إسلام ويب

حسن التعامل مع الناسللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من الميزات العظيمة لهذا الدين أنه جاء بالتعامل الحسن والأخلاق الحسنة، وقد حث هذا الدين على حسن التعامل مع الوالدين والأقرباء والأولاد والجيران والأيتام والخدم، ومع الإخوان والأصدقاء والسائلين والمحتاجين وكبار السن، حتى الحيوانات والبهائم، وكل صنف من هذه الأصناف ورد فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أو قصة.

    1.   

    عظمة الدين الإسلامي

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعد :

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    عباد الله! إن من الميزات العظيمة لهذا الدين، أنه جاء بالتعامل الحسن، والخلق الحسن، وأنه يكفل السعادة للمنتسبين إليه، إنه دين فيه أخذ وعطاء، واجتماعية وتعايش، إنه دين قائم على الاحترام وإعطاء الحقوق، وهذه قضيةٌ غفل عنها كثير من المسلمين فأصبح تعامل بعضهم مع بعض فضاً أجوف غليظاً، حتى أصبح كثير منهم يقطع بعضاً، وكثير منهم يظلم بعضاً، ويهجر بعضاً، ولا يوجد في كثير من الأحيان أخلاق إسلامية في التعامل، فأصبحت الحقوق ضائعة، والعلاقات متقطعة، وصار الواحد همه في حاله وماله وشأنه ولا يهمه الآخرون.

    عباد الله! إن حسن التعامل مع الناس ميزة عظيمة في هذا الدين، وقد جاء هذا الدين بحسن التعامل مع الوالدين والأقرباء والأولاد والجيران والأيتام والخدم، ومع الإخوان والأصدقاء والسائلين والمحتاجين والجلساء وكبار السن والعمال، وحتى الحيوانات والبهائم، فما أعظمه من دين، جاء بهذا الخلق العظيم: حسن التعامل مع الناس.

    عباد الله : إن ربنا جل وعلا قد ندبنا في كتابه الكريم إلى الاهتمام بالتعامل مع الخلق وقال الله تعالى عن القريب إذا سأله أقرباؤه نفقة أو صدقةً أو معونة، ولم يجد شيئاً يساعدهم به فلا أقل من كلمة طيبة، واعتذار حسن، قال ربنا وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا [الإسراء:28] تعرض عن الأقرباء ليس عندك ما تعطيهم وتنتظر غنىً من الله ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً [الإسراء:28] قولاً حسناً، وعدهم وعداً حسناً، إن أيسرت أعطيتك وبذلت لك وسددت حاجتك ونحو ذلك، وقال الله عز وجل: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة:83] هذه عبارة قرآنية من كلام الرب جل وعلا وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة:83] كم من الناس يمتثلها اليوم؟ كم من الناس يتعاملون بالقول الحسن فيما بينهم؟

    1.   

    حقوق وردت في السنة النبوية

    وننتقل -يا عباد الله- إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم لنذهب وإياكم في جولة تشهد لهذا الأصل العظيم وهو حسن التعامل مع الخلق في هذه الشريعة.

    حق الوالدين

    فأما حق الوالدين فمعلوم ومعروف، والأمر ببرهما مشتهر ومألوف في هذه النصوص الشرعية، لقد حدثنا أبو بردة أنه شهد ابن عمر ورجلاً يمانياً يطوف بالبيت حمل أمه وراء ظهره وهو يقول:

    إني لها بعيرها المـذلل     إن أذعرت ركابها لم أذعر

    ثم قال: [يا بن عمر ! أتراني جزيتها؟ قال: لا، ولا بزفرة واحدة] اذكر آلام الطلق لما حملت أمك بك، وعند وضعها لك، قال: لا. ولا بزفرة واحدة [ثم طاف ابن عمر فأتى المقام فصلى ركعتين ثم قال: يا بن أبي موسى إن كل ركعتين تكفران ما أمامهما].

    وعن أبي مرة مولى أم هانئ بنت أبي طالب ، أنه ركب مع أبي هريرةأبو هريرة له شأن عظيم في بر الوالدة، حتى توسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو ربه لهدايتها فهداها الله من أجل ذلك- ركب هذا الراوي مع أبي هريرة إلى أرضه بـالعقيق ، حتى إذا دخل أرضه صاح بأعلى صوته: [السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا أمتاه! فتقول: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، يقول: يرحمك الله كما ربيتني صغيراً، فتقول: يا بني! وأنت جزاك الله خيراً ورضي عنك كما بررتني كبيراً] إحسان متبادل، وعاطفة منسجمة بين الوالدة وولدها.

    والأب حقه عظيم، وكان أبو هريرة يوصي بالوالد أيضاً، فعن عروة أو غيره أن أبا هريرة أبصر رجلين فقال لأحدهما: [ما هذا منك -أي: ما علاقته بك وما علاقتك به؟!- فقال: أبي، قال: لا تسمه باسمه، ولا تمشِ أمامه، ولا تجلس قبله] لابد أن يظهر عليك حتى في مشيتك أنه أبوك.

    حق الأرحام

    وأما الأرحام فحسن التعامل معهم هو صلتهم، والصلة أعلى من المعاملة بالمكافأة، فإن صلة من قطع أعلى درجة من مكافأة يظهرها من عومل بمثلها، عن أبي هريرة قال: (أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي, ويجهلون وأحلم عنهم) هذه معاملتي وهذه معاملتهم، هذا أذاهم وهذا إحساني، هذا ما أقابلهم به حتى اشتد ذلك على الرجل، (فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لئن كان كما تقول -لئن كان الأمر كما تقول- كأنما تسفهم المل) أي: تطعمهم الرماد الحار، وهو تعبير ينبئ عن علو كعبه، وارتفاع أمره عليهم أن له الحجة فوقهم وأنه قد أدانهم (ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك) أي: المعونة من الله.

    حق الأولاد

    وأما الأولاد فإحسان التعامل معهم بالرحمة بهم والشفقة عليهم، عن أنس بن مالك قال: (جاءت امرأة إلى عائشة رضي الله عنها فأعطتها عائشة ثلاث تمرات فأعطت كل صبي لها تمرة وأمسكت لنفسها تمرة، فأكل الصبيان التمرتين ونظرا إلى أمهما فعمدت إلى التمرة المتبقية فشقتها فأعطت كل صبي نصف تمرة وبقيت هي بلا شيء، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته عائشة فقال: وما يعجبك من ذلك؟ لقد رحمها الله برحمتها صبييها).

    الإحسان إلى الأولاد والأطفال بملاطفتهم وتقبيلهم، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتقبلون صبيانكم فوالله ما نقبلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة) فدل ذلك أن عدم تقبيل الصبيان نزع للرحمة من القلب، وذلك الرجل الذي تباهى بأن له عشرة من الولد ما قبلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من لا يرحم لا يرحم) وكان فضله وملاطفته وبشاشته صلى الله عليه وسلم متعدية إلى أحفاده، فعن أبي هريرة قال: (ما رأيت حسناً إلا فاضت عيناي دموعاً، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوماً فوجدني في المسجد فأخذ بيدي، فانطلقت معه فما كلمني حتى جئنا سوق بني قينقاع، فطاف فيه ونظر ثم انصرف وأنا معه حتى جئنا المسجد فجلس فاحتبا ثم قال: أين لكاع ادع لي لكاع فجاء حسن يشتد -جاء الولد الصغير المدعو- فجاء حسن يشتد فوقع في حجره صلى الله عليه وسلم ثم أدخل يده في لحيته -الولد متعود على الملاطفة والملاعبة أدخل يده في لحية جده صلى الله عليه وسلم- ثم جعل النبي صلى الله عليه وسلم يفتح فاه فيدخل فاه في فيه، ثم قال: اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه) وعن يعلى بن مرة قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ودعينا إلى طعام فإذا حسين يلعب في الطريق فأسرع النبي أمام القوم ثم بسط يديه، فجعل الغلام يفر هاهنا وهاهنا ويضاحكه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخذه، فجعل إحدى يديه في ذقنه والأخرى في رأسه ثم اعتنقه ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حسين مني وأنا من حسين ، أحب الله من أحب حسيناً ، الحسين سبط من الأسباط).

    حق الجيران

    أما الجيران, وما أدراك ما الجيران، وماحق الجار؛ فإن الشأن عظيم والتقصير والتفريط كبير، فعن ابن عمر قال: [لقد أتى علينا زمان -أو قال حين- وما أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم] كله إيثار لا أحد يرى أنه أحق بماله من أخيه فالمال للجميع، ثم يقول ابن عمر : (ثم الآن الدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كم من جار متعلق بجاره يوم القيامة، يقول: يا رب! هذا أغلق بابه دوني فمنع معروفه، والله تعالى يمنع عنه المعروف يوم القيامة بما منع المعروف عن جاره) وأوصى أبا ذر ، قال: أوصاني خليلي بثلاث فمنها: (يا أبا ذر ! إذا طبخت مرقة فأكثر ماء المرقة وتعاهد جيرانك أو أقسم في جيرانك).

    فبمن يبدأ؟ تقول عائشة رضي الله عنها قلت: (يا رسول الله! إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهم منك باباً) وعن الحسن أنه سئل عن الجار: منهم الجيران وإلى أين ينبغي أن يكون الفضل؟ -إلى كم من الجيران؟- فقال الحسن رحمه الله: أربعين داراً أمامه، وأربعين خلفه، وأربعين عن يمينه، وأربعين عن يساره.

    وأما إيذاؤه فشنيع وعظيم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (قيل للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله! إن فلانة تقوم الليل وتصوم النهار وتفعل وتتصدق ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: لا خير فيها هي من أهل النار).

    وعن أبي هريرة قال: (قال رجل: يا رسول الله! إن لي جاراً يؤذيني فقال: انطلق فأخرج متاعك في الطريق، فانطلق فأخرج متاعه فاجتمع الناس عليه قالوا: ما شأنك؟ قال: لي جار يؤذيني -أي: أنه ما أطاق البقاء في بيته وأخرج المتاع إلى الشارع- فجعلوا يقولون: اللهم العنه، اللهم أخزه -يدعون على جاره اللهم أخزه- فبلغ الجار ما يفعل الناس، فأتاه فقال: ارجع إلى منزلك فوالله لا أؤذيك) اتعظ وارتدع ورجع إلى الإحسان.

    وكان ثوبان يقول: [ما من جار يظلم جاره ويقهره حتى يحمله ذلك على أن يخرج من منزله إلا هلك] وكم من الناس اليوم غيروا سكنهم وخرجوا من بيوتهم بسبب جيرانهم فكان أذى الجار حاملاً لهم على الخروج من المسكن، وتغيير البيت من أجل أذى الجار.

    وربما انتقل إلى بيت إيجاره أعلى، أو بيت أضيق من أجل الهروب من جاره، ومن أجل أذى الجار.

    حق الأيتام

    وأما الأيتام فالإحسان إليهم ومعاملتهم بلطف والإنفاق عليهم من هذه الشريعة، فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الساعي على الأرملة والمساكين كالمجاهد في سبيل الله، وكالذي يصوم النهار ويقوم الليل) ولذلك كان عبد الله -كما يقول أبو بكر بن حفص- لا يأكل طعاماً إلا وعلى خوانه يتيم، لابد أن يدعو يتيماً في كل وجبة من وجبات طعامه ليأكل معه إحساناً إلى اليتامى.

    وأما العبيد والخدم فالإحسان إليهم بالرفق بهم والتخفيف عنهم وترك إيذائهم:

    عن أبي أمامة قال: (أقبل النبي صلى الله عليه وسلم ومعه غلامان فوهب أحدهما لـعلي صلوات الله عليه وقال: لا تضربه، فإني نهيت عن ضرب أهل الصلاة، وإني رأيته يصلي منذ أقبلنا، وأعطى أبا ذر غلاماً وقال: استوصِ به معروفاً، فأعتقه، فقال: ما فعل؟ -يسأل أبا ذر بعد ذلك- ماذا فعلت بالغلام؟! قال: أمرتني أن أستوصي به خيراً فأعتقته).

    وعن أبي مسعود رضي الله عنه قال: (كنت أضرب غلاماً لي فسمعت من خلفي صوتاً!! اعلم أبا مسعود. اعلم أبا مسعود. لله أقدر عليك منك عليه، لله أقدر عليك منك عليه، فالتفت فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا رسول الله! هو حر لوجه الله، فقال: أما لو لم تفعل لمستك النار أو للفحتك النار) وعن عمار بن ياسر قال: [لا يضرب أحد عبداً له وهو ظالم له إلا أقيد منه يوم القيامة]

    هذا في العبد الذي يملكه صاحبه، فكيف إذا كان خادماً لا يملكه ولم يشتره بماله؟ وإنما هو حرٌ أو حرةٌ من الأحرار ومع ذلك يضربونهم ويجرحونهم ويكسرونهم وقد يذهبون إلى المستشفيات من شدة الضرب، حال بعض الناس مع الخدم في الإهانة والإيذاء والشدة لا يعلمه إلا الله، مع أنهم لا يملكونهم وهذا الذي يملكه يقول عمار : [لا يضرب أحد عبداً له وهو ظالم له إلا أقيد منه يوم القيامة] فماذا سيفعل بعض الخدم ببعض المخدومين يوم القيامة؟

    وعن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: (خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصفوا معه حال غلامه وحسن لباسه مع سيده، فكلموا أبا اليسر في حال هذا الغلام في هذه اللبسة الجميلة الجيدة، فقال: يا بن أخي! بصرت عيني هاتين، وسمعت أذني هاتين، ووعاه قلبي -وأشار إلى مناط قلبه- سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون) وكان أن أعطيته من متاع الدنيا أهون علي من أن يأخذ من حسناتي يوم القيامة.

    وعن أبي ذر قال: (إني ساببت رجلاً فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي -أي: الرسول عليه الصلاة والسلام-: أعيرته بأمه؟! قلت: نعم. قال: إن إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يديه فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم) .

    الإحسان إلى صانع المعروف

    والإحسان إلى من صنع إليك معروفاً فمكافأته على معروفه، وكم من الناس يجحد المعروف ويتنكر لمن صنع إليه معروفاً، حتى إذا رآه كأنه لم يقابله من قبل، فجاحدو المعروف في هذه الدنيا كُثر، عن جابر بن عبد الله قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من صُنعِ إليه معروف فليجزيه، فإن لم يجد ما يجزيه فليثن عليه، فإنه إذا أثنى عليه فقد شكره وإن كتمه فقد كفره، ومن تشبع بما لم يعط كأنما لبس ثوبي زور) إذاً: إذا لم تستطع مكافأته فاذكر معروفه بين الناس واثنِ عليه، فإذا كتمت ذلك فقد كفرت بمعروفه، وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أتى إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له حتى يعلم أن قد كافأتموه).

    الإحسان إلى صديقات الزوجة

    وأما الإحسان إلى الأصدقاء، وصديقات الزوجة، وأصدقاء الأبوين فإنه من حسن التعامل مع الخلق، فعن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتي بالشيء يقول: (اذهبوا به إلى فلانة فإنها كانت صديقة خديجة ، اذهبوا إلى بيت فلانة فإنها كانت تحب خديجة) كان صلى الله عليه وسلم يتذكر الغابر، ويتذكر الدهر الماضي، ويتذكر العلاقات القديمة، حسن العهد من الإيمان.

    أما الإخوان والأصدقاء، فإنه لابد أن يكون الإنسان على صلة ورحمة بهم، وهذا ما سنعرف بعض أمثلته بعد قليل. أسأل الله تعالى أن يهب لنا من أمرنا رشداً، وأن يعيننا على حسن التعامل مع الخلق، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    الإحسان إلى الإخوان

    الحمد لله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ويشركون، نحمدك اللهم ونثني عليك ونشكرك ونوحدك ولا نكفرك ونخلع كل من يكفرك.

    وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، هو رسول الله الرحمة المهداة والبشير النذير والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وذريته الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه والتابعين.

    عباد الله! قال صلى الله عليه وسلم: (خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه) وقال عليه الصلاة والسلام: (المؤمن مرآة أخيه، المؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه فيحفظه في ماله، ويتعاهد حاله، ويصلح شأنه ويرعى مصلحته) ولذلك لا تجوز المصارمة بين الإخوان، القطيعة والهجران من المحرمات، فعن هشام بن عامر الأنصاري -ابن عم أنس بن مالك ، وكان أبوه قد قتل يوم أحد - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل لمسلم أن يصارم مسلماً فوق ثلاث، فإنهما ناكبان عن الحق ما داما على صرامهما، وإن أولهما فيئاً يكون كفارته عند سبقه بالفيء -إذا سبق بالرجوع إلى صاحبه كان ذلك الرجوع كفارة لما حصل- وإن ماتا على صرامهما، لم يدخلا الجنة جميعاً أبداً، فإن سلم عليه فأبى أن يقبل تسليمه وسلامه رد عليه الملك ورد على الآخر الشيطان) رد عليه الملك على المسلم البادئ، ورد على الآخر الشيطان، قاله عليه الصلاة والسلام.

    فانظر الآن في أحوالنا الاجتماعية وتقاطع بعضنا مع بعض، وهذا لم يدخل بيت قريبه منذ كذا سنة، وآخر يمر بالمجلس فلا يسلم عليه لما بينه وبينه من القطيعة، حقوق الأخوة عظيمة، والإعداد للقاء الإخوان من الدين، فعن ثابت البناني قال: [إن أنساً كان إذا أصبح دهن يده بدهن طيب لمصافحة إخوانه] كان أنس إذا أصبح وضع الطيب في يده لأنه سيمشي ويشاهد ويقابل إخوانه وسيصافحهم، فليكن ما ينتقل من كفه إلى كف أخيه طيباً.

    حتى توزيع النظر في الجلسات مع الإخوان، فعن حبيب بن ثابت قال: كانوا يحبون إذا حدث الرجل لا يقبل على الرجل الواحد ولكن ليعمهم، يعمهم بنظره فيوزع عليهم نظرات يشرك فيها الجميع، ولا يجوز ترويع الأخ المسلم أبداً، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (لا يأخذ أحدكم متاع صاحبه لاعباً ولا جادا فإذا أخذ أحدكم عصا صاحبه فليردها إليه).

    الإحسان إلى كبار السن

    وأما كبار السن فإن إحسان التعامل باحترامهم وتوقيرهم، فعن أبي موسى الأشعري قال: [إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم] إذا أردت أن تجل الرب عز وجل فأكرم ذي الشيبة المسلم.

    وأما قضاء حوائج الناس ووعدهم خيراً فقد كان صفة من صفات نبينا صلى الله عليه وسلم فعن أنس قال: (كان النبي رحيماً، وكان لا يأتيه أحد إلا وعده -يعده خيراً- وأنجز له إن كان عنده، وأقيمت الصلاة وجاءه أعرابي بعد إقامة الصلاة فأخذ بثوبه فقال: إنما بقي من حاجتي يسيرة -بقي سؤال- فقام معه حتى فرغ من حاجته ثم أقبل فصلى).

    التجاوز عن المحتاجين والمساكين والمدينين

    والتجاوز عن المحتاجين والمساكين والمدينين -أصحاب الديون- أمر عظيم من إحسان تعامل الخلق، فعن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه قد كان رجلاً يخالط الناس، وكان موسراً فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، قال الله عز وجل: نحن أحق بذلك منه تجاوزوا عنه -يقول للملائكة- تجاوزوا عنه) بعد أن لقي الله وكان موحداً لكن ليس له من الخير إلا ذلك، قال: تجاوزوا عنه.

    مواساة الناس في السنة المجاعة وفي القحط والشدة، تنزل حيث بالناس ظروف صعبة فيحتاجون وتضيق أحوالهم، فما هو حسن التعامل مع الخلق في هذه الحالة؟ المواساة والبذل لهم، ولذلك قال الأنصار: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، مع أن المهاجرين ما تعبوا في شيء، قال: لا. لا يعرفون الزراعة، فقالوا: تكفونا المؤنة ونشرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا.

    وعن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قام عام الرمادة وكانت سنةً شديدة مؤلمة بعدما اجتهد عمر في إمداد الأعراب بالإبل والقمح والزيت من الأرياف كلها مما أجهده ذلك فقام عمر يدعو فقال: [اللهم اجعل رزقهم على رءوس الجبال، فاستجاب الله له وللمسلمين فقال حين نزل به الغيث: الحمد لله فوالله لو أن الله لم يفرجها ما تركت أهل بيت من المسلمين لهم سعة إلا أدخلت معهم أعدادهم -إذا كانوا خمسة أدخل معهم خمسة، وإذا كان أهل البيت ميسورين وكانوا أربعة أدخل معهم أربعة- إلا أدخلت معهم أعدادهم من الفقراء، فلم يكن اثنان يهلكان من الطعام على ما يقيم الواحد] يعني: طعام الواحد يكفي الاثنين.

    قال محمد بن زياد: أدركت السلف -انظروا إلى التعامل بين الجيران والناس في ذلك الوقت رحمة الله على أهل ذلك الوقت- أدركت السلف وإنهم ليكونون في المنزل الواحد بأهاليهم فربما نزل على بعضهم الضيف وقدر أحدهم على النار -يكون قدر أحدهم على النار، والثاني نزل عنده ضيوف- فيأخذها صاحب الضيف لضيفه، يأتي صاحب الضيف إلى القدر التي لصاحبه ويأخذها لضيفه، فيفقد القدر صاحبها!! فيقول: من أخذ القدر؟!

    فيقول صاحب الضيف: نحن أخذناها لضيفنا، فيقول صاحب القدر: بارك الله لكم فيها، قال محمد: والخبز إذا خبزوا مثل ذلك، وليس بينهم جدر من قصب -الحدود جدار من قصب- فالواحد لا يجد حرجاً أن يأخذ من أخيه وأخوه يفرح إذا أخذ منه؛ لأن الأول يأخذ برضا الثاني وهو يعلم أنه راضٍ، فأين هذه الأخلاق؟!

    وكان على الضيوف من التعامل مع صاحب البيت ألا يحرجوه، فقد قال صلى الله عليه وسلم لما ذكر (جائزة الضيف ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه) لا يحل له أن يقيم عنده حتى يحرجه، ويضيق عليه.

    وأما مشاركة العمال والموظفين فاسمع ما قال نافع بن عاصم أنه سمع عبد الله بن عمرو قال لابن أخ له خرج من الوهط -بستان وأرض كانت لـابن عمرو - [أيعمل عمالك؟ قال: لا أدري، قال: أما لو كنت ثقفياً لعلمت ما يعمل عمالك، ثم التفت إلينا فقال: إن الرجل إذا عمل مع عماله في داره، وقال أبو عاصم مرةً في ماله -في الشركة أو المؤسسة أو الدكان أو البيت- كان عاملاً من عمال الله عز وجل] كأنما يعمل لله، من عمال الله عز وجل.

    حسن التعامل مع الحيوانات

    حتى حسن التعامل يصل إلى البهائم والحيوانات وليس إلى الآدميين فقط، فعن قرة قال رجل: (يا رسول الله! إني لأذبح الشاة فأرحمها، أو أني لأرحم الشاة أن أذبحها، قال: والشاة إن رحمتها رحمك الله -مرتين- والشاة إن رحمتها رحمك الله) وعن عبد الله بن مسعود قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم نزل منزلاً -في طريق- فأخذ رجل بيض حمرة -نوع من الطيور، تسلق الرجل فأخذ بيضها من عشها- فجاءت الحمرة ترف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم -تحوم وترف بجناحيها- فقال عليه الصلاة والسلام: أيكم فجع هذه بيضتها؟ أيكم فجع هذه بيضتها؟ فقال رجل: يا رسول الله! أنا أخذت بيضتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أردده رحمةً لها، أردده رحمةً لها) حتى البهائم والحيوانات.

    هذا جانب من حسن التعامل مع الخلق، استفدنا كل ما ورد من الأحاديث والآثار الصحيحة من كتاب الإمام العظيم أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله، فالله يغفر له ويرحمه على ما نفعنا به من هذه العلوم في كتابه العظيم ( الأدب المفرد ) وفيه خير كبير، وهذا الجانب منتقى منه فقط في قضية الإحسان إلى الخلق في التعامل مع الناس.

    اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الأخيار، اللهم إنا نسألك أن تغفر ذنبنا وتلم شعثنا وتثبت أمننا، اللهم اقضِ ديوننا، واكبت عدونا، وارحم ميتنا، اللهم سد جوعتنا، اللهم استر عيوبنا يا رب العالمين، اللهم من أراد الإسلام وأهله بسوء في هذه البلد وسائر بلدان المسلمين فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين، اللهم آمنا في الأوطان والدور وأرشد الأئمة وولاة الأمور، اللهم ارحمنا برحمتك يا عزيز يا غفور إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90].

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2740524054

    عدد مرات الحفظ

    684602731