إسلام ويب

الإمام علي بن المديني [2،1]للشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بحر من بحور العلم! بدأ يطلب العلم على يد والده، ثم رحل إلى المدن العراقية وتنقل فيها طلباً للعلم، ثم رحل إلى اليمن وإلى غيرها من الأمصار، فيا ترى! من هو هذا الإمام؟ وما هي أخلاقه؟ ومن هم شيوخه وتلامذته؟ ومن قرناؤه؟ هذا الإمام الجهبذ ما موقفه في فتنة خلق القرآن؟ وهل صحيح ذلك الكلام الذي يحكى عنه بأنه وقف مع ابن أبي دؤاد ضد الإمام أحمد؟ كل هذا ستعرفه في هذا الدرس، وستعرف الكثير الكثير عن هذا الإمام الفذ.

    1.   

    نبذة عن الزمن الذي عاصره ابن المديني

    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، حمداً يوافي نعمه، ويكافئ مزيده.

    والصلاة والسلام على النبي المصطفى الأمين، خير خلق الله وخاتم رسله أجمعين، وعلى آله وصحبه الذين ساروا على هديه واقتفوا سنته ومنهجه القويم، ومن تبعهم بإحسانٍ وتأسى بهم إلى يوم الدين.

    أيها الإخوة: لقد منَّ الله سبحانه وتعالى على المؤمنين بأن أنزل فيهم كتابه وحَفِظَه، فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9] .

    وكان من توابع هذه المكرمة الإلهية: حفظ السنة لأجل حفظ الكتاب؛ لأن الله عز وجل جعلـها تبياناً، فقـال سبحانه وتعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:44] .

    وكان ما حـرم رسـول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله، وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7] .

    فكانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم في غاية الأهمية؛ لأن فهمها فهمٌ لكتاب الله، وكان الاعتناء بصحتها من العبادات العظيمة؛ لأنه لا يمكن التوصل إلى معرفة الوحي الصحيح الذي نعرف به معاني الكتاب وما أنزل إلينا ربنا من الأحكام الشرعية إلا عن طريق الدليل الصحيح؛ ولذلك توجهت وانصرفت جهود أئمة الإسلام لحفظ السنة وتنقيتها وتمييز صحيحها عن سقيمها وضبطها، وصار الأمر كما روى مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه، عن محمد بن سيرين ، قال: [لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فيُنْظَر إلى أهل السنة، فيؤخذ حديثهم، ويُنْظَر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم] وصار عندنا هذا العلم -علم الجرح والتعديل-الذي ليس عند أي أمة أخرى من الأمم على الإطلاق.

    ومن العلماء الذين قيضهم الله عز وجل لتمييز الحديث الصحيح من السقيم:

    القسم الأول: مَن تكلم في أكثر الرواة: مثل: ابن معين ، وأبي حاتم الرازي .

    القسم الثاني: من تكلم في كثير من الرواة: كـمالك وشعبة .

    القسم الثالث: من تكلم في الرجل بعد الرجل: كـابن عيينة ، والشافعي رحمهما الله تعالى.

    ومن العلماء الأعلام الذين حفل بهم تاريخ السنة في هذه الأمة، ومن الذين كان لهم إسهامات ضخمة في هذا العلم -وهو الذي سنتحدث عن سيرته إن شاء الله في هذه الليلة- الإمام علي بن المديني رحمه الله تعالى.

    ويكفينا أنه شيخ البخاري ، وأنه الذي قال البخاري فيه: "ما استصغرت نفسي عند أحدٍ إلا عند علي بن المديني".

    فمتى عاش هذا الإمام؟ وما هي الظروف التي رافقت حياته، والأحوال التي كانت موجودة في ذلك الوقت؟

    هذا قبل أن ندخل في سيرته الذاتية، وجهوده في طلب العلم، ونشر السنة، وتمييز الحديث.

    أما العصر الذي عاش فيه علي بن المديني رحمه الله تعالى:

    فإنه وُلِد رحمه الله وقد مضى على خلافة المهدي العباسي أكثر من سنتين؛ لأن ولادته رحمه الله كانت سنة (161هـ).

    وتوفي الإمام ابن المديني وقد مضى من خلافة المتوكل قرابة سنتين؛ لأن وفاته رحمه الله كانت سنة (234هـ).

    فيكون ابن المديني رحمه الله قد عاش (73) سنة، وعاصر خلالها من خلفاء بني العباس ما بين المهدي والمتوكل ، فيكون قد عاصر:

    - المهدي.

    - و الهادي.

    - و الرشيد.

    - و الأمين.

    - و المأمون.

    - و المعتصم.

    - و الواثق.

    وعاصر جزءاً من خلافة المتوكل في آخر عمره.

    استقرار الدولة الإسلامية في زمن ابن المديني

    لا شك أن هذه الفترة كانت فترة استقرار في الدولة الإسلامية في ذلك الوقت، ووصلت إلى أوج قوتها وعظمتها، حتى قال ابن طبا طبا رحمه الله: "واعلم -عَلِمْتَ الخيرَ- أن هذه الدولة -العباسية- من كبار الدول، ساست العالَمَ سياسةً ممزوجةً بالدين والمُلك، فكان أخيار الناس وصلحاؤهم يطيعونها تديناً، والباقون يطيعونها رهبةً أو رغبةً، ثم مكثت فيهم الخلافة والمُلك حدود ستمائة سنة".

    وكانت هذه الدولة -ولا شك- في أولها وفي قوتها غُرَّةً في جبين الدهر، وتاجاً على مفرق العصر، كما ذكر ذلك المؤرخون.

    وبطبيعة الحال كان المجتمع الإسلامي في ذلك الوقت مجتمعاً قوياً، وكانت فيه الأموال كثيرة، وظهرت طبقات من الأغنياء، وظهرت مظاهر الترف والبذخ والتفنن في العُمْران.. وغير ذلك.

    وكان من أشهر خلفاء هذه الفترة: هارون الرشيد رحمه الله، الذي امتدت رقعة المملكة في عصره إلى معظم الدنيا، ولَمْ يَجتمع على باب خليفة من الشعراء، والأمراء، والعلماء، والفقهاء، والقرَّاء، والقضاة، والكتَّاب، ما اجتمع على باب الرشيد رحمه الله.

    وكذلك انتشر في ذلك العهد القُصَّاص الذين كانوا يتكسبون بإيراد القصص والأساطير على الناس مما لا يكون له صحة غالباً، فحصل من علماء أهل السنة تبيان حال هؤلاء القُصَّاص، وقال ابن المديني رحمه الله: أكذب الناس ثلاثة:

    - القُصَّاص.

    - والسُّؤَّال -أي: الذين يسألون.

    - والوجوه -أي الوجهاء- قلت: فما بال الوجوه؟

    قال: يكذبون في مجالسهم، ولا يُرَدُّ عليهم.

    فهذا شيء مما كان في عصره.

    الحركة العلمية في زمن ابن المديني

    أما بالنسبة للحركة العلمية، فلا شك أنها كانت حركة علمية قوية جداً في ذلك الوقت، وصارت بغداد حاضرة العالم الإسلامي، يأتي إليها طلاب العلم من كل صوب وحدب، ويقصدونها لينهلوا منها، وكان منهم بطبيعة الحال: علي بن المديني رحمه الله الذي قدم بغداد، ونَبَغ في المدن الإسلامية في ذلك الوقت من المحدِّثين عدد من أهل العلم:

    فمن الذين نبغوا في البصرة ؟

    يحيى بن سعيد القطان ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وكلاهما قد توفي في سنة (198هـ) وأخذ عنهما ابن المديني رحمه الله وتخرج.

    وكذلك نبغ فيها أيضاً: إسماعيل بن عُلَيَّة ، وعفان بن مسلم ، وأبو الوليد الطيالسي .

    وفي غيرها من أمصار المسلمين كان هناك أئمة أعلام، لكن لماذا ركزنا على البصرة ؟

    لأن ابن المديني رحمه الله نشأ فيها.

    وكان هارون الرشيد رحمه الله معروفاً بالتواضع لأهل العلم، حتى أن أبا معاوية الضرير محمد بن خازن يقول: أكـلتُ عنـده -عند الرشيد - يوماً ثم قمت لأغسل يديَّ، فصب الماء عليَّ وأنا لا أرى، ثم قال -أي: الخليفة-: يا أبا معاوية ! أتدري من يصب عليك الماء؟

    قلت: لا.

    قال: يصب عليك أمير المؤمنين.

    قال أبو معاوية : فدعوت له.

    فقال هارون : إنما أردت تعظيم العلم.

    وبعد هارون الرشيد اشتهر من الخلفاء: المأمون ، وقد وصفه ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية بقوله: "كانت له بصيرة بعلوم متعددة؛ فقهاً وطباً وشعراً وفرائض وكلاماً ونحواً وغريبَ حديثٍ وعلمَ النجوم".

    ولكن الرجل اغتالته عقول المعتزلة في مسألة خلق القرآن، وحصل أيضاً أن المأمون قد شجع حركة الترجمة في ذلك العصر من لغة اليونان.. وغيرها من اللغات.

    ولما اتسعت الفتوحات أرسل المأمون من يشتري المصنفات والخزائن -خزائن الكتب من المدن المختلفة- وفرَّغ من يترجمها، وأُودعت في بيتٍ يسمى: "بيت الحكمة" وكان قد أسسه هارون الرشيد ، فعمد المأمون على تزويده بشتى الكتب، حتى أصبح بيت الحكمة من أكبر خزائن الكتب في العصر العباسي، لكن هذه الترجمة لم تمر دون ضريبة، فقد دخل عن طريق هذه الترجمة ما دخل من الانحرافات على الجسم الإسلامي أو المجتمع الإسلامي، وهذا هو عصر علي بن المديني رحمه الله.

    1.   

    نسب علي بن المديني

    بالنسبة لنسبه رحمه الله فهو: علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السندي -مولاهم- البصري، المعروف بـابن المديني .

    ونسبة علي بن المديني إلى السندي نسبة ولاء، ليس من القوم، وإنما هو مولاهم.

    وأما لقب المديني بفتح الميم وكسر الدال، فإنها نسبة إلى المدينة ، والقياس بالنسبة إلى المدينة أن يقال: مدني، المدني، ولكن هذه الكلمة جرت على غير القياس.

    وقال ياقوت الحموي: "المشهور عندنا أن النسبة إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم : مدني -مطلقاً- وإلى غيرها من المدن مديني، للفرق لا لعلة أخرى". وهذا رأي من الآراء.

    قال: وربما رده بعضهم إلى الأصل، فنسب إلى مدينة الرسول أيضاً: مديني، قال: وعلى هذه الصيغة يُنسب أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السندي والمعروف بـابن المديني ، كان أصله من المدينة ونزل البصرة .

    أما كنيته رحمه الله فهي: أبو الحسن ، كما قال ذلك معاصره محمد بن سعد رحمه الله تعالى، ولعله لم يكن له ولد يسمى بالحسن، لكن قد يكون كني بكنية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حيث أن اسمه يوافق اسمه، فأخذ الكنية من ذلك.

    أصل الإمام علي بن المديني من المدينة المنورة ، ولكنه بصري الدار، ولد بـالبصرة في خلافة المهدي العباسي في سنة (161هـ) كما تقدم.

    ومن الذي ارتحل من المدينة إلى البصرة ؟ هل هو أبوه أو جده؟

    في هذه المسألة خلاف.

    ووالد ابن المديني يروي عن عبد الله بن دينار وطبقة من علماء المدينة .

    كان والد الإمام علي بن المديني من العلماء، وهو: عبد الله بن جعفر بن نجيح السندي ، ويكنى: بـأبي جعفر ، روى عن عدد من العلماء، مثل:

    إبراهيم بن مُجَمِّع ، وثور بن زيد الديلي ، وجعفر بن محمد الصادق ، وزيد بن أسلم ، وسعيد بن جبير.. وغيرهم كثير من العلماء العشرات الذين ذُكروا في ترجمته فيمن روى عنهم.

    قال الخطيب البغدادي رحمه الله: "وأبوه - أبو علي بن المديني - محدثٌ مشهور، روى عن غير واحد من مشيخة أنس بن مالك رحمه الله تعالى".

    إذاً: أبوه محدثٌ مشهور، كما قال الحافظ ابن تغري بردي رحمه الله.

    ولعله قد أصابه تغير في آخر عمره، ولذلك قال ابن حجر رحمه الله في التقريب في ترجمته: "ضعيف، تغيَّر حفظه بآخر عمره"، فهذا سبب ضعفه، أما هو من حيث الأصل، فهو محدثٌ مشهورٌ.

    كانت أم ابن المديني جدها جمهان وهو من المحدثين، وكانت عاقلة لبيبة، ويدل على ذلك أن علي بن المديني -ولدها- لما غاب في إحدى السفرات وترك أمه بـالبصرة فترة طويلة، فعندما رجع إلى البصرة ، فرحت به وقرت عينها برجوعه بعدما اكتسب علماً، فقالت له كما ينقل هو عنها: غبتُ عن البصرة في مخرجي إلى اليمن -وكان مخرجه قرابة ثلاث سنوات- وأمي حية، قال: فلما قدمت عليها، جعلت تقول: يا بني! فلانٌ لك صديق، وفلانٌ لك عدو.

    فقلت لها: من أين علمتِ يا أُمَّة؟

    قالت: كان فلانٌ وفلانٌ -وذكرت فيهم: يحيى بن سعيد - يأتون مسلِّمين فيعزونني ويقولون: اصبري، فلو قـدم عـليك -أي: ولدك- سرك الله بما ترينه، فعلمتُ أن هؤلاء محبوك وأصدقاؤك، وفلانٌ وفلانٌ إذا جاءوا قالوا لي: اكتبي إليه وضيقي عليه وحرجي عليه ليقدم عليكِ... إلخ الكلام.

    فكانت تستدل على الصداقة والعداوة من حرصهم على مصلحته، فالذين يتظاهرون بالحرص عليها، ويقولون: ضيقي عليه.. حرجي عليه، بيني له أنك غضبانة عليه إذا لم يرجع في الحال، فعلمت أن هؤلاء لا يتكلمون في مصلحته.

    فكانت تعرف أصدقاءه من أعدائه من هذه القرينة، ولذلك يُسجل لها موقف عظيم في أنها لم تضجر لغياب ولدها الطويل ما دام ذلك في مصلحة الولد، وأنه قد ذهب في تحصيل العلم.

    1.   

    أولاد ابن المديني

    أما ما كان لـعلي بن المديني رحمه الله من الأولاد، فقد ذُكِر أن له ولدان، هما: محمد ، وعبد الله ، وقد رويا عن أبيهما، وكان يصطحب معه أولاده إلى مجالس المحدثين، وقد ورد في ذلك قصة وقعت لـمحمد بن علي بن المديني حيث يخبرنا عنه ابنه جعفر ، فيقول: سمعت أبي يقول: خرج أبي إلى أحمد بن حنبل يعوده وأنا معه، قال: فدخل عليه وعنده يحيى بن معين وذكر جماعة من المحدثين، قال: فدخل أبو عبيد القاسم بن سلاَّم ، فقال له يحيى بن معين : اقرأ علينا كتابك الذي عملته للمأمون - غريب الحديث ، وهو من الكتب المشهورة في تبيان معاني الكلمات الغريبة أو الصعبة في الأحاديث- فأخذه أبو عبيد فجعل يقرأ ويبدأ بالأسانيد ويدع تفسير الغريب.

    قال: فقال له أبي -أي: علي رحمه الله-: يا أبا عبيد ! دعنا من الأسانيد نحن أحذق بها منك.

    فقال يحيى بن معين لـعلي بن المديني : دعه يقرأ على الوجه، فإن ابنك محمداً معك، أي: إذا كنت حاذقاً بهذا العلم، فإن ولدك يحتاجه.

    إذاً: الشاهد: أنه كان رحمه الله يعتني بأخذ أولاده إلى مجالس الحديث.

    وهذه فائدة مهمة بالنسبة لطلبة العلم ألا يحرموا أولادهم العلم وخاصة إذا بلغوا سناً يميزون به ويستفيدون من الحضور، فعليهم أن يأخذوا أولادهم إلى مجالس العلم، وبعض الطلبة ينسى أخذ أولاده إلى حلق العلم، حتى قال بعض المحدثين -وربما صدق في ذلك- أربعة لا فائدة منهم: فذكر:

    - حارس الدرب، ومنادي القاضي، ورجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب العلم، وابن المحدث؛ لأن أغلبهم يشتغل عن أولاده، فلا يهتم بتربيتهم ألبتة.

    وأرَّخ البخاري رحمه الله لوفاة شيخه علي بن المديني في يوم الإثنين، ليومين بقيا من ذي القعدة، سنة: (234هـ)، فهذه سنة وفاة علي رحمه الله تعالى.

    1.   

    معالي الأخلاق عند ابن المديني

    أمابالنسبة لسيرة هذا الإمام وأخلاقه، فإنه -رحمه الله- كان صاحب ورعٍ ونزاهةٍ.

    قال ابن حبان في الحديث عن الأئمة النقاد في الحديث: "مِن أورعهم في الدين، وأكثرهم تفتيشاً عن المتروكين، وألزمهم بهذه الصناعة على دائم الأوقات:

    أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وعلي بن المديني رحمة الله تعالى عليهم أجمعين"، فعدَّ علي بن المديني منهم.

    أبو نعيم وتزكيته لابن المديني

    والقصة المشهورة في خروج بعض المحدثين إلى أبي نعيم الفضل بن دكين ، وهذه القصة أخرجها الخطيب رحمه الله بسنده إلى أبي العباس بن عقدة يقول: خرج أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني إلى الكوفة إلى أبي نعيم ، فدلس يحيى بن معين أربعة أحاديث على أبي نعيم ، فلما فرغوا، رفس أبو نعيم يحيى بن معين حتى قلبه، ثم قال: أما أحمد فيمنعه ورعه من هذا، وأما هذا -أي: علي بن المديني - فتحنيثه -أي: عبادته وتقواه- يمنعه من ذلك, وأما أنت فهذا من عملك.

    قال يحيى: "فكانت تلك الرفسة أحب إليَّ من كل شيء".

    وقد وردت القصة بسياق آخر مختلف: أن يحيى بن معين وأحمد بن حنبل ومعهما ثالثٌ صغيرٌ في السن ذهبوا إلى أبي نعيم الفضل بن دكين ، فقال يحيى لـأحمد: أريد أن أختبر الرجل.

    قال: لا حاجة إلى ذلك، فقال: لا بد من اختباره، فأخذ من أحاديث أبي نعيم عشرة أحاديث كلها من رواية أبي نعيم الفضل بن دكين وجعل على رأسها واحداً ليس من حديثه.. وهكذا جعل على كل عشرة أحاديث حديثاً ليس من حديث أبي نعيم ، ثم جاء إليهم فجلسوا، وكان على دكة له -مكان مرتفع -مسطبة- جلسوا عليها- فبدأ يحيى بن معين بسرد الأحاديث، على طريقة الطلاب والشيوخ، يقول: حدثكم فلان عن فلان عن فلان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. حدثكم فلان عن فلان، والشيخ يوافق، وبهذا يكون مجلس الحديث والطالب يحدث عن الشيخ بعد ذلك بهذا المجلس، ولما سرد عليه مجموعة من الأحاديث -في كل ذلك وأبو نعيم يهز برأسه موافقاً- فلما بلغ الحديث الذي ليس من حديثه، توقف أبو نعيم وقال: اضرب عليه، فهذا ليس من حديثي، ثم سرد الأحاديث التي بعدها، وكل ذلك يوافق عليه حتى وصل إلى حديث، فقال: اضرب عليه فهذا ليس من حديثي، فلما تكررت، فطن لها أبو نعيم -فطن أن القضية قضية اختبار- فقال: أما هذا -أي: أحمد بن حنبل- فأورع من أن يفعل ذلك، وأما هذا فأقل من أن يفعل ذلك، وإنه من عملك يا كذا، وأخرج رجله فرفسه فوقع من على الدكة، فلما رجعوا قال أحمد : ألم أقل لك؟ -أي: أن الرجل ثقة- فقال يحيى رحمه الله: لرَفْسَتُه أحب إليَّ من كذا وكذا.

    في هذه الرواية أن علي بن المديني اصطحبهم، وأن أبا نعيم الفضل بن دكين شهد له بأن تحنثه -أي: تقواه وعبادته- يمنعه من أن يفعل هذا.

    وكان علي بن المديني رحمه الله حريصاً على طاعة الله وأداء واجباته، فجاءت قصة:

    قال أحمد بن حنبل : حضرت عند إبراهيم بن أبي الليث ، وحضر علي بن المديني ، وعباس العنبري ، وجماعة كثيرة، فنودي لصلاة الظهر، فقال علي بن المديني: نخرج إلى المسجد، أو نصلي هاهنا؟ إلى آخر القصة.

    فكان الذي اقترح أو الذي ابتدأ باقتراح الخروج إلى المسجد هو علي بن المديني رحمه الله، ولعله جاء بالكلام على طريقة سؤال؛ لأنه يرى أن هناك في المجلس من هو أكثر منه علماً.

    وكان رفيقاً حميماً للإمام أحمد رحمه الله تعالى، وكان صديقاً أيضاً للعالم الرباني محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله، ولذلك يقول عن صداقته للشافعي: كان الشافعي لي صديقاً، وكان سبب معرفتي إياه عند ابن عيينة ، وكان ابن عيينة يجله ويعظِّمه -ابن عيينة شيخٌ للشافعي ، وشيخٌ أيضاً لـعلي بن المديني ، وتعرَّف علي بن المديني على الشافعي عند ابن عيينة - وهكذا لا زال الأخيار يتعرف بعضهم على بعض عند الأخيار، وكانت مجالس العلماء وسيلة للتعارف بين طلبة العلم، ويستفيدون أشخاصاً أجلاء من خلال هذه الحِلَق والتلاقي، وهذا هو الوضع الطبيعي للوضع المتوقع لهذه الحِلَق التي هي حِلَق ذكر الله؛ لأنها تضم الأخيار والطيبين والعلماء، ومنها تنطلق وتعقد أواصر التعارف. وهذه أيضاً فائدة من الفوائد التي ينبغي التوقف عندها.

    تأثر ابن المديني بأخلاق مشايخه

    كان علي بن المديني رحمه الله حريصاً على حضور مجالس العبادة والذكر بصحبة الصالحين، يقول ابن المديني رحمه الله: كنا عند يحيى بن سعيد القطان، فلما خرج من المسجد خرجنا معه - القطان هذا من كبار العلماء- فلما صار بباب داره وقف ووقفنا معه، فانتهى إليه الروبي -ولعل هذه صفة، أو اسم لشخص كان قارئاً يجيد قراءة القرآن- فقال يحيى لما رآه: ادخلوا، فدخلنا -رأى هؤلاء الجماعة وفيهم قارئ حسن الصوت، أدخلهم جميعاً لعله يكون مجلساً إيمانياً، جلسوا في المجلس- فقال للروبي: اقرأ، فلما أخذ في القراءة، قال علي المديني: فنظرت إلى يحيى قد تغير وجهه انفعالاً وتأثراً بالقراءة حتى بلغ: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ [الدخان:40] غُشِي عليه -أي: على يحيى رحمه الله- وكان هناك باب قريب منه، فانقلب عليه، فأصاب فقار ظهره وسال الدم، فصرخت النساء، وخرجنا فوقفنا بالباب حتى أفاق بعد كذا وكذا -خرجوا لأجل تمكين النساء من الدخول للمعالجة المعاينة، وهذا من الأدب، قال: فوقفنا بالباب حتى أفاق بعد كذا وكذا، ثم دخلنا عليه فإذا هو نائم على فراشه وهو يقول: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ [الدخان:40] -يكرر الآية التي سمعها من القارئ- فما زالت فيه تلك القرحة حتى مات رحمه الله، وقد ذكر هذه القصة الذهبي في سير أعلام النبلاء .

    إذاً: علي بن المديني رحمه الله ممن عايش أولئك الأئمة، وهم أناس يخافون الله، يبكي الواحد منهم عند سماعه لكتاب الله تعالى حتى يُغشَى عليه، ولذلك يكتسبون مع العلم الخشوع، لم تكن المسألة فقط مجرد فوائد علمية، أو مجرد معلومات، إنما أشياء مع الخشوع، والأدب، والإيمان، والتقوى، والزهد.. وهكذا يتعلمون العلم والأدب.. العلم والإيمان جميعاً، وهذه هي الطريقة الصحيحة في التعليم، وليست إلقاء المعلومات.

    وكثيرٌ من المَجالس التي تَحصل ربما يكون قصارى ما فيها إلقاء معلومات، أما أن يتأثروا من بعض الحاضرين أو من الشيخ فهذا قليل مع الأسف! ولذلك فإن صحبة العلماء العاملين الصالحين هي المكسب الحقيقي وهي الفائدة.

    وكان علي بن المديني رحمه الله يتتبع شيوخه في جانب العبادة، فقال ابنٌ لـيحيى بن سعيد : إن أباه كان يختم القرآن في كل يوم. قال علي : فتفقدته وأنا معه في البستان، فختمه في ذلك الوقت، فكان يتتبع شيخه ليتأسى به، ونحن نعرف أن القرآن لا يفقه في أقل من ثلاثة أيام؛ ولكن لأسباب ذكرها العلماء، وقد كان بعض السلف يختمون في كل يوم.

    وكذلك من الأشياء التي تأثر بها علي بن المديني رحمه الله، من القصص التي حصلت له ونقشت في قلبه أشياء:

    قال محمد بن نصر : سمعت علي بن المديني يقول: إني أزور امرأة عبد الرحمن بن مهدي بعد موته - عبد الرحمن بن مهدي من كبار العلماء، وهذا وفاء لـعبد الرحمن كان يزور أهله- فرأيت سواداً في قبلة البيت، فقلت: ما هذا؟

    فقالت: هذه موضع استراحة عبد الرحمن ، كان يصلي بالليل، فإذا غلبه النوم وضع جبهته على هذا الموضع، أي: اتكأ عليه حتى لا يستغرق، فإذا غلبه النوم، وضع جبهته على هذا الموضع.

    تواضع علي بن المديني

    وكذلك فإن علياً رحمه الله كان من المتواضعين، ومما يدل على تواضعه وحسن خلقه الآتي:

    كان ابن المديني رفيقاً وصديقاً وقريناً لـأحمد بن حنبل ، لكنه كان يقول: قال لي سيدي أحمد بن حنبل : لا تحدث إلا من كتاب.

    وقال مرة: نهاني سيدي أحمد بن حنبل أن أحدث إلا من كتاب.

    وقال فيه: لنا فيه أسوة حسنة.

    - وكان رحمه الله لا يتردد في الاستفادة ممن هو أصغر منه في السن، وكان يقول: إن العلم ليس بالسن.

    - قال محمد بن يونس القديمي البصري وهو أحد تلاميذ ابن المديني: "قال لي ابن المديني : عندك ما ليس عندي"، وهذا من التواضع، فلو حصل لبعض الناس ربما تظاهر أمام التلميذ أنه يعرف المعلومة منذ زمن بعيد، أما أن يقول: إنني استفدتها منك، أو عندك ما ليس عندي، فهذا بعيد عمن لم يكن من أهل التواضع، فكان ابن المديني يقول لتلميذه محمد بن يونس القديمي : عندك ما ليس عندي.

    وكان إذا مُدِحَ يأبى ذلك ويحول الكلام، فعندما ذكر له قول محمد بن إسماعيل البخاري : ما تصاغرتُ نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني ، قال: ذروا قوله، هو ما رأى مثل نفسه.

    خطر في ذهن أحمد بن حنبل أن يسافر مع علي بن المديني إلى مكة، ولكن خوفه على ذهاب تلك الأخوة والمحبة ترك السفر معه، حيث قال أحمد بن حنبل: إني لأشتهي أن أصحبك إلى مكة ، وما يمنعني إلا خوف أن أمَلَّك أو تَمَلَّني.

    قال علي بن المديني : فلما ودعته، قلت: أوصني.

    قال أحمد بن حنبل: اجعل التقوى زادك، وانصب الآخرة أمامك.

    فالعادة أن الأدنى يطلب الوصية من الأعلى.

    علي بن المديني رحمه الله كان قريناً لـأحمد وصديقاً له ولم يكن تلميذاً، ومع ذلك يقول لـأحمد رحمه الله: أوصني، وهذا من تواضعه رحمه الله تعالى.

    وفيه من الفائدة: أنه أحياناً ربما ترك الأخ مخالطة أخيه الطويلة خشية حدوث الملل من الصحبة، حفاظاً على المودة، أو دواماً وإبقاءً للعلاقة بحيث لا تفتر، أي: ترك الخلطة الزائدة إبقاءً لدرجة الأخوة ألَّا تنزل أو تهبط.

    حرص ابن المديني على مصلحة إخوانه

    وكذلك فإن علي بن المديني رحمه الله كان حريصاً على أهل الحديث، ناصحاً لهم، وإذا وجد فائدة لأحدهم ذكرها له، فقال سعيد بن سعد البخاري نزيل الري: سمعت مسلم بن إبراهيم يقول: كانت الكتب التي عند أبي داود لـعمرو بن مرزوق ، وقال: عمرو رجل كثير الغزو -يغزو في البحر- فكانت الكتب عند أبي داود إلى أن مات أبو داود ، فلما مات أبو داود حولها عمرو بن مرزوق .

    قال سعيد : فقال لي علي بن المديني : اختلف إلى مسلم بن إبراهيم ، ودع عمرو بن مرزوق .

    قال: فأتيت مسلماً في يوم مجلس عمرو بن مرزوق، فقال لي: اليوم مجلس عمرو بن مرزوق كيف جئتني؟

    فقلت: إن علي بن المديني أمرني أن آتيك.

    فكان علي بن المديني رحمه الله ينصح الشخص بمن يفيده أكثر، فربما يكون هذا الشخص ليس متقناً في الحديث، أو ليس له ذاك الباع، أو كان مشتغلاً بالغزو، فلن يحصل له كثير تفنن، أو إتقان، أو غيره أعلم منه! بل كان يقول للطالب: اترك هذا وائت هذا؛ من أجل فائدته، فأمر علي بن المديني سعيد بن سعد البخاري بالاختلاف إلى مسلم بن إبراهيم ، وترك الأخذ عن عمرو بن مرزوق ؛ لأن مسلم بن إبراهيم إمام ثقة، وأما عمرو بن مرزوق فكان متكلَّماً فيه عند ابن المديني ، ولم يكن بثقة في علم الحديث؛ لكنه من جهة أخرى كان مجاهداً كبيراً.

    وهكذا دأب الإنسان الحريص على مصلحة إخوانه أنه يخبرهم بالفائدة، يقول: هذا الشيخ أحسن وأفيد لك، هذا أغزر علماً، الزم فلاناً، دع هذا واذهب إلى الآخر، لا لهوى شخصي، وإنما حرصاً على مصلحة أخيه، أو على مصلحة الطالب.

    ومن باب عدم الحسد -أيضاً- على الإنسان أن يدل غيره على الخير، وعلى المكان الأكثر فائدة، وعلى الشيخ الأكثر علماً، هذا من دأب أهل العلم.

    ابن المديني وتوقيره لأهل العلم

    كان علي بن المديني رحمه الله موقراً لأهل العلم، فجاء عن إسحاق بن إبراهيم بن أبي حبيب ، قال: كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر، ثم يستند إلى أصل منارة مسجده، فيقف بين يديه علي بن المديني، وابن الشاذكوني ، وعمرو بن علي، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين.. وغيرهم، يسألونه عن الحديث وهم قيام على أرجلهم إلى أن تحين صلاة المغرب، لا يقول لواحد منهم: اجلس، ولا يجلسون هيبةً وإعظاماً.

    هذا من تبجيله مع قرنائه لأهل العلم.

    وذكر الخطيب أيضاً، عن فتح بن نوح النيسابوري ، قال: أتيت علي بن المديني ، فرأيت محمد بن إسماعيل جالساً عن يمينه، وكان إذا حدث ابن المديني التفت إلى البخاري كأنه يهابه، مع أن البخاري تلميذ عند علي بن المديني ؛ لكن علي بن المديني كان يلتفت إلى البخاري في كل معلومة أو كلام أو حديث؛ هيبةً له، وكأنه ينظر هل يوافق عليه محمد بن إسماعيل أو عنده اعتراض؟ وكذلك نظرة احترام وهيبة إلى محمد بن إسماعيل مع أنه كان تلميذاً عند علي بن المديني رحمه الله.

    مباسطة ابن المديني وحسن خلقه

    وكان رحمه الله تعالى أيضاً صاحب خلق حسن وصاحب مباسطة:

    فمن المباسطات التي حصلت له مع بعض أصحابه قال جعفر بن محمد الصائغ : اجتمع علي بن المديني ، وأبو بكر بن أبي شيبة ، وأحمد بن حنبل ، وعفان بن مسلم . فقال عفان مباسطاً لهم: ثلاثةٌ يضعَّفون في ثلاثة...

    طبعاً بعض الرواة ثقة، لكنه ضعيف في شيخ معين، فمثلاً: هشيم ثقة، لكنه يضعَّف في الزهري ، لماذا؟ لأنه دخل عليه في مجلس قصير، فسمع منه عشرين حديثاً، فلم يحفظها هشيم ، بل كتبها كتابة، فلما خرج هشيم من عند الزهري ، فُقِدَت الورقة، فصار هشيم يحدِّث مما علِق في ذهنه من حديث الزهري ، فاختلط عليه حديث الزهري، فـهشيم يضعَّف في الزهري ، لكنه في غير الزهري ثقة، فهناك رواة ثقات في كل شيخ إلا في شيخ معين يكون عليهم ملاحظة، أو ضعف لسبب من الأسباب، فهؤلاء: ابن أبي شيبة ، وعلي بن المديني ، وأحمد بن حنبل ، وعفان بن مسلم كلهم ثقات، ولا يوجد ضعف في أحدٍ منهم أبداً.

    فيقول عفان بن مسلم مباسطاً لهم: ثلاثة يُضعَّفون في ثلاثة:

    - علي بن المديني في حماد بن زيد .

    - و أحمد بن حنبل في إبراهيم بن سعد .

    - و أبو بكر بن أبي شيبة في شريك .

    قال علي بن المديني ، ورابعٌ معهم.

    قال: ومن ذلك؟

    قال: عفان في شعبة .

    وقال عبد الله بن علي بن المديني : حدثني أبي، قال: جعل إنسان يحدث عن ابن المبارك عن الواقدي .

    فقال: صرنا إلى بحر الواقدي ، أي: دخلنا في بحر الواقدي والواقدي معروف بضعفه.

    1.   

    وقفة مع فتنة خلق القرآن

    حصلت في عهد علي بن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهم الفتنة المشهورة في قضية خلق القرآن، وهذه الفتنة لا بد أن نقول: لقد كان لها أثر على أهل العلم عموماً.

    وفتنة خلق القرآن ظهرت من قول المعتزلة الذين ظهروا في ذلك الوقت، لأن الفِرَق كانت قد خرجت؛ كـالخوارج ، والجبرية ، والقدرية ، والمرجئة ، والجهمية ، والمعتزلة ، ومنهم خرجت قضية خلق القرآن.

    وكانت فتنة هوجاء من أعظم الفتن التي عصفت بالأمة الإسلامية.

    ولا خلاف بين الأمة أن أول من قال بخلق القرآن هو الجعد بن درهم، الذي قتله خالد بن عبد الله القسري في سنة: (124هـ).

    وحمل لواء فتنة القول بخلق القرآن بعد الجعد بن درهم الجهم بن صفوان المقتول سنة: (128 هـ)، قُتِل بـمرو في خلافة هشام بن عبد الملك .

    وفي أوائل القرن الثالث الهجري أظهر هذه البدعة السيئة بشر المريسي ، المتوفى سنة: (218 هـ).

    أحمد بن أبي دؤاد ودوره في نشر الفتنة

    بعد بشر المريسي أخذ الفتنة أحمد بن أبي دؤاد الذي نشأ وتضلَّع في علم الكلام، وكان فصيحاً معظماً عند المأمون ، يصغي إلى كلامه ويأخذ برأيه، فهنا بدأت المرحلة الخطيرة في قضية خلق القرآن، لأن أول ما نشأت هذه الفتنة كانت فكرة مرذولة قال بها قلة، وكانت محارَبة، محدودة، مُسَيْطَر عليها، لكنها عندما وصلت إلى أحمد بن أبي دؤاد الذي كان له حِظْوَة عند الخليفة المأمون صاحب القوة والسلطة، وكان يسمع من ابن أبي دؤاد ولا يسمع فيه، زين له القول بخلق القرآن وحسنها عنده، حتى اعتنقها المأمون وصارت عنده حقاً مبيناً، وكان ذلك في سنة: (218 هـ) وحمل الناس على ذلك وأكرههم، وبدأت المحنة.

    إذاً: بدأت بتسلل الفكرة الخبيثة عن طريق هذا الرجل الذي كان له حِظْوَة عند السلطان، فأقنعه بها، واعتقد أنها حق مبين، وبدأت المحنة بأن كتب المأمون إلى نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي في امتحان العلماء، قال له: اجمع القضاة والمحدثين والفقهاء وامتحنهم بخلق القرآن، واسأل كل واحدٍ في المجلس العام: هل القرآن مخلوق أم لا؟

    قال الذهبي رحمه الله: وفيها -في سنة: (218 هـ)- امتحن المأمون العلماء بخلق القرآن وكتب في ذلك إلى نائبه بـبغداد ، وبالغ في ذلك، وقام في هذه البدعة قيام معتقد بها، فأجاب أكثر العلماء على سبيل الإكراه وتوقفت طائفة، ثم أجابوا وناظروا، فلم يلتفت إلى قولهم، وعظمت المصيبة بذلك، وهدد على ذلك بالقتل.

    وكان أول من امتحن في فتنة خلق القرآن هو الإمام عفان بن مسلم صاحب الطرفة التي ذكرناها قبل قليل، وكان يعارض هذه الفكرة ويأبى الرضوخ لها- يقول الذهبي رحمه الله: فلما دعي عفان للمحنة وحضر، وعرض عليه القول بخلق القرآن، امتنع أن يجيب، فقيل له: يُحْبِس عطاءك -أي: يُمْنَع الراتب- وكان يُعْطَى في كل شهر ألف درهم.

    فقال: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ [الذاريات:22] .

    فلما رجع إلى داره بعد هذه المواجهة، عذله نساؤه ومن في داره -لاموه، من أين نأكل؟ وأذهبْتَ العطاء؟ وأذهبت المال؟- وكان يوجد في داره نحواً من أربعين إنساناً -متكفل بأربعين شخصاً، الموقف ليس سهلاً- فدق عليه داقٌ الباب، فدخل عليه رجل ومعه كيس فيه ألف درهم، فقال: يا أبا عثمان ! ثبتك الله كما ثبتَّ الدين، وهذا لك في كل شهر.

    وكتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم أيضاً في امتحان سبعة أنفس -الخبث الآن يأتي من ابن أبي دؤاد بانتقاء الأشخاص، واختيار المشاهير من العلماء والفقهاء منهم:

    - محمد بن سعد ، ويحيى بن معين ، وأبو خيثمة زهير بن حرب ، وأحمد بن إبراهيم الدورقي.

    فامتحنهم بخلق القرآن، ففي البداية ما أجابوه فأمر بترحيلهم إلى بغداد ، ولكنهم في الطريق أجابوا، فردهم من الرقة إلى بغداد ، وأجابوه تُقْيَةً -استعملوا التورية كما كان يقول بعضهم: أشهد أنه مخلوق -ويقصد إصبعه- أو يقول: أشهد أن التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وصحف إبراهيم أنها مخلوقة -يقصد أصابعه الخمس- المهم: صارت أفكار العلماء تدور في قضية التورية في هذا الظرف الشديد.

    ثم كتب المأمون بعد امتحان هؤلاء السبعة، طلب منه أن يحضر الفقهاء ومشايخ الحديث ويخبرهم بما أجاب به هؤلاء السبعة -يقول: انظر يحيى بن معين ، ومحمد بن سعد ، وأبا خيثمة ، وأحمد بن إبراهيم الدورقي ، قد وافقوا على القول بخلق القرآن، كل هذا من الخبيث ابن أبي دؤاد صاحب الأفكار التي يمليها على المأمون لكي يزلزل بها أهل السنة ويفرق بها الجمع؛ لأن الجمع على أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق- فكتب المأمون إلى نائبه بأن يحذر الفقهاء ومشايخ الحديث، ويخبرهم بما جاء به هؤلاء السبعة، ففعل ذلك، فأجابه طائفة وامتنع آخرون، وكان يحيى بن معين وغيره يقولون: أجبنا خوفاً من السيف: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ [النحل:106] المسألة وصلت إلى القتل.

    ثبات أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح أمام فتنة خلق القرآن

    ثم كتب المأمون كتاباً آخراً من جنس الأول إلى نائبه، وأمر بإحضار من امتنع، فأُحْضِر جماعة أولهم أحمد بن حنبل ، وبشر بن الوليد الكندي.. وغيرهما، وعرض عليهما كتاب المأمون ، فلم يجيبا، فوجه بجوابات من المأمون ، فكانوا في البداية لا يجيبون، بل يسكتون.

    فورد كتاب المأمون بامتحانهم واحداً واحداً، فامتحنهم واحداً واحداً، فأجابوا كلهم إلا أحمد بن حنبل ، ومحمد بن نوح وكان شاباً، فوجههما إلى طََرْسُوْس -أو طََرَسُوْس، كلاهما صحيح، وجهان لاسم هذه المدينة- فلما صاروا إلى الرقة ، بلغتهم وفاة المأمون ، فحملا في سفينة، فلما وصلا إلى عانات -وهي مدينة في وسط الفرات - توفي محمد بن نوح -طبعاً بوفاة المأمون لم تنته القضية؛ لأن المأمون أوصى المعتصم بأن يحمل الراية من بعده- وكان الإمام أحمد يدعو الله تعالى ألَّا يريه وجه المأمون ، فاستجاب دعاءه، فتوفي المأمون قبل أن يصل إليه الإمام أحمد ، ولما توفي المأمون ، رُدَّ أحمد من الطريق- وتوفي محمد بن نوح ، فأُطْلِق قيده -لأنه مات في القيد- وصلى عليه الإمام أحمد رحمه الله.

    ومما يروى عن الإمام أحمد قوله: ما رأيت أحداً على حداثة سنه وقلة علمه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح ، وإني لأرجو أن يكون الله قد ختم له بخير.

    فالذين صبروا على المحنة أربعة أشخاص، كلهم من مرو كما قال أبو العباس بن سعيد المروزي وهم:

    1- أحمد بن حنبل.

    2- أحمد بن نصر الخزاعي.

    3- محمد بن نوح.

    4- نعيم بن حماد.

    وذكر ممن لم يجب أيضاً أبا نعيم الفضل بن دكين ، وعفان بن مسلم ، وأبا يعقوب يوسف بن يحيى البويطي -تلميذ الشافعي وصاحبه- وإسماعيل بن أبي أويس ، وأبا مصعب المدني ، ويحيى الحِمَّاني .

    ونقل عن البويطي قولته المشهورة: "فوالله لأموتن في حديدي هذا حتى يأتي من بعدي قومٌ يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم، ولئن أدخلت عليه لأصْدُقَنَّهم عليه" أي: على الخليفة الواثق .

    ويؤخذ أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الدمشقي، شيخ أهل الشام ومحدثهم، مكبلاً بالحديد فيمتحن ويصر على الرفض بخلق القرآن، ويهدَّد بالقتل، ثم يستجيب تحت التهديد بالسيف، ومع ذلك يعاد بأغلاله إلى بغداد ، ويموت في سجنها.

    ومات المأمون، وأوصى إلى المعتصم من بعده بامتحان الناس بخلق القرآن، فقام بتعذيب العلماء والمحدثين الذين لم يقولوا بخلق القرآن، ومكث أحمد في السجن منذ أُخِذ وحُمِل وضُرِب إلى أن خُلِّي عنه (28) شهراً.

    ويقال: إن المعتصم رقَّ في أمر الإمام أحمد لما رأى ثباته وتصميمه وصلابته؛ ولكن ابن أبي دؤاد قال له: إن تركته، قيل: إنك تركت مذهب المأمون وسخطت قوله، فهاجه ذلك على ضربه أي: على ضرب الإمام أحمد رحمه الله.

    وبعد المعتصم خلفه الواثق وورث الدعوة إلى هذه البدعة، وامتحن الناس، لكنه لم يتعرض لـأحمد، إما لأنه خاف من أن يتألب عليه العامة، أو لما علم من صبره، وأنه لا فائدة من تعذيبه، ولكن قال لـأحمد : لا تشاكلني بأرض -أي: لا أريد أن أرى وجهك في مملكتي، فاختفى أحمد رحمه الله تعالى بقية حياة الواثق ، وبعد أن مات الواثق ظهر أحمد إلى العلن مرةً أخرى.

    وفي عهد الواثق توسعت دائرة الفتنة، وشملت كافة الأمصار، وكان الفقهاء يُساقون إلى بغداد ليمتحنوا في هذه المسألة ويُفَتَّش عنهم وعن نواياهم وعن قلوبهم، ولم يبق فقيه ولا محدث ولا مؤذن ولا معلِّم حتى أُخِذ بالمحنة، فهرب كثير من الناس، وملئت السجون ممن أنكر المحنة، ومُنِع الفقهاء من الجلوس في المساجد، واستمر الحال في أيام الواثق .

    بداية ارتفاع محنة خلق القرآن

    ورد كتاب المتوكل برفع المحنة بعد الواثق ، وكان من الأسباب التي أدت إلى رفع المحنة مناظرة جرت بين يدَي الواثق ، فمنها رأى الواثق ترك الامتحان، لكنه كان لا يزال على القول بخلق القرآن، لكن ترك امتحان الناس بسبب حادثة حصلت، قيل: إنه جيء له بشيخ مقيد، فأذِن الواثق لـأحمد بن أبي دؤاد بمناظرة هذا الشيخ، فقال أحمد بن أبي دؤاد : يا شيخ! ما تقول في القرآن؟

    قال الشيخ: لم تنصفنِ، ولِّنِي السؤال -لماذا أنت تبدأ بالسؤال؟ أنا أبدأ بالسؤال.

    قال: سَل.

    فقال له الشيخ: ما تقول في القرآن؟

    قال: مخلوق.

    قال: هذا شيء علمه النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي أم لم يعلموه؟

    فقال: شيء لم يعلموه.

    فقال: سبحان الله! شيء لم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر ، ولا عمر ، ولا عثمان ، ولا علي، وعلمتَه أنت؟!

    قال: فخجل، وقال: أقِلْني، أي: أعطني فرصة أسحب جوابي.

    فأعاد عليه السؤال، قال: ما تقول في خلق القرآن؟

    قال: مخلوق.

    قال: أهذا شيء علمه النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون من بعده، أم لم يعلموه؟

    قال: علِموه ولم يدعوا الناس إليه. لأن هذه ورطة، لأنه لو قال: ما علِموه، معناها: أن هذا صار أعلم من النبي عليه الصلاة والسلام؟! وإذا قال: علِموه، سيكون السؤال الذي بعده: حسناً: هل دعوا الناس إليه، وامتحنوا الناس عليه؟

    فيكون الجواب: لا. فلذلك ابن أبي دؤاد جاء بالجواب في فقرتين، فقال: علِموه ولم يدعوا الناس إليه.

    فقال: أفلا وسعك ما وسعهم؟ جميلٌ! علموه؟! حسناً! لكن ألا يسعك ما وسعهم؟!

    إذا هم تركوا امتحان الناس عليه، أما تفعل مثلهم تترك امتحان الناس عليه؟!

    ثم قام الواثق ، فدخل المجلس -مجلس الخلوة- واستلقى على قفاه، وهو يقول: هذا شيء لم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر، ولا عمر ، ولا عثمان ، ولا علي، علمتَه أنت! سبحان الله! ويكرر ما قاله الشيخ المقيد، ثم أمر برفع القيود عنه وإعطائه أربعمائة دينار، وأذن له في الرجوع، وسقط من عينيه ابن أبي دؤاد ، ولم يمتحن بعد ذلك أحداً في هذه القضية.

    كانت هذه المناظرة هي بداية انفكاك المحنة.

    ثم جاء بعد الواثق المتوكل ، والمتوكل رجع إلى قول أهل السنة ، وأظهر قول أهل السنة أن القرآن منزل غير مخلوق، وكُشفت الغمة عن الناس، وأظهر برفع الإمام أحمد رحمه الله، ورجع كل شيء إلى ما كان عليه، فحمد الناس المتوكل رحمه الله لذلك الفعل.

    والكلام سيكون هو موقف ابن المديني في هذه المحنة، والاعتذار عنه بما حصل.

    1.   

    موقف ابن المديني من فتنة خلق القرآن

    طالت هذه المحنة أعداداً غفيرةً من العلماء، وكان منهم: علي بن المديني رحمه الله تعالى. فما هو موقفه في هذه المحنة؟

    وما قيل عنه؟

    وما هو اعتقاده في هذه المسألة؟

    هذه قضية جديرة بالبحث.

    لا بد أن نعلم أن علي بن المديني رحمه الله لم يكن موقفه في هذه المحنة مثل موقف الإمام أحمد رحمه الله، فإن موقف الإمام أحمد رحمه الله فاق كل المواقف، وكان هو رجل الموقف بلا شك، ولكن الإمام علي بن المديني رحمه الله قد افتُريت عليه افتراءات في هذا المقام، فلا بد من بيان موقف الإمام علي بن المديني رحمه الله في هذه القضية.

    عقيدة ابن المديني في القرآن

    أولاً: لا شك أن علي بن المديني رحمه الله من أئمة أهل السنة ، واعتقاده في سائر أبواب العقيدة هو اعتقاد أهل السنة والجماعة ، وبطبيعة الحال، فإن الكلام في اعتقاده رحمه الله في القرآن لا بد أن يكون جارياً على اعتقاد أهل السنة والجماعة في أن القرآن منزلٌ غير مخلوق، وهذا أمرٌ لا شك فيه، والنقولات عن هذا الإمام تثبت ذلك.

    فقد جاء عنه رحمه الله تعالى أنه قال في هذه المسألة: أن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى منزلٌ غير مخلوق، ونقل العلماء رحمهم الله عنه عباراته التي تؤدي هذا المعنى.

    فيقول إبراهيم بن عثمان بن أبي شيبة : سمعت علي بن المديني على المنبر يقول: من زعم أن القرآن مخلوقٌ فهو كافر، ومن زعم أن الله لا يُرى فهو كافر، ومن زعم أن الله لم يكلم موسى على الحقيقة فهو كافر.

    وقال إبراهيم بن عثمان بن أبي شيبة أيضاً: سمعت علي بن المديني يقول قبل أن يموت بشهرين: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: إنه مخلوق فهو كافر.

    إذاً: اعتقاد الإمام علي بن المديني رحمه الله في المسألة اعتقاد واضح لا لبس فيه من جهة ما يعتقده الرجل في هذه القضية، لكنه -ولا شك- بحسب الروايات التي جاءت لم يكن موقفه في القوة والصلابة مثل موقف الإمام أحمد رحمه الله، ولعل له عذراً في ذلك، فالرجل قد سُجِن وضُرِب.

    يقول علي بن الحسين بن الوليد : حين ودعت علي بن عبد الله بن جعفر -أي: ابن المديني- قال: بلغ أصحابنا عني أن القوم كُفَّار ضُلاَّل، ولم أجد بُدَّاً من متابعتهم؛ لأني جلست في بيت مظلم ثمانية أشهر، وفي رجلي قيد ثمانية أمنان حتى خفت على بصري.

    فإذاً: واضح أنه رحمه الله قد أُكْرِه على قول الباطل، وهذا هو صريحٌ في قوله: ولم أجد بُدَّاً من متابعتهم. والإكراه واضح من قوله: "لأني جلست في بيت مظلم ثمانية أشهر، وفي رجلي قيد ثمانية أمنان حتى خفت على بصري".

    واعتقاده في المعتزلة الذين يقولون بخلق القرآن وحملوا الناس على ذلك، قال: بلغ أصحابنا -أي: أهل السنة وأهل الحديث- عني أن القوم كُفَّار ضُلاَّل، ولم أجد بُدَّاً من متابعتهم.

    ويقول ابن المديني -رحمه الله- أيضاً: ما في قلبي مما قلتُ وأجبتُ إليه شيء -الذي قلتُ وأجبتُ إليه وأنا مُكرَه ليس اعتقاداً بقلبي- ولكني خفت أن أقتل، وتعلم ضعفي أني لو ضُربت سوطاً واحداً لَمُتُّ.

    وذكر رجلاً من الرواة وتكلم فيه مرة، فقال له العباس بن عبد العظيم العنبري : لا يقبلون منك، إنما يقبلـون من أحمد بن حنبل -أنت بسبب موقفك، ما ثَبَتَّ، لا يأخذون بقولك في الرجال، بل يأخذون بقول أحمد قال: قوي أحمد على السوط وأنا لا أقوى.

    فيظهر من هذه النصوص أن الإمام علي بن المديني رحمه الله كان نحيل الجسم، ضعيف التحمل، ليس معه من القوة الجسمية ما يعينه على تلقي الضرب وهو معذور، والله تعالى قد قال: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ [النحل:106] ولكن مع ذلك فإن ابن المديني رحمه الله ظل يشعر بالندم على ما حصل منه تحت هذا الإكراه، وعدة روايات تُنْقَل عنه في تأسفه وتندمه، ونقلها العلماء.

    افتراءات على ابن المديني في قضية خلق القرآن

    لكن الذي حصل أنه قد افتُريَت عليه أخبار.

    فمن القصص التي افتريت عليه:

    قيل: إنه دخل عليه أحد تلاميذه يوماً، فرآه واجماً مغموماً، فقال: ما شأنك؟

    قال: رؤيا رأيتها؟

    قال: قلت: وما هي؟

    قال: رأيت كأني أخطب على منبر داوُد عليه السلام.

    قال: فقلت: خيراً، رأيتَ أنك تخطب على منبر نبي.

    قال: لو رأيت كأني أخطب على منبر أيوب، كان خيراً لي؛ لأن أيوب بلي في بدنه وداوُد فتن في دينه، وأخشى أن أفتتن في ديني، فكان منه ما كان.

    قال الخطيب البغدادي: أي: أنه أجاب لَمَّا امتُحِن إلى القول بخلق القرآن.

    ولكن هذه الرواية يقول أهل العلم في رجالها: إن العنبري هذا ناقل القصة وكنيته: أبو عبد الله غلام خليل ضعيفٌ بالاتفاق.

    قال الذهبي بعد حكاية القصة: غلام خليل غير ثقة.

    وقال فيه أبو داود : أخشى أن يكون دجال بغداد.

    وقال الدار قطني : متروك.

    وقال فيه مرة أخرى: يضع الحديث.

    إذاً: هذه حكاية مُطَّرَحة باطلة لا يُعَوَّل عليها.

    ثم قد افتُرِيَت عليه قصة أخرى أيضاً:

    فجاء عن الحسين بن فهم عن أبيه: قال ابن أبي دؤاد للمعتصم : يا أمير المؤمنين! هذا -أي: أحمد بن حنبل - يزعم أن الله تعالى يُرى في الآخرة، والعين لا تقع إلا على محدود, والله تعالى لا يُحَدُّ.

    فقال له المعتصم : ما عندك في هذا؟

    فقال الإمام أحمد : يا أمير المؤمنين! عندي ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    يقول ابن أبي دؤاد -ما عنده إلا عقليات، العين لا تقع إلا على محدود، والله لا يُحد! وهذا حتى في العقليات باطل. فالآن نحن إذا نظرنا إلى السماء، نراها لكننا لا نحيط بها، هل يمكن أن يقول أحد: لا نراها، لأننا لا نحس بها؟ لا. هل هناك منافاة بين الإحاطة والرؤيا؟ لا. يمكن أن ترى الشيء وأنت لا تحيط به، فـابن أبي دؤاد ما عنده إلا عقليات فاسدة- يقول: إن هذا -أي: الإمام أحمد- إن الله تعالى يُرى في الآخرة، والعين لا تقع إلا على محدود, والله تعالى لا يُحد.

    فقال المعتصم للإمام أحمد : ما عندك في هذا؟

    قال: يا أمير المؤمنين! عندي ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قال: وما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    قال: حدثني محمد بن جعفر غندر، حدثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البجلي ، قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة أربع عشرة من الشهر، فنظر إلى البدر، فقال: أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا البدر، لا تُضامُون في رؤيته) فأتى الإمام أحمد بالدليل الصريح على هذا.

    ما أتينا بعدُ إلى موضع الشاهد من القصة المفتراة.

    فقال المعتصم لـأحمد بن أبي دؤاد : ما عندك في هذا؟

    قال: انظر في إسناد هذا الحديث، يقول: لا بد أن نراجع الإسناد.

    ماذا فعل ابن أبي دؤاد -حسب القصة هذه-؟! وجَّه إلى علي بن المديني ، وهو في بغداد مُمَلَّق -أي: فقير لا يقدر على درهم- فأحضره، فلما كلمه حتى أعطاه عشرة آلاف درهم، وقال: هذه من أمير المؤمنين وأن تُدْفَع إليه أرزاقه المقطوعة سابقاً رزق سنتين.

    ثم قال له: يا أبا حسن - ابن أبي دؤاد يقول لـعلي بن المديني ، الخبير بـالعلل - يا أبا حسن ! حديث جرير بن عبد الله في الرؤية ما هو؟

    قال: صحيح.

    قال: فهل عندك فيه شيء؟

    قال: يعفيني القاضي من هذا.

    قال: يا أبا حسن ! هذه حاجة الدهر. ثم أمر له بثيابٍ وطيب ومركب بسرجه ولجامه، ولم يزل حتى قال له: في هذا الإسناد مَن لا يعوَّل عليه ولا على ما يرويه، وهو: قيس بن أبي حازم ، إنما كان أعرابياً بوَّالاً على عَقِبَيه.

    فقبَّل ابن أبي دؤاد ابن المديني واعتنقه.

    فلما كان الغد وحضروا، قال ابن أبي دؤاد : يا أمير المؤمنين! -يحتج في الرؤية بحديث جرير - وإنما رواه عنه قيس بن أبي حازم وهو أعرابي بوَّال على عَقِبَيه.

    هذه القصة التي ذُكِرَ بعد ذلك في تكملة القصة أن الإمام أحمد قال: هذا مما عمله ابن المديني ، هذه القصة باطلة النسبةِ إلى ابن المديني وكَذِبٌ عليه وافتراء.

    يقول الخطيب البغدادي في القصة السابقة من الخبراء بثبوت القصص، ولذلك لما أظهر اليهود في حياة الخطيب البغدادي خطاباً أو رسالة، قالوا: هذه من محمد بن عبد الله -النبي صلى الله عليه وسلم- يضع عنا الجزية، وجاءوا إلى الخليفة، قالوا: لا تأخذ منا الجزية، أن الجزية موضوعة عنا وهذا إثبات ذلك، نبيكم أعطانا صكاً بوضع الجزية، فعرضه الخليفة على العلماء، فوصل إلى الخطيب ، فقال: مزور.

    قال: وما دليلك؟

    قال: فيه شهادة معاوية بن أبي سفيان ، وإنما أسلم في الفتح، والصك هذا من أيام خيبر ، وفيه شهادة سعد بن معاذ ، وقد مات في الخندق قبل خيبر.

    فـالخطيب رحمه الله كان ذكياً وخبيراً بموضوع القصص.

    قال الخطيب البغدادي في هذه القصة: أما ما حُكِي عن علي بن المديني في هذا الخبر أن قيس بن أبي حازم لا يُعْمَل على ما يرويه لكونه أعرابياً بوَّالاً على عَقِبَيه، فهو باطلٌ، وقد نزه الله علياً -أي: ابن المديني- عن قول ذلك؛ لأن أهل الأثر -وفيهم علي - مجمعون على الاحتجاج برواية قيس بن أبي حازم وتصحيحها؛ إذ كان من كبراء تابعي أهل الكوفة ، وليس في التابعين من أدرك العشرة المقدمين -أي: العشرة المبشرين بالجنة- وروى عنهم غير قيسٍ، مع روايته عن خلق من الصحابة سوى العشرة، ولم يَحْكِ أحدٌ ممن ساق خبر محنة أبي عبد الله أحمد بن حنبل أنه نوظر في حديث الرؤية.

    يقول الخطيب البغدادي : فإن كان هذا الخبر المحكي عن ابن فهم -الراوي للقصة- محفوظاً فأحسب أن ابن أبي دؤاد تكلم في قيس بن أبي حازم بما ذكر في الحديث، وعزا ذلك إلى ابن المديني ، أي: ألصقها بـابن المديني وابن المديني منها بريء، والله أعلم.

    واستبعد أيضاً تاج الدين السبكي هذه القصة، فقال: وما حُكِي من أنه علل حديث الرؤيا بسؤال القاضي أحمد بن أبي دؤاد له، وقال: هذه حاجة الدهر، وأن علياً قال: فيه من لا يعوَّل عليه وهو قيس بن أبي حازم ، إنما كان أعرابياً بوَّالاً على عَقِبَيه، وأن ابن أبي دؤاد قال لـأحمد كذا والرد عليه، وأن ابن حنبل قال: علمتُ هذا من عمل ابن المديني ، فهو أثرٌ لا يصح.

    فالمهم: أن العلماء بيَّنوا براءة علي بن المديني من هذه الفرية، وأن علي بن المديني أورع وأعظم وأرفع من أن يطعن في راوٍ متفق على أنه ثقة من أجل بغلة بسرجها ولجامها وبعض النقود، لا يمكن، فـابن المديني أورع من أن يفعل هذا.

    ومما يدل على ذلك أيضاً: أن ابن المديني له كتاب اسمه العلل ، عندما جاء على ذكر قيس بن أبي حازم ، توسع ابن المديني في الكلام عنه جدِّاً أكثر من أي شخص آخر في الكتاب، وأن الرجل ثقة، مما دفع بعض الباحثين إلى أن يقول: لعل ابن المديني سمع بالفرية التي ألصقت به، فلما ألف كتاب العلل ، أشبع قيس بن أبي حازم توثيقاً له ليدافع عن نفسه ضد الفرية التي ألصقت به.

    فخلاصة القول: أن ابن المديني رحمه الله كان صحيح العقيدة في القرآن، صحيح أنه لم يثبت مثل الإمام أحمد ، هذا بلا شك، أما أنه افترى وأعطى أدلة للقوم يتقوون بها فهذا كذب وافتراء، وقد تبرأ من القوم بعد ذلك، وقال: إنهم كفار، وأعلن عقيدته صريحة بعد ذلك، وبيَّن عُذْرَه، وأنه ضعيف لا يقوى على الضرب، وأن هناك فرق بينه وبين أحمد بن حنبل رحمه الله، وأظهر ندمه على كلامه مع أنه مكره عليه، وكان يبجل أحمد جداً لموقفه، ولذلك لما ورد عليه رسالة من أحمد بن حنبل في تلك الأيام ونظر إليها جعل يقول علي بن المديني : يأتي بأبي تركةُ الأنبياء. وقبَّله ووضعه بين عينيه.

    فقال له رجلٌ من جلسائه: يا أبا الحسن ! ما نشبه أحمد بن حنبل في زماننا إلا بـسعيد بن جبير في زمانه، فقال علي بن المديني: لا. بل أحمد في زماننا أفضل من سعيد بن جبير في زمانه؛ لأن سعيداً كان له نظراء في زمانه، وأما أحمد فلا يُعرف له نظيرٌ في شرقها ولا في غربها.

    الذهبي رحمه الله في ترجمة علي بن المديني: "مناقب هذا الإمام جمة لولا ما كدَّرها بتعلقه بشيء من مسألة القرآن، إلا أنه تنصل وندم وكفَّر من يقول بخلق القرآن، فالله يرحمه ويغفر له".

    إذاً: هذا موقف الإمام علي بن المديني رحمه الله، وكان يدعم أحمد بن حنبل ويجله أحمد بن حنبل من أجل موقفه، حتى أن علي بن المديني قال: اتخذت أحمد بن حنبل إماماً فيما بيني وبين الله عز وجل، ومن يقوى على ما يقوى عليه أبو عبد الله ؟!

    وكان يقول: أحمد بن حنبل سيدنا.

    وذُكِر عنده أحمد بن حنبل يوماً، فقال: حفظ الله أبا عبد الله ، أبو عبد الله اليوم حجة الله على خلقه.

    نفي تهمة رمي ابن المديني بالتشيع

    ابن المديني رحمه الله له موقف آخر في مسألة إظهار بعض الأشياء في بعض الأماكن لمصلحة معينة، فقد قال يحيى بن معين : كان علي بن المديني إذا قدم علينا أظهر السنة، وإذا ورد إلى البصرة أظهر التشيع.

    فهذه العبارة يجب معرفة معناها، وقد شرحها الذهبي حيث قال: كان يظهر ذلك بـالبصرة ليؤلفهم على حب علي رضي الله عنه، فإنهم عثمانية. أي: أهل البصرة كان فيهم بغضٌ لـعلي رضي الله عنه تعصباً لـعثمان.

    لما كان علي بن المديني يدخل البصرة يظهر التشيع، ما معنى التشيع؟ أي: نصرة علي، وإظهار فضله، وذكر مناقبه؛ لمعالجة انحراف أهل البصرة في كره علي والتعصب لـعثمان ، وقد كانت مدينة الكوفة معروفة بتشيعها، فكان ابن المديني إذا دخل الكوفة ، لا يظهر التشيع؛ لأن أهلها لا يحتاجون إلى إظهار التشيع؛ لأنهم متعصبون لـعلي.

    إذاً: ما حصل منه رحمه الله من التَّقِيَّة في مسألة خلق القرآن كان اضطراراً، وكما قال بعض المؤرخين وهو الصحيح: "أنه إنما أجاب خشية السيف".

    الرد على القول بأن الإمام أحمد لم يرو عن ابن المديني بعد المحنة

    وهناك -أيضاً- مطعن يطعنون في علي بن المديني رحمه الله، ينبغي الدفاع فيه عنه:

    يقولون: إن أحمد رحمه الله ما روى عنه شيئاً بعد المحنة.

    فالجواب عن هذه القضية: أن المحنة رُفِعَت في أيام الخليفة المتوكل سنة: (234 هـ)، وفيها توفي علي بن المديني ، فكيف سيحمل أحمد عنه بعد المحنة وهو أصلاً توفي في هذه السنة؟!

    لكن لا يمنع أن أحمد رحمه الله من أجل تعزيز موقف أهل السنة قد أفتى أو تكلم بعدم الرواية عمن أجاب في المحنة من باب تعزيز الموقف، ولكي يحمل الرواة والمحدثين والفقهاء والعلماء ويلقنهم درساً في القضية، ولكن أحمد رحمه الله زميل علي بن المديني ، وروى عنه، وكونه لم يرو عنه بعد المحنة؛ لأن علي بن المديني مات بعد ارتفاع المحنة مباشرةً، وستأتي أخبار بين أحمد بن حنبل رحمه الله وعلي بن المديني بمشيئة الله تعالى.

    ودافع الذهبي رحمه الله عن علي بن المديني دفاعاً قوياً لَمَّا أورد العقيلي في كتابه الضعفاء اسم علي بن المديني ، وقال العقيلي: "جنح إلى ابن أبي دؤاد والجهمية -كذا يقول- وحديثه مستقيمٌ إن شاء الله".

    لا شك أن التعليق بالمشيئة يضعف العملية، ولذلك يقولون: (لا بأس به) أقوى مِن (لا بأس به إن شاء الله)، و(ثقة) أقوى مِن (ثقة إن شاء الله)، و(صدوق) أقوى مِن (صدوق إن شاء الله)؛ لأن تعليق الصيغة بالمشيئة يضعفها.

    فالآن العقيلي يزعم في كتابه الضعفاء أن علي بن المديني ضعيف.

    كتاب الضعفاء جَمَع فيه أسماء الضعفاء، فيأتي ويضع اسم علي بن المديني فيه؟!

    يقول الذهبي : وقد بدت منه هفوةٌ -أي: من علي بن المديني رحمه الله- ثم تاب منها، وهذا أبو عبد الله البخاري قد شحن صحيحه بحديث علي بن المديني ، ولو تركت حديث علي ، وصاحبه محمد ، وشيخه عبد الرزاق ، وعثمان بن أبي شيبة ، وإبراهيم بن سعد ، وعفان ، وأبان العطار ، وإسرائيل ، وأزهر السمان ، وبهز بن أسد ، وثابت البناني ، وجرير بن عبد الحميد لغلقنا الباب، وانقطع الخطاب، ولماتت الآثار، واستولت الزنادقة ، ولخرج الدجال، أما لك عقلٌ يا عقيلي ؟! - الذهبي يقول مناقشاً إيراد علي بن المديني في كتاب الضعفاء - يقول: أفما لك عقلٌ يا عقيلي ؟! أتدري فيمن تتكلم؟ وإنما تبعناك في ذكر هذا النمط لنذب عنهم، ولنزيف ما قيل فيهم، كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات، بل وأوثق من ثقات كثيرين لم توردهم في كتابك، فهذا مما لا يَغتاب فيه محدِّث، وأنا أشتهي أن تعرفني من هو الثقة الثبت الذي ما غلط، ولا انفرد لما لا يُتابَع عليه؟!

    ثم شرح الذهبي قضية انفراد الثقة، وقال ملخص الكلام: "الثقة إذا انفرد بما ليس عند غيره، هذا دليل على سعة علمه، وأنه سمع أشياء ما سمعوها، أما الصدوق الذي لا يصل إلى مرتبة الثقة إذا انفرد بما انفرد به غيره، كان ذلك شذوذاً". وهو يعبر عنه بالإنكار رحمه الله.

    ثم قال الذهبي: "فَزِنِ الأشياء بالعدل والورع، وأما علي بن المديني فإليه المنتهى في معرفة علل الحديث النبوي مع كمال المعرفة بنقد الرجال، وسعة الحفظ والتبحر في هذا الشأن، بل لعله فردُ زمانه في معناه، وقد أدرك حماد بن زيد ، وصنَّف التصانيف وهو تلميذ يحيى بن سعيد القطان".

    هذا قد ذكره الذهبي رحمه الله في كتابه الميزان.

    إذاً: هذه خلاصة قضية علاقة علي بن المديني بموضوع محنة خلق القرآن، والجواب عن ذلك.

    ومن الذين أجابوا تُقْيَةً: يحيى بن معين. وأناس آخرين.

    أما الذي برز في المسألة فهو الإمام أحمد رحمه الله.

    والذين لم يجيبوا قلة يسيرة جداً، بعضهم مات في الحبس، وبعضهم مات تحت العذاب، وما بقي إلا أحمد رحمه الله، والبَقِيَّة كلهم كانوا قد أجابوا تُقْيَةً، أو أنهم تواروا واختفوا، وأما الذي ثبت وظهر فهو: الإمام أحمد رحمه الله، ولعل بعضهم قد اكتفى بموقف الإمام أحمد أنه قام بالحق وأعلنه والناس ينظرون إليه، فقالوا: لعله يسعنا نحن أن ننسحب ما دام أن واحداً هناك قام بالمهمة، ومع ذلك لا يُبَرَّءون، بل أخطئوا والله يغفر لهم.

    1.   

    فقه الإمام علي بن المديني

    كان الإمام علي بن المديني رحمه الله ليس محدثاً فقط -مع أنه من كبار رواة الحديث- ولا نقاداً للعلل فقط، وإنما كان فقيهاً أيضاً:

    كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتي بالوحي، والصحابة الكرام كانوا يفتون بأقواله عليه الصلاة والسلام، وإذا لم يجدوا نصاً في الكتاب وولا في السنة اجتهدوا آراءهم، والتابعون ساروا على منوال الصحابة، يعرضون الأمور على الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، فإذا لم يجدوا اجتهدوا من عندهم.

    وفي عصر الأئمة المجتهدين: أبي حنيفة ، ومالك ، وأحمد ، والشافعي ، والأوزاعي ، والثوري ، تكونت المذاهب الفقهية، فكان بـالمدينة مدرسة، وبـالعراق مدرسة فقهية أخرى، وبـالشام مدرسة كذلك، وكل واحدة من هذه المدارس كان لها مميزاتها وملامحها.

    أما بالنسبة لـعلي بن المديني رحمه الله فلا شك أنه كان من العلماء الذين جمعوا في الحديث بين الدراية والرواية، أي: من ناحية الصحة والعلل، ومن جهة المعنى والفهم والفقه، ولذلك عندما تكلم بعض العلماء الذين يعرفون الحديث رواية ودراية، ذكروا علي بن المديني من رءوس هؤلاء، فهذا الحاكم النيسابوري في كتابه معرفة علوم الحديث ، قال: "فأما فقهاء الإسلام أصحاب القياس والرأي والاستنباط والجدل والنظر، فمعروفون في كل عصر وفي كل بلد، ونحن ذاكرون بمشيئة الله في هذا الموضع فقه الحديث عن أهله ليُسْتَدل بذلك على أن أهل هذه الصنعة مَن تبحَّر فيها لا يجهل فقه الحديث، إذ هو نوعٌ من أنواع هذا العلم". ثم ذكر بعض أئمة الحديث المشهورين بالرواية والدراية، يروون الأحاديث ويفقهون معانيها ليسوا فقط نَقَلَةً، قال: منهم:

    - محمد بن مسلم الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ، وسفيان بن عيينة ، وابن المبارك ، ويحيى بن سعيد القطان ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وأحمد بن حنبل ، وعلي بن المديني ، رحمهم الله تعالى جميعاً، فذكر علياً منهم.

    قال الذهبي في كتابه تذكرة الحفَّاظ: لا تنظر إلى هؤلاء الحُفَّاظ النظر الشزر، ولا ترمقنهم بعين النقص، ولا تعتقد فيهم أنهم من جنس محدثي زماننا! حاشا وكلا، فما فيمن سميتُ أحداً -ولله الحمد- إلا وهو بصيرٌ بالدين، عالم بسبيل النجاة، وليس في كبار محدثي زماننا أحدٌ يبلغ رتبة أولئك في المعرفة -لأن الذهبي متأخر، في القرن الثامن- فإني أحسبك لفرط هواك تقول بلسان الحال إن أعوزك المقال: مَن أحمد ؟! ومَن ابن المديني ؟! وأي شيء أبو زرعة ، وأبو داود ؟! هؤلاء محدثون، ولا يدرون ما الفقه وما أصوله، ولا يفقهون الرأي ولا علم لهم بالبيان والمعاني والدقائق، ولا هم من فقهاء الملة -هذه كانت دعوى، ربما قالها بعضهم في عصر الذهبي ، فقال الذهبي راداً على من يقول ذلك الكلام: فاسكت بحلمٍ، أو انطق بعلمٍ، فالعلم النافع هو ما جاء عن أمثال هؤلاء؛ ولكن نسبتك إلى أئمة الفقه كنسبة محدثي عصرنا إلى أئمة الحديث، فلا نحن، ولا أنت، وإنما يَعْرِف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل.

    وإذا كان الرجل الذي هو علي بن المديني رحمه الله، قد اطلع على فقه أبي حنيفة ومالك ، وروى عنه وسمع روايات كثيرة عن مالك في الفقه، وكان صديقاً للشافعي، ومبجِّلاً لـأحمد وصاحباً له، وتتلمذ على يحيى بن سعيد القطان ، ووكيع بن الجراح ، وعبد الرحمن بن مهدي ، فكيف لا يكون رجلاً فقيهاً؟!

    ومن الأدلة على فقهه: أن كل أصحاب مذهبٍ حاولوا أن يدَّعوه إليه.

    فهذا العبَّادي الشافعي في طبقات الشافعية ذكر علي بن المديني في الطبقة الأولى من طبقات الشافعية.

    وكذلك الشيرازي قال: "علي بن المديني صاحبنا، وهو شافعي".

    وقال أبو يعلى الفراء الحنبلي : علي بن المديني حنبلي، صاحبنا، وهو ما وضعه في كتاب طبقات الحنابلة .

    وكذلك محمد بن محمد المخلوف المالكي اعتبر علي بن المديني في الطبقة السادسة من المالكية، قال: صاحبنا.

    إذاً الرجل كان فقيهاً، وحتى أن كل واحد من أصحاب المذاهب الذين ذكروا طبقات المذاهب يدَّعون أن علي بن المديني منهم، ويريدون أن يلصقوه بهم.

    والحقيقة: أن الرجل فيما يظهر كان مجتهداً، ليس متقيداً بمذهب معين، عنده أحاديث وأدلة كثيرة جداً، حافظ للقرآن، وعنده فهم كبير، ولا يحتاج إلى تقليد والحمد لله؛ ولذلك كان إماماً مجتهداً.

    1.   

    ابن المديني كان مجتهداً لا مقلداً

    نُقِلَت عن ابن المديني أقوال يعرف من خلالها أنه كان غير متمسك بمذهب معين، ولا يتبع شيخاً أو إماماً معيناً.

    قول ابن المديني في مسألة السترة

    فمثلاً: حديث الخط في السترة، إذا لم يجد الإنسان عصا ولا شيئاً يغرسه، يخط خطاً، وقد ذهب علي بن المديني إلى الاحتجاج بحديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا صلى أحدكم، فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينصب عصاهً، فإن لم يكن معه عصاً فليخط خطاً ولا يضره من مرَّ بين يديه) أي: إذا ما وجدت شيئاً تضعه، فخط خطاً، هذا الحديث مختلف في صحته.

    لكن أحمد بن حنبل يقول: حديث صحيح، وكذا علي بن المديني -كما يقول ابن عبد البر - يصحح الحديث ويحتج به.

    والأحناف يقولون: لا بد من شيء يغرز، أما الخط فإنه لا يرى من بُعد ولا يغني، مع أن ابن همام الحنفي خالف مذهبه رحمه الله في هذه المسألة، وقال: السنة أولى بالاتباع.

    والمالكية قالوا ببطلان الخط وعدم ثبوته.

    والشافعي رأى في مذهبه الجديد عدم الأخذ بالخط، وذهب إلى تضعيف الحديث.

    فـابن المديني يرى بأن حديث الخط ثابت، ولذلك أخذ به ولم يتابع الشافعي ، ولا مالكاً ، ولا أبا حنيفة بل وافق قوله في هذه المسألة قول أحمد.

    قول ابن المديني في مسألة مس الذكر

    ومسألة مس الذكر ينقض الوضوء أم لا؟

    هذه المسألة من المسائل الخلافية الكبيرة في الفقه الإسلامي، ولكل من الفريقين أدلة، فذهب بعضهم إلى حديث بسرة ، وذهب بعضهم إلى حديث قيس بن طلق ، وقالوا: هذا لا يُتَوَضَّأ منه لحديث: (إنما هو بضعة منك)، وأولئك قالوا: (من مس ذكره فليتوضأ) حديثان كل واحد يُفْهَم منهم شيء مخالف للآخر.

    حصل نقاش ظريف ولطيف ونادر بين علي بن المديني ويحيى بن معين بحضور أحمد بن حنبل ، فيقول الحافظ رجاء بن مرجى : اجتمعنا في مسجد الخيف أنا، وأحمد بن حنبل ، وعلي بن المديني ، ويحيى بن معين ، فتناظروا في مس الذكر، قال يحيى بن معين : يُتَوَضَّأ منه، أي: من مس الذكر.

    وتقلد علي بن المديني قول الكوفيين، وقال به. وقول الكوفيين أنه لا يتوضأ من مس الذكر.

    واحتج ابن معين بحديث بسرة بنت صفوان الذي هو: (من مس ذكره، فليتوضأ) .

    واحتج علي بن المديني بحديث قيس بن طلق ، الذي هو: (إنما هو بضعةٌ منك) أي: هو جزء من جسدك، فلماذا تتوضأ؟

    وقال علي بن المديني لـيحيى -في المناظرة-: كيف تتقلـد إسـناد بسرة ، ومروان بن الحكم أرسل شرطياً حتى رد جوابها إليه، أي: الناقل بين بسرة وبين مروان شرطي، فكيف تقبل هذا السند؟

    فقال يحيى بن معين -رداً على هذا الإيراد-: ثم لم يُقْنِع ذلك عروة حتى أتى بسرة -أي: بنفسه عروة بن الزبير ثقة لا شك- حتى أتى بسرة وسألها وشافهته بالحديث، فإذا لم يقنعوا بطريق الشرطي، فهذا طريق عروة عن بسرة .

    ثم انتقل يحيى بن معين إلى الهجوم -الآن- فقال: ولقد أكثر الناس في قيس بن طلق ، وأنه لا يُحتج بحديثه، أي: وأما أنت يا علي بن المديني ! حديثك -حديث قيس بن طلق - هو الذي فيه المشكلة.

    قال أحمد بن حنبل رحمه الله متدخلاً في النقاش: كلا الأمرين على ما قلتما -أي: كل واحد منكما له حظ من النظر والدليل، كأنه قال أي: كلاكما مصيب، كلاكما كلامه وقوله له دليل، فقال يحيى بن معين -متابعاً للنقاش، ناصراً قوله في أن من مس ذكره فليتوضأ- قـال يحيى: عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر : [يُتَوَضَّأ من مس الذكر] الآن انتقل، قرأ الأحاديث المرفوعة، وانتقل إلى قول الصحابة.

    فقال علي بن المديني : كان ابن مسعود يقول: [لا يُتَوَضَّأ منه، وإنما هو بضعةٌ من جسدك] أي: أن ابن مسعود أفقه من ابن عمر وأعلم، أنت تقول عن ابن عمر ، وهذا ابن مسعود يقول: إنه لا يُتَوَضَّأ.

    فقال يحيى: هذا عَن مَن؟ أي: حديث ابن مسعود مَن الذي رواه؟

    فقال: عن سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل، عن عبد الله بن مسعود ، وإذا اجتمع ابن مسعود وابن عمر واختلفا، فإن ابن مسعود أولى أن يُتَبَّع؛ لأنه أكبر وأفقه.

    هنا تدخل أحمد بن حنبل فقال: نعم. ولكن أبا قيس الأودي لا يُحْتَجُّ بحديثه؛ لأن أبا قيس الأودي في إسناد الحديث الذي أورده ابن المديني، عن ابن مسعود ، كأنه يقول: يا علي بن المديني ! إسنادك الذي سقته عن ابن مسعود فيه أبو قيس الأودي لا يُحْتَجُّ بحديثه.

    فقال علي: حدثنا أبو نعيم، حدثنا مسعر، عن عمير بن سعيد، عن عمار ، قال: [لا أبالي مسسته، أو أنفي] أي: أنا عندي هذا والأنف سواء، فأتى له بإسناد آخر، ابن المديني دائرة معلوماته واسعة، فقال: طعنتَ في إسناد ابن مسعود من جهة أبي قيس الأودي ! خذ هذا شيء عن عمار.

    فتدخل يحيى بن معين ، قال: بين عمير بن سعيد وعمار بن ياسر مفازة -كأنه قال: فيه انقطاع بين عمير بن سعيد -الذي ذكرته الآن في السند- وبين عمار بن ياسر .

    فتدخل أحمد ، وقال: عمار وابن عمر استويا، فمن شاء أخذ بهذا، ومن شاء أخذ بهذا، فـأحمد بن حنبل رحمه الله أنهى النقاش على أن كلا القولين لكل واحد من الفريقين أن يأخذ بما رآه، فلا هذا ولا ذاك ولا هذا القول باطل، المسألة خلافية قوية، وكلٌ قول له أدلة.

    وقد ذهب شيخ الإسلام رحمه الله وغيره من أهل العلم إلى التوسط بين القولين، فقال: إن مسه بشهوة أعاد الوضوء، وإن مسه بغير شهوة لا يعيد الوضوء؛ لأن حديث: (إنما هو بضعةٌ منك) يدل على ذلك -أي: أنه هو والأنف سواء، هذا يدل في حالة إذا مسه بغير شهوة، متى يكون الذكر وأي جزء من جسد الإنسان سواء في المس؟ إذا كان هناك شهوة؛ لأنه لا يحس بشهوة إذا مس أنفه، أو يده، أو رجله، فإذا مس بشهوة أعاد الوضوء، وإذا مسه بغير شهوة فلا يعيد الوضوء، ولعل هذا القول أرجح الأقوال وأعدلها، والله أعلم.

    لكن هذه مناظرة من المناظرات التي تثبت كيف كان العلماء يتناقشون، وهي من النوادر التي ينبغي النظر فيها، وما خسروا بعضاً من أجل نقاش، ولا صار بينهم منازعة ومقاطعة من أجل النقاش، كل إنسان يورد الإيرادات وبالأدب.

    فالمهم أن علي بن المديني رحمه الله لم يكن متقيداً بمذهب معين من المذاهب المعروفة، وإنما يأخذ بما ترجح لديه وما أداه إليه اجتهاده بناءً على الدليل الصحيح.

    وقال علي بن المديني: "إن الذي يُفتي في كل ما يُسأل عنه لأحمق"، أي: هناك أشياء تخفى.

    1.   

    بداية نشأة ابن المديني العلمية

    بالنسبة لمسيرة الإمام علي بن المديني رحمه الله العلمية، فقد سبق أن ذكرنا أنه بدأ منذ الصغر بطلب العلم، وحفظ القرآن، وانتقل في صباه إلى علم الحديث وتقييده، انضم في مجالس العلماء.

    وكانت بداية علي بن المديني في العلم مبكرة للغاية.

    تقييد ابن المديني للحديث وعلومه

    قال ابن المديني عن بداية تقييده للحديث وعلومه: مرَّ بنا الجمَّاز ونحن في مجلس للحديث، فقال: يا صبيان -كان علي بن المديني يلعب مع الصبيان في صغره -أنتم لا تحسنون أن تكتبوا الحديث، كيف تكتبون أُسَيْداً وأَسِيْداً وأُسَيِّداً؟ -هذه كلها من أسماء الرواة، أَسِيْد، وأُسَيْد، وأُسَيِّد، كيف تكتبون هذا وهذا وهذا؟

    قال ابن المديني : فكان ذلك أول ما عرفت التقييد وأخذت فيه، لَفَتَت نظره هذه الملاحظة، وبدأ يهتم بالتقييد والشكل والتفريق في نطق الكلمات المتماثلة كتابةً، والمختلفة لفظاً ونطقاً، فبدأ تمييزه منذ صغره في قضية الدقة.

    فالرجل منذ الصبا كان مهتماً بدقائق الأشياء، وهذا كان له شأن عظيم في المستقبل.

    وهنا يجب أن نلتفت إلى هذه القضية، وهي: أن إلقاء الملاحظة على الصغير مع بساطتها، أو عدم الاهتمام بها قد تكون لها آثاراً كبيرة عليه في المستقبل، فربما يندفع الإنسان لحفظ القرآن، أو طلب العلم الشرعي، أو إلى شيء من الخير بفعل ملاحظة، وأحياناً تكون بدون قصد، يبديها أحد الأشخاص له، لكنها تقر في نفس الصبي وترسخ فيه، ويكون لها أبعاداً في نفسه، فتنفتح له بها آفاق ومجالات.

    إذاً: يجب عدم التواني في توجيه الصغار، وكذلك ألَّا يستحقر الإنسان الملاحظة أو التنبيه؛ لأنه قد يكون هذا هو الدافع لأن يكون هذا الولد من العلماء في المستقبل.

    وكذلك قد يكون تنبيهاً على جانب مُهْمَل في حياته، فيبدأ بالاهتمام به.

    وكذلك كان ابن المديني رحمه الله له تمييز وذكاء مبكر، فقال إبراهيم بن عثمان بن أبي شيبة : سمعت علي بن المديني يقول: جلست إلى عبد الله بن خراش وأنا حدث، فسمعته يقول: حدثنا العوام، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن علي، أن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف، فعلمتُ أنه كذاب -هذا وهو حدث، في نقد الكلام- لكن جده شهاب بن خراش ثقة مأمون. فلما جلس إليه اكتشف كذبه وكان عمره لم يتجاوز العاشرة تقريباً.

    استمر علي بن المديني في الدراسة في الكتَّاب إلى السنة الرابعة عشرة من عمره تقريباً، ولذلك يقول علي بن المديني عن نفسه: مات أبو عوانة وأنا في الكتَّاب، والمعروف أن أبا عوانة قد توفي سنة: (176) أو (175هـ) فإذا طرحنا هذا من سنة ولادة علي بن المديني ، يكون في ذلك الوقت عمره تقريباً أربعة عشر عاماً.

    تلقي ابن المديني للعلم

    وأما تلقيه للعلم وطلبه للحديث، فقد بدأ تقريباً وهو في الخامسة عشرة من عمره، وذلك أنه روى عن أبيه الذي توفي سنة: (178هـ) وعن غيره، ولما لاحظ شيخه سفيان بن عيينة بفراسته رغبة ابن المديني الشديدة في العلم والتحصيل، قال له مودعاً له: أما إنك ستُبْلَى بهذا الأمر، وأن الناس سيحتاجون إليك، فاتقِ الله ولتُحْسِن نيتك فيه.

    وهذه فائدة مهمة: إذا رأى المدرس من طالبٍ نبوغاً، وأدرك بفراسته أن هذا الطالب سيكون له شأن في المستقبل، فعليه أن يوصيه؟ لا يمكن إهمال الطالب النابغة أو الذكي، أو المجد الذي يُتَوَقع أن يكون له شأنه في المستقبل، يوصيه كما أوصى سفيان علي بن المديني .

    إذاً: الوصية بتقوى الله وحسن النية في الطلب، رأى طالباً مُجِداً حافظاً مهتماً، عرف أن هذا سيكون له شأن، فأوصاه بتقوى الله، وإحسان النية في طلب العلم، وإلا فإن هذا الطالب ربما قد يكون في المستقبل من أئمة السوء والضلالة، وهناك من الحفاظ ومن الناس الذين عندهم فقه وفهم عندما ساءت نيتهم ودخل عليهم الهوى أضلوا عباداً كثيراً: (إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) .

    وقد صدقت فراسة سفيان رحمه الله في تلميذه علي بن المديني ، فعندما كبر -رحمه الله- احتاج الناس إليه، وأثنى العلماء على علي بن المديني رحمه الله في قوة حفظه، وعدُّوه من الأئمة الحفَّاظ، كـأبي يعلى الفراء ، وابن عساكر ، والذهبي ، وابن رجب الحنبلي ، وابن العماد ، وجمال الدين يوسف بن تغري بردي ، والخزرجي ، كلهم وصفوا علي بن المديني رحمه الله بأنه إمام حافظ.

    وقال الإمام أحمد رحمه الله: كان علي بن المديني أحفظنا للطوال.

    وقال ابن أبي حاتم: سمعت محمد بن مسلم بن وارة عندما سئل عن علي بن المديني ويحيى بن معين : أيهما كان أحفظ؟

    قال: علي كان أسرد وأتقن.

    و يحيى أفهم لصحة الحديث وسقيمه.

    وأجمعهم: أبو عبد الله أحمد بن حنبل .

    وقال ابن أبي حاتم أيضاً: سألت أبي رحمه الله عن أحمد بن حنبل وعلي بن المديني : أيهما كان أحفظ؟

    قال: كانا في الحفظ متقاربين، وكان أحمد أفقه، وكان علي أفهم بالحديث.

    و علي بن المديني رحمه الله كانت له في طلب العلم رحلات ولقاءات بالمشايخ، وكان له حرصٌ ومثابرةٌ على طلب العلم، وتقدمت الإشارة إلى أن ابن المديني غاب عن البصرة في طلب العلم إلى اليمن ثلاث سنوات، ولا شك أنه قد واجه فيها صعوبات؛ لأن اليمن في ذلك الوقت لم تكن بلاد كسب ولا تجارة، ولذلك لما ودع عبد الرزاق أحمد بن حنبل عندما جاء يطلب العلم عنده في اليمن والرواية في الحديث، قال له وقد عرض عليه شيئاً من المال: خذ هذا الشيء فانتفع به، فإن أرضنا ليست بأرض متجرٍ ولا مكسبٍ، فـعلي بن المديني ذهب إلى اليمن ، ومعنى ذلك أنه واجه صعاباً ومشاقَّاً، وكان إذا دخل بلداً، كعادة العلماء يطوف على شيوخها واحداً واحداً يغترف مما عندهم ولا يترك أحداً.

    ولما كان في يوم النفير من مزدلفة -لما قدم مكة للحج- إلى منى ، كان ملازماً لشيخه الوليد بن مسلم - والوليد بن مسلم شيخ أهل الشام ومحدث الديار الشامية في ذلك الوقت- ملازماً للوليد بن مسلم في مسجد منى ، مع أن الزحام عليه كثير، يأخذون عنه العلم وينتظرون فرصة في الموسم، ومع ذلك كان علي بن المديني ملازماً له، حتى قال في شغفه في طلب الحديث: يحملني حبي لهذا الحديث أن أحج حجةً، فأسمع من محمد بن الحسن.

    وكان يقول: ربما أذكر الحديث في الليل، فآمر الجارية أن تسرج السراج، فأنظر في الحديث- إسراج السراج كان شَغْلَة، ليس مثل مفتاح النور الآن، ومع ذلك كانوا يفعلونه مرات كثيرة، البخاري رحمه الله ربما فعله في الليلة الواحدة عشرين مرة، كلما تذكر فائدة قام لكتابتها، يضع خده على الوسادة، فيتذكر الفائدة، فيقوم ويشعل السراج ويكتب، عشرين مرة في الليلة.

    اعتناء ابن المديني بحديث الأعمش

    لما قدم ابن المديني الكوفة من عند جرير بن عبد الحميد ، جعل يُعْنَى في الكوفة بحديث الأعمش -أي حديث فيه الأعمش يطلبه ابن المديني ويكتبه- فتتبع الحديث من أصحاب الأعمش وعلى رأسهم أبو معاوية محمد بن خازن السعدي ، وقدم البصرة ولقي عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله، ويحيى بن سعيد القطان قرينان تعاصرا وعاشا معاً، وكانا من كبار العلماء، وتخرج علي بن المديني على أيديهم.

    أخبر علي بن المديني عبد الرحمن بن مهدي، أنه يحرص على حديث الأعمش وأنه قد جمعه وكتبه، وأنه لا يزال يبحث في حديث الأعمش .

    فقال عبد الرحمن بن مهدي لـعلي بن المديني : اكتب ما ليس عندك.

    قال: فأملى عليَّ ثلاثين حديثاً من أحاديث الأعمش لم أسمع شيئاً منها، قال علي: فجعلت أتعجب من فمهمه -من أي شيء تعجب علي؟

    كيف علم أنه لا يعرف الأحاديث الثلاثين؟!- قال: فجعلت أتعجب من فهمه بما ليس عندي -لأنه مجرد أن لقي علي بن المديني عبد الرحمن بن مهدي، قال: أنا حريص على جمع حديث الأعمش ، وجمعت منه، قال: اكتب، اكتب، اكتب، اكتب، هذه ثلاثون حديثاً ما عندك منها شيء.

    قال علي : فجعلت أتعجب من فهمه بما ليس عندي.

    هؤلاء عباقرة، عبد الرحمن بن مهدي يعرف إلى من ذهب علي بن المديني، ذهب إلى البلد الفلانية، إذاً: لقي فلاناً وفلاناً وفلاناً، وعبد الرحمن بن مهدي كان قد طاف الأرض قبله، فيعرف أن الأحاديث التي سيقولها -الآن- ليست من الأحاديث التي أخذها من البلد، هو أتى بها من بعيد من قبل، فكل واحد كان يفهم ماذا عند الآخر من هؤلاء الكبار.

    وقال إبراهيم بن منذر : قدمت البصرة ، فجاءني علي بن المديني ، فقال: أول شيء أطلب: أَخْرِجْ إليَّ حديثَ الوليد بن مسلم .

    فقلت: يا سبحان الله! وأين سماعي من سماعك؟

    إبراهيم بن منذر تواضعاً منه يقول: تريدني أن أحدثك بحديث الوليد بن مسلم وأنت يا علي بن المديني أخذت من الوليد بن مسلم وسمعته، لقيته في الحج وجلستَ عنده ورحلتَ إلى الشام ، وتريدني أن أحدثك بحديث الوليد بن مسلم ، وأين سماعي من سماعك؟ أنت أتقن وأجود وأضبط، فجعل يأبى ويلح.

    فقلت له: أخبرني بإلحاحك ما هو؟

    قال: أخبرك! الوليد رجل الشام -أي: عالم أهل الشام- وعنده علم كثير، ولم أستمكن منه -ما استطعت أن أحصر روايات الوليد بن مسلم - وقد حدثكم بـالمدينة -في المواسم، وأنت يا إبراهيم بن منذر مدني، لابد أن الوليد عندما جاءكم حدثكم بأحاديث، أنا تبعت الوليد بن مسلم إلى منى ، وتبعته في الشام ، لكن الرجل موسوعة، وعنده روايات كثيرة جداً، ولكني لم أحصل على روايات ابن مسلم كلها، فأنا أرى أن أسمع منك -قال: وقد حدثكم بـالمدينة فتقع عندكم الفوائد؛ لأن الحجاج يجتمعون بـالمدينة من آفاقٍ شتى- قال: فأخرجت إليه، فتعجب من فوائده، وكاد أن يكتب على الوجه -أي: على الإسناد، عن إبراهيم بن منذر عن الوليد بن مسلم.

    عناية ابن المديني بجمع الحديث من عدة طرق

    ومن دقة علي بن المديني رحمه الله وجمعه للعلم أيضاً:

    أنه كان يُعنى بجمع الحديث بالطرق المختلفة عن الشيخ الواحد.. يبحث عن طريق هذا الشيخ، من هنا ومن هنا ومن هنا، يبحث عن كثرة الطرق، فقال: كتبتُ عبد الوارث، عن عبد الصمد وأنا أشتهي أن أكتبها عن أبي معمر.

    أي: قال: أنا أريد أن أجمع حديث عبد الوارث - عبد الوارث بن سعيد التنوري التميمي من مشاهير الرواة- قال علي بن المديني : أنا سمعت أحاديث عبد الوارث من ابنه عبد الصمد ، لكني أشتهي أن أسمع أحاديث عبد الوارث من غير ابنه، من طريق أبي معمر عن عبد الوارث ، مع أن علي بن المديني لقي عبد الوارث مباشرةً وسمع منه، فهو سمع منه مباشرة، وسمع منه بواسطة ابنه عبد الصمد ، وسمع منه بواسطة تلميذه أبي معمر ، وأبو معمر كان راوية عبد الوارث، وأتقن لحديثه من ابنه.

    فالآن هذا علي بن المديني يجمع حديث عبد الوارث من طريق ابنه عبد الصمد ، ومن طريق أبي معمر ، وقد سمع منه مباشرة، ويجمع حديث الأعمش من هذا ومن هذا، ومن طريق عبد الرحمن بن مهدي ، ومن طريق أبي معاوية، ومن طريق كذا، لماذا؟

    حتى تُدْرَك العلل ؛ لأنه إذا اتفقت الطرق عن الشيخ بنفس اللفظة، عرفت أن هذا ثابتٌ عنه، وإذا اضطربَتْ، ولاحظتَ الموازنة، ولاحظتَ الفروق، ولذلك ما كانوا يسمعون الحديث من طريق واحد، بل كانوا يسمعونه من طرق عديدة.

    ولذلك يقول يحيى بن سعيد القطان لـعلي بن المديني : ويحك يا علي ! إني أراك تَتَتَبَّع الحديث تتبعاً لا أحسبك تموت حتى تُبْتَلى.

    وكان له مراسلات بينه وبين علماء عصره كـأحمد رحمه الله، قال عندما أراد أن يسمع من الواقدي ، وكان قاضي بغداد ، كان علي بن المديني متروياً في ذلك، ولذلك كتب إلى أحمد يستشيره: هل أسمع من الواقدي أم لا؟

    فكتب إليه أحمد يقول: كيف تستحل أن تكتب من رجل روى عن معمر حديث نبهان ، وهذا حديث يونس تفرد به، ومعروف أن الواقدي متروك، مع سعة علمه بالمغازي والتاريخ والمرويات، لكنه متروك.

    والمراسلات بين العلماء سنة ماضية ومتبعة، يستفيد بعضهم من بعض.

    1.   

    السلف ورحلتهم في طلب العلم

    الرحلة في طلب العلم سنة متبعة، ومِن أول مَن سافر لطلب العلم: الصحابة رضوان الله عليهم، وقد رحلوا من الأمصار المختلفة، والقبائل المختلفة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

    والصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري رحمه الله ورضي عنه رحل من المدينة إلى عقبة بن عامر بـمصر يسأله عن حديث سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، فلما جاء إلى منزل مسلمة بن مخلد الأنصاري -أمير مصر- عانقه، وبعث معه من يدله على منزل عقبة ، فلما لقيه، قال له: [حدثنا ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ستر المسلم، لم يبق أحدٌ سمعه غيري وغيرك] فلما حدثه ركب أبو أيوب راحلته راجعاً إلى المدينة ، وما حل رحله، وما أدركته جائزة مسلمة الأمير إلا بعريش مصر .

    وقد خشي أبو أيوب أنه قد نسي شيئاً من الحديث، فرحل شهراً كاملاً من الحجاز إلى مصر يقطع المفاوز لأجل هذا الحديث.

    وكذلك فإن جابر بن عبد الله رضي الله عنه رحل إلى عبد الله بن أنيس في الشام شهراً كاملاً ليحمل عنه حديثاً واحداً لم يكن جابر قد سمعه من النبي عليه الصلاة والسلام، وهو حديث: (يحشر الناس يوم القيامة عراةً غرلاً بهماً) .

    هذه همة الصحابة في حديث واحد، يسافر لأجل حديث واحد.

    اتسعت الرحلة بعد ذلك في جيل التابعين؛ نظراً لأن الصحابة قد تفرقوا في الأمصار واستقروا بها، فذهب التابعون وراءهم يسافرون لطلب العلم.

    قال سعيد بن المسيب رأس التابعين رحمه الله: [إن كنت لأسير في طلب الحديث الواحد مسيرة الليالي والأيام] .

    ورحل الحسن البصري من البصرة إلى الكوفة لمقابلة كعب بن عجرة رضي الله عنه ليسأله عن مسألة. وكذلك رحل غيرهم.

    وقال الشعبي : لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن ، فحفظ كلمة تنفعه فيما يستقبله من عمره، رأيت أن سفره لا يضيع.

    ورحل شعبة بن الحجاج رحمه الله للبحث في أصل حديث واحد من الكوفة إلى مكة ، ومن مكة إلى المدينة ، ومن المدينة إلى البصرة ؛ لأجل حديث واحد؛ ليعرف أصل هذا الحديث مِن أين خرج، ومَن الشيخ الذي حدث به حتى يصل إلى أعلى شيخ يمكن الوصول إليه؛ ليتأكد من صحة حديث واحد.

    في القرن الثاني والثالث الهجري اتسعت دائرة الرحلة في طلب الحديث، وأدرك العلماء والمحدثون أهمية الرحلة وأثرها البعيد في حفظ السنة.

    عندما سئل الإمام أحمد رحمه الله عن طالب العلم: هل يلزم رجلاً عنده علم فيكتب عنه، أو يرحل إلى المواضع التي فيها العلم، فيسمع منهم؟

    فقال: يرحل، يكتب عن الكوفيين والبصريين وأهل المدينة ومكة ، يشام الناس ويسمع حدثيهم. أي: يتطلع ويترقب ويختبر الناس ويسمع منهم.

    وقال يحيى بن معين : أربعة لا تؤنِس منهم رشداً:

    1- حارس الدرب.

    2- مُنادي القاضي.

    3- ابن المحدث.

    4- رجل يكتب في بلده، ولا يرحل في طلب الحديث.

    كأنه يقول: هؤلاء لا ترجو منهم شيئاً.

    ورجل يكتب في بلده، ولا يرحل في طلب الحديث؛ لأنه إذا لَمْ يرحل، فإنه لا يُحصِّل إلا ما في بلده، فتكون دائرة معلوماته ضيقة.

    و علي بن المديني رحمه الله سار على هذا النهج مقتفياً أثر الصحابة والتابعين، مصابراً ومتعلماً منهم كما قال الشعبي لما سئل: من أين لك هذا العلم كله؟ قال: بنفي الاعتماد، والسير في البلاد، وصبرٍ كصبر الجماد، وبكورٍ كبور الغراب. فجمع الشعبي رحمه الله العلم بهذه الصفات التي سار بها في البلدان.

    فاليوم بعد جمع الحديث وكتابته وتدوينه في الكتب، صارت الرحلة في طلب الحديث لم تعد لها تلك الأهمية السابقة؛ لأن الأحاديث قد دونت وطبعت ووجدت في الكتب، فالآن إذا أردت الحديث، ما عليك إلا أن تفتح الكتاب، في السابق لم تصنف الكتب بعد ولم تكتمل، فكانوا يرحلون إلى الرواة والأشياخ، في الأمصار والمدن المختلفة يجمعون الحديث، ولما جمعوه وصنفت الكتب، لم تعد هناك فائدة تكاد تكون مهمة في مسألة الرحلة والسفر في طلب الحديث، لكن بقيت الرحلة والسفر في طلب العلم عموماً، فإنه يوجد في بلد ما لا يوجد في بلد أخرى من أهل العلم، فربما ترحل إلى المدينة ، وترى من أهل العلم ممن فيها مما لا يوجد في مكة ، وفي مكة تجد ما لا يوجد مثلاً: في القصيم ، وفي القصيم تجد ما لا يوجد في الرياض ، وفي الرياض تجد كذا.

    وإذا رحل إلى الهند والشام ومصر واليمن ربما يتعرف على علماء لا يوجد لهم مثيل في بقية البلدان.

    فالآن الرحلة في طلب الحديث تكاد تكون قد انقطعت وانتهت بتصنيف الكتب وجمعها.

    بقيت الرحلة في طلب العلم عموماً والمسائل والأخذ عن الأشياخ والدراسة، وقد يوجد شيخ متقن للفرائض في بلد، وشيخ متقن للغة في بلد، وشيخ متقن للفقه في بلد.. وهكذا.

    ثم إن لقاء أهل العلم فيه فوائد: في الأدب وتعلمه.. في الزهد والورع، وربما يتعرف الإنسان على أصناف من المشايخ، أو الذين يلقاهم في رحلات مختلفة، يتعرف عليهم بحيث أنه يكمل شخصيته مِمَّا يعاشر من هذا وهذا وهذا.

    رحل علي بن المديني رحمه الله في طلب العلم إلى مدن العراق المختلفة التي كانت معروفة بلواء العلماء في ذلك الوقت، فلا شك أنه في البداية أخذ العلم عن علماء بلده كالطريقة المعتادة.

    أولاً: يأخذ العلم عن علماء بلده، ثم يرحل وإذا انتهى من علماء البلد رحل.

    ابن المديني ورحلته في طلب العلم

    سمع ابن المديني العلم عن أبيه في بلده، وحماد بن زيد ، ولازم الشيوخ الكبار في البصرة كـيحيى بن سعيد القطان ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وكان : يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي ، وحماد بن زيد رءوس الناس في البصرة في ذلك الوقت، وكان عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله من أجل العلماء، ولعلنا نتحدث في درس مستقل عن سيرة عبد الرحمن بن مهدي العالم الجليل.

    ورحل علي بن المديني رحمه الله إلى الكوفة ، وسمع فيها، وكتب عن أبي نعيم الفضل بن دكين ، ووكيع بن الجراح ، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، ويحيى بن آدم ، وغيرهم.

    ورحل إلى بغداد أيضاً، وكانت حاضرة العلم ومقصد العلماء، وكتب فيها عن عدد من أهل العلم، مثل: أبي عبيد القاسم بن سلام ، وهو إمام جليل، وسيرته سيرة مهمة، وكذلك: إسماعيل بن إبراهيم بن علية ، والحكم بن موسى وطبقته.

    وقال عثمان بن سعيد الدارمي : قدم علي بن المديني بغداد ، فحدثه الحكم بن موسى بحديث أبي قتادة : (إن أسوأ الناس سرقةً الذي يسرق في صلاته) فقال له علي : لو غيرك حدث به، كنا نصنع به -أي: لولا أنك ثقة، لو غيرك حدث بهذا المتن المستغرَب، لكنا صنعنا به أشياء، لكن أنت الحكم بن موسى ثقة، لا نستطيع أن نقول فيك شيئاً- ولأن الحديث هذا تفرد به الحكم ولم لم يروه غيره.

    وكذلك فإن علي بن المديني رحمه الله قد أخذ العلم عن مشايخ واسط لما قدم إليها، ومنهم: هشيم بن بشير الواسطي ، وحسين بن نمير الواسطي ، وقال عن نفسه: أتيت علي بن عاصم بـواسط ، فنظرت في أثلاث كثيرة -جمع ثلث وهو: الجزء، الأجزاء الحديثية- فأخرجت منها قدر مائتي طرف. طرف الحديث: هو الجزء من المتن الدال على بقيته، هذا هو الطرف، عندما نقول: أطراف الحديث، أي: أول المتن، فمثلاً إذا قلنا: حديث: (كلكم راعٍ) هاتان الكلمتان: هذا طرف، طرف الحديث، (كلكم راعٍ) هذا الطرف تستدل به على الطرف الآخر، إذا قال لك أحد: اسرد علينا حديث: (كلكم راعٍ) فإن هذه معروفة، فبقية المتن معروفة، فهذا الطرف هو الجزء من المتن الدال على بقية المتن، وهناك كتب رتبت الأحاديث على الأطراف، مثل: كتاب المزي رحمه الله: تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف.

    ثم رحل رحمه الله تعالى كذلك إلى مكة ، وكتب عن سفيان بن عيينة ، وجرير بن عبد الحميد ، والوليد بن مسلم.

    وكذلك فإنه رحل إلى مكة مرةً بصحبة أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، ومرةً عزم على الرحلة إلى مكة ، فتمنى أحمد بن حنبل أن يصحبه، لكنه ترك الصحبة، خشية أن يحدث ملل بينهما في السفر، فحفاظاً على جو الأخوة لم يصحبة في هذه السفرة، ولكن في سفرة أخرى يبدو أنهما قد صحب بعضهما بعضاً ومعهما يحيى بن معين.

    وأيضاً ذهب رحمنه الله تعالى إلى المدينة، وسمع فيها من خلق كثير، وقال علي بن المديني : سمعت معن بن عيسى يقول: مخرمة سمع من أبيه.

    وعرض عليه ربيعة أشياء من رأي سليمان بن يسار، قال علي : ولا أظن مخرمة سمع من أبيه كتاب سليمان، لعله سمع الشيء اليسير، ولم أجد بـالمدينة من يخبرني عن مخرمة بن بكير أنه كان يقول في شيء عن حديثه: سمعت أبي، فذهب إلى المدينة ليتحرى من قضية سماع مخرمة بن بكير من أبيه، وفعلاً هذا الذي تبين له، ما رأى أحداً من الرواة في المدينة يقول: مخرمة بن بكير عن أبيه أبداً.

    ورحل إلى اليمن ، وأخذ فيها عن شيخ اليمن: عبد الرزاق بن همام الصنعاني ، وهشام بن يوسف الصنعاني ، وهذه الرحلة كانت قبل المائتين للهجرة؛ لأن شيخه يحيى بن سعيد القطان كان موجوداً وقت هذه الرحلة، ويحيى بن سعيد القطان هو الذي كان يزور أم علي بن المديني، ويطمئنها ويسليها، ويحثها على الصبر على فراق ولدها، ويبين لها فضل الرحلة في طلب العلم، وكانت أم علي بن المديني ترتاح غاية الراحة لكلام يحيى بن سعيد القطان وهو يصبرها على فراق ولدها الذي ذهب في طلب العلم.

    وهكذا أهل العلم وطلبة العلم يسد بعضهم ثغرة بعض، ويساعد بعضهم بعضاً.

    وربما رحل الواحد وأوصى الآخر على أهله، يتفقدهم، ويأتيهم بما يحتاجون إليه، هذه أخلاقهم.. هكذا ينبغي أن تكون الأخلاق، إذا رحل الواحد، قام الثاني على أهله.. وهكذا يتناوبون. ورحم الله من خلف طالب علم في أهله.

    رحلوا ولم تكن الطرق معبدة ولا سيارات ولا طائرات.

    بل كانت المركب هي: الجمال.

    بل ربما ذهب بعضهم مشياً على الأقدام.

    وبعضهم قد افترسته الذئاب.

    وبعضهم خرج عليهم قطاع الطرق، فقتلوهم.

    وبعضهم وقع في أسر العدو.

    وبعضهم خرج عليهم لصوص فأخذوا ما معهم من متاع وسلبوهم أموالهم.

    وبعضهم مات من الجوع في الرحلة في طلب الحديث.

    وبعضهم اضطر لأن يشرب بوله.

    وبعضهم أكل أوراق الشجر.

    وبعضهم أكل من سلحفاة، مشى على شاطئ البحر يلتمس شيئاً، فما وجد إلا سلحفاة، فأخرج غطاءها وأكله، فسألوه عن مذاقه، فقال: مثل صفار البيض.

    وعانوا من برد الليل وقيظ النهار.

    كل ذلك في سبيل جمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

    وانقطعت ببعضهم النفقة في السفر، وربما تعطل في بلد ينتظر فرج ربه، كما حصل لأربعة من أهل الحديث، ومنهم: الإمام ابن خزيمة رحمه الله تعالى، لما انقطعت بهم النفقة في السفر حتى أنهم ما صار عندهم شيء يوارون به عوراتهم، حتى لجئوا إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء، حتى أن بعضهم في النهاية اتفقوا على أن يخرج واحد منهم لسؤال الناس، يبحث عن حل، حتى أن السهم خرج على ابن خزيمة رحمه الله، فقام يصلي ويدعو ربه ويناشده، حتى جاء إنسان وطرق الباب، وأخبر أنه غلام السلطان، وقال: إن الأمير -أمير البلد- رأى في الليل في منامه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: إن أربعة من المحمدين من العلماء نزلوا ببلدك فقراء وأنت لا تدري عنهم، وطبعاً منهم: الإمام ابن خزيمة رحمه الله، وأرسل إليهم بالنفقة، فكان من كرامة الله تعالى لهم، فكفى الله ابن خزيمة السؤال، وكفاهم الفقر وقطْع النفقة، فأرسل إليهم بأموال، فخرجوا من البلد معززين مكرمين بعد أن صبروا على مرارة الفقر.

    ورحل علي بن المديني رحمه الله كذلك إلى الري -وهي من أهم المراكز العلمية في بلاد المشرق- وكتب فيها عن جرير بن عبد الحميد الرازي .

    وكذلك رحل إلى همذان ، وكتب فيها عن أصرم بن حوشب قاضي همذان ، وقال: كتبت عنه بـهمذان وضربت على حديثه.

    بعدما كتب وجمع حديث هذا الرجل، شطب على الأحاديث كلها؛ لأنه اتضح له بعد ذلك ما يوجب ترك حديث هذا الرجل؛ لأنه غير ثقة.

    1.   

    أقوال العلماء في ابن المديني

    علي بن المديني رحمه الله -كما قلنا-: هو إمامٌ في الحديث، وناقدٌ للرجال، وقد أجمعوا على جلالته وإمامته وبراعته في هذا الشأن وتقدمه على غيره، وهو من الذين استحقوا لقب أمير المؤمنين في الحديث.

    وقال الذهبي في ترجمة علي بن المديني : الشيخ الإمام الحجة أمير المؤمنين في الحديث.

    وقال ابن كثير رحمه الله: إن أول من تصدى للكلام في الرواة: شعبة بن الحجاج ، وتبعه: يحيى بن سعيد القطان ، ثم تلامذته: أحمد بن حنبل ، وعلي بن المديني ، ويحيى بن معين ، وعمرو بن فلاس ، وغيرهم.

    إذاً: علي بن المديني مِن أي جيل مِن الذين تكلموا في الجرح والتعديل؟ من الجيل الثالث؛ لأن أول من بدأ بالكلام في الرواة والبحث فيهم هو: شعبة ، ثم جاء بعده: يحيى بن سعيد القطان ، ثم جاء بعده: تلامذة يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، وهم: أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وعلي بن المديني ، وعمرو بن فلاس ، وغيرهم.

    وقال أبو قدامة السرخسي : سمعت علي بن المديني يقول: رأيت فيما يرى النائم كأن الثريا تدلت حتى تناولتُها -السماء ذات النجوم، الثريا نزلت إليه فأخذ منها- قال أبو قدامة : فصدَّق الله رؤياه، فقد بلغ في الحديث مبلغاً لم يبلغه أحد، كأنه صار في السماء، شأنه مرتفع جداً كأنه قد طال السماء.

    وشهد له شيوخه، ومنهم: عبد الرحمن بن مهدي حيث قال: علي بن المديني أعلم الناس بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخاصةً بحديث سفيان بن عيينة .

    ومن شيوخه الذي اعترفوا له وأقروا له بالفضل والإمامة: أبو عبيد القاسم بن سلام ، يقول: انتهى العلم إلى أربعة:

    - إلى أحمد بن حنبل ، وهو أفقَهُهم فيه.

    - وإلى علي بن المديني ، وهو أعلَمُهم به.

    - وإلى يحيى بن معين ، وهو أكتَبُهم له.

    - وإلى أبي بكر بن أبي شيبة ، وهو أحفَظُهم له.

    وقال أبو عبيد أيضاً: ربانيو الحديث أربعة:

    - فأعلَمُهم بالحلال والحرام: أحمد بن حنبل .

    - وأحسَنُهم سياقةً وأداءً له: علي بن المديني .

    - وأحسَنُهم وضعاً لكتابٍ وتصنيفاً: أبو بكر بن أبي شيبة .

    - وأعلَمُهم بصحيح الحديث وسقيمه: يحيى بن معين .

    وكذلك ممن شهد لـعلي بن المديني : شيخه عبد الرزاق بن همام الصنعاني ، فيقول رحمه الله: رحل إلينا من العراق أربعة من رؤساء الحديث:

    - ابن الشاذكوني ، وهو أحفَظُهم للحديث.

    - و ابن المديني ، وكان أعرَفَهم باختلافه.

    - و يحيى بن معين ، وكان أعلَمَهم بالرجال.

    - و أحمد بن حنبل ، وكان أجمَعَهم لذلك -اجتمعت في أحمد كل هذه الخصال: حفظ الحديث، ومعرفة الاختلاف والعلم بالرجال.

    وكان محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله، وهو عين عيون أهل الحديث.

    يقول عن علي بن المديني : كان أعلم أهل عصره.

    وقال أبو حاتم الرازي : الذي كان يحسن صحيح الحديث من سقيمه وعنده تمييز ذلك ويحسن علل الحديث: أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وعلي بن المديني ، وبعدهم: أبو زرعة ، كان يحسن ذلك، قيل له: فغير هؤلاء قال: لا.

    وقال إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد: أفخر على الناس برجلين بـالبصرة :

    - أحمد بن المعذل ؛ يعلمني الفقه.

    - وعلي بن المديني ؛ يعلمني الحديث.

    وقال أبو عمرو الطالقاني : رأيتهم يقولون: الناس عندنا أربعة:

    - أحمد بن حنبل.

    - ومحمد بن عبد الله بن نمير.

    - وعلي بن المديني .

    - ويحيى بن معين .

    وسمعتهم يقولون:

    محمد بن نمير : ريحانة الكوفة .

    و أحمد : قرة عين الإسلام.

    و ابن المديني : أعلم علماء آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    و ابن معين : أعلمُ بِرُواته.

    وقال أبو عبد الرحمن النسائي : كأن الله خلق علي بن المديني لهذا الشأن، أي: كأن الله ما خلقه إلا للحديث.

    ومدحه المشهورون من المحدثين، كـالبيهقي حين قال: علي بن المديني أحد أئمة أهل العلم بالحديث.

    وقال الخطيب البغدادي، عن علي بن المديني : هو أحد أئمة الحديث في عصره، والمقدم على حُفَّاظ وقته.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الأئمة الذين أخذ الناس عنهم العلم، قال: فهؤلاء وأمثالهم أعلم بأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقال: فإن يحيى بن معين ، وعلي بن المديني ، ونحوهما أعرف بصحيح الحديث وسقيمه من مثل أبي عبيد ، وأبي ثور.

    هذه شهادة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في علي بن المديني .

    وأما الحافظ أبو الحجاج المزي ؛ الذي عاصر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وكان من تلاميذه، فقد قال في ابن المديني : علي بن عبد الله الإمام المبرز في هذا الشأن، صاحب التصانيف الواسعة، والمعرفة الباهرة.

    كذلك الذهبي رحمه الله الذي عاصر ابن تيمية رحمه الله، قال: حافظ العصر، وقدوة أرباب هذا الشأن: أبو الحسن علي بن المديني ، صاحب التصانيف.

    ومدحه كذلك غيرهم من أهل العلم، كـابن رجب ، وغيره.

    وقد اجتمع بهذه المناسبة أربعة من العلماء في عصر واحد كل واحدٍ أفاد الآخرين في فنه:

    - المزي وابن تيمية ، والذهبي ، والبرزالي .

    البَرْزالي : مبرزاً في التاريخ.

    وكان الذهبي مبرزاً في السِّيَر والتاريخ والحديث.

    و المزي: في علل الحديث والرجال لا يوجد له نظير.

    وابن تيمية : في سائر الفنون.

    فهؤلاء الأربعة كانوا في عصر واحد، وكل واحدٍ منهم استفاد من الآخر.

    وعلي بن المديني رحمه الله كان له مجلس يعقده للناس ولطلبة العلم يأتون إليه من كل حدب وصوب، ويتسابقون إليه.

    قال الخطيب البغدادي عن مجلس علي بن المديني : وقد كان خلقٌ من طلبة العلم بـالبصرة في زمن علي بن المديني يأخذون مواضعهم في مجلسه في ليلة الإملاء، ويبيتون هناك حرصاً على السماع وتخوفاً من الفوات.

    وقال ابن درستوية : ما رأيت علي بن المديني يروي من كتاب قط إلا أن يُسأل أن يروي ألفاظ سفيان بن عيينة على وجهه كما سمع.

    قال: وكنا نأخذ المجلس في مجلس علي بن المديني وقت العصر اليوم لمجلس غدٍ، فنقعد طوال الليل مخافة ألَّا يلحق من الغد موضعاً يُسمع فيه، أي: إذا كان الدرس غداً، جلسوا عصر اليوم والليل، ويبيتون إلى ثاني يوم حتى يأتي وقت الدرس مخافة ألا يجدوا مكاناً، فيبيتون في مجلس الدرس حتى يأتي وقت الدرس في اليوم التالي، هذا درس علي بن المديني .

    وقد اتخذ علي بن المديني رحمه الله مستملياً، والمستملي هو: الذي يطلب استملاء الأحاديث من المحدِّث، ويقال: استمليتُ فلاناً الكتاب، أي: سألته أن يمليه عليَّ، وهذا الاستملاء له أدب، وقد ألف السمعاني رحمه الله كتاباً في أدب الإملاء والاستملاء.

    وذات مرة اشتهى المأمون شيئاً غير الملك الذي هو فيه أن يقول للمستملي: من ذكرت يرحمك الله؟

    لأن المستملي كان يجلس عند الشيخ، ويطلب منه الإملاء، ويبدأ الحديث والدرس ويقيد، فإذا أشكل عليه شيء، أو أراد استعادة شيء، قال: من ذكرت يرحمك الله؟

    فالذين حول الخليفة من هؤلاء أهل المجاملات عملوا له مجموعة وأحضروا كتباً وأقلاماً، وقال: من ذكرت؟ لكن اتضح أن المسألة انهارت وأنها تمثيلية، وعرف أنها لا تأتي إلا لأهل العلم الحقيقيين، وأن هذا كله تصنع في تصنع.

    1.   

    اعتناء ابن المديني بالكتب (النسخ)

    كان علي بن المديني رحمه الله شديد العناية بكتب المحدثين، -النُّسَخ- وينظر فيها، قال علي بن المديني : تركت من حديثي مائة ألف حديث، فيها: ثلاثون ألفاً لـعباد بن صهيب -هو الآن جمع أحاديث كثيرة، مائة ألف شطب عليها؛ لأنه تبين له أنها غير صالحة للنشر، منها ثلاثون ألفاً لـعباد بن صهيب ؛ لأن عباد بن صهيب أحد المتروكين، فإذا كان علي ابن المديني ترك مائة ألف حديث، وشطب عليها، فكم الأصل والأساس الباقي؟!

    وقال علي بن المديني : نظرت لـروح في أكثر من مائة ألف حديث -روح بن عبادة من شيوخ علي رحمه الله- كتبتُ منها عشرة آلاف، فإذا كان قد نظر لـروح بن عبادة فقط في مائة ألف حديث، ويكتب عن أبي معاوية الضرير عن الأعمش ألف وخمسمائة حديث، فلا شك أنه نظر لغير روح مثل ذلك، وما كَتب عن الأعمش من غير طريق أبي معاوية أكثر، فهذا يُشْعِر بتَبَحُّر الرجل واستقصائه لأطراف الأحاديث المختلفة.

    وذكر السخاوي أن الطرق التي عند علي بن المديني لحديث واحد فقط الذي هو: (من كذب عليَّ متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار) أن له - لـعلي بن المديني - عشرون طريقاً في هذا الحديث فقط: ( من كذب عليَّ متعمداً ) وهذا يدل على شدة اعتنائه بطرق الحديث.

    بالنسبة للأحاديث عندما يقول: مائة ألف، أو يقول البخاري : حفظت مائة ألف حديث صحيح، أو قال: انتقيت هذا الكتاب من ستمائة ألف حديث، وأحمد بن حنبل يقال: إنه يحفظ ألف ألف حديث، هذا معناه أنه يدخل المراسيل والمقاطيع والمعلقات، ويدخل فيها المرفوع والصحيح والضعيف والشواهد والمتابعات ولذلك يقول الذهبي رحمه الله تعالى: "ما على وجه الأرض من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة المرفوعة من غير تكرار عشرة آلاف حديث فقط"، لكن عندما يقول: مائة ألف، هذا يقصد بها كل شيء، المقطوع الذي إلى التابعي، والمرسل، والمعلق، وكل الأنواع، والمكررات، والشواهد، والمتابعات، يدخل هذا كله في عموم لفظة حديث.

    وكذلك فإنه رحمه الله كان يطلع على حديث مالك اطلاعاً دقيقاً، وكذلك نُسَخ الزهري، وكتاب عبد الأعلى ، وحدثت في ذلك قصة، قال علي بن المديني : سألت أبي عن أبي حفص الفلاس ، فقال: قد كان يطلب، قلت: روى عن عبد الأعلى، عن هشام، عن الحسن بن علي : (الشفعة لا تورث) فقال: ليس هذا في كتاب عبد الأعلى، عن هشام، عن الحسن -فعنده خبرة بكتاب عبد الأعلى ، ولذلك جزم لولده عبد الله ، أنه ليس في ذلك الكتاب.

    وكذلك فإنه كان ينتخب الكتب وينتقي منها، وهذا يدل على إتقانه، وأنه ليس بجمَّاع فقط.

    1.   

    ابن المديني وفن علل الحديث

    ومن أبرز الأشياء التي كان علي بن المديني رحمه الله بارعاً فيها: علم العلل .

    وفن العلل هو أصعب نوع من أنواع الحديث: الحديث المعلل؛ لأن العلة سبب خفي غامض يطرأ على الحديث، فيقدح فيه، العلة شيء خفي؛ ولذلك خص الله به عدداً قليلاً، ونفراً يسيراً ممن يدعي علم الحديث.

    ومن الأشياء التي تساعد على اكتشاف الحديث: جمع الطرق، ينظر المتخصصون في طرق الحديث فيكتشفون العلة.

    إذاً: من أسباب اكتشاف العلة: جمع طرق الحديث الواحد.

    قال علي بن المديني : الباب إذا لم تُجْمَع طرقه، لم يتبين خطؤه.

    وربما ما انكشفت العلة إلا بعد وقت طويل.

    قال علي بن المديني : ربما أدركت علة الحديث بعد أربعين سنة.

    وقال أحمد بن حنبل : أعلمنا بالعلل علي بن المديني.

    وقال الذهبي : كان ابن المديني رأساً في الحديث وعلله.

    ابن العلائي رحمه الله عندما عرَّف من علل الحديث قال: وهذا الفن -فن العلل- أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكاً، ولا يقوم به إلا من منحه الله فهماً غايصاً، واطلاعاً حاوياً، وإدراكاً لمراتب الرواة، ومعرفةً ثاقبةً. ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحُذَّاقهم.

    مَن الذي تكلم في العلل؟

    لا يتجرأ أحد أن يتكلم في العلل إلا نَفَرٌ يسيرٌ من المحدثين، ليس أي محدث يتكلم في العلل، مَن الذي يتكلم في العلل؟

    - علي بن المديني .

    - البخاري .

    - الدار قطني.

    - أبو زرعة الرازي .

    - أبو حاتم .

    ومن المتأخرين كذلك من بعدَهم:

    - الترمذي .

    - ابن رجب.

    الحديث المعلل: هو من أغمض أنواع العلوم وأدقها، ولا يقوم به إلا من رزقه الله تعالى فهماً ثاقباً، وحفظاً واسعاً، ومعرفةً تامةً بمراتب الرواة، ومَلَكةً قويةً بالأسانيد والمتون، ولهذا لم يتكلم فيه إلا القليل من أهل هذا الشأن، كما يقول ابن حجر رحمه الله، مثل:

    - علي بن المديني .

    - و أحمد بن حنبل .

    - و البخاري .

    - و يعقوب بن شيبة .

    - وأبو حاتم .

    - و أبو زرعة .

    - و الدار قطني .

    وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في مقدمة الفتح : لا ريب في تقديم البخاري ، ثم مسلم على أهل عصرهما، ومَن بعده من أئمة هذا الفن، في معرفة الصحيح والمعلل، فإنهم لا يختلفون في أن علي بن المديني كان أعلم أقرانه بعلل الحديث، وعنه أخذ البخاري ذلك.

    إذاً: أعلم أهل زمانه بعلل الحديث: علي بن المديني ، وهذه المسألة الشاهد فيها: أحمد بن حنبل رحمه الله، وعن علي بن المديني أخذ البخاري فن العلل ، فالذي ورث منه البخاري فن العلل هو: علي بن المديني .

    وكان لـعلي بن المديني بين معاصرية مكانةٌ بالغةٌ عظيمةٌ.

    وهذا يحيى بن سعيد القطان يكرمه غاية الإكرام وهو شيخه، ويقول: الناس يلوموني في قعودي مع علي وأنا أتعلم من علي أكثر مما يتعلم علي مني. وهذا فيه تواضع من جهة، وفيه حقيقة من جهة أخرى.

    1.   

    علاقة سفيان بن عيينة بابن المديني

    كان سفيان بن عيينة رحمه الله يلقب علي بن المديني بحية الوادي، لماذا؟ ما هي العلاقة بين الحية وعلي بن المديني؟

    سفيان بن عيينة شيخ علي بن المديني كان يقول عن علي بن المديني: إنه حية الوادي، فلماذا؟

    لأن الحية تعرف المداخل والمخارج، وعلي بن المديني يجيد معرفة مداخل الحديث ومخارجه.. من أين جاء؟ وأين ذهب الحديث؟ وكيف انتقل؟

    وقال أحمد بن سنان : كان سفيان بن عيينة يقول لـعلي بن المديني ويسميه: حية الوادي، وكان إذا استفتي سفيان ، أو سئل عن شيء؟ يقول: لو كان حية الوادي موجوداً الآن لأفادنا.

    وعن عمرو بن دينار أنه ذكر حديثاً، ثم قال سفيان : تلوموني على حب علي بن المديني ، والله لقد كنت أتعلم منه أكثر مما يتعلم مني.

    وقال حفص بن محمود الخزاعي : كنت عند سفيان بن عيينة ومعنا علي بن المديني والشاذكوني ، فلما قام -أي: قام ابن المديني - قال سفيان بن عيينة: إذا قامت الفرسان، لم نجلس مع الرجَّالة. لأن الجيش فيه فرسان يقاتلون على الخيول، وفيه رجَّاله على أرجلهم، سفيان بن عيينة شيخ علي بن المديني ، في المجلس كان سفيان ، والشاذكوني ، وعلي بن المديني ، وحفص بن محمود الخزاعي ، فقام علي بن المديني وانصرف، فلما انصرف، قال سفيان بن عيينة : إذا قامت الفرسان، لم نجلس مع الرجَّالة، ماذا نعمل مع الرجَّالة؟

    وقال أحد المحدثين: خرج علينا ابن عيينة يوماً ومعنا علي بن المديني ، فقال: لولا علي ، لم أخرج إليكم.

    وقال محمد بن قدامة الجوهري : سمعت ابن عيينة يقول: إني لأرغب بنفسي عن مجالستكم منذ ستين سنة، ولولا علي بن المديني.

    1.   

    أبو عبيد وشدة إجلاله واحترامه لابن المديني

    دخل أبو عبيد القاسم بن سلام -أحد شيوخ ابن المديني- دار أحمد بن حنبل زائراً إياه، وعنده جماعة من المحدثين فيهم: علي بن المديني ويحيى بن معين ، فطلبوا من أبي عبيد أن يقرأ عليهم كتاب غريب الحديث على الوجه -أي: بالأسانيد- فقال لهم أبو عبيد : ما قرأته إلا على المأمون ، فإن أحببتم أن تقرءوه فاقرءوه.

    فقال له علي بن المديني : إن قرأتَه علينا، وإلا فلا حاجة لنا فيه. ولم يكن أبو عبيد يعرف علي بن المديني .

    فقال لـيحيى بن معين : من هذا؟

    قال: هذا علي بن المديني ، فالتزمه وعانقه وقرأه عليه؛ لأن علي بن المديني سمعته معروفة، وأبو عبيد يسمع ويعرف من هو علي بن المديني من بعيد، لكنه ما سبق أن قابله، فلما عرفه رضخ لطلبه وقرأه عليه وهو شيخه.

    فهذا من تمكن مكانة علي بن المديني في قلب أبي عبيد القاسم بن سلام ، والإكبار له من قبل شيخه، وأبو عبيد القاسم بن سلام رجل عظيم لا يستهان به ألبتة، ومن نوادره -ولعلنا نأتي على سيرته -أن طاهر بن عبد الله- وهو أحد الأمراء في الدولة العباسية بـبغداد، أراد أن يسمع من أبي عبيد -كان الولاة لهم اهتمام بالعلم- وكان حريصاً أن يأتي أبو عبيد إلى منزله، فيحدثه، وكتاب أبي عبيد الذي هو غريب الحديث كتاب اشتُهِر، فيه شرح للألفاظ الغريبة والصعبة في الأحاديث، يسوق أبو عبيد الحديث بسنده ويشرح الغريب في هذا الكتاب، وكان قد تعب عليه وجمعه وهو كتاب نفيس، من أجود الكتب في غريب الحديث، هذا الوالي كان يشتهي أن هذا العالم أبو عبيد مؤلف الكتاب يأتي بكتابه ويحدث به في بيته، يشتهي ذلك ويتمناه، فأرسل إلى أبي عبيد معرباً له عن الرغبة، يقول: يدعوك الأمير إلى بيته لتأتي وتجلس فيه وتحدث بكتابك غريب الحديث ، فرفض أبو عبيد، وقال: أبداً، هو يأتي، مثله مثل غيره من الطلاب ويجلس في الدرس.. العلم يؤتى ولا يأتي.

    فلما جاء علي بن المديني وعباس العنبري، إلى بلد أبي عبيد ، وأرادا أن يسمعا غريب الحديث، كان أبو عبيد يحمل كتابه كل يوم ويأتيهما في منزلهما يحدثهما.

    وقد علق الخطيب على هذه القصة، فقال: إنما امتنع أبو عبيد من المضي إلى منزل طاهر توقيراً للعلم، ومضى إلى منزل ابن المديني وعباس تواضعاً وتديناً.

    وقد فعل سفيان الثوري مع إبراهيم بن أدهم مثل هذا، فهذه من عجائب العلماء.

    ويحيى بن معين سئل عن علي بن المديني وعن الحميدي : أيهما أعلم؟

    فقاليحيى بن معين: ينبغي للحميدي أن يكتب عن آخر، عن علي بن المديني. أي: لا يصلح حتى أن يكون تلميذاً، بل تلميذ التلميذ.

    وقال الأعين : رأيت علي بن المديني مستلقياً وأحمد بن حنبل عن يمينه، ويحيى بن معين عن شماله وهو يملي عليهما.

    وكان أحمد بن حنبل رحمه الله لا يسمي علي بن المديني، أي: لا يقول: يا علي ، بل يقول: يا أبا الحسن! توقيراً له وتبجيلاً.

    قال أبو حاتم : ما سمعت أحمد بن حنبل سماه قط.

    وكان علي بن المديني كما يقول عباس العنبري رحمه الله: بلغ ما لو قُضِي له أن يتم على ذلك، لعله كان تقدم على الحسن البصري ، كان الناس يكتبون قيامه وقعوده ولباسه، وكل شيء يقوله ويفعله.

    وهذا فيه فائدة تربوية مهمة: وهي أن الإنسان إذا صار قدوة، الناس لا يأخذون عنه العلم فقط، بل يأخذون عنه كل الحركات، ويتأثرون بصَمْتِه وكلامِه وأفعالِه وتصرفاتِه، وفي كل شيء، كان الناس يكتبون قيامه وقعوده ولباسه وكل شيء يقول ويفعل، لأنه صار أهلاً أن يُنْظر إليه في كل أفعاله، وليس فقط فيما يخرج منه من الكلام.

    وقال أبو يحيى : كان ابن المديني إذا قدم بغداد تصدَّر وجاء يحيى وأحمد بن حنبل والمعيطي والناس يتناظرون، فإذا اختلفوا في شيء، تكلم فيه علي .

    وقال محمد بن إسماعيل البخاري : ما تصاغـرتُ نفسـي عند أحد إلا عند علي بن المديني.

    وقال: ما سمعت الحديث من فِيِّ إنسانٍ أشهى عندي من أن أسمعه من فِيِّ علي رحمه الله.

    وقال محمد بن إسحاق السراج : سمعت محمد بن إسماعيل البخاري وقلت له: ما تشتهي؟

    قال: أشتهي أن أقدم العراق وعلي بن المديني حيٌّ فأجالسه.

    ولما ألف البخاري كتابه صحيح البخاري ، عرضه على علي بن المديني ، فحكم له بالصحة والإتقان - البخاري عرض كتابه على ثلاثة من كبار العلماء، هم:

    1- علي بن المديني.

    2- وأحمد بن حنبل.

    3- ويحيى بن معين، فحكموا له بالصحة والإتقان.

    وعن إبراهيم الحربي قال: كان أبو عاصم -وهو: أبو عاصم النبيل ، ملقب بـالنبيل - إذا حدث عن ابن جريج وغيره من أصحابه، جاء مستوياً، وإذا حدث عن سفيان أخطأ؛ لأنه لم يضبط عنه، فكان إذا أخرج المجلس -قبل أن يأتي الدرس أخرج الكتاب الذي هو عن سفيان - ووجهه إلى علي بن المديني لينظر فيه ويصلح خطأه -الشيخ يبعث بالكتاب إلى علي بن المديني ، يقول: صحح لي قبل أن أحدث في المجلس.

    فقال له بعض مَن قال له: لماذا توجه بكتابك إلى هذا؟ حدِّث كما سمعتَ.

    قال: ففعل، وكان يخطئ في كل مجلس وعندما كان يصحح له علي بن المديني ، لم يكن هناك خطأ، ولذلك كانت مكانة علي رحمه الله أحياناً ربما سببت رعباً في قلوب بعض شيوخه، ولذلك قال أحمد بن يوسف السلمي النيسابوري : سمعت عبد الرزاق يقول لـعلي بن عبد الله بن المديني حيث ودعه -الآن علي بن المديني جاء إلى اليمن وسمع من عبد الرزاق ، وعبد الرزاق رأى نباهة وحفظ وجلالة علي بن المديني، ولما أراد عبد الرزاق أن يودع علي بن المديني قال له: إذا ورد حديث عني لا تعرفه، فلا تنكره، فلأني ربما لم أحدثك به.

    وقال ابن أبي حاتم الرازي : سمعت هارون بن إسحاق الهمداني وذُكر له خطأ في إسناد حديث، فقال: هذا كلام أحمد بن حنبل وعلي بن المديني -كأنه يقول: هذا ليس شغلكم، أكيد أنه علمكم إياه ونبهكم على الخطأ إما أحمد بن حنبل ، أو علي بن المديني .

    وقال الخطيب رحمه الله مبيناً مكانة علي بين قرنائه: كان علي بن المديني فيلسوف هذه الصنعة وطبيبها، ولسان طائفة الحديث وخطيبها، رحمة الله عليه وأكرم مثواه لديه.

    1.   

    مشايخ ابن المديني

    من أشهر شيوخه:

    1- حماد بن زيد ، حافظ العراق :، وكان حماد إماماً من أئمة أهل السنة .

    وقال أحمد فيه: هو من أئمة المسلمين من أهل الدين، وهو أحب إليَّ من حماد بن سلمة .

    وهو الذي قال فيه ابن المبارك :

    أيها الطالب علماً     ائت حماد بن زيد

    فاقتبس علماً وحلماً      ثم قيَّده بقيدِ

    ودع البدعة من آ      ثار عمرو بن عبيد

    حماد بن زيد هو شيخ علي بن المديني ، وهو الشخصية الأولى ربما بعد أبي علي ، الذي كان له أعظم الأثر في توجيه علي بن المديني إلى طلب السنة، وكان شيخ البصرة .

    2- سفيان بن عيينة: وكان طلاب الحديث يتكلفون الحج، وما قصدهم إلا لقاء سفيان بن عيينة .

    البخاري أخرج لـعلي بن المديني، عن سفيان بن عيينة في صحيحه (196) حديثاً.

    3- يحيى بن سعيد القطان: وهو الذي درس على يديه الرجال، وكان يستفيد من علي بن المديني كما قلنا، ويقول: إني كلما قلت: لا أحدث كذا، استثنيت علياً، فلو قلت: لا أحدث أسبوعاً أو شهراً، يقول: أنا أستثني في قلبي علي بن المديني إذا جاءني أحدثه.

    وكان علي ملازماً لشيخه يحيى بن سعيد القطان يسأله عما أشكل عليه من أمور النقد، حتى يسأله عن أحواله الشخصية.

    فقال يوماً: قلت لـيحيى بن سعيد في ربيع الأولي سنة: (190هـ) كم لك من سنة؟

    قال: إذا مضى شهر، أو شهران، استوفيت سبعين، ودخلت في أحد، -أي: واحد وسبعين.

    وكان علي يحب يحيى حباً جعله يشتهي أن يراه في المنام، فيقول: مكثت أشتهي أرى يحيى بن سعيد القطان في النوم مدة، قال: فصليتُ ليلةً العَتَمَة -العشاء- ثم أوترت واتكأت على سريري، قال: فسنح لي -أي: في المنام- رأيت خالد بن حارث ، فقمت فسلمت عليه وعانقته، وقلت له: ما فعل بك ربك؟

    قال: غفر لي على أن الأمر شديد.

    قلت: فما فعل يحيى بن سعيد القطان ؟

    قال: نراه كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء، أي: أن الله رفعه منزلة عالية جداً.

    من شيوخ علي بن المديني : عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله، وهذا الذي قال علي بن المديني فيه: "لو أخذت فأُحْلِفْتُ بين الركن والمقام، لَحَلَفْتُ بالله عز وجل أني لم أر أحداً قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي". وكان عبد الرحمن بن مهدي استفاد منه علي بن المديني جداً.

    يقول علي بن المديني : كنا في جنازة معاذ، وعبد الرحمن بن مهدي آخذٌ بيدي، فقال عبد الرحمن لي -أي: أثناء الجنازة ونحن نتبع الجنازة-: ألا أحدثك حديثاً ما طن في أذنيك؟ حدثني صاحب السرير -الذي هو الميت- وسرد علي الحديث. وعبد الرحمن بن مهدي يفيد تلميذه علي بن المديني حتى في وقت تشييع الجنازة.

    وعندما نقول: شيوخ علي بن المديني : فلان، وفلان، وفلان، هؤلاء العظماء، فهؤلاء العلماء كلهم ساهموا في صياغة شخصية علي بن المديني ، ولذلك هناك نقطة مهمة جداً وهي: أن هؤلاء العلماء الأئمة الكبار ما جاءوا من فراغ، ما ظهروا من غابة أو صحراء، ما خرجوا الإجراء نتاج بيئة تربى فيها وأخذ فيها عن الأجلاء، هذه تربية، فهذه الشخصيات صيغت من شخصيات أخرى، أجيال تربي أجيالاً، وعندما نتوسع أكثر في المحدثين، نرى فعلاً أن هذه القضية واضحة، أجيال تربي أجيالاً، سفيان بن عيينة يربي علي بن المديني ، وعلي بن المديني يربي البخاري ، والبخاري يربي غيره، فمسألة تخرُّج الأجيال على أيدي أجيال، وأن الواحد كان يحتك بشخصيات فذة هذا الذي ينشئ الشخصية، ما الذي يساعد على نمو الشخصية؟

    يحاط أن الإنسان بأناس كبار أجلاء أئمة، فيخرج إماماً في النهاية.

    وهذه المسألة -كما قلنا- واضحة غاية الوضوح، إنسانٌ شيوخُه:

    - سفيان بن عيينة ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وعبد الرزاق الصنعاني ، وغيرهم.

    وقرناؤه:

    - أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وابن أبي شيبة .

    وتلاميذه:

    - البخاري ، وأبو حاتم الرازي ، وأبو داود .

    لا بد أن يكون شخصية فذة.

    فمن هنا نتعلم درساً كبيراً في أن الإنسان إذا أراد أن يرتقي بنفسه فعلاً، فلا بد أن يُحاط بشخصيات على مستوى عظيم حتى يكون لها ذلك الأثر في نفسه.

    1.   

    آثار علي بن المديني التراثية

    ورحل علي بن المديني رحمه الله تعالى إلى ربه تاركاً عدداً من الآثار والكتب، مثل: علل الحديث ومعرفة الرجال، وسؤالات لشيخه يحيى بن سعيد القطان ، كَتَبَها وبَوَّبَها، وكتاب المسند ويبدو أنه قد ضاع، وَضَعَه في قِمَطْر وغاب فترة طويلة عن البيت ورجع، قال: فحركتها، فإذا هي ثقيلة، ففتحتها، فإذا الأرضة قد خرقت الكتب، فصارت طيناً، وإلا فإن علي بن المديني كان عنده كتاب عظيم هو: المسند بِعِلَلِه.

    وذهب علي بن المديني رحمه الله تاركاً تراثاً كبيراً من أهم ذلك: الأحاديث التي نقلها لتلاميذه.

    ودَوَّن البخاري رحمه الله قسماً، ومسلم ، والترمذي ، وأبو داود ، دوِّنت الأحاديث، ودوِّن كلام علي بن المديني في الرجال جرحاً وتعديلاً.

    وترك كذلك آثاراً في فقهه رحمه الله تعالى رحمةً واسعةً.

    نسأل الله عز وجل أن يعلي منزلته، وأن يرفع درجته، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.