إسلام ويب

لماذا لا نطبق ما تعلمناه؟!للشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العمل رديف العلم، لكن قد تجد من الناس من لا يطبق ما تعلمه، وفي هذا الدرس بيان مفصل لأسباب التفريط في العمل ممن علم، وقد ذكر الشيخ في بداية حديثه أحوال الصحابة رضوان الله عليهم الذين كانوا يتعلمون لينفذوا، وختم درسه بذكر بعض العلاجات الدافعة إلى جعل العمل ثمرة من ثمرات العلم.

    1.   

    علامات عدم تطبيق ما تعلمناه

    الحمد لله الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا أشرك به أحداً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى سبيل الله ورضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأعوانه، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم نلقاه.

    أيها الإخوة! أيها الشباب! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وتحية طيبة لكم أيها الحاضرون والمستمعون في هذه الليلة ونقف وقفة حساب مع أنفسنا، والمؤمن يحاسب نفسه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر:18].

    عنوان درسنا من باب المحاسبة: لماذا لا نطبق ما تعلمناه؟!

    كم خطبة حضرنا؟ كم كتاباً أو ورقة قرأنا؟ كم شريطاً سمعنا؟ كم نصيحة إليها أصغينا وأسديت إلينا؟ كم ختمة ختمنا؟ فكم من ذلك عقلنا؟ وكم من المضمون طبقنا؟ كم أمراً فيها نفذنا؟ وكم نهياً فيها اجتنبنا؟

    لماذا ندعى إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فنتولى ولا نعمل؟ لماذا تقرأ علينا الآيات التي لو أنزلت على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله، ثم لا نتعظ ولا نتأثر؟

    نجد أحياناً أنفسنا نمر بموقف ولا نعمل بالحكم الذي نعمله في هذا الموقف، أحياناً نذهل عنه، وأحياناً نتذكره، ولكننا نتقاعس ونتكاسل، لماذا نجد كثيراً من الناس يحملون شهادة شريعة وحصلوا أشياء من العلم، وآخرين حفظوا متوناً وقرءوا كتباً وحضروا حلقاً، وكثيراً من الشباب فعلوا ذلك، لكن أثر العلم لا يظهر عليهم، لا في سمتهم ولا في طريقتهم، ولا في أخلاقهم؟

    لماذا نقصر في الواجبات ونسيء، ونفرط كثيراً في المستحبات ونتقاعس؟

    للإجابة على ذلك وإيضاح الأسباب والعلاج كانت هذه الكلمة التي أسأل الله أن ينفعني وإياكم بها إنه سميع قريب.

    إخواني! إن العمل يكون له دافع من حرارة الإيمان، فإذا كان الإيمان ناقصاً بارداً لا يدفع الإنسان للعمل، لقد نادانا الله بوصف المؤمنين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا [النساء:136].. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2].. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ [آل عمران:102] نادانا بالإيمان لكي ننطلق منه للعمل، ربما لا يكون عندنا الجدية الكافية التي تدفعنا للعمل، جمهور الخطب والدروس ليس كلهم يأتي بنفسية التلقي للتنفيذ.

    1.   

    الصحابة تعلموا لينفذوا

    إن هذا القرآن أنزل للتنفيذ، كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يتعلمون للتنفيذ، انظر إلى أبي بكر رضي الله عنه، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (علمني دعاءً أدعو به في صلاتي) وفي رواية لـمسلم (علمني يا رسول لله دعاءً أدعو به في صلاتي وفي بيتي).

    يقول أبو برزة للنبي عليه الصلاة والسلام: (يا رسول الله! إني لا أدري لعسى أن تمضي وأبقى بعدك، فزودني شيئاً ينفعني الله به) رواه مسلم .

    يقول عبد الله بن مسعود: (يا نبي الله! أي الأعمال أقرب إلى الجنة) رواه مسلم .

    يقول أبو ذر : (يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله والجهاد في سبيله، قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمناً، قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعاً أو تصنع لأخرق... الحديث) رواه مسلم .

    أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا رسول الله! كيف أقول حين أسأل ربي؟ قال: قل اللهم اغفر لي وارحمني، وعافني وارزقني، وجمع أصابعه الأربع إلا الإبهام، فإن هؤلاء يجمعن لك دينك ودنياك) رواه ابن ماجة . للآخرة اغفر لي وارحمني، وفي الدنيا عافني وارزقني، جمع لك خير الدنيا والآخرة في هذا الدعاء.

    قالت عائشة : (يا رسول الله! أرأيت لو وافقت ليلة القدر ما أدعو؟) كانوا يسألون للتنفيذ. أبو برزة يقول: (يا رسول الله! دلني على عمل يدخلني الجنة أو انتفع به، قال: اعزل الأذى عن طريق المسلمين) رواه الإمام أحمد .

    جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا رسول الله! علمني عملاً يدخلني الجنة، فقال: لئن كنت أقصرت الخطبة، لقد أعرضت المسألة -جئت بمسألة عظيمة- أعتق النسمة، وفك الرقبة) رواه أحمد.

    أبو جري الهجيني ، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: (يا رسول الله! إنا قوم من أهل البادية، فعلمنا شيئاً ينفعنا الله تبارك وتعالى به، فقال: لا تحقرن من المعروف شيئاً... الحديث) أبو جري يقول: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محتبٍ بشملة له وقد وقع هدبها على قدميه، فقلت: أيكم محمد، أو رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأومأ بيده إلى نفسه عليه الصلاة والسلام، فقلت: يا رسول الله! إني من أهل البادية وفي جفائهم فأوصني، قال: ولا تسبن أحداً، فما سببت بعده أحداً ولا شاةً ولا بعيراً).

    هو يقول: لا تسبن أحداً، التنفيذ مباشرة، وليس التنفيذ في أول يومين وثلاثة، ثم تنسى، لا، قال: فما سببت بعده أحداً؛ لأنه قال: ولا تسبن أحداً، أنت تلمس يا أخي الصدق من طريقة السؤال.

    عن عبد الله بن عباس أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا نبي الله! إني شيخ كبير عليل يشق عليّ القيام، فأمرني بليلة لعل الله يوفقني فيها لليلة القدر، قال: عليك بالسابعة) رواه أحمد . كانوا يطلبون ويطلبون المزيد، ومستعدون للتنفيذ.

    وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله! مرني بصيام، قال: صم يوماً ولك أجر تسعة- لأن الحسنة بعشر أمثالها- قلت: يا رسول الله! إني أجد قوة فزدني، قال: صم يومين ولك أجر ثمانية أيام، قلت: يا رسول الله! إني أجد قوة فزدني، قال: فصم ثلاثة أيام ولك أجر سبعة أيام، قال: فما زال يحط لي، حتى قال: إن أفضل الصوم صوم أخي داود أو نبي الله داود صم يوماً وأفطر يوماً) قال عبد الله لما ضعف: [ليتني كنت قنعت بما أمرني به النبي صلى الله عليه وسلم] لكنه استمر إلى آخر حياته؛ لأنه كره أن يغير شيئاً فارق عليه النبي عليه الصلاة والسلام.

    الصحابة إذاً أيها الإخوة يتعلمون ليعملوا، أبو فاطمة قال: (يا رسول الله! أخبرني بعمل أستقيم عليه وأعمله، قال: عليك بالسجود، فإنك لا تسجد لله سجدة؛ إلا رفعك الله بها درجة وحط بها عنك خطيئة).

    إذاً لابد أن يكون عندنا مفهوم العلم للعمل، والتلقي للتنفيذ، نريد أن نقرأ المصحف، وننفذ ما قال الله عز وجل؛ لأن الأوامر لنا وليست لغيرنا، ثم إن التنفيذ يزيدنا خيراً وثباتاً، قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً [النساء:66] العمل يثبت الإنسان.

    1.   

    أسباب عدم تطبيق ما تعلمناه

    عندنا -يا إخواني- ضعف في تربيتنا؛ في صياغة شخصياتنا، المقومات المطلوبة في الشخصية الإسلامية فيها نقص عندنا بسبب ضعف التربية، في البيت، في المدرسة، في كل مكان، يوجد ضعف في التربية، قد يوفق الإنسان لمكان طيب يتربى فيه، قد يزرق أبوين صالحين، وقد يكون أبواه من عامة الناس، وكذلك في المدرسة قد يوفق بمدرسين طيبين، وقد يكون المدرسون عاديين، لا يقدمون له شيئاً كبيراً، وهكذا المنكرات المبثوثة ينتج عنها وسط يتربى فيه الإنسان بضعف، بل ربما يتربى على آلة اللهو وأدواته، ولذلك يحصل عندنا ضعف في الشخصية ينعكس على درجة التنفيذ.

    عدم معرفة الأجر

    يمكن أن يكون عدم معرفة الأجر يؤدي إلى ضعف التطبيق، لو كنا نعرف الأجر لطبقنا، لكن بسبب عدم معرفتنا بالأجر لا نتحمس، لماذا ذكر الله لنا الأجور، وبين لنا أشياء كثيرة في القرآن والسنة؟ حتى نعمل.

    لو قيل لك: لو فعلت كذا تأخذ ترقية أو نرفعك درجة ورتبة، فإنك تتحمس للعمل، نعطيك ألفاً تتحمس للعمل، أجور كثيرة مذكورة في القرآن والسنة تحمسنا للعمل، ينبغي علينا أن نفكر في هذه القضية، كل حرف بعشر حسنات من القرآن الكريم، كم حرفاً في القرآن؟ أكثر من ثلاثمائة ألف حرف، اضرب في عشرة، ثلاثة مليون حسنة وأكثر، والله يضاعف لمن يشاء وكذلك في الصدقات.

    من قام الصبح والعشاء في جماعة فكأنما قام الليل كله، وكأنما قام نصف الليل، وهناك أعمال الذي يعملها يغفر له ما تقدم من ذنبه، كما قال عثمان بن عفان بعدما توضأ فأحسن الوضوء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غُفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري . وضوء جيد بركعتين مع الخشوع يغفر لك ما تقدم من ذنبك.

    وربما بعض الناس يظن أن غفران ما تقدم من الذنب لا يتم إلا بأشياء صعبة وعسيرة جداً، وليس الأمر كذلك، تأمل معي الحديث التالي: عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أمَّن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غُفر له ما تقدم من ذنبه).

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال أحدكم: آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى، غُفر له ما تقدم من ذنبه) رواهما البخاري . فمتى تقول الملائكة: آمين؟ إذا قال الإمام: آمين، فإذا طابق تأمينك تأمين الملائكة، غُفر لك ما تقدم من ذنبك.

    وعن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أكل طعاماً، فقال: الحمد لله الذي أطمعني هذا ورزقنيه من غير حولٍ مني ولا قوة، غُفر له ما تقدم من ذنبه) رواه الترمذي وحسنه، على ذكر تقوله بعد طعام.

    ولذلك ينبغي علينا إذا كان في قلوبنا حياء أن نتحسر لفوات الأجر، يقول عمرو بن سعد بن أبي وقاص ، وكان قاعداً عند عبد الله بن عمر رضي الله عنه: (إذا طلع خباب صاحب المقصورة، فقال: يا عبد الله بن عمر! ألا تسمع ما يقول أبو هريرة؟ إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها، ثم تبعها حتى تدفن، كان له قيراطان من الأجر كل قيراط مثل أحد ، ومن صلى عليها ثم رجع، كان له من الأجر مثل أحد ، فأرسل ابن عمر خباباً إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة ثم يرجع إليه فيخبره ما قالت، وأخذ ابن عمر قبضة من حصباء المسجد يقلبها في يده -ينتظر على أحر من الجمر ماذا سيرجع به خباب من عائشة - حتى رجع إليه الرسول، فقال: قالت عائشة : صدق أبو هريرة ، فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض، ثم قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة) رواه مسلم .

    وجاء في رواية أخرى لـمسلم كان ابن عمر يصلي على الجنازة ثم ينصرف، فلما بلغه حديث أبي هريرة أنك إذا تبعتها إلى المقبرة ودفنت، كان لك قيراط، والقيراط: مثل جبل أحد قال: لقد ضيعنا قراريط كثيرة. رواه مسلم.

    الإعراض عن المستحبات والتقصير في الواجبات

    بعض الناس لا يريد أن يطبق إلا الواجهة، من ضعف التطبيق تطبيقه لا يمتد إلى المستحبات، قصور في الواجبات وإعراض عن المستحبات، أليس في المستحبات أجر؟ نعم هي ليست واجبة، تركها لا تأثم به، لكن هل أنت مستغن عن الأجر؟ لماذا تضاءلت عندنا مكانة السنن والمستحبات؟ بعض الشباب يكون في أول التزامه بالدين متحمساً يريد أن يطبق كل صغيرة وكبيرة، فتراه لا يشرب قائماً، يهتم بالسترة في الصلاة ونحو ذلك، ثم تراه ضعف عن هذه الأشياء، وإذا ناقشته يقول: هناك أولويات، نعم هناك أولويات، لكن هذه الأشياء التي تأتي بعد أليس لها نصيب عندك من العمل؟

    لماذا الإهمال في السنن؟ لماذا الزهد في المستحبات؟ أين الصحابة الذين كانوا يعلمون السنة ويحرصون على تطبيقها؟

    عن زياد بن جبير قال: رأيت ابن عمر رضي الله عنهما أتى على رجل قد أناخ بدنته لينحرها، أناخها في الأرض، والسنة في النحر أن تكون قائمة، فقال ابن عمر رضي الله تعالى عنه: ابعثها قياماً مقيدة -معقولة الرجل اليسرى- سنة محمد صلى الله عليه وسلم، رواه البخاري . من كلام الصحابي تحس بالوفاء بالسنة، وأنه محافظ عليها إلى آخر العمر.

    عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة، أي: العشاء، فقرأ: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق:1] فسجد، فقلت بعد الصلاة: ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه. رواه البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه .

    سوء الوسط الموجود فيه الإنسان

    من أسباب عدم التنفيذ وقلة التطبيق: الوسط الموجود فيه الإنسان، قد يكون في وسط لا يوجد فيه قدوات، البيئة التي يعيش فيها التطبيق فيها قليل، الموجودون يغلب عليهم الجدل لا العمل، الوسط الذي يحيط بك في غاية الأهمية، غيِّر وسطك إذا كان فاسداً أو ميتاً غيَّره تنطلق، انتقِ الحي، القالب غالب، والصاحب ساحب، الصحبة والقدوة مهمة جداً خصوصاً في هذا الزمان الذي عمَّ فيه الفساد العظيم، لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، غلبت المعصية على الناس والجيران والأقرباء، أطبقت علينا الوسائل المفسدة بالموجات من كل مكان، في الأجواء والفضاء والأرض، غزتنا مسموعة ومرئية ومقروءة.

    وعاش كثير منا في بلاد الغرب، وعاش بعضنا بين أناس مستغربين من أبناء المسلمين، أجسادهم في الشرق وقلوبهم في الغرب، لقد أصبحت المحرمات جزءاً من حياة بعض الناس العادية اليومية، كل يوم مليء بالمحرمات، تأثرنا ببعض المحرمات التي تراكمت علينا، ومع تقدم السن بقيت هذه المحرمات التي نشأنا عليها.

    وينشأ ناشئ الفتيان فينا     على ما كان عود أبوه

    هذا تعليل وتفسير وليس بتبرير، أي: لا نقول: والله يا أخي! مادام أنك نشأت على معصية فأنت معذور، كلا، أنت مسئولٌ عن التغيير، تأثير البيئة على الإنسان لا يمكن أن ينكر، قال تعالى: وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ [النمل:43] صدها عن الله تعالى أنها كانت في قوم كافرين، ولذلك كانت مشركة وكافرة، فتأثرت رغم رجاحة عقلها وذكائها، فكفرت، ثم لما جاءت إلى سليمان عليه السلام أسلمت.

    ولذلك يا إخواني! ننادي دائماً بأهمية الوسط الطيب، والصحبة الصالحة، والرفقة الحسنة، قال الله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28] اصبر أي: احبس نفسك مع الذين يدعون ربهم، هؤلاء قوم اتصفوا بالإخلاص، وعملهم مستمر بالغداة والعشي، ليس فقط في المسجد، يدعون ربهم بالغداة والعشي، وعندهم إخلاص يريدون وجهه وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:28] لا ملاعب ولا ملاهي ولا مراكب ولا سفريات ولا سياحات ولا مسلسلات: وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:28] ثم حذر الله من قرين السوء، فقال: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28].

    كان الصحابة وسطاً جميلاً جليلاً عظيماً يعيش فيه الناس يتربون ويتأثرون، أبو موسى يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين -قومٌ من أهل الإيمان قدموا من اليمن - بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار) رواه البخاري.

    والرفقة: الجماعة المترافقون.

    حين يدخلون بالليل: قال ابن حجر في فتح الباري : المراد يدخلون منازلهم إذا خرجوا إلى المسجد أو إلى شغل ثم رجعوا.

    بالقرآن: أي برفع أصواتهم بالقرآن، وفيه أن رفع الصوت بالقرآن مستحسن، لكن محله إذا لم يؤذ أحداً وأمن من الرياء.

    أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يقول كعب : أنه وجد صفتهم موجودة ومكتوبة في الكتب المتقدمة، الحمادون يكبرون الله عز وجل على كل نجد- أي: على كل مرتفع- ويحمدونه في كل منزلة، يتأزرون على أنصافهم، ويتوضئون على أطرافهم، مناديهم ينادي في جو السماء، صفهم في القتال وصفهم في الصلاة سواء، لهم بالليل دوي كدوي النحل. رواه الدارمي كان التابعي ينزل البلد بعد السفر، يتوجه إلى المسجد، ويقول: اللهم إني أسألك جليساً صالحا، اللهم هيئ لي جليساً صالحا.

    لذلك كل واحد في بيئته فساد، وعنده رفقه سوء لابد أن يتركها ويغادرها، مثلما نصح العالم الصالح قاتل المائة أن يترك بلده التي عمل فيها الجرائم؛ لأن فيها أناساً من أهل السوء يعينونه على السوء، ويذهب إلى قرية كذا وكذا، فإن فيها أناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم.

    إذاً غير بيئتك لتنطلق في عمل الصالحات، تاريخ جديد وحياة جديدة ورؤية جديدة، وأناس يذكرون بالصالحات، بدلاً من أناس رؤيتهم تذكر بالمعاصي: (مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافح الكير) وبعض الناس يقول: تعودت عليه، وهو زميلي من الابتدائية، ودرسنا مع بعض، كنا جيران عشرين سنة، وما معنى هذا إذا كان رجلاً سيئاً؟ مهما كانت العشرة والصحبة ينبغي أن تتركه لله بعد أن تنصحه، وإذا لم تجد النصيحة فاترك هذا القرين، واذهب إلى أهل الصلاح وإلى أهل الخير، هاجر إليهم في سبيل الله.

    بعض الناس يقول: أهلي وأهل زوجتي وبيئة العمل، هناك أوساط ممكن نخرج منها، وهناك أوساط لا يمكن أن نخرج منها، أهلك لو كان فيهم فساد أو في بيئتهم شر، أنت لا تستطيع أن تقطع العلاقة بالكلية، أهل زوجتك كذلك، العمل الذي أنت تعمل فيه إذا لم تستطع أن تغيره وما وجدت عملاً آخر، هنا لابد أن نقاوم، لابد أن يكون عندنا مقاومة ومناصحة وتسديد ومقاربة، نناصح ونقاوم هذا مهم جداً، بعض الناس ينصحون ولا يقاومون، وبعض الناس يسكتون ولا ينصحون، لابد أن ننصح ونقاوم ونسدد ونقارب، نحاول ألا يصل إلينا ولا إلى أولادنا شر، ونقلل من الاحتكاك ما أمكن في الوسط الذي لا يمكن أن ننفك عنه.

    العمل في بيئات محرمة

    وبعض الناس يعملون في بيئاتٍ العمل فيها محرم، يؤثر على التطبيق والتنفيذ، يختاره لجاذبيته المالية، ويقول: علي ضغوط اقتصادية، واحد يعمل في عمل فيه نساء وفتنة، أو في مكان ربوي، ويقول: لا أستطيع أن أترك الوظيفة في هذا الزمان، ومن أين أجد عمل؟ نقول: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً [الطلاق:2] هذا فعل شرط مرتب عليه جواب شرط وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً [الطلاق:2] وليس الاتقاء فقط في ترك هذا العمل، بل في ترك كل المحرمات، حتى يحدث الموعود به وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً [الطلاق:2].

    بعض الناس يقول: يا أخي! زحمة المكان ما تركت لنا مكاناً، ووقت للتطبيق والتنفيذ كله عمل في عمل، وعمل وراء عمل، طبيعة عملنا مرهقة، نقول: هل تعجز عن تطبيق وصية النبي عليه الصلاة والسلام، وهي قوله: (لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله) مهما كان عملك فيه أشغال كثيرة ومتوالية، لا يزال لسانك رطباً بذكر الله، لا يمكن أن تطبق هذا الحديث.

    خلل في التطبيق

    بعض الناس قد يوجد عنده خلل في التطبيق، أو توقف عن التنفيذ، أو تباطؤ نتيجة لعدم الوضعية في التطبيق، كأن يكون قد هجم في التزامه بالإسلام هجوماً على هذه العبادات والنوافل والمستحبات، فعمل عملاً كبيراً لا يطيقه، فجأة صعد صعدة واحدة أضرت بنفسه، لم يوافق السنة في العمل بالسنن والمستحبات، هنا قد يحدث كلل وملل، وبالتالي يحدث انقطاع، لذلك عبد الله بن عمرو رضي الله عنه لما بلغ النبي عليه الصلاة والسلام أنه يعمل أعمالاً كبيره قد لا يطيقها، قال صلى الله عليه وسلم ينصحه نصيحة مربٍ: (ألم أخبر -لاحظ يريد أن يتأكد ويتثبت- أنك تقوم الليل وتصوم النهار، قلت: إني أفعل ذلك، قال: فإنك إذا فعلت ذلك هجمت عينك ونفهت نفسك، وإن لنفسك حقاً ولأهلك حقاً، فصم وأفطر وقم ونم) رواه البخاري رحمه الله.

    هجمت عينك أي: غارت أو ضعفت من كثرة السهر، نفهت نفسك أي: ملت وكلت، فذكر أن لنفسك عليك حقاً، لابد أن تنام جزءاً من الليل، لابد أن تفطر بعض الأيام لتحافظ على جسمك، فإن لجسدك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولزوارك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه، صم وأفطر.

    لا حظوا أن النبي عليه الصلاة والسلام حث على ملازمة العبادة، لم يقل: توقف، ولكن قال: اقتصد، بعض الناس إذا رأى شخصاً عنده عبادات كثيرة، قال: يا أخي! هكذا ستقود نفسك إلى المهلكة، توقف عن كل الأنشطة، ليس بصحيح.

    قال ابن حجر رحمه الله: من فوائد هذا الحديث: أن من تكلف الزيادة على ما طبع عليه، يقع له الخلل في الغالب، قال: وفيه الحث على ملازمة العبادة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم مع كراهته له التشديد على نفسه حثه على الاقتصاد، كأنه قال له: ولم يمنعك اشتغالك بحقوق من ذكر أن تضيع حق العبادة، وتترك المندوب جملة، ولكن اجمع بينهما، وفي الحديث أن الإنسان إذا كلف نفسه أكثر مما يطيق توقف عن التطبيق، إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.

    الرضا بالدون والتواضع السيئ

    بعض الناس عندهم خلل في التطبيق وتباطؤ وامتناع؛ لأنهم يتواضعون تواضعاً سيئاً ويرضون بالدون، فيقول: أنا لست عالماً، ولا شيخاً ولا إماماً، ولا خطيباً ولا داعية ولا قدوة، ولا يشار إلي بالبنان، ما أنا إلا واحداً من عامة الناس، فلست مطالباً بمستويات عالية من العبادة أو الزهد أو العلم، من الذي سيسألني ويتلقى عني ويتأثر بي؟ ولذلك لما تطيح الهمة؛ فعند ذلك يكون التطبيق مهلهلاً فعلاً.

    وبعض الناس همته القاصرة هذه، ستطيح بتنفيذه وتطبيقه، ولكن أنت اعمل لله، رآك أحد أو لم يراك أحد، اقتدى بك أحد أو لم يقتد بك أحد، أنت تعمل لله وابتغاء مرضات الله.

    الخوف من انتقاد الناس

    وبعضهم لا يطبق ما تعلمه، بسبب خوف انتقاد الناس له وكلامهم فيه، سيقولون عني متزمت، متشدد، مجنون، فلما جعل رضا الناس غايته ترك أعماله، وربما وقع في محرمات، لو جعل رضا الله غايته لكان انطلق في العمل، دع عنك كلام الناس فليقولوا عنك ما يريدون أن يقولوا، إذا أرضيت الله سيرضي الله الناس عنك، وهذه مسألة مهمة، لا يصلح أن يكون عندنا هزيمة نفسية، أين عزة المسلم؟ بعض الأشخاص قد يستهزئ به لصلاته أو لعبادته، إذا قعد يقرأ القرآن، قالوا: مراءٍ، يريد أن يراه الناس، ما عليك من كلام الناس، قالوا ذلك أو لم يقولوا اعمل، وكذلك لو قالوا: هذا متزمت ومتشدد، فيقولوا ما يريدون أن يقولوا؛ لأن غرضك هو إرضاء الله عز وجل.

    ضعف التصديق بالجنة والنار والحساب

    أحياناً يكون مستوى تصديقنا بالجنة والنار فيه ضعف، ومستوى إيماننا بالحساب فيه نقص، ولذلك نستغرب أحياناً كيف تصدق أبو بكر بكل ماله؟ وكيف تصدق عمر بنصف ماله؟ ما الذي دفعهم إلى هذا المستوى العالي من التطبيق والتنفيذ؟ كل المال ما ترك لنفسه شيئاً، ونصف المال والمدخرات! افترض الآن أن عندك في البنك ثروات، تأخذ كل الرصيد وتتصدق به أو نصفه، ما هو الدافع لمثل هذا العمل؟

    الدافع قضية الإيمان بالجنة والنار والحساب وما أعد الله للمتقين، لو كان مستوى الإيمان عالياً لرأيت تطبيقاً عظيماً [لئن أنا عشت حتى آكل هذه التمرات، إنها لحياة طويلة] ألقى التمرات وقام يقاتل فقتل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض) لما وقعت هذه الكلمات في نفس ذلك الصحابي موقعاً حسناً، لقيت قبولاً وإيماناً؛ فقام مباشرة وألقى التمرة وتقدم فقاتل وقتل، وصل إلى الجنة وانتهت المشكلة، كل الأحلام والأماني تحققت.

    ضعف الارتباط بالقرآن والسنة

    أحياناً يكون ضعف الارتباط بالقرآن والسنة سبباً في عدم التطبيق أو التباطؤ فيه، لماذا بكت أم أيمن لما زارها أبو بكر وعمر؟ ما بكت لأنها تريد أن يبقى النبي عليه الصلاة والسلام في الدنيا، هي تعلم أن ما عند الله خير لرسول الله، لكنها بكت لأن الوحي قد انقطع، وهي تريد مزيداً من الوحي.

    كانت قلوبهم حية ومتصلة بالوحي.

    التعلق بأحاديث الرجاء وعدم الخوف من الله

    عندنا يا إخوان مشكلة أخرى، هي مشكلة في الإرجاء والتعلق بأحاديث الرجاء، وعدم الالتفات إلى الخوف من الله، لو سألت الواحد فينا ماذا تؤمل يوم القيامة؟ يقول: آمل الجنة، وأظن أن الله سيرحمني ويغفر لي، والجنة إذا نحن لم ندخلها فمن سيدخلها؟ ألكفار؟

    فنقول: وما أدراك لو دخلتها، هل ستمر على النار قبل دخولها؟ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً [مريم:71] قطعاً كل واحد فينا سيرد النار مائة في المائة كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً [مريم:71] ليس فيها كلام، لكن ليس عندنا وعد أننا سننجو، قال الله تعالى: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً [مريم:72].

    مشكلتنا أننا دائماً نقول: إن الله غفور رحيم، وننسى أن الله شديد العقاب: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر:49-50] نحن نتذكر جيداً قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر:53] لكننا قد لا نتذكر قوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [النساء:123] قالوا عن: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر:53] أرجى آية في كتاب الله، وفي قوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [النساء:123] أخوف آية في كتاب الله، وكذلك: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47].

    مفهومات خاطئة

    بعض الإخوان عندهم مفهومات خاطئة تقود إلى التباطؤ في التنفيذ، يقول: لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ظروفي لا تسمح، لا أستطيع، لا أطيق، وقد لا يكون صادقاً في دعواه، يستشهدون بالآيات، أمرنا بالجهاد وفيه قتل نفس، هل ممكن واحد يقول: لا أستطيع، هذا فيه قتل نفس، نقول: أمرت لابد أن تنفذ، وبعض الإخوان هداهم الله إذا وقع في بعض المحرمات، قيل له: ألا تنتهي ألا تكف؟ يقول لك: في المسألة خلاف، والمسألة فيها سعة، وبعض الناس حللوها، والدين فيه فسحة، وهكذا يقعد يترخص لنفسه ويجمع الرخص؛ المشايخ اختلفوا، والفتاوى تضاربت.

    أولاً: قضية المسألة فيها خلاف، هل نعي أنه ليس كل خلاف صحيح وسائغ، وأن هناك أقوالاً باطلة؟

    وليس كل خلاف جاء معتبراً     إلا خلافٌ له حظٌ من النظر

    ليس كل خلاف سائغ، ثم لا يحق للعامي أن ينتقي من الأقوال على ما يشتهي وعلى حسب هواه، لابد أن يسأل أهل العلم ويقلد مادام عامياً، فإذا قال له المفتي الثقة: امتنع، يمتنع، وإذا قال له: يجوز، يجوز، هل طبق قول الله تعالى: فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]؟

    ثم بعضهم قد يقول: سألت فلاناً فلم يعطني جواباً يعجبني، فيذهب ويسأل واحداً آخر، وبعض الناس مع الأسف يكون ممتنعاً عن محرم معين، فيسمع شيخاً قال يوماً من الأيام: إنه يجوز، فيأتي الشيطان يقول له: هذا فلان أفتى بالجواز، كأنه باب فتح له، وشيء ينتظره، قال: انحلت فقد أفتى فيها فلان، أليس هناك شيء اسمه زلة العالم؟ قد يزل العالم، ثم أين الاعتناء والحرص على الدليل الذي يبين لك الزلة والمقارنة بأقوال أهل العلم؟

    أيها الإخوة! إننا لا نستطيع أن نخادع الله تعالى: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ [البقرة:9].

    طول الأمل

    لابد أن نعلم أيضاً أن طول الأمل ينسينا ويطغينا ويرجئ التنفيذ عندنا، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يونس:7-8].

    أيها الإخوة! إن مسألة سوف، ولعل، وسنطبق بعد ذلك قد أساءت إلينا كثيراً، كلما جاء طارق الخير صرفه بوَّاب لعل وعسى، الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (اغتنم فراغك قبل شغلك) (بادروا بالأعمال) وقال الله قبل ذلك: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران:133] وهذا يعني أنك تعمل الآن ولا تدري ماذا سيحدث لك في المستقبل.

    جعل الصلاح كلاً لا يتجزأ

    ومن الشبهات التي تؤجل التنفيذ وتمنعه عند البعض: أنه يجعل الصلاح كلاً لا يتجزأ، ويقول: إما التزام كامل أو لا التزام، أما نصف التزام فلا، وهذه مصيبة، وخدعة شيطانية كبيرة؛ فمن منا لا يقصر؟

    فما دام التقصير حاصل، فإذاً سيقول لنفسه: أنا في حل الآن، ولا داعي للخداع مع نفسي، مادام أنني لست متديناً تديناً كاملاً، فلا يلزمني أن أفعل هذا وهذا، سأدعه كله، يا أخي افعل وطبق ما تستطيع، ولو كان فيك تقصير فاحرص على الطاعات الأخرى، بعض الناس يمكن أن يمتنع عن معاصي؛ لأن نفسه ليست متعلقة بها تعلقاً شديداً، ويقع في معاصي؛ لأن نفسه متعلقة بها تعلقاً شديداً، أيهما أسوأ هذا أم الذي يقع في كل المعاصي، ويقول: مادام وقعنا في الأولى نقع في الثانية.. أيهما أشد عذاباً؟ ثم لو عملت وطبقت الصالحات فإنها ستنهاك عن المعاصي، وستؤجر على الطاعات، وسترجح كفة حسناتك يوم القيامة.

    أحياناً يبتلى الإنسان بزوجة جاهلة مفرطة -ربما يكون عندنا قصور في التصور الإسلامي الصحيح- تجره إلى تنازلات وإلى منع من الخيرات، أحدهم رجع بعد خطبة الجمعة متأثراً، الخطيب كان يتكلم عن إسبال الثوب، وأنه لا يجوز، والوعيد الذي جاء فيه، فقال لزوجته: قصري لي ثيابي، فقالت له: لما تصلي في المسجد؛ تعال اقصر لك الثياب، المسكين أفحمته ولم يستطع أن يرد عليها من جهله ومن جهلها أيضاً، إذا أنت تستطيع أن تنفذ شيئاً الآن لماذا لا تنفذه؟ نفذ ولا تقل أبداً: عندي معاصي أخرى، وهذا ينفعك عند الله.

    وقد يكون عندنا أيها الإخوة استهانة بالصغائر، لا تنظر إلى صغر المعصية وانظر إلى من عصيت، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: [إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن تقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه، فقال به هكذا وهكذا، فطار] رواه الترمذي رحمه الله تعالى.

    عدم وجود قناعة في الالتزام بالإسلام

    كثيراً ما تكون عدم وجود القناعة في الالتزام بالإسلام مانعاً من التطبيق، فبعض الناس يقول: عليَّ ضغوط ولا أستطيع أن أنفذ.

    يا أخي قاوم، بعض الناس يقنع بالتحسن التدريجي، يقول: أنا سأضع خطة خمسية للالتزام بالإسلام، يمكن تموت في السنة الثالثة أو الرابعة، من أعطاك ضماناً بأنك ستعيش حتى تنفذ كل الخطة.

    إذاً يا إخوان! لا يصح أبداً أن نقبل خداع أنفسنا لأنفسنا، خداع النفس بالنفس مصيبة كبيرة، بعض الناس يتخيل أنه لا يمكن أن يفارق منكراً من المنكرات، وإذا قيل له: جهاز اللهو هذا الذي وضعته في بيتك، يقول: ما هو البديل؟ وإذا أخرجته كيف سأصرف وقتي؟ وماذا سيقول عني الناس وأهلي وأولادي وزوجتي؟ ويضخم القضية وفي النهاية يترك تنفيذ الحكم الشرعي، سبحان الله!

    وبعض الناس يقول: أريد أن أتدرج في تخفيف المنكر، ثم يبقى فترة طويلة من الزمن ولا يتخلص من المنكر، الشيطان يضخم المشكلة التي تنتج عن ترك الحرام، ويضخم العوائق، توكل على الله وأخرج المنكر والله يعينك، وينزل معونته على قدر مئونتك، وستشعر مع التنفيذ بحلاوة، وسيعينك الله على مواجهة الانتقادات، وعلى الصبر على الأذى، ويرتفع إيمانك وترزق حلاوة له، وعند ذلك تستطيع المقاومة والصمود والاحتمال، ثم أنت لو فشلت، على الأقل أنت خضت التجربة، وبذلت محاولة، أليس خيراً ممن لا يبذل شيئاً؟

    أيها الإخوة! الشيطان حريص على أن يصرفنا عن تنفيذ الأعمال وتطبيق ما تعلمناه، منية الشيطان ألا ننفذ، عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خصلتان، أو خلتان لا يحافظ عليهما رجل مسلم إلا دخل الجنة، هما يسير ومن يعمل بهما قليل، تسبح الله عشراً، وتحمد الله عشراً، وتكبر الله عشراً في دبر كل صلاة، فذلك مائة وخمسون باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان، وتسبح ثلاثاً وثلاثين، وتحمد ثلاثاً وثلاثين، وتكبر أربعاً وثلاثين، إذا أخذ مضجعه، فذلك مائة باللسان وألف في الميزان، فأيكم يعمل في اليوم ألفين وخمسمائة حسنة؟ قالوا: يا رسول الله! كيف هما يسير ومن يعمل بهما قليل؟ قال: يأتي أحدكم الشيطان إذا فرغ من صلاته فيذكره حاجة كذا وكذا، فيقوم ولا يقولها- السيارة واقفة خطأ اطلع بسرعة، ينتظرونك في البيت، الآن يأتي فلان ولا يجدك قم بسرعة- فإذا اضطجع - أي: للنوم- يأتيه الشيطان فينومه قبل أن يقولها، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقدهن في يده) رواه الإمام أحمد.

    وفي رواية لـابن ماجة ، قال: (يأتي أحدكم الشيطان وهو في صلاته، يقول: اذكر كذا وكذا، حتى ينفك العبد لا يعقل، ويأتيه وهو في مضجعه، فلا يزال ينومه حتى ينام) إذاً الشيطان يأتي يهدهد على الإنسان يريد أن ينومه بسرعة قبل أن يقول الأذكار، ولذلك هناك ناس فعلاً، يقول: والله يا أخي أني أحاول أن أقول الأذكار قبل النوم، وأنا أعرف أن هذا ذكر عظيم، سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر أربعاً وثلاثين قبل النوم، لكن ما أن أضع رأسي على الوسادة إلا وأذهب في الشخير والنوم العميق، لاحظ الحديث يقول: (فلا يزال ينومه حتى ينام) فإذا تسلح الإنسان بالإرادة والعزيمة والتوكل على الله؛ طبق ونفذ ولم يجعل للشيطان عليه سبيلاً.

    عدم الإحساس بقيمة المعلومة

    هنا مسألة مهمة في قضية التنفيذ والتطبيق وهي: الإحساس بقيمة المعلومة، كان الواحد من السلف عندما يأخذ معلومة أو حديثاً أو آية، وعندما يأخذ حكماً شرعياً، يحس أنه عثر على كنز ثمين وصيد وفير، ولذلك يقدر القضية حق قدرها وينفذ، لكن نحن اليوم نسمع العشرات من المعلومات، لكن لا نحس أننا قد حصلنا على شيء كثير، مثل هذه المعلومة مثلاً: يسبح الله قبل النوم ثلاثاً وثلاثين، ويحمد الله ثلاثاً وثلاثين، ويكبر أربعاً وثلاثين، عددها مائة، أي: ألف حسنة.

    هل تظن أننا عندما تصل إلينا هذه المعلومة أنها في نفوسنا شيء عظيم جداً، وأننا قد حصلنا كنـزاً عظيماً، أم أن المسألة عادية؟ وهذا سر من أسرار التلكؤ أو عدم التنفيذ، أننا لا نقدر المعلومة حق قدرها.

    كان بعض المحدثين لا يكثر من التحديث، يعطي الطالب في اليوم ثلاثة أحاديث يمليها عليه فقط، ليتمكن من العمل، ويقول للسائل: هل عملت بالذي أمليت عليك أمس؟ فإذا قال: لا. يقول: فلماذا تستكثر من حجج الله علينا وعليك؟

    1.   

    علاج عدم التطبيق: التفكر في أحوال السلف

    إن من العلاجات العظيمة أيها الإخوة: أن نفكر كيف كان السلف ينفذون، نتأمل في تلك القصص، يقول المروذي : قال لي أحمد رحمه الله: ما كتبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً - مسند الإمام أحمد فيه حوالي أربعين ألف حديث، والمطبوع فيه تقريباً سبعة وعشرين ألف حديث- يقول: ما كتبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم حديثاً إلا وقد عملت به، حتى مر بي في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم، وأعطى أبا طيبة ديناراً للحجام، فأعطيت الحجام ديناراً حين احتجمت. والدينار أربع غرامات وربع، وسعر الغرام في السوق ستة وثلاثين وخمسة وثلاثين وكان أربعين من قبل وأكثر، فالإمام أحمد احتجم وأعطى الحجام ديناراً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الحجام ديناراً.

    واستأذن الإمام أحمد رحمه الله زوجته في أن يتخذ أمة طلباً للاتباع، فأذنت له، فاشترى جارية بثمن يسير وسماها ريحانة استناناً بالرسول صلى الله عليه وسلم.

    كان أبو داود السجستاني في النهر، فسمع رجلاً قد عطس وحمد الله، فاستأجر قارباً وذهب إلى الرجل وشمته، قال: يرحمك الله. استأجر قارباً ليصل إلى هذا العاطس ويشمته ليطبق السنة، كله الحرص على التنفيذ وعلى التطبيق، هذا حالهم، أولئك آبائي فجئني بمثلهم، هؤلاء قدواتنا ينبغي أن نقتدي بهم.

    أقوال السلف في الحث على تطبيق العلم

    إن العلماء أيها الإخوة قد ذكروا حرص طالب العلم على تطبيق العلم، والخطيب البغدادي رحمه الله له كتاب اسمه اقتضاء العلم العمل ، يقول فيه: العلم شجرة والعمل ثمرة، وليس يعد عالماً من لم يكن بعلمه عاملاً، العلم والد والعمل مولود، العلم مع العمل والرواية مع الدراية، فلا تأنس بالعمل إذا كنت مستوحشاً من العلم، ولا تأنس بالعلم إذا كنت مقصراً في العمل، ولكن اجمع بينهما.

    ثم قال رحمه الله تعالى: فإن الله سبحانه وتعالى قال: فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ [آل عمران:187] قال بعض السلف: تركوا العمل به، وأول من تسعر بهم النار يوم القيامة الذين لا يعملون بعلمهم، وكذلك فإن من الذين تسعر بهم النار، رجل آتاه الله القرآن وعرَّفه تلك النعمة فعرفها، قال: ما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وقرأت القرآن وعلمته فيك، فقال: كذبت، إنما أردت أن يقال: فلانٌ قارئ، فقد قيل، فأمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.

    قال الناظم:

    وعامل بعلمه لم يعملن     معذب من قبل عباد الوثن

    قوم يوم القيامة تقرض شفاههم بمقاريض من نار، من هؤلاء يا جبريل؟ قال: خطباء من أمتك الذين يقولون ولا يفعلون، ويقرءون كتاب الله ولا يعملون.

    الإنسان يسأل يوم القيامة عن علمه ماذا عمل فيه، وكذلك فإن أبا الدرداء رضي الله عنه قد قال: [إنما أخاف أن يكون أول ما يسألني عنه ربي أن يقول: قد علمت فما عملت فيما علمت]. حسن موقوف عليه.

    وكان بعض السلف يقول: أخشى ألا تبقى آية في كتاب الله تعالى آمرة أو زاجرة إلا جاءتني تسألني فريضتها، فتسألني الآمرة هل ائتمرت، والزاجرة هل ازدجرت، فأعوذ بالله من علم لا ينفع ومن نفس لا تشبع.

    كان فتىً يختلف إلى أم المؤمنين عائشة يسألها ويكثر السؤال، فقالت: [يا بني! هل عملت بما سمعت مني؟ فقال: لا والله يا أماه، فقالت: يا بني! فلم تستكثر من حجج الله علينا وعليك؟] قال وهب بن منبه : مثل من تعلم علماً لا يعمل به، كمثل طبيب معه دواء لا يتداوى به.

    لماذا حصلت البركة عند الأولين؟ لأنهم كانوا يأخذون عشر آيات لا يتجاوزنها حتى يعملوا بما فيها، ولذلك تعلموا العلم والعمل جميعاً.

    قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: [يهتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل].

    الإمام أحمد جاءه شاب يطلب الحديث، لما لاحظ عليه الإمام أحمد أنه لا يقوم الليل، قال: أف لطالب حديث لا يقوم الليل.

    قال خلاد : أتيت سفيان بن عيينة ، فقال: إنما يأتي بك الجهل لا ابتغاء العلم، لو اقتصر جيرانك على علمك لكفاهم، ثم كوم كومة من بطحاء، ثم شقها بإصبعه، ثم قال: هذا العلم أخذت نصفه، هل استعملته؟

    ولذلك إيانا وخدعة جمع العلم ثم نعمل، قال حفص بن حميد : دخلت على داود الطائي أسأله مشكلة وكان كريماً، فقال: أرأيت المحارب إذا أراد أن يلقى الحرب، أليس يجمع آلته؟ فإذا أفنى عمره في الآلة فمتى يحارب؟ إن العلم آلة العمل، فإذا أفنى عمره في جمعه، فمتى يعمل؟

    أيها الإخوة! إن مخالفة العلم للعمل خطيرة جداً، هناك واحد في النار يجاء به يدر بأقتاب بطنه كما يور الحمار بالرحى، فيطوف به أهل النار، فيقولون: (أي فلان! ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: إني كنت آمر بالمعروف ولا أفعله، وأنهى عن المنكر وأفعله). رواه البخاري .

    وأناس في آخر الزمان الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا عنهم يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون.

    جاءت امرأة إلى ابن مسعود رضي الله عنه تقول: أنبئت أنك تنهى عن الواصلة؟ قال: نعم، ثم بين لها الدليل، قالت المرأة: فلعله في بعض نسائك، يمكن بلغنا أن زوجتك تفعل نمص الشعر، قال: ادخلي بنفسك وتأكدي، فدخلت ثم خرجت فقالت: ما رأيت بأساً، قال: [ما حفظت إذاً وصية العبد الصالح، وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه، لو فعلت ذلك ما جامعناها ولا سكنا معها أصلاً].

    قال الحسن : " كان الرجل إذا طلب العلم؛ لم يلبث أن يرى ذلك في بصره وتخشعه ولسانه وصلته وزهده ".

    نداءات لصاحب العلم

    يا صاحب العلم! إن الذي علمت ثم لم تعمل به؛ قاطعٌ حجتك ومعذرتك عند ربك إذا لقيته.

    يا صاحب العلم! إن الذي أمرت به من طاعة الله؛ ليشغلك عما نهيت عنه من معصية الله.

    يا صاحب العلم! لا تكونن قوياً في عمل غيرك ضعيفاً في عمل نفسك.

    يا صاحب العلم! إنه لا يكمل ضوء النهار إلا بالشمس، كذلك لا تكمل الحكمة إلا بطاعة الله.

    يا صاحب العلم! إنه لا يصلح الزرع إلا بالماء والتراب، كذلك لا يصلح الإيمان إلا بالعلم والعمل.

    يا صاحب العلم! كل مسافر متزود، وسيجد إذا احتاج إلى زاده ما تزود، وكذلك سيجد كل عامل إذا احتاج إلى عمله في الآخرة ما عمل في الدنيا.

    كيف أنت إذا قيل لك يوم القيامة أعلمت أم جهلت؟ فإن قلت: علمت، قيل لك: فماذا عملت فيما علمت؟ وإن قلت: جهلت، قيل لك: فما كان عذرك فيما جهلت؟ ألا تعلمت؟

    الذي يعرف ولا يعمل، ويعلم الناس ولا يعمل، قال النبي عليه الصلاة والسلام فيه: (مثل العالم الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه، كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه) رواه الطبراني ، وصححه الألباني .

    إذا أراد الله بعبد خيراً؛ فتح له باب العمل، وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبد شراً، فتح له باب الجدل، وأغلق عنه باب العمل، كان السلف يستعينون على حفظ الحديث بالعمل به، أبو بكر النشهلي في سياق الموت يومئ برأسه يصلي، قال له من حوله: سبحان الله! على هذه الحال، قال: أبادر طي الصحيفة، أي: قبل ما تطوى صحيفتي ألحق ركعتين.

    وجاء أحد الصالحين الحلاق ليقص له شاربه، وهو لا يفتأ يذكر ربه، فقال: اسكت حتى أقص الشارب، فقال: أنت تعمل وأنا أعمل، قال: لا أتوقف عن العمل.

    ولا ترجِ فعل الخير يوماً إلى غدِ     لعل غداً يأتي وأنت فقيد

    احذروا سوف، إن سوف من جند إبليس، الآن موسم الحج قادم، بعض الناس شباب بالغون يجب عليهم الحج، ويستطيع يأخذ إجازة ويذهب، ما عذره؟ والحج قريب، يقول: إذا كبرت، وفي المستقبل، وهل تضمن أن تعيش إلى المستقبل؟

    علم بلا عمل، كشجرة بلا ثمر.

    نظر الناس إلى عمل العالم قبل كل شيء

    أيها الإخوة! إن الناس ينظرون إلى العالم أول شيء في عمله ماذا يعمل؟ إذا عمله طابق قوله، أخذوا به، حتى لو كانت المسألة لا علاقة لها بالموضوع، جاء أعرابي إلى ابن أبي ذئب وهو من كبار الفقهاء، فسأله عن مسألة الطلاق، فأفتاه أن زوجته طالق، فقال: انظر حسناً، هذا أعرابي عنده جفاء يقول للشيخ: فكر وأعد النظر فيها، قال: نظرت وقد بانت منك، فقال الأعرابي الجاهل:

    أتيت ابن أبي ذئب أبتغي الفقه عنده     فطلق حتى البت تبت أنامله

    أطلق في فتوى ابن ذئب حليلتي     وعند ابن ذئب أهله وحلائله

    الآن الشيخ زوجته عنده وأنا بدون زوجه، لا يمكن، وهذا من الجهل.

    فإذاً الناس ينظرون إلى فعل العالم وإلى طالب العلم ويحتجون به، ولذلك لابد أن يتقن طالب العلم العمل.

    تناقش بعض الأشخاص في حكم النوم بعد العصر، واحد قال: يجوز، وواحد قال: لا يجوز، قال واحد: يا أخي أنا عندي الخبر يجوز النوم بعد العصر، بالطبع هو يجوز النوم بعد العصر، لكن انظر الدليل، فقال له صاحبه: ما هو الدليل على أنه يجوز النوم بعد العصر؟ قال: ذهبت إلى الشيخ فلان بعد العصر فوجدته نائماً، مع أن أفعال النبي عليه الصلاة والسلام هي الحجة، لكن الناس هكذا.

    وبعض طلبة العلم يقف مع صورة العمل، مع القراءات والأسانيد، ويقف مع الأقوال يجمعها في الفقه والخلاف، ثم ينسى قضية العمل، ولذلك ابن الجوزي وعظ نفسه في هذا، قال لما رآها وقفت مع صورة العلم فقط، قال: صحت بها، فما الذي أفادك العلم؟ أين الخوف والحذر؟ أوما سمعت بأخبار أخيار الأحبار في تعبدهم واجتهادهم؟ أما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الكل، ثم قام حتى ورمت قدماه؟

    أما كان أبو بكر شجي النشيج كثير البكاء؟

    أما كان في خد عمر خطان من الدموع؟

    أما كان عثمان يختم القرآن في ركعة؟

    أما كان علي يبكي في الليل في محرابه حتى تخضل لحيته بالدموع، ويقول: [يا دنيا! غري غيري؟].

    أما كان سعيد بن المسيب ملازماً للمسجد، فلم تفته صلاة الجماعة أربعين سنة؟

    أما صام الأسود بن يزيد حتى اخضر واصفر؟

    أما قالت بنت الربيع بن خثيم له: مالي أرى الناس ينامون وأنت لا تنام؟ قال: أن أباك يخاف عذاب البيات؟

    أما صام يزيد الرقاشي أربعين سنة، وكان يقول: وا لهفاه! سبقني العابدون وقطع بي؟

    أما كان سفيان الثوري يبكي الدم من الخوف؟ أما كان إبراهيم بن أدهم يبول الدم من الخوف؟

    أما تعلمين أخبار الأئمة الأربعة في زهدهم وتعبدهم أبي حنيفة والشافعي وأحمد ومالك ؟

    هكذا يجب على الإنسان أن ينظر إلى السلف ، ويقارن نفسه.

    حث على العلم والعمل

    أيها الإخوة! ينبغي علينا أن نعود إلى الله سبحانه تعالى، وأن نقوم لله عز وجل بالتنفيذ والتطبيق، ونربي أولادنا على العلم والعمل، لنصحح المسيرة من أولها، إذا كان فاتنا من أعمارنا شيء لتقصير أهلينا وآبائنا وأمهاتنا، فلنستدرك ذلك في أبياتنا.

    هذه أبيات جميلة جداً يعظ بها أبٌ مشفق ابنه، كناه بأبي بكر، يقول له:

    أبا بكر دعوتك لو أجبت     إلى ما فيه حظك لو عقلت

    إلى علمٍ تكون به إماماً     مطاعاً إن نهيت وإن أمرت

    ويجلو ما بعينك من غشاها     ويهديك الصراط إذا ضللت

    وتحمل منه في ناديك تاجاً     ويكسوك الجمال إذا اغتربت

    ينالك نفعه مادمت حياً     ويبقى ذكره لك إن ذهبت

    وكنز لا تخاف عليه لصاً     خفيف الحمل يوجد حيث كنت

    يزيد بكثرة الإنفاق منه     وينقص إن به كفاً شددت

    فلو قد ذقت من حلواه طعمـاً     لآثرت التعلم واجتهدت

    ولم يشغلك عنه هوىً مطـاعٌ     ولا دنيا بزخرفها فتنت

    فواظبه وخذ بالجد فيه     فإن أعطاكه الباري أخذت

    وإن أوتيت فيه طول باعٍ     وقال الناس أنك قد سبقت

    فلا تأمن سؤال الله عنه     بتوبيخٍ علمت فهل عملت

    وأخيراً: نلجأ إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء، نسأل الله أن يعيننا على تطبيق ما تعلمناه، ونسأله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما يرضيه، وأن يجعلنا من الحريصين على تطبيق العلم والعمل به، يقول أبو بكر بن العربي : كنت مقيماً في ذي الحجة في سنة (489هـ) أشرب من ماء زمزم كثيراً، وكلما شربته نويت به العلم والإيمان، ففتح الله لي ببركته في المقدار الذي يسره لي من العلم، ونسيت أن أشرب للعمل، يا ليتني! شربته لهما، حتى يفتح الله لي منهما، ولم يقدر- يقول من تواضعه- فكان سطوي للعلم أكثر منه للعمل، وأسأل الله الحفظ والتوفيق برحمته.

    فإذاً ينبغي أن نسأل الله عز وجل أن يوفقنا للعمل بالعلم، وأن يعيننا على ذلك، ونسأله سبحانه وتعالى حسن السريرة وحسن السيرة، ونسأله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما يرضيه، وأن يباعد بيننا وبين ما لا يرضيه، ونسأله عز وجل أن ينعم علينا بلباس التقوى، وأن يرزقنا التمسك بالعروة الوثقى، وأن يجعلنا من أهل الإيمان علماً وعملاً ورائحة زكية، كما أن المؤمن قارئ القرآن كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب، ونسأله أن يباعد بيننا وبين النفاق، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً إنك سميع مجيب قريب.