؤال: ما رأيك فيمن يفضل علياً رضي الله عنه على أبي بكر الصديق ؟

    الجواب: لقد أزرى بالمهاجرين والأنصار بفعله هذا.

    ضوابط تتعلق بموضوع المساهمة

    السؤال: ما حكم الاشتراك في المساهمات؟

    الجواب: ذكرنا في خطبة الجمعة بعض الضوابط التي تتعلق بموضوع المساهمة فذكرنا أنه ينبغي أن يكون مجال عمل الشركة حلالاً كالزراعة والصناعة وغير ذلك.

    ثانياً: ألا يكون عندهم تعاملات محرمة كالتعامل بالربا، وذكرنا بعض الوسائل التي يعرف منها بعض هذه الأمور إذا كانت موجودة أم لا، لكن لابد أن تتثبت وتسأل وتتأكد، وإذا ما وجدت شيئاً حراماً خذ بالظاهر، وإذا أردت أن تشارك وتساهم لا أحد يمنعك، فإذا اكتشفت حراماً في المستقبل فتتخلص من الأسهم حالاً، وما نتج عنها في وقت جهلك بالمحرم الذي لديهم فهو لك، وما جاء منها وأنت تدري بالمحرم من الذي عندهم يجب أن تتخلص منه ولك رأس مالك، وبعض الناس مع الأسف لا يتأكدون ولا شيء من ذلك، وربما يكون مساهمة في بنك يقوم بها البنك موضع شبهة، فبمجرد ما يكتب له البنك: أنت معرض للربح أو الخسارة قال: هذه مساهمة إسلامية، فهل عرفت أنهم يتاجرون بماذا؟ وهل طريقتهم في شراء وبيع العملات صحيحة؟ وهل طريقتهم في شراء وبيع الذهب صحيحة؟ هل يدخلون أشياء في الربا ويعطونك أرباحاً في الربا؟ فبعض الناس يُضْحَك عليهم بأشياء من هذه الشعارات التي تكتب: معرض للربح والخسارة إذاً حلال، لابد أن تسأل وتتأكد، ثم أي عمل استثماري يقوم به البنك فهي مسألة شبهة ولا شك، بنك ربوي شبهة، وبعض الناس مع الأسف اندفاعاتهم عجيبة فلا يتأكدون المهم الربح يقول: هذا مشروع لابد، حتى اسم الشركة فقد اتصل بي شخص يقول لي: ما هو الحكم في الاشتراك في شركة فاصوليا؟ فاصوليا يا أخي هذه تباع في سوق الخضرة! يعني: حتى اسم الشركة المهم يشترك ويذهب أحدهم مثل المجنون يسأل أين الفاصوليا؟ دون أن يتحرى.

    فمسألة التحري عند الناس فيها خلل واضح فالمهم عندهم جمع المال أولاً، ويأتي بعد ذلك السؤال هل هي حلال أم حرام.

    حكم من ترك صلاة الوتر والضحى

    السؤال: ما هو حكم من ترك صلاة الوتر والضحى؟

    الجواب: بعض العلماء يفسق تارك السنة، وصلاة الوتر أوكد من صلاة الضحى، ولاشك في المحافظة عليها ولو على الأقل ركعة.

    حكم من عمل بدون راتب ابتغاء الأجر

    السؤال: أعمل في دائرة عملاً إضافياً بدون راتب، فأنا أريد أن أعمل ذلك للأجر، ولكن الناس يقولون: لا تعمل إلا براتب؟

    الجواب: هذا جيد فإذا أردت أن تعمل لوجه الله عملاً إضافياً وأُعطيت مالاً، فخذه وتصدق بهذا الأجر الإضافي ويكون عملك إن شاء الله لوجه الله وأجرك محفوظ.

    حكم لبس الأحمر من الثياب

    السؤال: هل يجوز لبس الفنيلة الحمراء؟

    الجواب: لا. لا تلبس أحمر قانياً لما ورد من النهي عن لبس الأحمر، وإنما البس الأحمر إذا كان مخططاً أو فيه خطوط.

    حكم استئجار الذهب ليلة العرس

    السؤال: هل يجوز استئجار الذهب في ليلة العرس؟

    الجواب: يمكن أن يستأجر الحلي استئجاراً ويرجعه، لكن المهم أنه لا يتشبع بما لم يعط، فتقول المرأة: انظري ماذا أهدي إلي، وهو مستأجر، انظري ماذا أعطاني زوجي، وهو مستأجر، فهذا (من تشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور).

    حكم كشف المرأة لخطيب ابنتها

    السؤال: هل يجوز لأمي أن تكشف حجابها لخطيب أختي؟

    الجواب: لا. لأنه لازال خطيباً ولم يصبح زوجاً، فإذا تزوج وعقد كشفت له.

    حكم كشف والدة زوج البنت أمام أبي البنت

    السؤال: هل يجوز لأبي أن يكشف على والدة زوج أختي؟

    الجواب: لا. لأنه ليس هناك علاقة نسب ولا مصاهرة ولا رضاعة.

    فختاماً: نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم الإخلاص، والاستقامة والسداد، في القول والعمل، وأن يرزقنا حسن الختام، وأن يتوب علينا أجمعين، ويهدينا الصراط المستقيم، والله تعالى أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.