إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. محمد المنجد
  4. قاعدة في المحبة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

قاعدة في المحبة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللهللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الحب والإرادة هي أصل كل حركة في العالم، وهما أصل كل دين، والدين لابد أن يشتمل على عقيدة للروح. حول هذا وغيره دار كلام الشيخ حفظه الله في هذه المحاضرة، ثم أتى بكلام شيخ الإسلام عن لفظة العشق، والمآخذ التي عليها، ومفاسدها في حق الله والخلق.

    1.   

    الحب والإرادة أصل كل حركة في العالم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

    فالرسالة التي سنستعرض جزءاًً منها وإياكم في هذه الليلة هي رسالة عظيمة، لشيخ عظيم وهو شيخ الإسلام أحمد بن عبد السلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

    وهذه الرسالة اعتنى بإخراجها وتحقيقها الشيخ: محمد بن رشاد بن محمد بن رفيق بن سالم رحمة الله تعالى عليه، والذي كان له نصيب وافر من الجهد في تحقيق كتب شيخ الإسلام رحمه الله، حتى إنه من أعظم إن لم يكن هو أعظم من قام بتحقيق رسائله تحقيقاً دقيقاً في هذا العصر.

    يقول إنه وجد هذه الرسالة في عام [1975م] في مخطوطات كتب شيخ الإسلام رحمة الله تعالى في المكتبة الظاهرية بعنوان ( قاعدة في المحبة ) فصورها واحتفظ بها، ثم بعد .. ذلك قام بتحقيقها ونشرها، ومن الأدلة التي تثبت نسبة هذه الرسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ما ذكره الحافظ ابن عبد الهادي في كتاب العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    يقول عن مؤلفاته وما تركه من آثار: "وقاعدة كبيرة في محبة الله للعبد ومحبة العبد لله، وهناك قاعدة أخرى هي قاعدة في وجود تقديم محبة الله تعالى ورسوله على النفس والمال والأهل، وله -أي: ابن تيمية رحمه الله تعالى- قاعدة بعنوان: ( أمراض القلوب وشفاؤها ) وهذه أيضاً غير رسالة التحفة العراقية في الأعمال القلبية " هذه من مؤلفات شيخ الإسلام رحمه الله، الشاهد أن هذه القاعدة ( قاعدة في المحبة) من الرسائل العظيمة التي ألفها رحمه الله.

    مطلعها:

    (بسم الله الرحمن الرحيم. على الله توكلي.

    الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله وحبيبه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    أما بعد:

    فهذه قاعدة عظيمة في المحبة وما يتعلق بها من جمع الإمام العلامة شيخ الإسلام بقية السلف الكرام، أبي العباس أحمد ابن الشيخ شهاب الدين عبد الحليم ابن الشيخ مجد الدين أبي البركات عبد السلام ابن تيمية ، رضي الله عنه وأرضاه.

    والناسخ لهذه الرسالة يظهر أنه قد كان في القرن التاسع بحسب ما يظهر على المخطوطة قال رضي الله عنه: "فصل في الحب والبغض، والمحمود من ذلك والمذموم".

    فالقاعدة هذه اشتملت على قواعد تفصيلية في المحبة، من المهم تدوين هذه القواعد واستيعابها، أول قاعدة ابتدأ بها رسالته قال:

    " القاعدة الأولى: وأصل كل فعل وحركة في العالم من الحب والإرادة فهي أصل كل فعل ومبدؤه.

    حتى إن الإنسان يتعاطى بعض المكروهات لأجل المحبة، فمثلاً يشرب الدواء المر، لأجل محبة الصحة والعافية.

    وكذلك المؤمن يُحب رحمة الله ونجاته فيترك الهوى، وترك الهوى شيء ثقيل على النفس، لكن لأجل النجاة ومحبة الجنة وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46] وقال: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40-41] فلا يترك الحي ما يحبه ويهواه إلا لما يحبه ويهواه " لا يمكن أن يترك شيئاً يحبه إلا لشيء آخر يحبه، ولكن هذا الثاني أعظم وأكبر.

    ولذلك ما ترك المحبوب الأول إلا لأجل محبوب أعظم منه، فيترك أضعفها لمحبة أقواهما.

    وهذه قاعدة أخرى: فلا يترك الإنسان المحبة الأضعف لأجل المحبة الأقوى.

    قال: " ولهذا كان رأس الإيمان الحب في الله والبغض في الله، وكان من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان ".

    1.   

    المحبة المأمور بها هي عبادة الله وحده

    بعد بيان أن المحبة والإرادة أصل كل حركة في العالم، فإنه لابد أن يُعلم أن المحبة تنقسم إلى قسمين: محبة محمودة ومحبة مذمومة، وهنا قاعدة:

    أصل المحبة المحمودة التي أمر الله بها هي عبادته وحده لا شريك له، من أي شيء تنبع المحبة؟ وأين توجد المحبة في عبادة الله وحده لا شريك له؟ فكلمة العبودية تنطوي على المحبة ولا شك.

    ويكون أعظم أقسام المحبة المذمومة هي المحبة الشركية التي يُشرك فيها العبد مع الله عز وجل، فعبادة الله هي أصل السعادة، وعبادة غير الله هي أصل الشقاء، لأن عبادة الله تنتج محبة الله التي تشيع السعادة في النفس، وعبادة غير الله تنتج حب غير الله الذي يؤدي إلى الشقاء وتعاسة النفس.

    فأهل التوحيد الذين أحبوا الله وعبدوه وحده لا شريك له لا يبقى منهم في العذاب أحد -في النهاية- حتى لو كان عندهم معاصي وحتى لو عذبوا في الآخرة لا يبقوا في العذاب ولابد أن يخرجوا.

    والذين اتخذوا من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله، وعبدوا غير الله، وهم أهل الشرك لا يخرج منهم من العذاب أحد، وكل ما في القرآن هو الأمر بمحبة الله ولوازمها، والنهي عن ضدها، وضرب الأمثال للنوعين وقصص أهل النوعين، فلا يمكن أ، يخرج ما في القرآن عن هذا.

    لو قلت: القرآن يدور على أي شيء؟

    نقول: يدور على محبة الله ولوازمها وضدها وأهل الفريقين -أهل الحب لله وأهل الحب لغير الله- وضرب الأمثال لهما وقصصهما، هذا هو القرآن، هذا التأمل مدخل في ربط العبودية والمحبة بما في القرآن العظيم.

    الله هو الذي يحب لذاته

    هل هناك شيء يحب من وجه ولا يُحب من وجه، وشيء يُحب من كل الوجوه؟

    الجواب: نعم.

    الشيء الذي يحب لذاته، ويحب من كل الوجوه هو شيء واحد، وهو الله عز وجل، وهذه قاعدة.

    فتحبه لقضائه وقدره وصفاته وأفعاله، وتحبه لنعمه عليك وخلقه، فيُحب من كل الوجوه سبحانه وتعالى.

    أنت قد تحب شخصاً لوجه وتبغضه من وجه، تُحب عملاً من أعماله، وتبغض عملاً من أعماله؛ تحب فيه خلقاً وتكره فيه آخر، لكن الذي يُحب من جميع الوجوه هو الله عز وجل، والذي يُحب لذاته محبة صحيحة هو الله عز وجل، وكل الأشياء الأخرى التي ليست محبتها لذاتها وإنما محبتها لغيرها، ولما توصل إليه.

    والمؤمن يعبد الله سبحانه وتعالى، والكافر يعبد غير الله عز وجل، فالمؤمن يخضع لله ويحبه، ويخلع الأنداد ولا يحبها، والمشرك يحب غير الله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة:165] ولما آمن الخليل كفر بكل شيء يعبد من دون الله وأبغضه وقال : لا أحب الآفلين.

    المحبة أصل كل حركة

    يعيد تلخيص ما مضى فيقول: " كل متحرك فأصل حركته المحبة والإرادة، ولا صلاح للموجودات إلا أن يكون كمال محبتها وحركتها لله تعالى، كما أنه لا وجود لها إلا بخلق الله لها " فإذاً: لا صلاح للموجودات إلا بأن تُحب الله، وبكمال محبته تسعد وتستقر الأمور.

    مبعث الأعمال والحركات شيء داخلي، والمحبة والإرادة وهي النية قال: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) وهذا يعم كل عمل وكل نية، فكل عمل في العالم بحسب نية صاحبة، وليس للعامل إلا ما نواه وقصده وأراده وأحبه بعمله، ليس في ذلك تخصيص ولا تقييد ".

    وهذا رد على من يقيد: ( إنما الأعمال بالنيات ) بالنية الشرعية المأمور بها، فيحتاج هذا إلى أن يحصر الأعمال في الأعمال الشرعية، ولكن المسألة أعم من ذلك لأن النية موجودة في كل متحرك، وكل مخلوق يعقل ففيه نية، المخاليق التي تتحرك تنبعث من نياتها وإراداتها ومن محبتها.

    قال: " وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أصدق الأسماء الحارث والهمام) فالحارث: هو العامل، والهمام: هو القاصد المريد، وكل إنسان متحرك بإرادته حارث همام ".

    أقسام الحركات عند الله

    والمحبة والإرادة التي هي مبعث كل الحركات في العالم، تنقسم إلى شيء محبوب لله وغير محبوب لله، وكذلك الأعمال والحركات منها محبوب لله، ومنها غير محبوب لله، وإذا كان كذلك فالمحبة لها آثار وتوابع، سواء كانت محبة صالحة محمودة، أو كانت غير محمودة، فمثلاً لها حلاوة ولها أحزان.

    والحي العاقل لا يختار أن يُحب ما يضره، وإذا فعل فإنما يكون ذلك عن جهل أو هوى، لأن النفس قد تهوى ما يضرها، بل كثيراً ما تهوى ما يضرها، وهذا من ظُلم النفس، وقد تكون جاهلة فتهوى شيئاً وتحبه وليس من مصلحتها، وقد يعمل الإنسان شيئاً نتيجة لاعتقاد فاسد من شبهة أو شهوة، علماً بأن الشهوة بحد ذاتها ليست مذمومة، فإن من الشهوات ما هو محمود ومنها ما هو مباح.

    فمثلاً: القريب الذي يُحب لقاء قريبه ويشتهي ذلك ويهواه، فهذه المحبة في نفسه موافقة لما يريده الله، وهذا شيء محمود، لأن أصل صلة الرحم من اسمه سبحانه وتعالى، الرحم من الرحمة والرحمان.

    فهذه الرحم التي خلقها الله سبحانه وتعالى وسماها باسم مشتق من اسمه، وسماها بشيء مشتق من صفته، وهي صفة الرحمة، فالله يحبها، فإذا الإنسان تابع هواه ومحبته في لقاء قريبه، يكون موافقاً لمحبة الله.

    لكن حتى محبة الأقرباء إذا لم تضبط بضوابط الشرع قد تنقلب إلى محبة ضارة يبغضها الله، مثل من أحب بعض أولاده أكثر من بعض، فنتج عن ذلك أنه لم يساو بينهم في الأُعطيات، فجار بين الأولاد، وكذلك من دفعه محبته لأقربائه إلى محاباتهم على حساب أصحاب الحق، فأنت تسمع بعض العامة يقولون مثلاً: أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب، هذه قاعدة عندهم، فيقول: أنا مع الأقرب أسانده وأناصره وأعاضده ولو جار ولو ظلم، أدخل معه في هيشاته وأناصره على الغريب ولو كان الغريب محقاً.

    فإذن قد تكون بعض الأشياء التي أصلها محمود مثل الاعتناء بالرحم، ولكن إذا لم تضبط بضوابط الشرع فإنها تؤدي إلى الجور، ولذلك يقول الله تعالى: وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى [الأنعام:152] وكذلك الذي يحب الطعام والشراب والنساء -وأقصد بالشراب الأشربة المباحة- فإن هذا محمود، بل لا يصلح حال ابن آدم إلا بهذا، ولو أن الإنسان لا يأخذ حظه من طعام وشراب ونكاح فلن تستقيم النفس ولن تقوم الأنساب ولن توجد الذرية، ولكن هذه المحبة للطعام والشراب والنكاح لو لم تُضبط بضوابط الشرع فإنها تؤدي إلى مفاسد.

    ولذلك قال الله في الضوابط: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف:31] وقال الله في النكاح: إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ [المؤمنون:7] تعدى النكاح والزواج وملك اليمين في شهوة الوطء والاستمتاع واللذة فإنه سيقع في الحرام فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المعارج:31] أي: الذين جاوزوا حدود العدل.

    ومن الناس من تكون آراؤه واستحساناته موافقة للنصوص، كما عبر عن ذلك مجاهد رحمه الله بقوله: " أفضل العبادة الرأي الحسن، وهو اتباع السنة ".

    فمن الناس من صلاحهم وقربهم من الله، وصلاح فطرتهم أن آرائهم موافقة للحق.

    عمر رضي الله عنه كان يرى ويهوى تحريم الخمر بعقله، ورأيه أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم لابد أن يحجبن، ويفرض عليهن الحجاب، وكان يرى أن هذا هو الصحيح ونزل القرآن بموافقة آراء عمر رضي الله عنه؛ لأنه من قربه من ربه وسلامة فطرته وعقله أدرك أموراً يريدها الشرع ووافق ربه فيها.

    وقد قال الله تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ [سبأ:6] ولذلك صاحب العقل السليم أحياناً يكون كافراً، ويتوصل بعقله إلى شيء موجود في الشرع، ولكن طبعاً أكثر من يحصل لهم ذلك هم علماء الإسلام، أهل الحق وأهل السنة، هؤلاء الذين تكون آراؤهم موافقة للحق، بحيث لو أن الواحد ما اطلع على الدليل يتوصل إلى النتيجة، ثم قد يطلع على الدليل فيحمد الله أن رأيه كان موافقاً للدليل.

    بعكس أهل الأهواء الذين أهواؤهم مخالفة للحق، ولذلك كان أهل السنة يسمون أهل البدعة بأهل الأهواء؛ لأنهم يخالفون الحق، والرأي المخالف للسنة لابد أن يكون جهلاً وظلماً.

    ما علاقة الهوى بمسألة المحبة؟

    العلاقة واضحة جداً؛ لأن اتباع الهوى يكون في الحب والبغض، فالإنسان يبغض بهواه ويحب بهواه، وقد يبغض شخصاً ويحب شخصاً، قد يبغض رأياً ويحب رأياً، ويبغض منهجاً ويحب منهجاً، فالمسألة تعم، فهو يُحب الأشياء ويبغضها على حسب هواه، فإذا كان هواه موافقاً لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم كان على الحق.

    خضوع الكون لمشيئة الله

    ثم أعاد التلخيص ليدخل في مسألة أخرى فقال رحمه الله: " ولما كانت كل حركة وعمل في العالم فأصلها المحبة والإرادة، وكل محبة وإرادة لا يكون أصلها محبة الله وإرادة وجهه فهي باطلة فاسدة، كان كل عمل لا يراد به وجهه باطلاً ...، وجميع الحركات الخارجة عن مقدور بني آدم والجن والبهائم فهي من عمل الملائكة ".

    وكأنه يقول: إن كل حركة في العالم، مبعثها المحبة والإرادة، فنستطيع أن نفسر مثلاً حركات الجن والإنس والبهائم والملائكة أنهم يريدون تنفيذ ما أمرهم الله سبحانه وتعالى به، فحركات الملائكة من جعل الرياح تهب والمطر ينزل ونحو ذلك؛ لأن هناك ملائكة موكلة بالمطر وملائكة موكلة بالسحاب، وملائكة موكلة بالريح، وملائكة موكلة بالجبال، وملائكة موكلة في أمور العالم التي لا علاقة ولا قدرة للجن والإنس والبهائم على التحكم فيها.

    وهذه الأشياء المخلوقة التي تتحرك إنما تتحرك في العالم خضوعاً لله، ابتداءً من ذرات أجسامنا وانتهاءً بذرات الأفلاك والسماوات، فكل الكون تدور حركته خضوعاً لله سبحانه وتعالى، وعبودية له وقهراً، حتى كفار بني آدم لا يخرجون عن مشيئة الله وتدبيره، بأي شيء؟ بكلمات الله، وهذا معنى حديث قد لا يعرف معناه الكثير من الناس، وإذا مروا به قد يمروا به مروراً سريعاً دون أن يقفوا على معناه، الآن يتبين معناه: (أعوذ بكلمات الله التامات اللاتي لا يجاوزهن بر ولا فاجر).

    فهذا الحديث ما معناه؟ أي: حتى الفجرة والكفرة يخضعون لكلمات الله التامات، ويُقهرون ويُذلون لأجل ذلك، وهذا من عموم ربوبيته وملكه سبحانه وتعالى أن أجساد الكفار وذرات أجسادهم منقادة له سبحانه وتعالى، وكل الحركات التي تسير في أجسامهم بقهر الله وتسخيره وأمره سبحانه وتعالى.

    أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ [الحج:18] كثير من الناس الذين لا يسجدون لله طوعاً منقادين رغماً عنهم لله عز وجل: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران:83].. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء:44] حتى ذرات أجساد الكفار؟

    الجواب: حتى ذرات أجساد الكفار تسبح بحمد الله ومنقادة مقهورة ولا يستطيع الكافر أن يدرأ عن نفسه الموت، ولا يستطيع أن يوجد نفسه، وكثير من الأشياء اللاإرادية لا يستطيع أن يفعل فيها شيئاً، ولا أن يقاومها.

    1.   

    أهل الطبائع لا يشهدون الحكمة من المخلوقات

    ويُلفت النظر إلى مسألة مهمة لدارسي الطب والفيزياء والعلوم الفلكية والعلوم الدنيوية، يقول:

    " فأما كثير من الناس -وهم علماء الدنيا- وأهل الطباع المتفلسفة وغيرها؛ فيعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا ويأخذون بظاهرٍ من القول) يرون ظاهر الحركات والأعمال التي للمخاليق وبعض أسبابها القريبة، وبعض حكمها وغايتها القريبة فيقولون: هذه علتها، كما يذكرون في وظائف الأعضاء في الطب، وفي تشريح الإنسان وأعضائه وحركاته، لماذا يحدث كذا؟ لأنه كذا وكذا.

    لا يقولون لأنها مخلوقة لله ومربوبة للرب، وأنه هو الذي يحركها ويصرفها ويسخرها، بل يقولون: إن هذا يحدث لأن إشارات الدماغ تُرسل العضلات فيحدث كذا، فيرون السبب القريب والغاية القريبة، ويعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا ولكن لا يقولون في كلامهم وفي كتبهم: تتحرك لأنها مربوبة للرب، ومقهورة ومذللة وخاضعة لله تعالى، ولأن هذا أمره، وهو الذي أمرها بأن تتحرك هكذا، ولماذا يسير الدم من هذا الاتجاه إلى هذا الاتجاه؟ لأن الله أمره بذلك وهو خاضع لأمر الله عز وجل.

    هذا السبب الأصلي، لكن السبب الظاهر مثلاً لأن الضخ كذا، واتجاه الضخ من القلب، فالدم يسير باتجاه كذا ونحو ذلك، فهؤلاء علماء الدنيا ما تصل عقولهم لقضية: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [الحج:18].. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء:44] ما تصل لهذا، يبقى فقط على مستوى الأسباب الدنيوية، تفسير الأمور بالأسباب الدنيوية.

    لماذا وقع هذا النيزك؟ لماذا انفجر هذا النجم؟ لماذا حصل كذا؟ فيقولون: أسباب الحرارة والضغط، وتجاذب الكواكب والحركات ونحو ذلك، لكن لا يقول: لأن الله أمر بذلك، ولأن الله شاء ولأنه قدره، فلا يقولون ذلك ولا يأتون بهذه السيرة إطلاقاً، والمؤمن يؤمن بالأمرين معاً، يعرف السبب الطبعي ولكن يعرف أن وراء قوانين الطبيعة الله عز وجل، وأن كل شيء يسير بأمره، ولذلك النار التي تسبب الإحراق، إذا قال الله لها كوني برداً تكون برداً، وسلاماً فتكون سلاماً، وهكذا.

    وتتخلف بعض القوانين عن العمل، لأن موجد القوانين هو الذي منعها من العمل، فالشمس تخرج كل يوم من المشرق إلى المغرب وتدور وتعود، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها كل يوم تستأذن من ربها أن تُشرق من المشرق وتذهب إلى المغرب.

    فهل سمعت من علماء الطبيعة والفلك من يقول: إنها مأمورة بأمر الله وأنها تستأذن، لماذا تُشرق من المشرق؟ يقولون أي جواب دنيوي خطأ أو صح، لكن نحن نعرف لماذا تشرق؟ لأن الله أمرها بذلك واستأذنت وأذن لها، ويوم القيامة يكون أول علامات تغير العالم العلوي طلوع الشمس من مغربها، فتأتي تستأذن ربها أن تشرق من المشرق فلا يأذن لها فتعود وتخرج من المغرب، فكيف سيفسر ذلك علماء الفلك.

    فإذن يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7] ونحن لا ننكر السبب المادي، ولا نقول لا تقولوه، بل قولوه، ولكن ذكِّروا بالسبب الأصلي للشيء، واربطوه بخالقه ومسببه وموجده وآمره، فيقع الغلط من إضافة هذه الآثار العظيمة إلى مجرد قوة الجسم، ولا يعرف هؤلاء الحكمة، وأن ذلك من عبودية الأجسام والكائنات لله عز وجل.

    لماذا يحدث المد والجزر؟

    يقولون سبب متعلق بالقمر والجاذبية، لكنه لا يُذّكر إطلاقاً بأن من عبودية البحر لله هذه الحركة، وأنه شاء ذلك سبحانه، وأنه الآمر به، وأنه من خضوع البحر له ونحو ذلك.

    لكن أهل العلم يضيفون جميع الحوادث -انظر الفرق بين العالم- المسلم الذي ينطلق من الدين، وبين الكافر الذي ينطلق من الطبيعة فقط، في إضافة جميع الحوادث إلى خلق الله ومشيئته وربوبيته، فهؤلاء أصح عقلاً من أولئك.

    قال: " ومن يدخل في ذلك كل شيء حتى أفعال الحيوان فهو المصيب والموافق للسنة والعقل ".

    يقول شيخ الإسلام رحمه الله: " ولهذا تجد هؤلاء إذا تكلموا في الحركات التي بين السماء والأرض، مثل حركة الرياح والسحاب والمطر وحدوث المطر، من الهواء الذي بين السماء والأرض تارة، ومن البخار المتصاعد من الأرض تارة ... وكما يخلق الولد في بطن أمه من المني، وكما يخلق الشجر من الحب والنوى، فإنهم يشهدون الأسباب المرئية ويتكلمون عنها، ويعرضون عن الخالق المسبب لذلك كله، وعما جاء في ذلك من عبادته وتسبيحه والسجود له كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [البقرة:116] الذي هو غاية حكمته ".

    الآن ذكر في ثنايا الكلام استطراداً في قضية الرد على الملاحدة الذين يقولون كل شيء من الطبيعة، وهذا خلقته الطبيعة، وهذا خلق نفسه، والطبيعة خلقت نفسها، والكون خلق نفسه، وأن كل شيء مخلوق من مادته التي هو فيها، فضرب مثلاً بالشخص الذي يكتب بالحبر كلاماً، فيأتي واحد ويقول من الذي خلق الكلام؟ فيجيب: الحبر الذي خلق الكلام، من الذي كتب الكلام؟ الحبر الذي كتب الكلام.

    فلو أن شخصاً رأى كلاماً مكتوباً بالحبر، وسأل من الذي كتبه؟ قيل: الحبر الذي كتبه، هل سيقبل هذا الجواب؟ لا.

    فهذه مخلوقاته في أرضه وسماواته وكونها دالة على أنه خالقها سبحانه وتعالى:

    وفي كل شيء له آيـة     تدل على أنه واحد

    وهؤلاء يجعلون هذه الطبيعة هي العلة الفاعلة، أو هي الخالقة، وهذا طبعاً كفر، وهو أعظم أنواع الكفر.

    1.   

    المحبة والإرادة أصل كل دين

    الدين هو الأعمال الباطنية والظاهرة، فالآن سيتكلم رحمه الله تعالى عن قضية العلاقة بين المحبة والدين، فقد قال: " إن كل الحركات في العالم منشؤها المحبة والإرادة " وقسمنا المحبة وعرفنا العلاقة بين ما يحبه الله وما يبغضه الله إلى آخره.

    المحبة والإرادة أصل كل دين، والدين هو مجموعة الأعمال الظاهرة والباطنة، والدين يُفسر أيضاً بأنه الطاعة الدائمة اللازمة التي صارت عادة وخلقاً، ولذلك فسر ابن عباس رضي الله عنه قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] قال: [وإنك لعلى دين عظيم] وفي اللغة بعض الشعراء يستعمل الدين بمعنى العادة، ومنه في اللغة بمعنى (الديدن) مأخوذ من الدين، والديدن هو العادة اللازمة، وديدن مأخوذ من دان مثل صلصل من صَلَّ، وكَبْكَبَ من كَبَّ، فهذا التشديد المفكوك.

    قال: " واسم العبادة يتناول غاية الحب بغاية الذُل، وهكذا الدين الذي يدين به الناس في الباطن والظاهر لابد فيه من الحب والخضوع " وإذا كان بعض الناس يخضعون لأشخاص ولا يحبونهم كما يخضعون لبعض الظلمة، مثلاً: ظالم يتحكم فيهم ويتولى عليهم، فيخضعون له، هل يسمون محبين له؟ الجواب: لا، لأن المحبة ليست هي الخضوع فقط.

    ولو جاء من قال: أنا أحب فلاناً أو أحب هذا الشيء لكن لا أخضع له، وأعمل على ما أريد، هل يكون محباً له؟ لا. هل يكون عابداً له؟ لا.

    فالعبادة والدين تستلزم محبة وخضوعاً، وإذا كان كل عمل صادر عن محبة وإرادة، والعمل يتبع الحب والبغض، وبنوا آدم لا غنى لبعضهم عن بعض، ولابد أن يكونوا اجتماعيين يحتاج بعضهم إلى بعض، فلابد أن يكون هناك اشتراك في أشياء نتيجة معيشة الناس مع بعض، فلابد أن يشتركوا في محبة شيء عام وبغض شيء عام، وهذا هو الدين المشترك.

    فالدين المشترك للناس المجتمعين، يكون فيه محبة أشياء وبُغض أشياء، بغض النظر عن هذا الدين ما هو بالضبط، ولكن الدين المشترك هو: وجود هؤلاء الأحياء أو هذه المخلوقات أو الناس المجتمعين يحبون شيئاً ويبغضون شيئاً، هذا هو الدين المشترك.

    أما اختصاص كل واحد بمحبة، كمحبة ما يأكله ويشربه وينكحه وطلب ما يستره، فهذا يشتركون في نوعه لا في شخصه، أي: مثلاً هذا يحب الطعام هذا فيأكل منه، وهذا يحب الطعام هذا فيأكل منه، لو كان من جنس واحد كله كالأرز لكن ما يأكله هذا غير ما يأكله هذا، بل قالوا حتى في الهواء وحتى في المطر فالذي يصيب هذا غير الذي يصيب هذا، مع أنهم كلهم يحبون المطر ويحبون الهواء البارد العليل .. لكن ما يصيب هذا من الهواء غير ما يصيب هذا من الهواء ... وهكذا.

    الدين هو التعاقد والتعاهد

    المخاليق إذا احتاجوا إلى أمور يجب أن يوجبوها على أنفسهم، فيحرمون على أنفسهم ما يضرهم، ويوجبون على أنفسهم ما ينفعهم بعملية تُعرف بالتعاقد والتعاهد، وهذا يسمى الدين المشترك، والرسول صلى الله عليه وسلم أشار إلى ذلك بقوله: (لا دين لمن لا عهد له) فالدين المشترك بين جميع بني آدم هو التزام الواجبات والمحرمات بالوفاء بالعهد، وهذا قد يكون فيه منفعة، وقد يكون فيه مضرة، وقد قال الله سبحانه وتعالى عن يوسف عليه السلام: مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [يوسف:76] الدين المشترك الذي كان يحكم الناس في ذلك الوقت، ولما كان لابد لكل آدمي من اجتماع، ولابد في كل اجتماع من طاعة ودين، ترى حتى المجتمعات الكافرة بدون نظام لا يمكن أن يعيشوا، وبدون دين مشترك لا يمكن أن يعيشوا، فإذا وجدت دولة أو مجموعة من الناس موجودين في مكان أو في بلد أو في قرية، فاعلم أن بينهم ديناً مشتركاً، وأن هذا مبني على العقود والعهود الموجودة بينهم.

    وأنه لا يمكن أن تستقيم حياتهم إلا بهذه العقود والعهود التي تحافظ على المنافع وتمنع المضار، ولو أتيت بكافر يمكن أن يقول هذا الكلام، وإذا علمنا هذا فهذا معلوم من الواقع.

    كل دين لابد له من عقيدة وشريعة

    إذا توصلنا إلى هذه النتيجة، فإن كل دين غير دين الله تعالى فهو باطل، ودين الله سبحانه وتعالى هو الوحيد الذي يكفل للناس حقوقهم، فإن الناس مهما اخترعوا في قضية الدين المشترك لا يمكن أن يحصلوا على السعادة الحقيقية.

    ومسألة الدين المشترك قال فيها بعض الكفرة والفلاسفة: الناس لابد أن يعيشوا معاً، وإذن فلا يمكن أن تستقيم أمورهم إلا بجلب المنافع ودفع المضار، وهذا لابد أن يكون فيه عهود وعقود، فنعمل قوانين تضبط هذه الحالة، وتكلموا عن أشياء من ذلك كما كتب بعض الفلاسفة (المدينة الفاضلة) ووصفها ونحو ذلك، والكفار كذلك في عصرنا من خلال التجارب والسماعات والخبرات، والرصيد السابق عملوا قوانينهم التي تسير بلدانهم، فمثلاً قالوا:

    لابد من توزيع الثروات والعدل في الرغبات، وعدم اعتداء البعض على البعض الآخر، فحتى ينضبط المجتمع نجعل قوانين تحل المشكلة، فالفكرة هذه التي تقوم عليها بالذات المجتمعات الغربية اليوم فكرة ليست جديدة، بل هي فكرة قديمة.

    فمثلاً: حمورابي قد كتب وسن قوانين، وجنكيز خان ونحو ذلك، وهؤلاء هم أتباع الملوك المتفلسفة، فهؤلاء قد جعلوا قوانين بعضها فيه عدل فعلاً، فإذا ذهبت إلى بلدانهم تجد في بعضها عدل حقيقة، ولكن؟

    لكن هل امتنع الشقاء؟

    لا. الانتحار والجنون، والأمراض العصبية، والانهيارات النفسية موجودة؛ لأنه بقي شيء واحد لم يضعوه في قوانينهم؛ لأن القوانين قائمة على هوى.

    لكن هناك شيء أساسي جداً ما عملوه، ألا وهو عبادة الله، ولا يمكن أن يستقيم حال الناس بالدين المشترك، إلا بأن يكون هناك دين سماوي إلهي يضبطه ويؤسسه، فيكون مؤسساً بناءً عليه، فإذن قلوب العباد إذا جمعتهم مع بعض ووضعت لهم قوانين قد تكف عنهم من الظلم، لكن لا يمكن أن تُوجد لهم سعادة ولا ضبط للأشياء، لأن القوانين قد يلعب عليها وقد تخترق، وقد يأتي بمحامي ماهر ويوجد له ثغرة في القانون، وأشياء كثيرة كما نجد، ثم مهما كان القوي يغلب الضعيف حتى في تلك البلاد التي فيها قوانين دقيقة جداً جداً فإن فيها ثغرات كثيرة.

    لكن هناك شيء مهم جداً في نفوس العباد لم تحققه لهم القوانين، ما هو؟

    عبادة الله عز وجل، لأن قلوب بني آدم لابد أن تحب إلهاً، وهي مفطورة على هذا، وأن تعبده ولذلك وجد عند هؤلاء الغربيين قيم روحية ينادون بها، واكتشفوا أن قوانينهم ولا تكفي لجلب السعادة إلى النفوس، فصار بعضهم يتجه إلى ديانات شرقية، ويتجهون إلى الكنيسة، وفي هذا إثبات واعتراف وإقرار بأن القوانين والدين المشترك لم تكفِ، ولا تصلح حياتهم ولا يدوم شمل الناس إطلاقاً إلا بأن يكون هناك تأله، يحتاجه الإنسان أكثر من حاجته للطعام والشراب والغذاء، وأن عدم الغذاء إذا كان يُفسد الجسم فإن فقد التأله يُفسد النفس ويتلفها، ويدمر القلب تدميراً.

    وما الذي يمكن أن يُصلح النفس والقلب؟ هو التأله لله سبحانه وتعالى، وهي الفطرة التي فطر الله كل الناس عليها، لابد لهم من رب واحد يكونون خاضعين له، فيتألهونه ويعبدونه فتحصل لهم السعادة والاستقرار، وينضبط دينهم المشترك الذي تعبوا جداً في سن القوانين فيه، والله سبحانه وتعالى إذا خضعوا له فقد أنزل عليهم شريعة تحكم دينهم المشترك وتحكم دينهم الخاص، وبالتالي تحصل السعادة، هذه هي المسألة المهمة جداً التي ينبغي أن ننقد فيها الواقع الموجود بناءً عليها، وأنك تعرف من خلالها أن ما فعله الكفار من تنظيمات وأشياء وقوانين لم تجلب لهم السعادة، ولم يحصل لهم الاستقرار إطلاقاً.

    ولو حصل في مجتمعهم فإنهم يظلمون غيرهم، وهذا ما يُفسر تسلط الدول الكبرى على دول العالم الثالث والدول الفقيرة لماذا؟ لأنهم لا يتعاملون بناءً على العبادة، وإلا لما ظلموا غيرهم، ولو وضعوا أشياء وقوانين فهي في بلادهم، وأما على غيرهم فالقوي يأكل الضعيف، وشريعة الغاب هي التي تسود لا القوانين ولا غيرها، وهذا ما يبين لنا أن كلاماً أو عبارة مثل: (النظام العالمي الجديد) كلام فارغ وتافه، لا يمكن عمله ولا القيام به؛ لأنه ليس مؤسساً على عبادة الله عز وجل، ولا على الدين الذي شرعه الله وهو دين الإسلام.

    ما تشتمل عليه كل محبة

    ولابد في كل دين وطاعة ومحبة من شيئين:

    الأول: الدين المحبوب المطاع، وهو الشيء المقصود.

    الثاني: نفس صورة العمل الذي تُطاع ويُعبد بها، وهي السبيل والطريق والشريعة والمنهاج والسبيل.

    فإذن كل دين فيه غاية ووسيلة:

    الغاية: هي الشيء المراد، أي: وجه مَنْ أردت بالعمل.

    الوسيلة: صورة العمل التي يعبد بها ويراد بها الوجه، ويقصد بها السبيل والطريق والشريعة والمنهاج.

    فهنا لابد أن يتحقق الأمران إذا أردت السلامة يا عبد الله! للنجاح في الجواب على سؤالين عظيمين يوم القيامة عن كل عمل عملته: لم وكيف؟ لم: هي قضية الغاية، وكيف: هي صورة العمل والوسيلة، كيف كانت؟ وبناءً على أي منهج؟ ومتابعة لأي شريعة؟ وهذا معنى قول الله عز وجل: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2] قال الفضيل بن عياض : أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي ! ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يُقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يُقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، فالخالص لله، والصواب موافقة السنة.

    فهكذا يجمع الدين هذين الأمرين، المعبود والعبادة:

    المعبود: هو الله وإخلاص القصد لله.

    والعبادة: هي اتباع السنة والإتيان بالعمل على الصورة الصحيحة الموافقة للسنة.

    وأصحاب الأديان قد يقولون لك: نحن نعبد الله، ولكن إذا جئت إلى الوسائل -إذا سلمنا أنهم فعلاً يعبدون الله- فهي تختلف ولذلك لنا شريعتنا ومنهاجنا ولهم شريعتهم ومنهاجهم، ولا يجوز لنا أن نوافقهم في ذلك، لكل جعلنا شريعة ومنهاجاً: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ [الحج:67].

    1.   

    تنوع الناس في المعبود والعبادة

    لا يظنن ظان أن الاختلاف بيننا وبين غيرنا فقط في قضية الطريقة والأسلوب، لا. بل حتى معرفة الله عز وجل، فقد أثبت شيخ الإسلام رحمه الله في كلامه هذا قال: " فقد تعرف هذه الأمة من أسمائه وصفاته ما لا تعرفه به الأمم الأخرى، فهم مشتركون في عبادة نفسه، وإن تنوعوا فيما عرفوه وعبدوه به من أسماءه وصفاته ".

    ويتفرع عن معرفة الله اليوم الآخر، فينضم إليه اليوم الآخر وما جاء في نعته من الأسماء والصفات والوعد والوعيد.

    فإذا صار عندنا ثلاثة أشياء:

    الأول: هو سبحانه وتعالى.

    الثاني: اليوم الآخر.

    الثالث: الوسيلة -اتباع السنة- فقد اكتمل كل شيء.

    وبهذا نعرف كيف نتوصل إلى السعادة الحقيقة والاستقرار الصحيح بمسألة عبادة الله وحده لا شريك له، وبمسألة الوفاء بالعهود والمواثيق، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا [البقرة:177] وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1].

    وإذا لم يكن مقصود الدين والناموس الموضوع الذي يحكم جماعة من الناس إلا جلب المنفعة في الحياة الدنيا ودفع المضرة، فليس لهم في الآخرة من خلاق، وإذا كانت قضيتهم قضية قوانين أو الذي أطلقوا عليه الدين المشترك، فإنهم لابد أن يستولي بعضهم على بعض ويقهر بعضهم بعضاً كما فعل فرعون وغيره، وقال تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ [القصص:4] مع أنه كان له دين، والقبط الذين كان يملكهم فرعون لهم دين مشترك.

    وقال الله تعالى في قصة يوسف: مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [يوسف:76] وهذا الملك كان فرعون يوسف، قبل فرعون موسى، لأن كلمة فرعون اسم لملك مصر ، كما أن خاقان اسم لملك الترك، كما أن كسرى اسم لملك الفرس، كما أن المقوقس اسم لكل من ملك الإسكندرية ، كما أن تبع اسم لكل من ملك اليمن ، كما أن النجاشي اسم لكل من ملك الحبشة وهكذا.

    فالنجاشي ما اسمه رحمه الله أصحمة والنجاشي لقب معناها ملك.

    لقد كان فرعون يعيش مع قومه في دين يحكم بلده، لكنه كان يستضعف طائفة، يُعذب أبناءهم ويقتلهم، ويستحيي نساءهم، لماذا كان يفعل ذلك؟

    لأن المسألة ليست قائمة على دين الله، بل كانت قائمة على دين ابتدعوه هم، ورأوا فيه من المصالح ما رأوا، لكن ما حقق العدل في الأرض فإن الظلم قائم، ولا شك في ذلك.

    ثم القضية الأهم وهي إقامة التوحيد في الأرض وإزالة الشرك: فلو وضعوا قانوناً تتم به مصلحة الدنيا لكن ليس فيه أمر بالتوحيد وعبادة الله تعالى، ولا بالعمل للآخرة، ولا نهي عن الشرك فإنهم لن يسعدوا حتى في الدنيا.

    1.   

    الحب أصل كل عمل من حق وباطل

    أصل الأعمال الدينية حُب الله ورسوله، فإن قوة المحبة لكل محبوب يتفاوت فيها الناس في الشيء الواحد، حتى الشخص الواحد تتفاوت محبته فيقوى حبه تارة ويضعف أخرى، ويكون فلان يحب هذا الشيء أكثر من فلان، فإذن المحبة تتفاوت في الأشخاص وفي الشخص الواحد.

    والمحبة ينبني عليها أشياء، من اتخاذ المواقف وتنبني عليه محبة جديدة وبُغض جديد بناء على ما يحدث للإنسان من التغير، ولذلك قال الله تعالى عن إبراهيم الخليل: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:4].

    إذن المحبة تنقلب وتتغير وتزيد وتنقص، وممكن يحل محلها بغضاء، وممكن تنقلب البغضاء إلى محبة، ما مثال ذلك؟ قصة إبراهيم عليه السلام لما قامت المسألة على التوحيد أبغض أباه وأبغض قومه.

    فالحب الطبيعي الذي كان يحب به الابن أباه انقلب بغضاً له؛ لأنه يكفر بالله وقال: وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:4] إذن اتخذ موقفاً جديداً في قضية المحبة والبغض نابعاً من قضية التوحيد، نفس الذي يحصل للمهتدي، فلو أن شخصاً هداه الله هداية قوية، ماذا يحصل له، افرض هداه الله في ليلة، أمسى كافراً وأصبح مؤمناً، فسحرة فرعون اهتدوا من موقف فجأة، أي: إلى لحظة إلقاء الحبال والعصي وهم كفار يحبون فرعون ويكرهون موسى.

    فلما ألقى العصا وأكلت ما ألقوا وعرفوا الحق، تبدلت كل المشاعر في لحظة، فتبدل كل شيء، فكرهوا فرعون وعمل فرعون وكرهوا السحر الذي قاموا به، وأحبوا موسى، ودين موسى وأحبوا الله عز وجل، وفوق ذلك ضحوا بأنفسهم، وانقلبت أشياء بفعل التبدل الذي حصل في القلب.

    كما حصل لـثمامة رضي الله عنه، فقد أتي به مأسوراً إلى المسجد النبوي، وهو يكره الدين والإسلام والبلد والمدينة التي أُسر فيها، والمسجد والنبي صلى الله عليه وسلم، ولما ربط وجُعل في المسجد، ورأى ما رأى من الصلاة واجتماع المسلمين، ثم منّ النبي صلى الله عليه وسلم عليه وقال: (أطلقوا ثمامة ) بدون مقابل، ماذا حصل؟ صار عنده قناعة فاقتنع، وجاء موقف المنّ عليه فهداه الله، ولما هداه الله قال: يا محمد! ما كان على وجه الأرض من شخص أبغض إليّ منك، فصار وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان على وجه الأرض من دين أبغض إلي من دينك، فقد صار دينك أحب الدين لدي، والله ما كان في سطح الأرض من بلد أبغض إلي من بلدك، فقد صار بلدك أحب البلاد إليّ.

    فكيف انقلبت المسألة؟ بالهداية انقلبت المواقف، فإذن المحبة هذه تتغير، وبناء عليه البغض أيضاً يتغير، وكذلك فإنها تزيد وتنقص.

    1.   

    تنازع الناس في لفظ العشق

    في مسألة المحبة أدخل بعض الناس الذين يزعمون أنهم أصحاب أعمال القلوب وأرباب التقوى، أدخلوا كلمة غريبة عن الكلمات الإسلامية والشرعية وهي كلمة: (العشق) وأدخلوها في وصف العلاقة بين العبد وربه، وصار عندهم شيء اسمه: (العشق الإلهي) حتى غنت به أم كلثوم فكذلك قديمهم وحديثهم.

    فقالوا: العشق هذا هو قمة المحبة وأولى الناس بذلك هو الله، وقالوا: عشقني، وعشقته، وعشقت الله وتكلموا وقالوا بهذه الألفاظ، لماذا؟ قالوا: العشق منتهى المحبة وأقصاها.

    ولذلك فهو لا يليق إلا بالله، فنقول: لو قلتم إن العشق هو منتهى المحبة وأقصاها، فهذه صحيح أنه لا ينبغي إلا لله عز وجل، لكن هل ورد لفظ شرعي فيه؟ الجواب: نعم. ما هو؟ الخلة، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً) فقمة المحبة والخلة التي كانت من الله سبحانه وتعالى أعظم ما أحب عبداً هو محمد صلى الله عليه وسلم ثم إبراهيم، وأعظم محبة من العباد لربهم كانت من محمد صلى الله عليه وسلم وإبراهيم.

    المآخذ على لفظ العشق

    هذا اللفظ -وهو العشق- ليس مأثوراً عن السلف ، وباب الأسماء والصفات يُتبع فيها الألفاظ الشرعية، فلا نطلق إلا ما ورد في الأثر، وهذا الكلام باطل من وجوه ذكرها رحمه الله وسنأتي عليها إن شاء الله.

    فاستخدام كلمة العشق في وصف العلاقة بين العبد والرب مرفوض لأسباب:

    السبب الأول: أن هذه الكلمة غير مستخدمة في النصوص الشرعية، فمثلاً قال الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ [البقرة:165] ما قال عشقاً، وإنما قال (حباً لله) أن يحب الله ورسوله، فإذاً نقف مع الكلام المستخدم ونتأدب مع الله ورسوله ولا نستخدم ألفاظ لم تستعمل في الكتاب والسنة.

    السبب الثاني: أن المعروف من استعمال هذا اللفظ إذا رجعنا إلى اللغة العربية، أن كلمة العشق محبة جنس النكاح، ومحبة الإنسان الآدمي لمثله من امرأة أو صبي بالشهوة بالحلال أو الحرام، امرأة في النكاح مثلاً أو في الزنا، فلا يكاد يُستعمل هذا اللفظ في غير هذا الموضع في اللغة، فلا يقال: إن فلاناً يعشق ولده أو يعشق أقرباءه، أو يعشق وطنه، أو يعشق ماله أو يعشق دينه.

    وكذلك فإنها لا تُستعمل في الأشياء المعنوية، فلا يقال: عشقت في فلان كرمه وشجاعته وعلمه ودينه وإحسانه إطلاقاً، فاستعمالات العشق عند العرب في اللغة العربية: العشق في محبة النكاح ومقدماته، فالعاشق يريد الاستمتاع بالنظر إلى المعشوق وسماع كلامه، ومباشرته بالحس تقبيلاً ومعانقةً ووطئاً.

    ولكن كثيراً من العُشاق كان لا يختار الوطء، ويقول: إذا نكح الحب فسد، فيبقون على قضية هذه العلاقات التي ما دون الوطء ولكن كثير منهم في النهاية أوصلهم العشق إلى الزنا وما هو أسوأ من الزنا.

    فاستعمال العشق الآن في العلاقة بين العبد وربه لا يصح، وإذا كان الآن هذا أصله اللغوي واستعماله في اللغة فهذه مصيبة، فإنه يُفهم أو يُوهم معنىً فاسداً للغاية، وهذا المعنى من أعظم الكفر.

    وللعلم فإن الاتحادية الكفرة -الذين يقولون: إن الله عين الموجودات، وكل ما ترى بعينك فهو الله- قالوا كلاماً عظيماً سيئاً جداً جداً عندما جمعوا بين العشق وبين العقيدة الاتحادية فقالوا: ما نكح سوى نفسه فهو الناكح والمنكوح، تعالى الله عن قولهم.

    انظر الآن ماذا يلزم، تقول لهم: أنتم تقولون كل شيء هو الله، الرجل هو الله والزوجة هي الله، يقولون: نعم، إذاً هذا ينكح هذا، يقولون: ما نكح إلا نفسه، تصوّر إلى أي درجة يصل هؤلاء بالكفر، أصحاب ابن عربي الذين يحجون إلى قبره في الشام ، ويعبدونه من دون الله، هذه مقالتهم، والحلاج الذي يعملون له الآن رسائل ماجستير ودكتوراه، يسمونه شهيد الثورة، وابن الفارض تحقق كتبه، وابن سبعين فهؤلاء أصحاب عقيدة الاتحاد، وكذلك أصحاب عقيدة الحلول.

    وسبق القول ونبه على ذلك شيخ الإسلام رحمه الله: أن النصارى أعقل منهم؛ لأنهم على الأقل يقولون: حل في واحد وهو عيسى، وهؤلاء يقولون: حل في كل المخلوقات، وكل ما ترى بعينك فهو الله، ولذلك يصفونه بما يُوصف به البشر من النكاح، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، هو الأحد الصمد الذي: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:3-4].

    ولذلك كان من الصوفية الاتحادية ومن هؤلاء المنحرفين من يعشق الصور الجميلة ويزعم أن الله قد تجلى فيها، ويقول: هذا من محبتي له، ويقصد بها نوعاً من العبودية وهو كذاب، فمن زعم أن الله يُحب ويُعشق بهذا المعنى فهو أعظم كفراً من اليهود والنصارى.

    ثم أيضاً من مفاسد استعمال كلمة العشق في وصف العلاقة بين العبد والرب: أن العشق هو الإفراط في المحبة حتى يُخرج عن القصد والاعتدال، ويكون مذموماً فاسداً، ويفسد القلب والجسم، ولذلك ترى العاشق نحيل لا يشتري طعاماً ولا ينام في الليل، متعب منهك جداً، العشق يُنهكه ويدمر نفسه، لماذا؟ يقولون هذا عاشق وواقع في العشق، فلا يشتهي طعاماً ولا يهنأ بنوم لأن باله كله مع المعشوق، فما عاد يريد أي شيء، إذن وقع في الغلو وصار مفْرِطاً.

    فهل يناسب أن تستعمل هذه الكلمة وهي قضية العشق الدالة على الإفراط ومجاوزة الحد لدرجة أن يضر الإنسان بنفسه، أن تستعمل في وصف العلاقة بين العبد والرب؟ ما يمكن، فإن الله لا يُحب محبة زيادة على العدل، ولا يمكن، ولذلك هنا سر عظيم وفائدة بديعة في قضية محبة الله تعالى ألا وهي: (أن محبة الله ليس لها حد تنتهي إليه).

    وكذلك يمكن أن نقول أيضاً: (محبة غير الله إذا زادت صارت إفراطاً أو غلواً وانقلبت وصارت مضرة، ومحبة الله مهما زادت فلا تنقلب ولا تصير إفراطاً وغلواً).

    فهذه من خصائص عبودية المحبة بين العبد والرب، أن محبة الله ليس لها حد تنتهي إليه، ومهما أحببت ومهما زدت في المحبة لا يمكن أن تقع في غلو أو إفراط، لكن أي شيء آخر مثل محبة الطعام أو محبة الشراب، أو محبة فلان أو محبة فلان، ممكن إذا جاوزت حداً معين تصير غلواً وتصير شركاً، إلا محبة الله تعالى مهما زدت فيها فلا تقع في إفراط ولا في غلو ولا في شيء.

    لابد أن يحب العبد ربه حتى يكون الرب أحب إليه من غيره، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم تابعة لمحبة الرب، فلماذا تحب النبي صلى الله عليه وسلم؟ لأن الله تعالى أمر بمحبته وجعله رسوله، وأنزل عليه كتابه، وجعل له الشرف والمكانة بين الخلق والمقام المحمود يوم القيامة.

    قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين، ولما قال عمر : يا رسول الله! لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال: لا يا عمر ! حتى أكون أحب إليك من نفسك، قال: لأنت أحب إلي من نفسي، قال: الآن يا عمر !).

    الفساد المترتب على العشق

    فهذا ما ينبغي أن يكون عليه الحال في المحبة.

    أما قضية العشق وما يترتب عليه فلا شك أن العشق هو فساد في الإدراك والتخيل والمعرفة، ولذلك فالعاشق يخيل له المعشوق على صورة أخرى غير ما هو عليه حقيقة، ينقل ابن تيمية الآن عن الأطباء النفسانيين:

    (يقول الأطباء: العشق مرض وسواسي شبيه بالمانخوليا، فيجعلونه من الأمراض الدماغية التي تُفسد الفكر والتخيل كما يفسده المانخوليا) مرض يُفسد التخيل فتتخيل أشياء وتراها على عكس ما هي عليه.

    فالعاشق إذا وصل إلى درجة مع المعشوق تخيله شيئاً آخر على غير ما هو عليه تماماً، ولذلك فليس بصحيح إطلاقاً أن يكون هذا مما تُوصف به العلاقة بين العبد والرب.

    وبعض هؤلاء الذين يسمون أنفسهم بالعشاق لله يعتريهم من الصور اعتقادات فاسدة -لأجل هذه القضية- لا تجوز إطلاقاً في حق الله تعالى، وكثيراً ما يعتري أهل المحبة من السُكر أعظم مما يصيب السكران بالخمر، والسكران بالصور كما قال تعالى في قوم لوط: إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر:72] والحب له سُكر أعظم من سُكر الشراب، كما قال الشاعر:

    سُكْرانِ سكر هوىً وسكر مدامة     ومتى الإفاقة من به سُكرانُ

    والمدامة: هي الخمر.

    فالسُكر كما يكون بالخمر قد يكون أيضاً بالصور، بل ربما كان السُكر بالصور أعظم من السكر بالخمر، لأنه يُحدث اضطراباً في العقل والعلم واعتقادات وتخيلات فاسدة.

    ثم لخص رحمه الله تعالى الانحراف في باب محبة الله فقال: " باب محبة الله ضل فيه فريقان من الناس:

    الفريق الأول: فريق من أهل النظر والكلام والمنتسبين للعلم جحدوها وكذبوا بحقيقتها وقالوا: إن الله لا يُحب، ونفوا صفة المحبة لله.

    الفريق الثاني: فريق من أهل التعبد والتصوف والزهد، أدخلوا فيها من الاعتقادات والإرادات الفاسدة ما ضاهوا بها المشركين.

    فالأولون يشبهون المستكبرين، والآخرون يشبهون المشركين، ولهذا يكون الأول في أشباه اليهود، ويكون الثاني في أشباه النصارى، وقد أمرنا الله تعالى أن نقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7]. "

    فالأولون كابروا النصوص، فالنصوص تقول يحب، وهم يقولون لا ما يحب، والآخرون وافقوا النصارى في قضية الغلو وجعلوا فيها أشياء من الاعتقادات والإرادات الفاسدة

    1.   

    كل محبة وبغضة يتبعها لذة وألم

    ثم أشار رحمه الله إلى قاعدة أخرى، قال: " ومن المعلوم أن كل محبةٍ وبغضةٍ فإنه يتبعها لذة وألم، ففي نيل المحبوب لذة، وفراقه يكون فيه ألم، وفي نيل المكروه ألم، وفي العافية من المكروه لذة ".

    فقضية اللذة من الأشياء التي ينبغي أن يُتمعن فيها، ولذلك تكلموا عنها كثيراً لأنهم قالوا: إن المخاليق كلهم يسعون لأجل نيل اللذات، قد تكون لذة صحيحة أو لذة سقيمة، أو لذة فاسدة أو لذة شرعية أو لذة محرمة، المهم أن الناس سعيهم الآن لأجل نيل اللذات عموماً.

    أجناس اللذات

    قال شيخ الإسلام رحمه الله: " واللذات الموجودة في الدنيا، ثلاثة أجناس "

    الأولى: اللذة الجسدية كالأكل والنكاح واللباس، لماذا سميت لذة جسدية؟ لأن الشخص يباشرها بجسده.

    الثانية: اللذة النفسية أو التخيلية أو التوهمية، لأن الإنسان يتخيلها في نفسه، فإحساسه بها إحساس نفسي، مثل: أن يمدحك غيرك، فالمدح مثلاً لذة نفسية، وكما أن فوات الأكل والشرب يؤلمك وتحصيل الأكل والشرب تلتذ به، فكذلك فوات المدح وحصول عكسه من الذم مثلاً، ومخالفة الناس لك تُحدث أذى.

    وكذلك فإن موافقة الناس لك ومدحهم، وثناؤهم عليك يُحدث في نفسك لذة، فالإهانة والذم تُحدث ألماً كما أن فَقْدَ الأكل والشرب يُحدث ألماً وهو ألم الجوع.

    فالمأكول والمنكوح تنال بالجسد، أي: أشياء محسوسة، يتلذذ بوجودها ويتألم بفقدها، وأما الكرامة فهي في النفوس، فإذا أُكرمت حصل عندك لذة وإذا أهنت صار عندك ألم.

    الثالثة: لذة القلب والروح: كلتذاذه بذكر الله تعالى ومعرفته، ومعرفة الحق، هذه اللذة العظمى التي لا تضاهيها لذة، والتي من تذوقها هانت عنده اللذات الأخرى.

    شرع الله لعباده من اللذات ما فيه صلاحهم

    اللذة مطلب عظيم أساسي، فالناس لا يمكن أن يعيشوا بدونه، والله سبحانه وتعالى قد شرع لنا من اللذات ما فيه صلاحنا في الدنيا، فلذلك أحل لنا الطيبات من الطعام والشراب، وأحل لنا النكاح، فله الحمد سبحانه وتعالى، وحياتنا لا تستقيم بدون هذه اللذات.

    وجعل في الآخرة اللذة التامة والكاملة، وكانت لذات الدنيا منقوصة، فالطعام قد تلتذ به عند الأكل ثم يحصل لك إمساك أو يحصل لك إسهال، وكذلك النكاح إذا أفرطت فيه أو إذا امتنعت عنه، فالمهم أن لذات الدنيا ممكن أن تسبب مشكلات، ثم لها حد ونهاية، ثم بعد ذلك تعافها حتى تتجدد مرة أخرى.

    أما لذات الآخرة فهي لذات تامة كاملة متجددة، فتصور أن لذات الآخرة لا تشبع منها، مثلاً تأكل لتشبع ثم تعاف نفسك، أما طعام الجنة؟ فتأكل وتشرب فيخرج رشحاً له رائحة المسك، ثم تأكل وتشرب وتخرج رائحة، وهكذا، والنكاح كذلك، النكاح في الدنيا إذا زاد منه أضعف وأنهك وتحللت قواه، أما في الآخرة فليس هناك فتور ولا ضعف، وليس هناك تعب منه إطلاقاً.

    ثم بالإضافة إلى ذلك فإن لذات الجنة زائدة متجددة باستمرار: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) قال الله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة:17] فلذات الجنة متجددة، يأكل ثمرة ثم يأكل ثمرة فيجدها أطيب مما قبل، ثم يأكل ثمرة فيجدها أطيب من التي قبلها وهكذا، وأهل الجنة يذهبون إلى سوق الجمعة فيرجعون إلى أهاليهم فيقلن لهم: ازددتم بعدنا حُسناً وجمالاً، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً.

    فلاحظ أن لذات الجنة في تطور مستمر، ما في نهاية عظمى وبعد ذلك ينزل، بل تستمر في التطور، ولذات الجنة مستمرة، وأعظم لذة فيها على الإطلاق وهي اللذة التي تنسي جميع اللذات: النظر إلى وجه الله عز وجل، فإنهم إذا رأوه شعروا بلذة غامرة عظيمة لا يوجد أعظم منها إطلاقاً، فينسون لذات الجنة الأخرى بجانب هذه اللذة، وهي تتجدد عليهم، ينظرون إلى وجه ربهم بين حين وآخر، فتتجدد عليهم هذه اللذة.

    فإذن لا شك أن الأشياء التي تحب النفس تحصيلها فيها لذة وفي فراقها ألم، وكذلك المكروهات فراقها والمعافاة منها فيه لذة، والوقوع فيها إذا حلت فيه ألم.

    من ترك لذة فانية عوضه الله بلذة متكاملة

    فالذي يتحمل مكروهات الدنيا لأجل اللذة الأخروية، ويصبر عن اللذات المؤقتة الناقصة، لأجل تحصيل اللذات الكاملة المتجددة، هذا هو المؤمن، ومع ذلك من رحمة الله أنه ما حرم علينا كل اللذات في الدنيا، ولا قال: يا أيها العباد إذا أردتم لذة الجنة اتركوا كل لذات الدنيا، ولا تتلذذوا بطعام ولا شراب ولا نكاح ولا ملابس أبداً، احرم نفسك من لذات الدنيا تأخذ لذات الجنة، ما قال ذلك، وإنما أباح لنا لذات في الدنيا: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [النساء:3] وقال صلى الله عليه وسلم: (حبب إليّ من دنياكم: الطيب والنساء) أفلا ترى أن من رحمة الله بنا أنه أعطانا لذات مباحة في الدنيا وحرم علينا لذات لننال بسبب الامتناع عنها ابتغاء وجهه لذات أخرى.

    وقد غلط المتفلسفة من الصابئين والمشركين ومن حذا حذوهم كـالرازي وغيره في أمر هذه اللذات في الدنيا والآخرة حتى جرهم ذلك الغلط إلى الدين الفاسد في الدنيا بالاعتقادات الفاسدة والزهادات الفاسدة، فصاروا تاركين لما ينفعهم من لذات الدنيا معرضين عما خُلقوا له، فالآن بعض الصوفية الذين يتبعون رهابنة النصارى، يقولون بالحرمان من كل لذة، ويتعبدون بترك كل لذة، وهذه بدعة.

    ولما أراد بعض الصحابة أن يمتنعوا عن لذة النساء والنوم والطعام واللحم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم خطأهم وعنف على ذلك بعبارات شديدة وقال: (من رغب عن سنتي فليس مني).

    أي: واحد قال: أنا لا أنام الليل، وآخر قال: أنا لا أفطر في النهار، وآخر قال: لا آكل اللحم، وآخر قال: لا أنكح النساء، فالنبي صلى الله عليه وسلم قاوم ذلك كله وقال: (من رغب عن سنتي فليس مني).

    فإذن الحقيقة أننا نزداد محبة لله عندما نرى أنه أباح لنا لذات كثيرة في الدنيا، وأعطانا على الامتناع عن بعض اللذات التي هي في الحقيقة مصائب وآلام كالزنا والخمر وغيره، أعطانا عوضاً عن ذلك في الآخرة لذات كثيرة، ولذلك لو قال واحد أنا لو امتنعت عن الأغاني الآن في الدنيا، لم أعد أسمع لا الموسيقى ولا الأغاني فماذا لي في الآخرة؟

    نقول: لك في الآخرة كما قال الله عز وجل: يُحْبَرُونَ [الروم:15] وغناء الحور العين، فيحبرون: هو سماع الغناء في الجنة وغناء الحور العين، فهذا أعظم من كل غناء في الدنيا ولا يقارن به على الإطلاق.

    فلا يوجد شيء يتركه العبد في الدنيا لله ثم لا يأخذ مقابلاً في الآخرة.