إسلام ويب

عوائق في طريق الالتزام [1، 2]للشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العوائق التي تعيق كثيراً من الناس عن الالتزام بالإسلام كثيرة جداً، ويمكن تقسيمها إلى قسمين هما: عائق الشبهات وعائق الشهوات. وفي طيّات هذه المادة تجد الشيخ قد شرح هذه العوائق بالتفصيل، مبيناً أثرها، مع بعض الردود والمناقشات لمن وقع في شراك تلك العوائق.

    1.   

    معوقات الالتزام بالإسلام

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    a= 6000394>يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[آل عمران:102].

    a= 6000493>يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً[النساء:1].

    a= 6003602>يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    إخواني في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنه من نعم الله علينا أن التقينا معاً في هذا المكان في حلقة نسأل الله سبحانه وتعالى أن تكون من حلق الذكر، وأن يكتبنا وإياكم في ديوان السعداء من أهل الجنة، ويكفر عنا سيئاتنا، ويعلي درجاتنا بحوله وقوته، إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير.

    والحقيقة أيها الإخوة! أن التقاء الأخ بإخوانه بعد فترة من الزمن؛ يجدد النشاط للنفس للسلوك في سبيل الله عز وجل.. في سبيل الدعوة إلى الله.. في سبيل تعلم العلم.. في سبيل الالتقاء على الخير، وعلى طريق المحبة في الله.

    أما بالنسبة لموضوعنا فسنتكلم الليلة -إن شاء الله- عن عوائق في طريق الالتزام بالإسلام.

    نحن أيها الإخوة! سبق أن بينا في درسٍ ماضٍ بعنوان: (جدية الالتزام بالإسلام) حيث بينا تعريف الالتزام، وذكرنا أنه ممثلٌ بقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة:208] والسلم: هو الإسلام.. ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة:208] أي: تمسكوا بجميع شعب الدين، وخذوا بجميع عُرى الدين، لا تتركوا منها شيئاً على قدر استطاعتكم، هذا هو الالتزام بالإسلام، ويمكن أن نضع له تعريفات كثيرة، ولكن يكفينا قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة:208] أي: لا تتركوا منه شيئاً.

    وإذا نظرنا -أيها الإخوة- إلى واقع الناس اليوم نجدهم في بُعدٍ كبيرٍ عن تعاليم الإسلام، والتمسك بهذا الدين، والالتزام بأحكامه، فإذا سألنا أنفسنا سؤالاً: لماذا يترك الناس الالتزام بالإسلام، وأحكامه مع أنهم يعرفون بأن هذا التمسك واجبٌ عليهم؟

    ولماذا يعيشون حياة التفلت التي نراها اليوم في واقع المسلمين وحياتهم؟!

    أيها الإخوة! للإجابة على هذا التساؤل لا بد أن نفكر في المعوقات التي أدت إلى هذا التفلت والترك للالتزام بالإسلام، وبالنظر إلى هذه المعوقات وجدناها تنقسم إلى قسمين:

    1- قسمٌ يتعلق بالشهوات.

    2- قسمٌ يتعلق بالشبهات.

    واعلموا أيها الإخوة! أن الله أشار إلى كلٍّ من هذين الأمرين في محكم التنزيل، وفي الكتاب العزيز، فقال عز وجل عن المنافقين: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً [البقرة:10]، وقال جل وعلا: لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [الحج:53]، وقال عز وجل: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32].

    والآن لو سألنا سؤالاً: هاتين الآيتين: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً [البقرة:10]، والآية الثانية: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32] أي الآيتين التي فيها ذكر مرض الشهوات، وأي الآيتين التي فيها مرض الشبهات؟

    الآية الأولى: فيها مرض الشبهات: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً [البقرة:10] هؤلاء المنافقون في قلوبهم مرض، هذا المرض هو الذي سبب هذا النفاق، وهو مرض الشبهات التي تترسب في الأذهان والقلوب، فتسبب هذا النفاق بجميع أنواعه وصوره ومراحله.

    أما الآية الثانية: يوصي الله عز وجل نساء النبي صلى الله عليه وسلم ألَّا يخضعن بالقول، أي: أمام الرجل الأجنبي يجب على المرأة ألَّا تلين بالقول، وتتكسر في صوتها، وتتغنج به؛ حتى يطمع الذي في قلبه مرض، وهذا القلب هو الذي يتأثر بالتغير في صوت المرأة، فبسبب مرض الشهوة تستثار الشهوة عندما يسمع الصوت المتكسر المتخلع الرقيق من المرأة.

    فلذلك يجب على المرأة أمام الرجال الأجانب أن تخشن من صوتها، وألَّا تجعل فيه ذلك الطبع الأنثوي الذي يثير الغريزة في نفس الرجل.

    عندما أشار الله تعالى في القرآن إلى هذين المرضين، لم يترك الخلق وفيهم هذه الأمراض تنتشر وتستفحل! لا. ولكنه أخبر في القرآن بأن فيه علاجٌ لكل مرضٍ، ولكل نوعٍ من هذه الأمراض، فقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس:57]، وقال الله عز وجل: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً [الإسراء:82].

    إذاً أيها الإخوة! هذين المرضين من الأمراض المستفحلة العظيمة المهلكة التي تصيب قلوب العباد، وفي موضوعنا هذا تلعب أمراض الشهوات والشبهات أدواراً أساسية في إعاقة التزام الناس بالإسلام، وتحول بينهم وبين الالتزام بأحكام الدين.

    1.   

    مصطلحات متداولة بين الناس في الميزان

    أيها الإخوة! في هذا العصر الذي نعيش فيه عمَّ الجهل وقلَّ العلم، واختلطت الحقائق وخفيت، واندرس العلم، واندرست الحقائق الإيمانية -اندرست أي: اندثرت- وكادت أن تزول، فخفيت معالم الهدى واختلط الحق بالباطل، فلذلك تجد كثيراً من التعريفات والمصطلحات المتداولة بين الناس يعرفونها بتعريفاتٍ غير شرعية، وهي غير مقصود منها في الدين هكذا كما يعرفونها، لذلك كان لا بد من إلقاء الضوء على هذه المصطلحات التي تدور على ألسنة الناس اليوم قبل الخوض في الموضوع.

    فمثلاً: ما هو تعريف الوسط؟

    ما هو تعريف الغلو؟

    ما هو تعريف التطرف؟

    ما هو تعريف الإسلام؟

    ما هو تعريف التقوى؟

    ما هو تعريف الإيمان؟

    ما هو تعريف العبادة؟

    ما هو تعريف الالتزام؟

    لماذا هذه التعريفات مهمة؟

    لأنك إذا سألت أي أحدٍ من هؤلاء المذنبين العصاة المبتعدين عن الدين، وقلت له: أأنت تعبد الله؟

    سيقول لك: نعم، أنا أعبد الله، فتقول له: لماذا أنت الآن مبتعد عن أحكام الدين ومقصر في كذا وكذا وكذا، ولا تكن مثل هؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم والتزموا بأحكام الإسلام؟

    فيقول لك: هؤلاء أناسٌ مغالون ومتطرفون ومتشددون. أنا أحب الوسط.. أنا أريد أن أكون وسطاً لا أريد أن أكون مزوداً ولا منقصاً في الموضوع، أنا أريد أن أكون وسطاً.

    إذاً ما هو تعريف الوسط؟

    إذا طرحت هذا الموضوع: (تعريف الوسط) وما هي (الوسطية)؟ تبين لك الحق وانهزم الباطل.

    نحن نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان على الوسط، وهذه الأمة هي الأمة الوسط، فالوسط هو الذي بين الإفراط والتفريط، هذا الوسط هو الذي يحتج به كثيرٌ من العصاة اليوم بأنهم يمثلونه، هذا الوسط هو طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم في الأمور كلها.. في أبواب العقيدة، وفي أبواب المعاملات، وفي أبوابٍ كثيرةٍ جداً، والرسول صلى الله عليه وسلم كان عيشه وسطاً.

    إذاً: الناس اليوم يخطئون في تعريف الوسط، ولا يدرون ما هو الوسط؛ نظراً لاضطراب المفاهيم والمفهومات في عقولهم.

    ما هو الاعتدال؟

    بعض الناس يقول: أنا أريد أن أكون معتدلاً، لا أريد أن أزيد، ولا أنقص!

    الاعتدال: هو أن تعرف الأوامر وتمتثلها، وأن تعرف النواهي وتجتنبها، وبهذا تصبح إنساناً معتدلاً وسطاً.

    ولما قال الله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر:32] الظالم لنفسه: الذي يترك أداء الزكاة، ويترك الصلاة، ويفرط فيها، ويفرط في النهي عن المنكر، والأمر بالمعروف، وبر الوالدين.

    ومنهم النوع الثاني: مقتصد يمتثل الأوامر ويترك النواهي، لكن لا يزيد في أبواب الخير والبر والإحسان على هذه الأشياء، فقط يفعل الأوامر من الصلاة، والزكاة، والصيام، وبر الوالدين.. إلخ، ويترك النواهي؛ لا يزني ولا يسرق، ولا يغش، ولا يكذب، ولا يظلم ... وهكذا، لكنه قد لا يزيد في أعمال البر؛ فلا يخرج الصدقات، ولا يقوم الليل كثيراً، ولا يكثر من الاستغفار وذكر الله عز وجل فهذا مقتصد.

    والنوع الثالث: سابقٌ بالخيرات، وهو الذي يفعل الأوامر وينتهي عن النواهي والمنكرات، ويزيد على ذلك في أبواب الخير والبر والإحسان أشياء عظيمة، فلذلك قال بعض أهل العلم: إن هذه الآية تمثل أنواع المسلمين، وليس في أحدهم، فالظالم لنفسه هو الذي يرتكب المنكرات وهو لا يزال مسلماً قائماً بالأمور التي تجعله مسلماً، لكنه مفرط مقصر مثل أغلب الناس اليوم.

    فإذاً مفهوم الالتزام عند الناس تغير.. مفهوم العبادة تغير.. مفهوم الاستقامة تغير، قال سبحانه وتتعلا لرسوله عليه الصلاة السلام: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ [هود:112] والرسول صلى الله عليه وسلم قال لأحد أصحابه، لما سأله أن يوصيه: (قل آمنت ثم استقم).

    قال النووي رحمه الله: قال العلماء معنى الاستقامة لزوم طاعة الله تعالى، هذه هي الاستقامة.

    والعبادة: اسمٌ جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال.

    الإيمان تصديقٌ بالجنان، ونطقٌ باللسان، وعملٌ بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان.

    وهذه العبادة على أربع مراتب: قول القلب: وهو التصديق، وقول اللسان: وهو النطق بالشهادتين وذكر الله عز وجل، وعمل القلب: وهو التوكل والإنابة والمراقبة والحياء والخوف والرجاء، وعمل الجوارح: مثل الجهاد في سبيل الله، والصلاة، والحج.. إلخ.

    ما هو تعريف العبادة؟

    كثيرٌُ من الناس لا يعرفون تعريف العبادة.

    ما هو تعريف الإيمان؟

    كثير من الناس لا يعرفون تعريف الإيمان.

    لماذا نقول هذا الكلام؟

    لأن الناس عندما نقول لهم: يجب أن تكونوا مؤمنين، والله أمرنا أن نكون مؤمنين وأن نعبده: فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ [مريم:65].. وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، والله أمرنا أن نستقيم: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ [هود:112].

    والله أمرنا أن نكون مسلمين؛ فما هو تعريف الإسلام؟ ما هو تعريف الشهادتين؟

    الشهادة: كلمة (أشهد) تتضمن التصديق بالقلب، والنطق باللسان، والعمل والصبر على ما تلاقي في سبيلها، وإذا لم تفعل هذه الأشياء؛ لا تسمى شاهداً.. ما شهدت أن لا إله إلا الله، ولا شهدت أن محمداً رسول الله.

    إذاً: أيها الإخوة! هذه المصطلحات، وهذه الكلمات وتوضحها في عقول الناس أمرٌ مهمٌ جداً، حتى ندخل بعد ذلك في قضية الالتزام، فكثيرٌ من الناس اليوم لا يرون حال الملتزمين بالدين والمتمسكين وسطاً؛ بل يرونه تطرفاً وغلواً، ويرون أنفسهم هم الوسط والمعتدلون، وعلى أحسن الأحوال يرون أنفسهم مقتصدين، ويرون غيرهم سابقين بالخيرات من الملتزمين، لكنه لا يمكن أن يفكر أبداً أنه ليس متوسطاً وليس ملتزماً.

    1.   

    كيفية تسيير الجدال مع الناس بخصوص الالتزام

    الناس الآن في جدالنا معهم يقولون: نحن الوسط وأنت مغالٍ ومتطرفٌ متشدد، ونحن الوسط، ونحن المعتدلين؛ لأنهم لو اعترفوا بأنهم ليسوا هم الوسط، وأنك أنت -يا أخي- الملتزم بالدين معناه: أنهم اعترفوا بذنوبهم، وأقاموا الحجة على أنفسهم.

    لذلك تجد دائماً في الكلام وفي النقاشات يقولون: نحن نحب الوسط، والمعتدل، كن يا أخي معتدلاً.. كن وسطاً، لا تزيد ولا تنقص!! نعم! أقول لهذا الذي يناقشني: أنا معك أنا أحب الوسط، والإسلام دين الوسط، ودين الاعتدال، لكن ما هو الوسط؟

    وما هو الاعتدال؟

    أليست هي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وطريقته، وفعله أوامر ونواهي؟

    أليس هذا هو الوسط، أم لا؟

    لكن المشكلة إذا قلنا: إن الوسط هو الذي يرتكب بعض المنكرات، لو قلنا: إن هذا هو الوسط لضاع الدين، وفتحنا أبواب المعاصي والمنكرات على الناس.

    إذاً أيها الإخوة! كلمة (ملتزم) الآن التي ندندن حولها اليوم، تساوي كلمة (مسلم حقيقي) في أيام السلف ، أي: في زمان السلف عندما كان يقول أحدهم: إنه مسلم، ويأمر الناس أن يكونوا مسلمين، أي: ملتزمين بالإسلام، لا يأمر الناس أن يكونوا مسلمين متهاونين ومفرطين بالإسلام.

    فلذلك أنت -الآن- تحتاج إلى مصطلحات أخرى للشاب، لأنك لو قلت له: يا أخي! لا بد أن تكون مسلماً. يقول: أنا مسلم، وأنا أشهد بالشهادتين، وأنا كذا، فلا بد أن تزيد الأمر إيضاحاً.

    ولذلك وردت قصة: أن أحدهم خرج فلقي إنساناً ملتزماً، فقال له: يا مطوع! تعال. فلما أتى المطوع قال له: يا أخي! أنت ناديتني يا مطوع! فأنا أريد أن أعرف ماذا تكون أنت؟ أي: إذا أنا صرت مطوعاً فأنت عرف لي نفسك.. منافق.. فاسق.. فاجر، ما هي الكلمة التي تريد أن أقولها؟

    وهذا قد يقول: قل لي: يا مسلم، لأن الناس لا يفهمون الإسلام والالتزام بالأحكام، هذه هي المشكلة، ولذلك يقولون عن الناس الملتزمين: يا مطوع! وهو ليس بمطوع، فلا بد أن نعرف ما هو تعريفه؟ وما هو المصطلح الذي يريدنا أن نطلقه عليه، نقول: يا مفرط.. يا مضيع.. يا عاصي.. يا مؤمن.. يا ملتزم!! ماذا يريدنا أن نقول عنه؟

    هذه المسألة مهمة بالنسبة للذين يجادلون؛ لأنه يريد الواحد منهم أن يقول: أنا الوسط، وأنت يا فلان الملتزم بالدين الذي لا تفعل المنكرات أنت المتطرف.

    فلذلك يقولون بعد ذلك مثلاً: يا أخي! هذه اللحية الأمر بها تشدد، وعلى نطاق النساء مثلاً: يعتبر الأمر بالحجاب والتزام المرأة بالحجاب الكامل الساتر، يعتبره تشدداً.

    لماذا اعتبروا هذا؟

    لأنهم بنوه على أصلٍ فاسد، الذي هو (الوسط) المرأة -الآن- عندما تقول لها: التزمي بالحجاب غطي نفسك وغطي العورة، تقول: أنا امرأة وسط، أنا معتدلة.. تريدني أكون امرأة لا يظهر مني شيء، لا يمكن، هذا تطرف وعندما تأمر المرأة بالحجاب أو أن تتحجب ابنتها تقول الأم: اتركها الآن بدون حجاب.. دعها تتمتع.. دعها تخرج وتذهب.. هذه صغيرة، وغداً -إن شاء الله- عندما تكبر سوق تتحجب.

    أي: تكبر ويصبح عمرها خمسين سنة، وتكون من القواعد.. من النساء اللاتي يكون الحجاب في حقهن ليس بواجب، فعند ذلك تتحجب.

    انظر إلى الناس! وهذا هو الحاصل الآن وهو الذي يسري في المجتمع، فإن عامة النساء -إلا من رحم ربي- في قضية الحجاب متفلتات، فإذا جئت تأمر بالحجاب تجدها تقول: أنا وسط ومعتدلة، أنا لست كاللواتي يلبسن القفازات ويضعن على الوجه الحجاب، وتلبس الساتر ويصير فضفاضاً، هذه المتطرفة.

    انظر -الآن- كيف انعكس الفهم الخاطئ للوسطية والاعتدال، وانعكس على تقييم الناس للأوضاع.

    أليس الذي يلتحي ويؤدي الصلوات في المسجد هذا هو الوسط، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي فعل هذا، ألم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم له لحية كثة وكان يصلي مع الناس في المسجد؟

    نعم! إذاً الرسول هو الوسط، وأي إنسان يخالف سنة الرسول صلى الله عليه وسلم يصبح مفرطاً، ومقصراً، ومضيعاً، أو فاسقاً بحسب الأشياء التي يرتكبها.

    1.   

    الشهوات عوائق في سبيل التزام الناس بالإسلام

    الحقيقة أيها الأخوة! أن الناس الذين يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم، ويُطالبون بالالتزام بأحكام الدين، تقف شهواتهم حجر عثرةٍ أمام التزامهم بالإسلام.

    فمثلاً: تجد الواحد منهم لسان حاله يقول: أنا شهواتي تصدني عن الالتزام بالإسلام، أنا لا أستطيع أن أقاوم شهواتي، فلذلك أقع في كثيرٍ من المحرمات، ولذلك هذه الشهوات تمنعني من الالتزام بالإسلام.

    الالتزام وفقدان اللذة والشهوة

    بعضهم يخافون إذا التزموا بالإسلام أن يفقدوا اللذات والشهوات التي يعتبرون أنهم يتنعمون ويتلذذون بها، مثلاً: إنسان غارق في الشهوات، فعندما تعرض عليه الالتزام بالإسلام؛ يخشى في نفسه أن يفقد هذه اللذائذ والشهوات، فيرفض الالتزام؛ لأنه يخشى أن يفقدها.

    أولاً: لتوضيح حال هؤلاء الناس أضرب الآن مثالاً واقعياً من الحياة.

    شُوهد إنسانٌ ما وهو يمسك الهاتف ويغازل به النساء، فقال له إنسان بعدما انتهى: يا أخي! لماذا لا تصلي؟ فقال هذا الرجل: كيف أصلي وأنا عندي موعد مع فتاة بعد ساعتين؟

    الآن من الذي منع هذا الرجل من الصلاة، هو الآن رجل صاحب شهوة، وجالس يركض وراء تلبية شهواته.

    فلذلك تجد في عقله تناقضاً، كيف أصلي وبعد ذلك أذهب إلى شهواتي! فلذلك تصعب عليه القضية فماذا يترك؟

    للأسف! لا يترك الشهوة بل يترك الصلاة، لأنه يعتقد أن هذه الشهوة حائلٌ بينه وبين الالتزام بالإسلام، ولا يجتمع في عقله ولا في نفسه صلاة مع اتباع الشهوات.

    هذا الإنسان علاجه كما قال الله تعالى في القرآن: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء:82] القرآن فيه أنواع كثيرة من الشفاء للشهوات، منها -مثلاً- قصة يوسف عليه السلام، كيف صبر على شهوته.

    هذه القضية عندما تعرض على هذا الرجل، وعندما يقرأ هذه القصة يتعظ منها، وتكون نوعاً من الشفاء للمرض الذي في نفسه، فهذا الإنسان يذكَّر بالله عز وجل: كيف يبيع العاقل الجنة بشهوة ساعة؟!

    فنقول: أنت -يا أخي- الآن عندما تقول: أنا لا يمكن أن أصلي، وأنا -الآن- على موعد من هذه المواعيد المحرمة، لماذا لا تصلي؟

    الآن إذا لم تصل بالكلية تصبح كافراً، وتخلد في النار، فهل الأحسن لك أن تصلي حتى لو ارتكبت هذا المنكر أم لا؟

    بعض الناس واقعين في منكرات؛ فيريدون أن يتحللوا من سبب أنواع الطاعات، بحجة أنه واقع في هذه الشهوات، وأنه لا يستطيع أن يقاوم نفسه، وما دام أنه واقع فيها كيف يؤدي الطاعات؟ فيترك الطاعات.

    فهذا الرجل يقال له: أنت يا أخي صلِّ، ولعل الله أن يهديك بهذه الصلاة، فتنهاك صلاتك عن الفحشاء والمنكر، وكم من أناسٍ كانت بدايتهم مع الصلاة بداية لهجر المعاصي والمنكرات، إذا هم أخلصوا فيها وعرفوا معنى الخشوع، ومعنى إقامة الصلاة على حقيقتها، في فروضها، وشروطها، وواجباتها، وسننها، وما يترتب عليها، وحال العبد فيها مع الله عز وجل، والإنسان إذا صلى صلاةً صحيحة؛ فإنه لا بد أن صلاته ستنهاه عن الفحشاء والمنكر، والذي يرتكب هذه الشهوات، لا يعتبر إنساناً كافراً، أي: الذي يزني ليس بكافر.

    فالذي يزني أو الذي يرتكب شيئاً من الشهوات، هذا لا يعني أنه كفر ولا ينفع معه عمل صالح.

    انظر إلى هذا الحديث الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا زنا العبد؛ خرج منه الإيمان، فكان على رأسه كالظلة، فإذا أقلع رجع إليه) فإذا أقلع عن الذنب رجع إليه إيمانه.

    فلذلك يجب أن يفهم الناس جميعاً، أنهم لو وقعوا في بعض المنكرات، فهذا لا يعني أنه لن تقبل أعمالهم الصالحة الأخرى.

    فيا أخي! لا بد أن تصلي، ولكن لا نفعل كما فعل رجل من الناس، فقد كان هناك اثنين من الفسقة جاء وقت الصلاة فقال الأول: أريد أن أصلي. فقال الثاني: أنا لا أريد أن أصلي، وكل واحد منهما يعلم حال الثاني من الجرائم التي كانوا يقعون فيها، فسمعهما ثالث يقول أحدهم للآخر: ازنِ وصلِ، نحن لا نقول مقالة هذا الرجل، نقول له: يا أخي! صلِ الصلاة كما يريدها الله عز وجل، وإن صلاتك لا بد أن تنهاك عن الفحشاء والمنكر؛ لأن الله يقول: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] ولا بد أن تجاهد نفسك.

    والرسول صلى الله عليه وسلم عندما جاءه الشاب وقال: أنا أبايعك على كل شيء، لكن اسمح لي بالزنا، فلم يرض الرسول صلى الله عليه وسلم منه هذا، لكن لا بد أن يجاهد الإنسان نفسه، والله عز وجل من سلك سبيله يهديه وييسر له الأمر، قال تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى [الليل:5-7] فالله عز وجل ييسر للعباد الذين انتهجوا سبيله، ييسرهم لليسرى وللحق، ويسهل عليهم التمسك بالحق.

    فإذاً: الذي يقول: أنا كيف أشرب الخمر وأصلي هذا تناقض وأنا لا أحب التناقض!

    نقول له: صحيح أن التناقض شيء مزعج ومؤذي، لكن هل الحل أنك تختار شرب الخمر وتترك الصلاة؟!

    أي: هل هذا علاج التناقض عندك؟ أم أنك تصلي وتلتزم بأحكام الدين، وتحاول أن تتخلص من هذه المنكرات، كما أمر الله عز وجل، جاهد ولا تقل: أنا حاولت لكني فشلت، وهو لم يحاول ألبتة.

    أيها الإخوة! بعض الناس مستعد أن يلتزم بالأحكام التي لا شهوة فيها.. مستعد أن يطلق لحيته، ويقصر ثوبه، ويصلي في المسجد؛ لكنه لا يستطيع أن يترك النظر إلى المرأة الأجنبية؛ لأنها مسألة متعلقة بالشعور، يشق عليه أن يترك ويعتزل الشهوات، ولكنه مستعد أن يلتزم بأحكام كثيرة من أحكام الدين.

    أيضاً: هذا نفس الكلام الذي ذكرناه وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [آل عمران:101]، فهذا الإنسان يعتصم بالله عز وجل، ومادام أن الباب مفتوح ويجاهد نفسه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69] كذلك على مستوى النساء، تجد المرأة مستعدة أن تصلي وتزكي وتصوم وتفعل أشياء كثيرة، لكنه إذا أتيت إلى قضية الخروج بين الرجال، ووضع الزينة والمكياج وهذه الأدوات والمنكرات للفت أنظار الرجل إليها لا تستطيع أن تترك هذه الشهوة.

    وقد رأينا أناساً من هذا القبيل، ترى المرأة تصلي وربما تبكي وهي تقرأ القرآن، وفي رمضان و..و..و... إلخ، ولكن إذا أتيت إلى ترك الزينة، والتبرج، وعدم لفت أنظار الرجال إليها لا تقوى على هذا؛ لأن القضية شهوة، هذه المسائل علاجها بمجاهدة النفس، ليس هناك علاج سحري، لكننا نقول: لا تُترك الطاعات الأخرى من أجل هذه المنكرات، ولا بد من مجاهدة النفس بالتخلص من هذه المنكرات.

    شهوة المنصب

    كذلك من الشهوات مثلاً: شهوة المنصب، بعض الناس لا يلتزمون بأحكام الإسلام، ليس لأنهم لا يحبون الالتزام، ولكن لأنهم يخافون أن يفقدوا مناصبهم الإدارية وما شابه ذلك؛ لأنه يخشى أن يغضب عليه رؤساؤه عند الالتزام، فيعزلونه من منصب الإدارة أو من المنصب الفلاني؛ لأن رؤساءه لا يحبون التدين ولا الالتزام بالإسلام؛ فهو يخشى أنه إذا التزم أن يفقد منصبه، ولن يعطي العلاوات الفلانية، ولا الزيادات، ولن يترقى من مرتبة إلى مرتبة، وسيجمد في مكانه.. وهكذا.

    هذه المسألة -مثلاً- نفس قضية الزعامة أو الرئاسة، قد يكون الإنسان في مجموعة من الناس الشاردين، ويكون هو الذي يُسيطر عليهم ويأتمرون بأمره، هو القائد فيخشى إذا التزم أن يفقد سيطرته على هؤلاء الناس، ويفقد هذه الزعامة التي يتمتع بها الآن.. يفقد شهوة حب الرئاسة، لا يتمتع بذلك، هو الآن عنده مجموعة وهو القائم عليها، وهو الذي يطيعون أمره، وإذا قال شيئاً نفذوه.. وهكذا.

    هذا يخشى إذا التزم ألَّا يلتزموا معه، أو يخشى إذا التزم أن الالتزام سيذهب هذه الشهوة وسيقضي على إشباع الغريزة.. غريزة حب الرئاسة بنفس هذا الرجل.

    أيها الإخوة! إذا خُير الإنسان المسلم بين أمرٍ فيه طاعةٌ لله وبين أمرٍ فيه إرضاءٌ لنزواته وشهواته، فماذا يختار؟

    هنا يظهر الالتزام بالإسلام، وهنا يظهر الإيمان حقيقةً، لأنك -الآن- مخير بين أمرين شديدين على نفسك، فما الذي تقدم؟ هل تقدم ما يحبه الله عز وجل ويرضاه، أم تقدم ما ترضي به نفسك وما يُرضي شيطانك؟

    1.   

    الشبهات عوائق في سبيل التزام الناس بالإسلام

    أما إذا أتيت إلى جانب الشُبهات؛ فإن أمرها كبير وواسع جداً، وما يسمعه الدعاة إلى الله عز وجل يومياً من الناس وهم يأمرونهم بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، ويدعونهم إلى الطيبات، وإلى سلوك الصراط المستقيم، أي: هذا الكلام الذي يسمع يُوضح بجلاء.. لماذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل) هذه الشبهات التي تُعرض وتُطرح ويُصدم بها كل داعية، وتُلقى عليه في وجهه، ولسان حال قائلها يقول: أنا لا يعجبني الالتزام، وأنا لا أريد أن ألتزم بالإسلام.

    شبهة: الالتزام بالإسلام يقيد الحرية

    هذه الشبهات -أيها الإخوة- كثيرة، ونحن نتطرق إلى شيءٍ منها، فمثلاً: يقول بعض الناس أنا أشعر بأن الالتزام بالإسلام فيه تقييدٌ للحرية، وأنا أحب التحرر والانطلاق، لا أحب الكبت والتصفيد بالأغلال، فبعض الناس ينظرون أن الالتزام بالإسلام هو تقييد للحريات، وكبت للحرية الشخصية، لكن ما هو حظ هذا الكلام من الصواب؟

    نقول: نعم -يا أخي- نحن نعترف معك -ولا بد أن نعترف بهذا- بأن الإسلام فيه تقييد لشهوات النفس، ولنزواتها، وإلا فأخبرني كيف تكون عبداً لله.

    إذا سألت أي إنسان تقول له: هل أنت معترف بأنك عبد لله؟

    يقول: نعم. لا يقول في العادة: أنا لست عبداً لله.

    أليس العبد مكلفاً بأن يطيع أوامر سيده؟

    نعم. والعبيد على مستوى البشر تجد أنه إذا أمره سيده بأمر فيه مخالفة لراحته، أو لنومه أو لوقت الطعام عنده -مثلاً- لا بد أن يطيعه وإلا كان عاصياً.

    أيها الإخوة! بما أننا عبيدٌ لله، فلا بد أن نتقيد بأوامر الله عز وجل، حتى نكون عبيداً لله حقاً، أما الذي يرفض أن يكون عبداً لله فهذا أمره شيء آخر، أي: هذا إنسان قد ذهب عن الدين بعيداً، ووقع في الكفر والضلال والعياذ بالله.

    ماذا تعني هذه المسألة -في الحقيقة- عند هؤلاء الناس؟

    يشعر أنه إذا التزم بالإسلام أنه سيقيد بقيود كثيرة، لن يسمع الأغاني، ولن يصافح ابنة عمه، ولن يستطيع أن يفعل ما يحلو له عند وقت الصلوات.. إلخ.

    ومن جانبٍ آخر: بعض الضائعين إذا فكروا الالتزام بالإسلام يتخيل نفسه بعد أن يلتزم، وينظر في أحوال الملتزمين، فيقول لنفسه: هؤلاء الملتزمين مساكين يتمنون أن يفعلوا أشياء كثيرة من الحرية، ولكنهم مقيدون لا يستطيعون.

    يتخيل واقع الملتزمين أنه واقع كبت وقهر وضغط وصراع نفسي.

    يتخيل أن هذا الملتزم يريد أن يزني لكنه ليس قادراً على ذلك، يريد أن يسمع الأغاني لكن لا يستطيع، يريد أن يصافح المرأة الأجنبية وينظر إليها، يريد أن ينظر إلى الأفلام وإلى التمثيليات ولكنه حرم نفسه، فيتخيل هذا الرجل أن هذا الإنسان الملتزم يعيش في صراع نفسي، هو يريد ولكنه لا يستطيع.

    إذاً: يقول في نفسه: لماذا أضع نفسي في هذا الأتون من الصراعات التي قد تفضي بي إلى أمراضٍ نفسية وعُقد وأمراض عصبية، وقد يؤدي بي الأمر إلى الجنون، فهل هذا الكلام صحيح؟

    هل الآن كل ملتزمٍ بأوامر الله عز وجل يعيش في صراع نفسي وفي شقاء؟

    هل هذا حادث أم أن الأمر على النقيض من هذا تماماً؟

    أي: أن الملتزم بأوامر الله يشعر بسعادة وبطمأنينة بالغة، وهو يحس بلذة وطعم العبادة والطاعة.

    ألم يقل الله عز وجل: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97] فكيف أن هذا الرجل يعمل صالحاً، وبعد ذلك يعطيه الله عز وجل حياة كلها نغص وتنغيص! وصراعات نفسية! وشقاء ونكد وكبت! كلا، بل أيها الإخوة! إن تعذيب النفس لله، وإلزامها بأوامر الله هي الحرية الحقيقية، لذلك تجد أصحاب الشهوات عبيداً لشهواتهم.. تجد أنه يدفع من جيبه كذا وكذا من الدراهم؛ لكي يحصل ويُرضي نزوةً من النـزوات التي ألقاها في قلبه الشيطان، ويسافر من هنا إلى هناك لكي يرضي هذه النزوة والشهوة، ويتمرغ على أوحال أعتاب من يظن أنهم سيمنحونه أو سيحفظ عن طريقهم السعادة، سواءً كن من النساء الفاجرات أو غيرهن، لكي يصل هذه القضية ويروي شهوته.

    أليس هذا عبداً في الحقيقة؟

    نعم، إنه عبد لا يكاد يصبر على الشهوات، فهو العبد حقيقةً بالمعنى الخاطئ، أي: الذي عبد الشهوات، وليس عبداً لله، وإلا فثقوا أن كل من عبد الله تعالى فهو يعيش في غاية الارتياح والحرية؛ لأن عبادته لله قد حولته من أسر شهواته، وأسر هذه النفس الأمارة بالسوء، والجري وراء الشهوات ليلاً ونهاراً، ووراء جمع المال من الحلال والحرام، ووراء إرضاء الشهوات الجنسية .. إلخ.

    وكذلك يصف القرآن حال من أعرض عن ذكر الله: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124] معيشة ضنكا، أي: شديدة قاسية مؤلمة.

    شبهة: التصرفات السيئة لواقع بعض الملتزمين ظاهراً

    من العوائق التي تعيق بعض الناس عن الالتزام بالإسلام: أنهم يستدلون بواقع بعض الملتزمين الذين هم في الحقيقة غير ملتزمين بالإسلام. مثلاً: رجل ظاهره الالتزام بالإسلام، لكن عنده تصرفات سيئة، فيأتي هؤلاء الناس الذين لا يريدون أن يلتزموا بالدين وأحكامه، فيقول لك وأنت تناقشه وتجادله بالتي هي أحسن: كيف تريدني أن ألتزم؟ انظر إلى حال فلان الفلاني! طويل اللحية.. قصير الثياب، لكن انظر كيف يأخذ سيارة العمل وسيارته الخاصة إلى الورشة، ويقول لصاحب الورشة: فك كفرات سيارة العمل وغيرها لسيارتي، لأن كفرات سيارة العمل جديدة.

    أو رجل ظاهره الالتزام، يعمل بالتجارة في العقارات، فيأتي رجل ليشتري منه، فيلاحظ أنه يتعامل بالربا أو يغش، أو يدلس ويكذب.. إلخ.

    أو مثلاً على أقل الأحوال: أحياناً يرى إنساناً أنه ملتزم؛ ولكنه لا يحافظ على نظافته الشخصية.

    فيقول: انظر -يا أخي- الالتزام كيف هو وسخ، هذا الذي تريدني أصبح مثلهم؟

    انظر كيف شكل فلان؟!

    هذا الرجل كلامه بعيد تماماً عن الحجة، ولا يُعتبر حجة أبداً، لأنه يحتج الآن بإنسان غير ملتزم، لأنه للأسف كثيرٌ من الناس المجادلين عندما تتناقش معهم، يفتري على أناس من عباد الله الصالحين، ويقول: يفعل كذا ويفعل كذا، وتريد أن أكون مثله، وعندما تتحقق من الموضوع تجد أن ذلك الشخص الملتزم لا يفعل أياً من هذه الأمور، وأنما اختلق قصة لذلك الرجل وألصقها به، وضخم الأمر، أو أن لها أصلاً، فرآه مرة في حالة لا تعجبه، أو لا ترضيه، فعمم عليه وعلى غيره، فأولاً قد يكون افتراءً، ولو كان صحيحاً؛ فإن هذا الشخص الذي يحتج به ليس ملتزماً، فلا يكون هذا حجة أبداً.

    فنقول له: أنا لا أريد أن تكون مثل فلان، أنا أريدك أن تقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم، دع فلاناً وفلاناً، أنت قال الله لك: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21] أنا أخطئ وغيري يخطئ، لذلك أرسل الله لنا قدوة من البشر كاملاً في صفاته وخصاله لكي نقتدي به، وهذا رحمة من الله لهذه الأمة، أن أرسل إلينا رسولاً قدوةً، فلا نحتاج لأن نقول: انظر يا فلان! لا تنظر إلى فلان، لكن نقول لأي أحد: اقتدِ بالشيخ الفلاني.. اقتدِ بالرجل الفلاني، لكي تقرب له واقع القدوة، وتنتقي له قدوة يعايشها ويراها، لكن ما هي القدوة الأساسية التي نرتبط بها؟

    إنه الرسول صلى الله عليه وسلم.

    ثم يقول لك: يا أخي! انظر فلاناً هذا حج ولكنه يشرب الخمر، فتقول له: ماذا تريد؟

    أي: نترك الحج لأن فلاناً يحج ويسكر.

    يقول لك: هذا فلان الملتحي يفعل كذا وكذا من الغش والتزوير!

    تقول له: نترك اللحية سنة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن فلاناً يزور، ما علاقة التزوير بهذا الحكم الإسلامي؟! حكم اللحية ما علاقته بالموضوع؟!

    فهذا الربط والتلازم الذي يزعمه كثيرٌ من الناس في نقاشاتهم، لا حقيقة له؛ ولكنه يريد أن يجادل ويماري -بالأحرى- حتى يخرج من المأزق الذي يحس أنه قد تورط فيه عندما تقام عليه الحجة، ويشعر بأنه مخطئ، ألم يقل الله تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164].

    ألم يقل الله عز وجل: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [الإسراء:13] كل إنسان محاسب على عمله، وأنت لماذا تنتظر خطأه، خطأه سيحاسبه الله عز وجل عليه، ولماذا تحتج بخطئه على الإسلام؟ ولماذا تجعل الإسلام هو هذا الشخص؟ فما إن وقع هذا الشخص في خلل؛ فأنا لا أريد أن ألتزم بالإسلام.. ما علاقة هذا الرجل بالإسلام الذي أنت المفترض أنك تتبع وتلتزم به، فلماذا تحتج به؟!

    أيها الإخوة! الناس ليسوا حجة على الشريعة، ولكن الشريعة هي الحجة على الناس، ومثل هذا بالنسبة لأخواتنا النساء، فلا شك أنهن يسمعن كثيراً من بنات جنسهن، يقلن: أنا لا أريد أن أتحجب؛ لأن فلانة المتحجبة تفعل أشياء ومصائب من تحت الحجاب.. من خلف الحجاب! أي: كون فلانة ترتكب هذه المنكرات وهي متحجبة أن نترك الحجاب لأجل أنها ترتكب المعاصي، ما علاقة المعصية بالحجاب؟ هل المعصية هي الحجة على شريعة الله في أمر المرأة بالحجاب؟ ولأن هذه المرأة كان فيها نقص ولو أنها متحجبة أخطأت أو عصت أصبحت معصيتها حجة على الشريعة الإسلامية بأمر الحجاب، فانظر كيف يصرفون ويفكرون: وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [الكهف:56] وأي أحد من أهل الباطل إذا تفكرت في كلامه لا تجد عنده مستنداً شرعياً مطلقاً.

    شبهة: تكرار الوقوع في المعصية مع التوبة

    كذلك أيها الإخوة! بعضهم يقول: أنا إنسان يتكرر مني وقوع المعصية، مثلاً: أشرب الخمر ثم أتوب وأبتعد عن شربه، ثم أشربه مرة ثانية، وأترك الشرب ثم أشربه مرة ثالثة..

    أنا رجل التحيت فترة من الزمن، ثم حلقت لحيتي، ثم تركتها، ثم حلقتها، ثم تركتها، ثم حلقتها...

    أنا امرأة تحجبت ثم تركت الحجاب، ثم تحجبت ثم تركت الحجاب، ثم تحجبت... فيأتيه الشيطان يقول له: جعلت الدين لعبة!! لا. أول شيء أن تكون على ما أنت عليه من المعصية، وبعد ذلك إذا تأكدت أنك قد وصلت إلى مستوى أنك إذا التزمت بهذا الحكم لا تتركه؛ فبعد ذلك التزم بالإسلام حتى لا يصبح الدين لعبة.

    وكذلك يقول بعضهم: إنسان التزم بالإسلام فترة من الزمن، ثم انتكس وارتد على عقيبيه، ثم خالف أوامر الله عز وجل، فيقول في نفسه: بدل ما أرتقي ثم أهبط من هذا المستوى، فأجلس في الوسط لأني أخاف أن أتردى بعد ذلك إلى أسفل سافلين، دعني على قليل من المعاصي التي عندي وقليل من الطاعات، فهذه بركة وكفاية! فهذا الرجل الذي يقول: أنا أتأكد من نفسي أولاً ثم ألتزم. لا بد أن نعلم أننا نحن البشر مخطئون، وأن من طبيعتنا أن نخطئ، والله خلقنا وفينا قابلية للخطأ والمعصية:

    وما سمي الإنسان إلا لنسيه          ولا القلب إلا لأنه يتقلبُ

    نحن ننسى ونخطئ ونذنب، ولما علم الله هذا الطبع في نفوسنا أخبر على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بالحديث الصحيح الذي يقول فيه عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده! لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقومٍ يذنبون، فيستغفرون الله تعالى؛ فيغفر لهم) رواه مسلم، وهذا حديث جميل جداً ويريح النفس كثيراً.

    الله عز وجل لم يخلقنا إلا وهو يعلم بأننا نذنب ونخطئ، ولكن الخطأ الحقيقي هو الاستمرار على الذنب وعدم التوبة والرجوع إلى الله عز وجل، ولذلك فتح الله باباً بين المشرق والمغرب لا يُغلق إلا عند قيام الساعة.. لا يُغلق إلا عند طلوع الشمس من مغربها، هذا الباب هو باب التوبة.

    فعندما يأتي إنسان، ويقول: أنا أذنب وأتوب، وأذنب وأتوب، فأنا أريد أن أبقى على هذا الذنب؛ لأني لا أريد أن أجعل الدين لعبة، فنقول له: يا أخي! لقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المتفق عليه فيما يحكي عن ربه تبارك وتعالى قال: (أذنب عبدٌ ذنباً، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، وقال الله تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب! اغفر لي ذنبي، فقال الله تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب مرة ثالثة، فقال: أي رب! اغفر لي ذنبي، فقال الله تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي فليفعل ما يشاء).

    إذاً: هل لك بعد أن سمعت هذا الحديث أن تقول: أنا لا أريد أن أجعل من الدين لعبة، ألتزم ثم أنتكس، ثم ألتزم ثم أنتكس، فإذاً أنا أريد أن أكون منتكساً.. هكذا حتى يأذن الله، وحتى أتمكن نفسياً، وحتى أقوى وحتى وحتى ... لقد فتح الله باب التوبة؛ لكي يرجع العاصي، ويئوب هذا المفسد الذي حصل منه الخطأ.

    أيها الإخوة! وقوع الذنب منا ليس مسالةً مستغربة، وإنما هو حقيقة من حقائق البشر، لكن يجب أن ننتبه إلى أن باب الذنب مفتوح على مصراعيه، كل إنسان يذنب ويستغفر، ويذنب ويستغفر، ويذنب ويستغفر، هذا فعلاً يكون لعبة، لكن في الحديث أمرٌ لا بد من الانتباه إليه، يقول الله عز وجل في الحديث: (قال الله تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً، فعلم أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب).

    الناس لا ينتبهون لمعنى كلمة (ويأخذ بالذنب) أي: يعاقب عليه، فهذا العبد المؤمن في هذا الحديث يفقه أن الله غفورٌ رحيم، كما يفقه أن الله شديد العقاب، وهذه هي الحقيقة المهمة.

    وأيضاً من عقيدة أهل السنة والجماعة أنه لا تلازم في التوبة بين الماضي والمستقبل، أي: لو أن إنساناً أذنب ثم تاب إلى الله عز وجل توبة صحيحة، ثم أغواه الشيطان والنفس الأمارة بالسوء ووقع في الذنب مرة ثانية، هذا لا يعني أن توبته الماضية فاسدة، وأن الذنب الأول ما زال مكتوباً عليه حتى الآن، لا. الذنب الأول قد مسح بالتوبة الأولى الصحيحة بشروطها، ولاحظ شروط التوبة عند السلف، وهي:

    1- الإقلاع عن الذنب.

    2- الندم على ما فات.

    3- العزم على عدم العودة إليه.

    لم يقولوا في التعريف: وعدم العودة إليه، وإنما قالوا: والعزم على عدم العودة. أي: العودة شيء، والعزم على عدم العودة شيءٌ آخر، فإذا أذنبت وتبت توبةً صحيحة، ليس توبة المستهزئ واللاعب؛ فإن الله يغفر لك ذنبك حتى لو عدت إلى الذنب مرة أخرى.

    إذاً: لا تلازم بين الماضي والمستقبل في قضية التوبة إذا كانت صحيحة، ليس أن يذنب الإنسان وبعد ذلك يستغفر استغفار اللاهي من أجل أن يعود بعد قليل، وهو يعرف أنه بعد قليل سيجعل هذا الاستغفار من باب إكمال الإجراءات.

    كذلك نقول لهذا الإنسان: هب أنك ستذنب وتتوب، وتذنب وتتوب، أليس من الأفضل لك أن تصبح (50%) من أفعالك صالحة و(50%) غير صالحة بدلاً من أن تصبح كلها غير صالحة وشقية.

    أي: يقول هذا: ما دام أني أذنب وأستغفر، وأذنب وأستغفر، إذاً لا أريد أن ألتزم نهائياً، نقول له: أنت الآن إذا لم تلتزم نهائياً وقعت في مصيبة أعظم من الأولى، على الأقل أن نصف عملك صالح ونصفه فاسد، لكن الآن أصبح كله فاسداً؛ لأنك لست ملتزماً نهائياً.

    إذاً الكلام الشائع بين العوام: الذنب بعد توبة أشد من سبعين ذنباً، كلام غير صحيح.

    ثم إنه أيها الإخوة! هناك مسألة مهمة وهي: أننا لا نطلب من الناس أن يلتزموا من أجل إرضاء الملتزمين، وحتى لا يتكلم عليهم الملتزمون، وإنما نطلب منهم أن يلتزموا لأجل الله عز وجل، فأنت -يا أخي- المذنب المقصر لم يضرك الناس لو قالوا عنك: أنت تبت ورجعت، وتبت ورجعت، أنت لعّاب، ما عليك منهم، ما دام أنك إنسان صادق في توبتك لله عز وجل ما عليك منهم، دعهم يقولون ما يقولون، أنت لم تلتزم من أجل ألا يتكلم عليك، لا الطيب ولا التعبان، أنت التزمت لله عز وجل، وقمت بهذا العمل لله عز وجل.

    شبهة: الاضطهاد الذي يراه على الملتزمين

    من العوائق أيضاً: إنسان يشاهد رجلاً ملتزماً قد عظ على الدين بالنواجذ، فسبب هذا اضطهاد من حوله له، فيقول في نفسه: أف! كل هذه الاضطهادات والاستهزاءات والسخريات، فما دام أن المسألة كذا فأنا ليس عندي استعداد أن ألتزم؛ لأنه يرى أحد الملتزمين الآخرين بالدين يُسخر منه، ويُؤذى في الله عز وجل، فيقول في نفسه: أنا إذا التزمت سيحصل لي مثل هذا، أنا لا أستطيع أن أثبت، فإن قلت له: كيف يثبت فلان هذا؟

    يقول لك: هذا فلان شخصيته قوية، وأنا والله لا أظلم نفسي، فنقول له: لماذا تفترض أنك لن تستطيع أن تثبت؟

    انظر إلى الخطأ الشنيع عندما يقيس الناس أحوال الملتزمين بما يفهمونه هم وهم خارج الالتزام.

    أي: أن الإنسان عندما يلتزم؛ يُعطيه الله عز وجل قوة ويُثبته، وتصير عنده شحنة إضافية من الصبر على الأذى لم تكن عنده قبل الالتزام، وهذه مسألة لا يفقهها غير الملتزم بالدين.

    تجد الملتزم يقول في نفسه: سأضطهد، وأنا ليس عندي استعداد أن أصبر، وأنا ضعيف الشخصية، لماذا يتصور هذا وهو يعيش خارج الالتزام؟ وما يدريك -يا أخي- عندما تلتزم بأحكام الدين أن الله يثبتك ويؤيدك بقوةٍ وتأييدٍ من عنده، فتصبر أضعاف مضاعفة على البلاء وهذا هو الذي يحصل: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا [غافر:51]، وقال تعالى: وَاللَّهُ مَعَكُمْ [محمد:35].

    الله مع المؤمنين.. مع المتقين.. ولي الذين آمنوا.. الله لا يتخلى عن أوليائه، قال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38].

    ثق يا أخي أنك إذا التزمت بالدين رغم كل الاضطهادات التي ستلقاها، فإن الله لن ينساك، وسيثبتك ويؤيدك، وستصبح شخصيتك قوية أمام المستهزئين، وأمام الذين يؤذونك، فتثبت إن شاء الله تعالى.

    بعض الناس يريد التزاماً من غير أذى، فإذا حصل شيء في الالتزام سيؤذيه تركه، فيكون مثل الذي يعبد الله على حرف: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ [الحج:11].

    هنا قاعدة من المفيد أن تُذكر وهي مذكورة في بعض كتب السلف -ربما في كتاب الورع لـأحمد بن حنبل رحمه الله ورضي عنه وأرضاه- تقول القاعدة: "على الإنسان -أي: المسلم- ألا يُعرض نفسه لبلاءٍ لا يطيقه"، ليس ألا يعرض نفسه للبلاء، لا. فهو لا بد أن يتعرض للبلاء؛ لأن سنة الله جرت بأن من يتمسك بالدين يحصل له الأذى والاضطهاد، لكن على الإنسان ألَّا يعرض نفسه لبلاءٍ لا يطيقه؛ فيجعله يرتد على عقبيه.

    مثلاً: رجل متفلت، وبعيد عن طريق الله عز وجل، وعن منهج الله، فهداه الله تعالى ودخل الإيمان في قلبه، فتمسك بأحكام الدين، وهو -مثلاً- شابٌ يعيش في أسرة، ومن أحكام الدين وشرائعه: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتغييره باليد، ثم باللسان، ثم بالقلب، حسب الاستطاعة، إذا كان هذا الشخص حديث عهد بالالتزام، ولا يضمن أنه إذا قام على أهله في البيت وغيّّر المنكرات التي عندهم أنهم سيقومون عليه قومةً تفتنه عن دينه، وترجعه إلى ما كان عليه في الماضي؛ فعند ذلك لا يقوم هذه القومة، وإنما يؤجلها إلى حين، أو يتدرج بها بالحكمة والموعظة الحسنة.

    مثلاً: رجل هداه الله عز وجل، فليس من المصلحة أن يأتي ويكسر التلفزيون, وبعد ذلك يأتي أبوه ويطرده من البيت، ويقطع عنه المصاريف ويقطع عنه.. ويقطع عنه.. ويجلس هذا الرجل من غير مأوى ولا مال، ثم تصبح عنده ضغوط بسبب أنه لا يمتلك المال، فماذا يفعل؟

    يعود إلى البيت كئيباً ذليلاً صاغراً، وقد رجع إلى ما يريده أبوه.

    إذاً: على الإنسان ألا يُعرض نفسه لبلاء لا يطيقه، إذا قدَّرت أن هذه العملية التي ستفعلها ستعرضك لبلاء لا تطيقه، وقد تفتنك عن دينك، وقد ترجع وتنكس على عقبيك فلا تفعلها، بل تدرج تدرجاً مناسباً.

    بعض الناس يعتقد أن الالتزام وسوسة!! ويقول عن الملتزم: إنه موسوس، مثلاً: الإنسان المسلم الملتزم الأصل أن يكثر من ذكر الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً [الأحزاب:41-42] فيأتي إنسان من هؤلاء المتشردين البعيدين عن منهج الله ويرى إنساناً ملتزماً يمشي في الطريق وهو يحرك شفتيه بدعاء الذهاب إلى المسجد.. دعاء السوق وهذا المتفلت لا يعرف مثلاً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ولا يعرف أن السوق له ذكر، ولا يعرف أن الذهاب إلى المسجد له ذكر؛ فيقول عن هذا الإنسان الذي يحرك شفتيه ويتمتم: موسوس! يقول: الله المستعان! إذا كان هذه هي حالتهم فهذه مشكلة، ثم يتكلم في المجالس بما يرى، يقول: أنا يا جماعة رأيت فلاناً يمشي، ويفعل كذا وكذا، وكأنه راكبه جني يكلم نفسه في الطريق، ما معه أحد.

    وهذا كله بسبب الجهل، وإلا فالمفترض أن الإنسان المسلم عليه أن يَذكر الله تعالى في كل أحيانه؛ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر ربه عز وجل.

    شبهة: حب الملتزمين مع الرضا بالواقع المعاش

    من العوائق التي توجد عند بعض الناس: أنهم يرضون بالواقع السيئ الذي يعيشون فيه، لكنهم يمتدحون الملتزمين بالدين، فإذا رأى مثلاً الناس ملتزمين يقول: جزاكم الله خيراً، وكثّر الله من أمثالكم، يُغدق عليهم ألفاظاً ولا يعاديهم.

    لكن يعتقد أن الالتزام فرض كفاية، وأن الدعوة إلى الله فرض كفاية، والحمد لله فهؤلاء الناس قد كفونا العملية، فجزاهم الله خيراً، وكثَّر الله من أمثالهم، فهم لم يقصروا، ونحن دعنا في حالنا الذي نحن عليه، وتمشي الأمور.

    الواقع أن هؤلاء الناس يظنون أنهم من أهون المتفلتين شراً، وإذا كان قد كف عن غيره، فهذا لا يعني أنه قد كف شره عن نفسه؛ لأن النفس أمارة بالسوء، والله عز وجل عندما أهلك قريةً من القرى قال: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ [الأعراف:165].

    هذا يعني أن الله ينجي الذين ينهون عن السوء؛ لكن هذا المتفلت الذي رضي بواقعه إذا نزل العذاب؛ فإنه لن ينجو، لأن الله عز وجل لا ينجي إلا الذين ينهون عن السوء، وكذلك حديث السفينة -الذي تعرفونه- فكان فيها طابقين، أناس تحت وأناس فوق، فكان الذين في الأسفل إذا أرادوا أن يشربوا الماء مروا على من فوقهم وأخذوا من فوق، فقالوا: بدل أن نؤذي من فوقنا، لو خرقنا نحن في جانبنا خرقاً ونأخذ الماء مباشرة، ولا داعي أن نؤذي الناس الذين فوقنا (فإذا أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً، وإن تركوهم هلكوا وهلكوا جميعاً ) فهذا لا يعني أن المجتمع يجب أن يكون فيه قسمين:

    1- قسم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

    2- وقسم يسير حسب سير المجتمع.

    وهنا نقطة مهمة: وهي أن أكثر أصحاب هذا القول هم من كبار السن في العادة، فهنا قد يسأل الإنسان: لماذا يكون الالتزام في الشباب أسرع وأفضل من الالتزام عند كبار السن؟

    الجواب: أن الشباب بطبيعتهم عندهم روح التجديد والتجدد والسرعة في التَغَيُر والتَغْيِير، وتقبل الأفكار أكثر من كبار السن، لأن الكبير في السن قد مشى على حالة معينة، ونمط معين، واستمر عليه، فمن الصعب جداً أن نغير فكره، أما هذا الشاب الناشئ، فمن السهل أن يقبل الأفكار، ويؤمن بها، ويغير ويتغير ويدعو إليها.. وهكذا.

    ولذلك كان أكثر المستجيبين لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم شباباً، فكان أكبر رجل منهم في مكة ، تقريباً عمره تسعة وثلاثين سنة تقريباً وهو أبو بكر الصديق.

    بعض الناس يقول: الالتزام كلمة كبيرة، فيأتي مثلاً على قضية اللحية، ويقول: أنا عندي منكرات، وعندي مصائب، وعندي... فأنا عندما أترك هذه الأشياء أربي اللحية؛ لأني لا أحب أن أضع شيئاً ليس على مستواي، وإذا وضعت اللحية يمكن أصد عن سبيل الله، ويمكن أن يرى واقعي ويختلف مظهري، فيكون هذا من باب صرفهم عن الحق وصدهم عنه، هذا كلامٌ نسمعه من الكثيرين، هنا نتساءل: لو قال الناس كلهم هذه الكلمة، أنا ليس عندي استعداد، ولست على مستوى هذه المسألة، ماذا يحدث؟

    سؤال آخر: هذا الرجل قد يؤدي الصلاة، نقول له: هل حق الصلاة في الإسلام أكبر أم حق اللحية؟ والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر أكثر أم اللحية؟

    إذاً فالمفروض على كلامك أنك لا تصلي؛ لأنك لست على مستوى الصلاة!

    انظر كيف أن الشيطان يمكن أن يتدرج مع هذا الإنسان الظالم لنفسه، فيجعله يتفلت من عرى الإسلام عروة عروة.. وهكذا، ثم نقول له: أما قولك بأنك إذا ربيت اللحية، وفعلت بعض الآثام سوف تصد الناس عن دين الله، فهذا غير صحيح، لأنك عندما أطلقت لحيتك والتزمت بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، هل أطلقتها من أجل أن تغرر بالناس أم من أجل امتثال الشرع؟

    نعم! من أجل الامتثال بالشرع، فأنت هذه نيتك، فستأجر على هذه النية.

    وكذلك نقول أيها الأخوة: هذه قضايا يظن كثير من الناس أنها قضايا شكلية وهامشية، وقشور، وليست من الأمور المهمة في الدين!

    وهذا كلام خاطئ، ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم ، عقد فصلاً جيداً ومهماً عن موضوع أثر الظاهر على الباطن، وقال في معرض كلامه: إن الإنسان إذا تلبس بشيء في ظاهره لا بد أن يؤثر على تصرفاته.. كيف؟

    نضرب مثالاً: الآن نفترض رجلاً لبس لباس العسكرية -لباس الشرطي- كيف تكون تصرفاته وهو يمشي ويقعد، أي: يكون شديداً، ويمشي بشدة وقوة، وعنده حزم ولا يلعب؛ لأنه وهو يلبس ملابس العسكرية يتخيل نفسه عسكرياً، لا بد أن يكون على مستوى هذا اللباس، فيتحمس أن تكون في نفسه صفات تطابق الظاهر الذي هو عليه.

    لذلك نجد كثيراً من الذين يدخلون في السلك العسكري تتغير شخصياتهم، أي: قد يكون فيه نوع من اللعب والفوضى؛ فإذا به يتحسن في هذا الجانب، يصبح عنده جدية أكثر.

    إذاً: الذي يتشبه بأهل الصلاح ويتصف بصفاتهم -مثلاً- فيعفي لحيته، ويجعل ثوبه على السنة؛ هذا الرجل اتخذ هذه الصفات على ظاهره، فلا بد أن يؤثر على باطنه، ويكفيه فخراً أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من تشبه بقومٍ فهو منهم) فعندما يتشبه بسيماء أهل الصلاح وصفاتهم، ويعفي هذه السنة من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم ويلتزم غيرها من السنن والآداب والمظاهر الإسلامية، فإن هذا يؤثر على قلبه وباطنه.

    وبعض الناس عندما تدعوه إلى الالتزام يقول: أنا مستعد أن ألتزم ولكن ليس الآن! أي: على فترات، سوف أعمل خطة خمسية وألتزم عليها، بناءً على هذه السنة القادمة لا أسمع الأغاني، والتي بعدها لا أنظر إلى المرأة الأجنبية، والتي بعدها لا أشاهد تمثيليات، والتي بعدها.. وهكذا، إلى أن أصل إلى الالتزام، وفي الأخير لا أدري هل يصل بعد الموت أو قبل الموت أو لا يصل نهائياً.

    مسألة أني ألتزم على مراحل، أو ألتزم شيئاً فشيئاً وسوف أؤجل الالتزام بعد فترة من الزمن.. كل هذا من نزغات الشيطان ومداخله، وذلك لأمور: أولاً: ما يدريك أنك ستعيش إلى الوقت الذي ستصبح فيه ملتزماً؟ هل تضمن نفسك؟

    ثانياً: هل تضمن أن تهدي نفسك بنفسك؟ أي: أنت حكمت بأنك بعد فترة خمس سنوات ستهتدي، هل فعلاً بعد خمس سنوات سوف تهتدي؟ أو ربما أن الله عز وجل يكتب عليك ألا تهتدي، فهل هداية نفسك بيدك، أنت يجب عليك أن تسلك السبيل المستقيم، فيهديك الله عز وجل بهذه الصفات، وبهذه الأعمال الصالحة.

    ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (بادروا بالأعمال الصالحة) بادر الآن لأنك لا تعلم متى تموت! حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا [المؤمنون:99-100] هذا لن يحصل.

    ولذلك قال العلماء في قول الله عز وجل: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ [الحديد:13-14] هؤلاء المنافقون الكفرة ينادون المؤمنين: ألم نكن معكم؟

    أعطونا من النور الذي معكم؟

    فيقول لهم المؤمنون: بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ [الحديد:14] بالشهوات والمعاصي واللذات وَتَرَبَّصْتُمْ [الحديد:14]، فقال المفسرون: وَتَرَبَّصْتُمْ [الحديد:14] أي: الانتظار.

    ولذلك جاء في آياتٍ عدة: تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ [البقرة:226] تربص أربعة أشهر أي:التأخير أربعة أشهر، وتربصتم أي: أخرتم التوبة، قال بعض السلف: أخرتم التوبة من وقتٍ إلى آخر، وأنتم جالسون تسوفون وتأخرون التوبة: وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا [الجاثية:35].. وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [الحديد:14].

    ولذلك يقول ابن القيم رحمه الله: "كلما جاء طارق الخير صرفه بواب لعل وعسى".

    وهناك مثل جميل يضربه ابن القيم لهؤلاء الناس يقول: الذي يترك الشبهات والشهوات تسري في جسمه ويقول: أنا سأؤخر التوبة، هذا مثله مثل رجلٍ نبتت في داره شجرة مؤذية، وهو شاب قوي، والشجرة صغيرة، فكلما جاء يقطعها، قال: سوف أقطع في القريب، ويؤخر القطع إلى بعد ذلك، حتى مضت فترةٌ طويلة جداً، كبرت فيها الشجرة واشتدت وصارت قوية، وجذورها عميقة، وقد صار شيخاً كبيراً عاجزاً، فلما أتى ليقطعها إذا قواه تخور وتنهار، فالعملية عكسية، فكلما زادت الشهوات والشبهات بالنفس كلما ضعفت قوة التغيير إلى الصلاح.. وهكذا، فعلى الإنسان أن يبادر بالتوبة والتغيير والالتزام ولا يقول: سوف التزم بعد فترة ... ومن الذي يضمن لك أن تعيش حتى تأتي تلك الفترة.

    هذه مقولة يقولها البعض: أنا لست شريراً إلى تلك الدرجة أني من جماعة كذا، أي: أنا إنسان طيب، ونيتي صادقة، والله يفرض عليّ أن أكون مطوعاً و.. و.. الخ.

    أي: أنا إنسان طيب، ونيتي طيبة، لماذا تقول لي: التزم بهذه وهذه وهذه، أي: أنا لست شريراً إلى هذه الدرجة، فهذا الإنسان يجهل قضية العبادة، ويجهل: إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162] يجهل أن يكون كل شيء لله، يعتقد أن هناك شيء لله، وشيء لنفسه، شيء للشهوات، ولإرضاء حظوظ النفس.

    1.   

    عوائق ضغط المجتمع على الفرد

    كنا قد تكلمنا فيما سبق عن بعض العوائق التي تواجه الناس الذين يريدون أن يلتزموا بأحكام الإسلام وشرائع الدين، ويريدون أن يختاروا لأنفسهم طريقاً صحيحاً يكون على منهاج الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء السائرون تواجههم مصاعب عديدة، وتحديات كبيرة تحتاج إلى صبر وعلم، وتحتاج إلى أخوة في الله، وإلى أسلحة كثيرة جداً؛ لكي يصمد الإنسان أمام هذه التحديات، ويجتاز هذه العقبات، ويتغلب على تلك المصاعب التي تحيط به في ذلك الطريق المحفوف بالمخاطر، الذي سار فيه الأنبياء من قبل والتابعون لهم بإحسانٍ.

    ولعله من أكبر العوائق التي تواجه الذين يحاولون الالتزام بالإسلام، ويلتزمون به: هو ضغط المجتمع الذي يعيشون فيه، فإنه ما من شكٍ أن مجتمعات المسلمين اليوم أصبحت مجتمعاتٍ بعيدة جداً عن الإسلام وعن تعليمات الدين.

    ولذلك أصبح المجتمع الذي نعيش فيه كله مجموعة من العوائق، فأنت ترى الزوج أحياناً قد يكون عائقاً أمام زوجته التي تريد أن تلتزم بالإسلام، والزوجة قد تكون عائقاً أمام زوجها الذي يريد أن يتمسك بأحكام الدين، والأولاد قد يكونون عوائق أمام الأب والأم، والأسرة بأجمعها قد تكون عائقاً أمام شاب فيها يريد أن يتمسك بالإسلام، والحي والمدرسة والشارع والسوق والمجتمع بأسره قد يكون عائقاً كبيراً من العوائق التي تواجه اليوم الذين يريدون أن يتمسكوا بأحكام الدين، ويلتزموا بشرائع الله عز وجل.

    الزوجة عائق أمام الزوج

    أيها الإخوة! هناك رجلٌ قذف الله الإيمان في قلبه، وهو متزوج، فعندما يريد أن يلتزم ويطبق أحكام الله عز وجل، فإن من أوليات التطبيق أن يطبق أحكام الله في بيته، فإذا أراد أن يطبق أحكام الله في البيت ويجعل هذا البيت ملتزماً بالإسلام، ويُخرج آلات اللهو والمنكرات من البيت، سوف يكون أول الواقفين أمامه زوجته، هذه التي لم يُقدر الله لها أن تلتزم بأحكام الإسلام، وأن يدخل الإيمان في قلبها.

    وهنا يحصل التصادم بين الزوج وزوجته، فهي تريد أن تخرج متبرجة إلى السوق، وربما تخرج مع السائق، أو تخرج إلى تلك الحفلات والمجتمعات الساهرة الغارقة في الملهيات وفي كل ما يغضب الله عز وجل، وهو يريد أن يمنع زوجته من هذا الخروج المحرم.

    وهي تريد أن تستمع إلى الأغاني وتشاهد الأشياء المحرمة، وهو يريد أن يمنع وقوع هذا الشيء.

    وهي تريد أن تربي الأولاد على أشياء لا ترضي الله عز وجل، وهو يريد أن يمنع هذه الآثار السلبية ويحول دون هذه التربية السيئة التي تخرج الولد ولداً عاصياً، فيحصل التصادم وتحصل المشاكل، فإذا كان الرجل صاحب شخصية ضعيفة، ولم يكن الإيمان متمكناً في قلبه؛ فإن زوجته سترغمه على أن يسير في طريقها، وإن لم ترغمه على الرجوع إلى الواقع السيئ الذي كان يعيش فيه، فإنها على الأقل ستضطره إلى أن يكف عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    وهذا لعمر الله وحده من الأدواء الخطيرة، ومن العوائق، أو من سبل الشيطان، وهو فخ عظيم من فخاخ الشيطان يقع فيه الزوج؛ إذا سكت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله يقول: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه:132].. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] والطريق والعلاج هو قول الله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحسنة [النحل:125] وهذه المسألة التفصيل فيها طويل، وهذا يعني أن نتكلم عن طريقة الدعوة، وهذا الكلام له مجالٌ آخر.

    الزوج عائق أمام الزوجة

    هناك زوجةٌ قذف الله الإيمان في قلبها، ودخل نور الهدى ونور القرآن إلى قلب هذه المؤمنة، فهي تريد أن تتمسك بشعائر الله وشرائعه.

    فتاة آمنت بالله عز وجل، وتأثرت بفتياتٍ مؤمناتٍ صاحبتهن وصحبنها فأثرن فيها، فسلكت سبيل الالتزام بشرع الله عز وجل، فتريد أن تلتزم بالحجاب كاملاً، وتريد أن تمتنع من مصافحة أقارب زوجها، ومن الاختلاط بهم، والجلوس معهم، وتقديم الضيافة لهم، وهو إذا كان عاصياً لله فاسقاً ديوثاً يُقر الخبث في أهله يُريد منها أن تخرج إلى الضيوف، وأن تقدم إليهم الضيافة، وأن تجلس معهم، وأن تصافحهم، ويمنعها من الحجاب، ويمنعها من الذهاب إلى الفتيات المسلمات التي تتأثر بهن، أو اللاتي هن مشكاة نور ومصباح هداية.. هداية الدلالة والإرشاد التي تتأثر بها، ومنها هذه الفتاة.

    فهو يحجبها ويمنعها من مخالطة الرفيقات الصالحات، فتصطدم معه، وستتعارض الرغبات، ولا يمكن التوفيق، فهي تريد أن تربي ولدها الصغير؛ لكي ينشأ شاباً في طاعة الله، وهو يريد من هذا الولد أن يكون معه في الشر، وأن يعلمه ويقتبس منه جميع أنواع الشرور والمعاصي، هو يريد أن يربي ولده على الخنوع والذل والأغاني والمنكرات والترف والميوعة بسائر أنواعها.

    هنا أيها الإخوة! يحدث التضارب، ويحدث الصدام الذي لا بد منه بين كل حقٍ وباطل، والطريق هو: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [آل عمران:101].. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200] لا بد لهذه المرأة من الصبر على هذه اللأواء والشدة والضنك التي تواجهها من زوجها، ولن نفصل كما ذكرت آنفاً في طريقة المواجهة والعلاج؛ لأن هذا هو شرحٌ لمعنى الدعوة وكيفية مواجهة المصاعب، ولكن هذه الحقائق من الأشياء التي تحدث في البيوت، وتتكرر دائماً.

    الأولاد عائق أمام الأب

    إذا نظرت إلى الأولاد فإنهم يجرون الأب والأم إلى كل شيءٍ فيه إسرافٌ أو معصية لله عز وجل، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال في الحديث الصحيح: (الولد مجبنة مبخلة محزنة) فإنك إذا جئت لكي تجاهد في سبيل الله وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؛ تذكرت ولدك وقلت في نفسك: أين يضيع هذا الولد؟ وأين يذهب؟ فإذا قمت بدوري في الجهاد في سبيل الله، وقمت صادعاً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيثبطك هذا الولد عن هذا الدور؛ فتكون جباناً أمام هذه الشهوة وهذه الزينة من زينة الحياة الدنيا.

    وإذا جئت لتنفق في سبيل الله، وتخرج من جيبك هذه الدريهمات التي تتصدق بها في سبيل الله عز وجل؛ نازعتك نفسك، وتذكرت ولدك، وقلت في نفسك: أليس من الأجدر والأحسن أن أبُقي هذا المال من أجل ولدي، وعند ذلك يكون الولد مبخلة كما قال صلى الله عليه وسلم.

    وهو أيضاً محزنة؛ فإذا مرض، أو حصل له شيء؛ فإنه يحزنك ويقع في نفسك هذا الألم وهذا الحزن لما وقع في هذا الولد.

    عائق الأسرة والمجتمع

    إذا جئتم إلى الأسرة بطبيعة تركيبها؛ فإنكم تجدون أغلب الأسر اليوم -إلا من عصم الله عز وجل- قائمة على أمورٍ كثيرة من المنكرات والمعاصي التي لا يرضاها الله عز وجل.

    فإذاً تشعر بأن كل ما يحيط بك هم أعداء لك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [التغابن:14] فقد سماهم الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وإذا نظرت إلى تلك الرفقة السيئة التي تحيط بك في مجتمعك من الأصدقاء والأقارب والإخوان والخلان، فإنك تجد واقعهم أيضاً بعيداً عن الدين كل البعد، وهم يثبطونك في كل حركة، وفي كل مشروعٍ خير تريد فيه أن تربي نفسك على الإسلام، تجدهم يجرونك إلى الواقع السيئ، ويأتونك بالليل والنهار يحاولون أن يثنونك عن الطاعة التي تريد أن تؤديها، إن هذا بحد ذاته تحدٍّ كبير.

    وإذا نظرت إلى السوق والمدرسة والشارع والمجتمع وجدته بأسره يحول بينك وبين الالتزام بالإسلام، هل هذا الشيء غريب؟ وهل هذا الشيء حديث؟ كلا؛ فإن الله قد قال في القرآن: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116] هذه هي الحقيقة التي قررها الله عز وجل في كتابه، وقال سبحانه: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103].

    1.   

    حوار مع من جرفه تيار المجتمع

    أيها الإخوة! هذا المجتمع يشدنا إلى الأثقال وإلى الوحل الدنيوي والطين المادي، الذي يحجبنا عن نور الهدى والتمسك بشعائر الله وشرائعه، وفي هذا المجتمع تسود عاداتٌ وتقاليد بعيدة عن الحق كل البعد.. عادات وتقاليد منافية للإسلام، ومنافية للدين، وأعراف سائدة مخالفة لشرع الله عز وجل، أنت محكومٌ بها ومسيطرٌ عليك بها، ماذا تفعل لمواجهة هذه الأشياء؟

    كثيرٌ من الناس من أصحاب النفوس الضعيفة، تأسن نفوسهم، وتضعف مقاومتهم أمام هذه الأشياء السائدة المخالفة لشرع الله عز وجل، ولذلك فإنهم يسيرون مع التيار، يسبحون معه، وهم إمعات!! كل واحد منهم يقلد تقليد الأعمى، هنا نقف موقف نقاشٍ ومسائلة مع هذا الرجل الذي جرفه تيار المجتمع عموماً من الأشياء التي ذكرناها، ونقول له: أنت إذا رأيت طريق الشر مليئاً بالناس، وطريق الخير ليس فيه إلا القلة، فهل تكون القلة والكثرة هي الميزان والمعيار الذي تقيس به الأمور والذي تسير وراءها، هل القلة والكثرة هي الأشياء المؤثرة في اختيار الطريق الصواب؟

    لا يغرنك كثرة الهالكين، ولا قلة السالكين؛ فإنه يجب عليك -يا أخي المسلم- أن تتبع الحق، كما قال ابن مسعود رحمه الله: [الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك] الجماعة ما وافقت طاعة الله، لا تقل لي: إن أبي يفعل كذا، والأسرة تفعل كذا، والمجتمع يفعل كذا، وهذه هي الأعراف وهذا هو السائد، وهذا هو المتعارف عليه، هل تريدني أن أخالف هؤلاء كلهم؟ أي: إن هذه الحجة لا يقبلها الله عز وجل يوم القيامة، بل إنه سيسألك أنت كفردٍ ولن يسأل المجتمع وَيَأْتِينَا فَرْداً [مريم:80] ويحاسب الإنسان أمام الله عز وجل محاسبة فردية.

    فإذاً: أسألك سؤالاً يتعلق بالدنيا: لو أنك رأيت مشروعاً فدرسته فوجدته خاسراً، مثل: شركة استثمار، فدرست حالها ووضعها؛ فوجدت المشروع خاسراً، ولكن أغلب الناس منكبين على هذه الشركة يشترون أسهمها، ويشاركون فيها، وهي تعطي أرباحاً، ولكن لما درست الأحوال وجدت أن هذه الأرباح مؤقتة، وأن هذه الشركة بعد فترة قصيرة ستذوب وتنهار وتصبح الأمور خسائر في خسائر، هل تسير مع الناس وتشتري أسهم هذه الشركة وتشارك فيها بحجة أن أكثر الناس مشتركون ومشاركون في هذه الشركة!

    إن العاقل سيقول: كلا. إنني لن أقدم على هذا العمل؛ لأن أكثر الناس فعلوا ذلك؛ فإذا كان هذا موقفك -يا أخي المسلم- في تجارة دنيوية، فكيف يكون موقفك وأنت في هذه المسألة العويصة الشائكة الدقيقة العصيبة التي هي من أمور الآخرة والتي ينبني عليها دخولك في الجنة أو النار.

    إذاً ليس بالضرورة أن ما يفعله الناس هو الصحيح، كلا. بل إن أكثر ما يفعله الناس خطأ، ومخالف لشرع الله ومنهجه، فلا تحتج بالكثرة أبداً، ولا يحملنك التعصب للعادات والتقاليد والأعراف السائدة على متابعة هذه الأشياء، بل إنك يجب أن تفكر بروية، تفكر وأنت تواجه هذه المشاكل! كيف التزم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والأخطار تحدق بهم من كل جانب؟

    كيف التزم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإسلام والمغريات من حولهم كثيرة؟

    كيف التزم صحابة رسول صلى الله عليه وسلم والشهوات والشبهات والشرك يحيط بهم من كل جانب؟!

    بل إن ضغط المجتمع على الصحابة في العهد المكي كان ضغطاً قوياً جداً بحيث أنه قد يخرج الإنسان عن دينه.

    كيف صمد صحابة رسول صلى الله عليه وسلم أمام هذا الضغط؟!

    كيف أصبحوا قمماً وقادة؟!

    كيف أصبحوا علماء وأئمة يهتدي بهم من بعدهم بالرغم من هذه الصعوبات والمخاطر والمخاوف والضغوط؟

    إن ذلك المجتمع هو قدوتنا الذي يجب أن نقتدي به، وأن نتابع الحق أينما وجد، وألَّا نخشى في الله لومة لائم.

    كذلك أيها الإخوة! ينبغي أن نتنبه إلى مسألة تتعلق بكون الزوجة عائقاً، أقول:

    الزوج معرض لأن يسير كثيراً في طريق الهدى، فالرجل يستطيع أن يحتك بأجواء كثيرة طيبة، فهو يذهب إلى المسجد، ويستمع إلى خطب الجمعة، وإلى الدروس، ويخالط أناساً كثيرين قد يكون فيهم من أهل الصلاح والتقوى عددٌ لا بأس به، لكن المرأة التي تكون غالباً موجودة في البيت، تكون الأجواء التأثيرية التي تتعرض لها قليلة، لذلك يجب على كل رجلٍ أن يحسب حساباً لهذه القضية، وألا يستعجل من زوجته الثمرة قبل النضوج، ولا يطالبها بمستوى إيماني مثل الذي وصل إليه، والمؤثرات ليست حولها كما صارت حوله.

    بل إنه يجب عليه أن يقوي نقاط الضعف فيها، وأن يحرص على تكثير المؤثرات الإيجابية التي تحيط بها حتى تسلك زوجته نفس الطريق، فالرجل من السهل أن يستمع إلى الخير، أو يجد الخير، لكن المرأة قد تكون عندها صعوبة في هذا الجانب، فلا بد أن يهتم الزوج بهذه النقطة ولا يطالب زوجته أن تصل إلى ذلك المستوى الذي وصل إليه في وقتٍ قصير وهو قد وصل إليه بسبب مؤثرات كثيرة لا تملكها زوجته.

    فيجب عليه يحيطها بأكبر عدد من المؤثرات حتى تلتزم هذه الزوجة، أما بالنسبة للزوجة المسكينة التي ابتليت برجلٍ شرير، فإنه إن كان كافراً مصراً على كفره؛ فإنه يجب عليها أن تفارقه، وأما إن كان رجلاً فاسقاً لابد لها من الصبر على هذا الرجل والمحاولة معه، ومع العلم بأن قوة التأثير في جانب المرأة أقل، إلا أنه لا بد لهذه الأخت المسلمة من بذل الجهد علَّ الله أن يهدي زوجها على يدها، فتكون قد أدت خدمةً عظيمة جليلة لبيتها ولدينها.

    1.   

    عائق الخوف من الالتزام بالإسلام

    وإذا جئتُ معكم إلى عائقٍ آخر من المعوقات الموجودة، فإن هذا العائق هو عائق الخوف، فكثيراً ما يمنع الخوف والرهبة أناساً كثيرين من الالتزام بأحكام الإسلام، فهم يخافون من الالتزام بالإسلام، ويحسبون أن التزامهم بالإسلام سيجر عليهم مشاكل كبيرة لا يستطيعوا أن يتحملوها، ويظنون بأن الذي يلتزم بالإسلام سيعيش في حالة رعب وقلق وخوف دائم؛ فلذلك يحجمون عن الالتزام بأحكام الدين لخوفٍ جاء في نفوسهم.

    الشائعات ودورها في بذر الخوف

    مصادر الخوف كثيرة، منها مثلاً: الشائعات التي تروج في المجتمع بكافة الوسائل المرئية والمسموعة والمكتوبة.. هذا الخوف يؤدي إلى الإحجام عن الالتزام بالإسلام، وكثيرٌ من الأخبار الشائعة التي بين الناس لا أساس لها من الصحة في غالب الأحيان، وفي أحيانٍ أخرى تكون مضخمة جداً، وهي التي تخيف الناس وترعبهم وتمنعهم من الالتزام بالإسلام، لأنهم يظنون بأن الجو الذي سيصبحون فيه جو رعب دائم، ولكن الذي يتذكر قول الله عز وجل فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:81-82] إن الذين لهم الأمن هم كما قال الله عز وجل: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ .

    بل إن الذي يبتعد عن شرع الله عز وجل هو الذي يعيش في رعبٍ وخوفٍ دائم من الشرور والآثام التي يقترفها يومياً.. إنه يخاف لأنه جبانٌ رعديد، فقد جعلت المعصية منه فأراً جباناً لا يستطيع أن يثبت.

    أيها الإخوة! إن الذي يتمسك بشرع الله يثبت الله قدمه في مواقف تزل فيها الأقدام، ويربط الله على قلبه فتجده شديداً قوياً وهو يواجه مشاكل الحياة.

    مثلاً: هناك رجلٌ معرض لأن يفصل من وظيفته، إذا كان مؤمناً بالله وبمن كتب الرزق؛ فإنه لا يخاف مطلقاً؛ لأن الله سيرزقه.

    أما الرجل غير الملتزم بالإسلام ما إن تلوح في وجهه شبح الطرد أو الفصل من وظيفته، إلا وتجده قلقاً في الليل والنهار، لا يستطيع أن ينام، تهزه كل كلمة تأتيه من رئيسه؛ لأنه ليس متمسكاً بالدين ولا بأحكام الإسلام، فمن أين له الجرأة ومن أين له الثبات؟! ومن أين له الطمأنينة التي يقذفها الله في قلوب المؤمنين؟!

    إذا حصل لولده أو له مرض؛ وجدته جزعاً قلقاً مضطرباً، بل إنه قد يموت من رعبه، وتزداد حالته سوءاً؛ بخلاف المتمسك بأحكام الدين الذي يعلم بأن هذا ابتلاء، وأن له فيه الأجر من الله عز وجل.

    كثيرٌ من الناس ماتوا عندما سمعوا بأقارب لهم قد ماتوا، وبعضهم حصل له شلل، وبعضهم حصل له جزعٌ شديد، والسبب هو الخوف، الخوف ليس معنا نحن الملتزمين بأحكام الإسلام، الخوف يؤرق ويقلق كل إنسانٍ بعيد عن منهج الله؛ لأن الله تعالى أنزل هذا الدين موافقاً لفطرة البشر، فالذي يبتعد عن الفطرة وعن أحكام الدين لا بد أن يعيش في قلق وخوف دائم.

    كتب تشوه صورة الملتزمين بالإسلام

    هناك من المصادر أيضاً: الكتب التي يقرؤها بعض الناس، والتي تصور الملتزمين بالإسلام تصويراً سيئاً؛ يُلقي في قلب القارئ لهذه الكتب بأنهم يعيشون في رعبٍ دائم، بسبب التهويلات والتضخيمات الموجودة في طريقة العرض والأسلوب الذي كتبت به هذه الكتب، ولو أن بعض هذه الكتب فيها أشياء كثيرة صحيحة من التعذيب، والأشياء التي تعرض لها كثيرٌ من أولياء الصالحين، إلا أنه لا يجدر بإنسانٍ قد خطت قدماه في الطريق مبكراً أن يقرأ هذه الكتب ولا أن يُرشد إليها؛ لأن الإسلام لم يتمكن بعد من قلبه، فقد تكون هذه الأشياء التي يقرأها مانعاً وحاجزاً له ومسبباً للتراجع.

    لذلك أيها الإخوة! لا بد أن يستشير الإنسان من يثق به عند قراءة أي كتابٍ يريد أن يقرأه، ولا بد أن يأخذ من أهل الخبرة خبراتهم في هذا الموضوع، وليس من الصحيح أن يمد يده إلى أي كتابٍ في رفٍ من رفوف المكتبة وينتزعه ليقرأه، إن هذا قد يكون فيه تثبيط لهذا الرجل، لذلك -يا أخي- انتبه إلى الكتب التي تقرأها.

    دور المرجفين في إثارة الإشاعات والخوف بين الناس

    ومن المصادر الأخرى للخوف: المرجفون الذين يثيرون الإشاعات والبلابل بين الناس، وتثبيطهم عن أحكام الدين، ويقولون في إشاعاتهم: انظر إلى فلان عندما التزم بالإسلام ماذا حل به؟! وفلان ماذا حصل له؟! فيثبطون كثيراً من الملتزمين بالإسلام.

    أيها الإخوة! إذا نظرنا إلى واقع الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة، والخوف الذي تعرضوا له، وقارناه بالخوف الذي نتعرض له نحن، لوجدنا أشياء عجيبة، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأخفت في الله وما يُخاف أحد، ولقد أتت علي ثلاثون ما بين يومٍ وليلة، وما لي وما لـبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيءٌ يواريه إبط بلال).

    الرسول صلى الله عليه وسلم أخيف وأرهب بجميع وسائل الإرهاب والخوف، وليس هناك مثل الخوف الذي تعرض له الرسول صلى الله عليه وسلم أي خوفٍ آخر مطلقاً، لدرجة أنه في وقتٍ من الأوقات لا يجد شيئاً يأكله إلا شيئاً يسيراً يخفى تحت إبط بلال : (وما لي وما لـبلال شيءٌ يأكله ذو كبدٍ -طعامٌ يأكله ذو كبدٍ- إلا شيءٌ يواريه إبط بلال) ويدلك على ذلك واقع الرسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث أنه جلس ثلاثة عشر عاماً في مكة ، يتعرض لجميع وسائل الإخافة والأذى والإرهاب حتى يرجع عن دينه، هذا يسخر منه، وهذا يسبه، وهذا يبصق في وجهه صلى الله عليه وسلم، وهذا يحاول أن يضع رجليه على عنقه إذا سجد، وهذا يضع أمعاء البعير على ظهره وهو ساجد، وهذا يأخذ بمجامع ثوبه ويحاول أن يخنقه خنقاً شديداً، وهذا عمه يتبعه في المجامع أنى ذهب يؤذيه ويقول للناس: هذا كذاب.. هذا مجنون، ويحذرهم منه، وهؤلاء يغرون السفهاء فيرجمونه حتى تسيل رجلاه دماً، وهؤلاء يحاصرون أهله وعشيرته فترة طويلة في الشعب ليموتوا جوعاً، وهؤلاء يعذبون من اتبعه بأنواع العذاب، فمنهم من يضجعونه على الرمل في شدة الرمضاء ويمنعونه الماء، ومنهم -من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم- من ألقي على شيءٍ محمى وما أطفأ هذه النار إلا شحم ظهر هذا الرجل الذي سال على النار من شدة الحر فأطفأها.

    ومنهم امرأة عذبوها لترجع عن دينها، فلما يأسوا منها؛ طعنها أحدهم بحربةٍ في فرجها فقتلها، كل ذلك لا لشيءٍ إلا لشيءٍ واحد؛ لأنه يدعوهم ليخرجهم من الظلمات إلى النور فقط.

    أما الناس الذين كانوا من قبلنا من أتباع الأنبياء، فمنهم من نشر بالمنشار، ومنهم من أحرق بالنار، هذا هو الابتلاء الذي تعرضوا له.

    نحن الآن في واقعنا ما هي نسبة هذه الأشياء التي نتعرض لها؟!

    لا شيء، فما بال كثير من الناس اليوم يرجعون عن التمسك بالإسلام لكلمةٍ سمعها أحدهم من صاحبٍ أو قريبٍ له وهو يستهزئ به، والنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون الأوائل لم يتراجعوا عن الدين بالرغم من هذه المصائب التي ابتلوا بها.

    نحن اليوم نرجع عن الدين وعن التمسك بأحكامه لأدنى كلمة، وأدنى شهوة تعرض لنا في طريقنا، أليس هذا من العجائب، ومن الدلائل على ضعف الإيمان ومقوماته في نفوسنا؟ بلى.

    1.   

    عائق الاستهزاء

    ومن العوائق التي تمنع الناس من الالتزام بالإسلام في هذا العصر وفي كل العصور، ويرتبط بما ذكرنا آنفاً، فإنك تجد أن هذا العائق هو الاستهزاء.

    أيها الإخوة! يتعرض اليوم كثيرٌ من الملتزمين بأحكام الإسلام إلى الاستهزاء من أقاربهم وأصدقائهم وزملائهم في العمل.. إلى غير ذلك من طبقات المجتمع، يتعرضون للاستهزاء سواءً كان استهزاءً بمظهرهم الإسلامي الذي يطلبه الإسلام، أو استهزاءً بأحكامٍ من أحكام الدين تمسكوا بها، أو استهزاءً بشعائر من شعائر الإسلام يعبدون الله عز وجل ويتعبدونه بها.

    هذا الاستهزاء إذا صادف قلوباً ضعيفة، ونفوساً في الإيمان هزيلة؛ فإنه لا شك يكون من أسباب النكوص والرجوع القهقرى في طريق الالتزام بالإسلام.

    هؤلاء الذين يستهزئون أمرهم عجيبٌ جداً، فإنهم يستهزئون بأحكام الله عز وجل الذي يؤدي إلى الكفر في كثير من الأحيان.

    فإذا وجد أحد هؤلاء رجلاً من الملتزمين بالدين، قد جعل ثوبه موافقاً لما أخبر وأمر به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ تتداعى كلمات الاستهزاء على لسانه في كل وقتٍ وحين، ويلمز هذا الرجل الملتزم بشتى النعوت الدالة على السطحية والسذاجة أو الجنون أو التشدد أو التزمت المقيت.

    خطورة الاستهزاء بالدين

    لا بد أن يعلم المستهزئ بسنن الرسول صلى الله عليه وسلم بخطورة استهزائه، ويبين له الحكم في هذا الاستهزاء، ولا بد أن يعلم المستهزأ به بالموقف الصحيح الذي يجب أن يقفه، وكيف وقف المسلمون من قبل أمام الاستهزاء الذي حصل بهم، كيف كان نوح عليه السلام يبني السفينة هو وأتباعه، وعندما كان يمر عليه أولئك الملأ فيسخرون منهم؛ كان نوحٌ يجيبهم بذلك الجواب القوي: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ [هود:38].

    وقد جرت سنة الله تعالى بأن يكون الاستهزاء والسخرية من صفات المبتعدين عن الإسلام وأعداء الإسلام، الذين يرفضون الخير لكل إنسانٍ يريد الحق، ويريد التمسك بالدين، ولذلك يقول الله عز وجل في سورة البقرة: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:212] هذه طبيعتهم، وهذه صفاتهم، وأنا أعجب -أيها الإخوة- لأمرٍ من الأمور، في قضية الثوب مثلاً، أحد الناس المستهزئين يرى إنساناً لابساً ثوباً، جعل طوله كما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقول له مستهزئاً: أنت لابس (شانيل) مثل القميص النسائي الذي تلبسه النساء، أي: أنت تشبه النساء.

    أما إذا ذهب هذا الرجل المستهزئ إلى بلدٍ جرت عادات الناس وتقاليدهم في تلك البلاد أن يجعلوا ثيابهم قصيرة، مثل إخواننا من أهل اليمن عاداتهم في لبسهم للثياب وفي لبس الإزار أن تكون قصيرة.

    نفس هذا الرجل المستهزئ إذا رأى هذا الأخ وعادته في بلده كذا لا يستهزئ به، فإذا ذهب إلى اليمن وشاهد الناس لا يستهزئ بهم، يقول: هذه عادة الناس.

    أما إذا جاء إلى الحكم الشرعي في الموضوع المستهزئ كحكم، وهو لا يستهزئ به كعادة وتقليد، فهذا من الأمور العجيبة ومن المفارقات التي تدل على مدى نجاح المستشرقين وأعداء الإسلام في غزوهم الفكري وفي إبعاد المسلمين عن التصورات، وسلخهم كليةً من تعليمات الدين.

    وإذا جلست مع أحد هؤلاء المستهزئين فإنه يطرح عليك سؤالاً بطريقة الاستهزاء، فعندما تأتي -مثلاً- إلى الغناء أو الموسيقى.. إلخ يقول لك: ما حكم هذه المسألة؟ أو أن فيها قولان. أي: استهزاء بهذا الحكم واستهزاء بما ستقوله له، هؤلاء الناس بيَّن الله عز وجل علاجهم في القرآن، وبيَّن مصيرهم، وثبتنا نحن المؤمنين -والحمد لله- بآياتٍ عظيمة في سورة المطففين: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ [المطففين:29-30] يغمزونهم ويلمزونهم ويشيرون إليهم بإشارات الاستهزاء والانتقاص والسخرية: وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ما اكتفوا بهذا الغمز وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ [المطففين:31] أي: منتشين، في حالة نشوة من هذه الجريمة التي ارتكبوها، مبسوطين؛ لأنهم استهزءوا بالمؤمنين، ولم يكتفوا بهذا بل إنهم: وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ [المطففين:32].

    إذا راوا المستهزئين المؤمنين قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ [المطففين:32]، وا عجبي من قلب المفاهيم، كيف صار الهدى ضلالاً، مستهزئ يقول لمؤمن: إنك لضال، كما قال الله عز وجل: وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ هذا ضال، هذا متزمت، هذا رجعي، قُلبت المفهومات.

    وأصبح المؤمنون يُلصق بهم ما يجب أن يُوصف به هؤلاء المبتعدين عن شرع الله عز وجل: وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ قال الله تعالى مبكتاً لهم، وراداً عليهم: وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ [المطففين:33] من الذي وكلكم على هؤلاء المؤمنين تحسبون عليهم، من الذي كلفكم بأن تكونوا أنتم الكتبة لما يفعلون: وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ما جعلنا هؤلاء الكفرة على المؤمنين يحصون أعمالهم ويُقيِّمون أعمالهم.

    ثم ينتقل السياق إلى اليوم الآخر، والوقت الذي تدوم فيه الأشياء، وتدوم فيه الجنة والنار والعذاب والعقاب والنعيم كلها دائمة: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين:34] انظر إلى رحمة الله تعالى، وتسليته عن قلوب المؤمنين وعن نفوسهم، كيف أنه يوم القيامة عكس الوضع الذي كان في الدنيا على أولئك المستهزئين: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين:34-36].

    قوة المواجهة ضد المستهزئين بالدين

    أيها الإخوة! هذا الاستهزاء يجب أن نصبر أمامه، فإن كثيراً من الملتزمين بالإسلام شخصياتهم ضعيفة جداً في مواجهة الاستهزاء، فكثيرٌ منهم لا يقوون على أن يتلفظوا بحرفٍ واحد يقابل فيه استهزاء المستهزئين، وهذه مسألة خطيرة؛ لأنها تسبب نظرة الضعف للإسلام، فالمستهزئ عندما يستهزئ بك وأنت تسكت وتطأطئ برأسك أمام تلك الكلمات الجارحة التي يتلفظ بها ثم تستدير وتذهب، أو تجلس وعليك علامات الخزي، يقوي من شأن ذلك المستهزئ، ويُضعف هيبة الإسلام في قلب المستهزئ، ويثبته أكثر على باطله الذي هو عليه.

    يجب أن تكون نفوسنا قوية في مواجهة المستهزئين، نرد عليهم باطلهم، ونبين الحق ونعلنه ونصدع به، أما الشعور أو الظهور بمظهر الاستحذاء والخزي والعار والذلة أمام الفسقة والعصاة والكفرة، فهذا ليس من شيم المسلمين ولا من صفاتهم أبداً، ولا يريد الإسلام منا أن نكون بهذه الصورة، وانظر إلى موقف نوح: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ [هود:38] هذه هي النتيجة، فلا بد من الصمود والمواجهة، وعدم الاستكانة أو الظهور بمظهر الضعف؛ فهذا يؤثر سلبياً على انتشار الإسلام، وعلى وهيبته في نفوس الناس.

    1.   

    عائق تعريض النفس للبيئات المؤثرة سلباً

    كذلك من العوائق التي تكون حائلاً بين كثيرٍ من الناس وبين الالتزام بالإسلام: قضية تعريض النفس للبيئات التي تؤثر فيها سلبياً، أي: كثيرٌ من الناس يتأثرون بأشياء كثيرة مما يسمعونه ويرونه في حياتهم.

    كتب الانحلال والمجون

    هناك كتبٌ كثيرة تدعو إلى الانحلال والمجون والخلاعة والتحلل من أحكام الإسلام، وهناك أفلام كثيرة وتمثيليات تدعو إلى نفس ما تدعو إليه هذه الكتب، وهذه الأشياء لا يمكن منعها؛ لأن العالم -الآن- مفتوح على مصراعية، فلا تستطيع أن تمنع نفسك من التأثر، فلا بد من بناء النفس المسلمة بناءً صحيحاً بحيث تستطيع فيه أن تواجه هذه المؤثرات.

    ونقول: إن من العوائق حقيقة هذه الأشياء التي تُقرأ وتُرى وتُسمع، والتي تدعو الناس إلى الانحلال، هذه الأشياء من أكبر العوائق أمام ضعف المؤثرات الطيبة التي يتعرض لها الناس، فإنك إذا قارنت الكلام السيئ الذي يسمعه الناس، والتصرفات السيئة التي يرونها، أمام الكلام الطيب الذي يسمعونه، والتصرفات الطيبة التي يرونها؛ فإنك تجدها لا شيء.

    إن المؤثرات التي توجد حولهم أكثرها سلبية، وتضعف الإيمان وتجعل مكانه مظاهر الفسق والانحلال والابتعاد عن شرع الله عز وجل، وكثير من الكتب المؤلفة في الحلال والحرام منهجها العلمي والشرعي غير صحيح، هذه الكتب تؤثر على الناس تأثيراً سلبياً؛ لأنه إذا كان منهج الكاتب أنه لا يرى شيئاً في الأغاني مثلاً، أو يستهزئ بالمتمسكين ببعض السنن، كما في كتب بعض المحدثين، نسأل الله لنا ولهم الهداية، هذه الكتب تؤثر على الناس تأثيراً سلبياً؛ لأن الناس يتعلمون منها أحكام الدين، فإذا قرءوا هذا الحكم خطأ، فإنه سيستقر في أذهانهم الحكم خطأ، وبالتالي حكم وراء حكم، فتكون النتيجة تحلل الكثير من أحكام الدين.

    لذلك -يا أخي المسلم- يجب أن يكون عندك منهج صحيح في تلقي الأحكام، يجب ألا تقرأ إلا لمن يُوثق بدينه وعلمه، ولا تسأل ولا تستفتي إلا من يوثق بدينه وعلمه؛ لأن كثيراً من شيوخ الباطل وأئمة الضلال هم من الذين خاف الرسول صلى الله عليه وسلم منهم على أمته أشد الخوف: (إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) هؤلاء الناس هم الذين يضلون الناس ويكونون عائقاً كبيراً بينهم وبين الالتزام بالإسلام؛ لأنهم يفتونهم بفتاوى خاطئة، ويقرأ الناس كلامهم مكتوباً.

    لذلك لا بد أن ننعى كثيراً على أولئك الذين يستقون الأحكام والفتاوى من كثيرٍ من المجلات غير الموثوقة، التي تنشر الفجور والمجون والخلاعة، فتجده يفتح على صفحة الفتاوى ويقرأ، والله أعلم من الذي يكتب، أهو إنسان بعيد عن الإسلام وعن أحكامه، أم في قلبه هوى، أم عنده علم ولكن في قلبه هوى.

    فتجد مِنْ الناس مَنْ يتأثرون بها، فلذلك لا بد أن نحرص على أن نستقي الأحكام من الناس الموثوقين، والحمد لله يوجد في هذا البلد كثيرٌ من العلماء الطيبين الموثوق بهم، الذين يُرجع إليهم إذا نزلت بالناس المعضلات، وحلت بهم الملمات، التي تستلزم البحث عن الأحكام، ونحمد الله أن هذه من النعم الكبيرة التي تفتقدها كثيرٌ من بلاد المسلمين؛ إما خطيباً أو عالماً أو داعية.

    فيجب أن نقدر هذه النعمة الموجودة بيننا، ولا نجعل هؤلاء العلماء نسياً منسياً، لا نلجأ إليهم ولا نسألهم كما هي حالٌ كثيرٌ من الناس اليوم، فلا بد من استغلال هذه النعمة والتوجه بالسؤال لأولئك الفضلاء الموجودين بين ظهرانينا.

    الأفلام والتمثيليات

    هناك أفلامٌ وتمثيليات في بلاد الغرب تكتب حواراتها، وتمثل وتشيع بين المسلمين واقع خاطئ وسيئ لأجيال من السلف الصالح والعلماء الأجلاء، فتجد بعضها عن صلاح الدين، وبعضها عن ابن تيمية، وبعضها عن كذا، وليس الغرض منها إلا تشويه صورة هذا العالم، وهذا القائد المسلم في أنظار الناس.

    فلمٌ كامل مختصره أن رجلاً يحب امرأة، هذه المختصرات الغير مفيدة هي التي تعرض للناس هذه الشخصيات الإسلامية، فتُضل الناس، وتكون هذه عائقاً كبير بين الناس وبين التزامهم بالإسلام؛ لأنهم يظنون أن هذا هو الإسلام، أن الإسلام رقص وحب ومجون، فتشوه القدوات التي من الممكن أن تكون هي المؤثرة والدافعة للناس، فتعرض بشكل مزري جداً، بحيث يفقد الناس ثقتهم به.

    أيها الإخوة! كثيرٌ من هذه الأفلام فيها أشياء خطيرة تعرض لأدوار لما يُزعم أنه تمثيل عن صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، فيظهر الصحابي أمام امرأة متبرجة وهو ينظر إليها ويكلمها ويحاورها، أي: الذي يزعم بأنه صحابي، أو الذي يمثل دور الصحابي.

    ولذلك أفتت هيئة كبار العلماء بـالمملكة فتوى مهمة في عدم جواز تمثيل أدوار الصحابة مطلقاً؛ لما تفضي إليه من المفاسد، والكلام أيضاً في هذه الفتوى عن التمثيل في مجلة البحوث الإسلامية التي تصدرها إدارة البحوث العلمية والدعوة والإرشاد، فينبغي الرجوع إليها لمعرفة تفصيل هذا الأمر.

    وبلغ من تأثير هذه الأشياء! أن إحدى النساء كانت تنتقد وتهاجم بشدة فتاةً ملتزمة متحجبة بالإسلام، وتهاجم الفتيات المتحجبات عموماً، وتقول لهن: أنتن متشددات، أنتن اخترعتن في الدين حجاباً ما أنزله الله، أي: تريدون أن تكونوا أحسن من الصحابيات اللائي نراهن في الأفلام، نحن نرى الصحابية الآن، كيف تكشف عن وجهها وشعرها.. لماذا التَزَمُتْ؟ انظر إلى فعل هذه الأشياء في عقول الناس في كونها عائقاً أمام الالتزام بالإسلام!

    1.   

    عائق نشر الخلافات بين علماء المسلمين

    كذلك يعمد كثيرٌ من أعداء الإسلام إلى نشر الخلافات بين علماء المسلمين، ومذاهب المسلمين، حتى يتوصلوا بذلك إلى تفريق المسلمين، ويحتار الإنسان المسلم الجديد ماذا يختار! وتُنشر الفتاوي وتُتبع السقطات لبعض الأجلاء من العلماء، فتروج بين الناس، فتكون عائقاً لهم أمام التمسك بالدين، أي: عندما يرون العالم الفلاني قال كذا، وهو مخطئ، اجتهد فأخطأ له أجر، فتروج فتواه؛ فتكون عائقاً بين الناس وبين الالتزام بالإسلام، وقد حدث من هذا شيء كثير.

    إن بعض أهل البلاد الكافرة عندما أرادوا أن يدخلوا في الإسلام، كانت قضية المذهبية عائقاً بينهم وبين الدخول في الدين؛ لأنهم احتاروا ماذا يختارون! ومن الذي قال: إنه يجب عليهم أن يختاروا شيئاً، وهذا يعود إلى موضوع التعصب الذي ذكرناه آنفاً، وهو أن الإنسان المسلم يجب عليه أن يعرف الحق بدليله من العلماء الثقات أياً كانوا، فإذا عرفت عالماً تثق بعلمه فتسأله عن المسألة وعن الحكم والدليل، ولا بأس أن تتفقه على مذهبٍ معين بشرط أن ترجع إلى الحق إذا وجدت المذهب بخلاف الحق.

    وكذلك أيها الإخوة! لا بد أن نفهم أن قضية اختلاف العلماء ليست حائلاً بيننا وبين الالتزام بأحكام الإسلام، فالاختلاف من طبيعة البشر، فالبشر يختلفون دائماً في الحق والباطل، والآراء تتباين، والافهام تختلف، فلذلك تجد الآراء مختلفة، فيجب عليك أن تبحث عن الحق بدليله، فإن عجزت لقصورٍ فيك وفي قدراتك؛ فاسأل أي عالمٍ من أهل الذكر عن الحكم، ثم اتبعه على ما قال لك.

    1.   

    عائق الحيرة بسبب تعدد طرق الدعوة إلى الله

    كذلك من الأسباب: أن الإنسان يجد طرائق متعددة أمامه في الدعوة إلى الله وطلب العلم، فيحتار أيها يختار! وهذه المسألة هي بحد ذاتها إحدى العوائق التي تمنع كثيراً من الناس والشباب من الالتزام بأحكام الدين، لأنه يحتار ماذا يختار، لذلك كان لا بد من معرفة أصول أهل السنة والجماعة في العلم والعمل؛ حتى تعرف ماذا تختار من الأقوال والأفعال، هذه نقطة مهمة يا إخواني!

    ليس التعصب لشخصٍ ولا لجماعة من البشر، يجب على الناس أن يتعصبوا للحق فقط.. للدليل.. للقرآن والسنة.. لكلام العلماء الموثوق بهم، الذين يبينون الأحكام بالأدلة، ويبينون أقوالهم بهدي من كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

    أيها الإخوة: إذا رجعنا إلى هذه الأشياء فإنه لن يكون هذا العائق موجوداً أبداً -بإذن الله تعالى- فلا بد من معرفة أركان المنهج الصحيح حتى تكون دليلاً وهادياً ومرشداً لنا أمام الاختلافات التي نراها في هذا العصر.

    1.   

    عائق مفاهيم خاطئة عن الدين عند الناس

    من العوائق -أيضاً- أن كثيراً من الناس اليوم عندهم مفاهيم خاطئة عن الدين:

    الالتزام بقدر الاستطاعة

    مثلاً: يأتي إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) احتج أحدهم على أحد من الفضلاء بهذا الحديث، وقال: يا أخي! أنت لماذا تريدنا أن نتمسك بكل شيء ونتبع كل شيء؟ الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) ففهم ما استطعتم، أي: ما استطعتم على التيسير والتسهيل، أي: إن تيسر لك الالتزام التزمت، وإن لم يتيسر لك الالتزام لا تلتزم.. هكذا فهم.

    (فأتوا منه ما استطعتم) أي: على قدر الفراغ، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقصد هذا الفهم مطلقاً.

    أيها الإخوة! الرسول صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نتمسك بالدين بجميع ما أوتينا من قوة، لكن قد لا يستطيع الإنسان أحياناً، فعند ذلك إذا لم يستطع وعجز تماماً؛ فله أن يدع ذلك الأمر لعجزه.

    أما أن نأخذ الإسلام على التساهيل، إذا وجدنا فرصة التزمنا، وإذا لم نجد الفرصة لم نلتزم.. وهكذا، هذه مشكلة.

    الدين يسر

    كذلك يقول كثيرٌ من الناس عندما تواجههم بأمور وحقائق وأحكام يقول: يا أخي! (الدين يُسر) يفهم هذا فهماً خاطئاً.

    أقول: نعم الدين يسر ولا شك في هذا، والرسول صلى الله عليه وسلم بعث بالحنيفية السمحة، ولكن إذا دققت في كلام أولئك الناس تجد أنهم يقولون: بلا دين هو اليسر، هو يحتج بأن (الدين يسر) ويريد من هذا التخلص والهروب من كثير من الأحكام، فإذا جئت تحقق في دعواه؛ وجدت أنه يقصد "بلا دين هو اليسر" هذه حقيقة ما يدعو إليه وما يقوله، أي: لا يريد الالتزام بالأحكام، لأن الدين يسر.

    هل معنى أن الدين يسر أنك لا تلتزم بأحكام الإسلام؟!

    هذا مفهوم عجيب جداً، مثلاً: أنت الآن في أرض منقطعة وليس عندك ماء، فإذا حان وقت الصلاة تيممت، هل فرض الله عليك أن تحفر بئراً حتى تتوضأ؟ لا. وإنما أباح لك التيمم رخصة من الله عز وجل، كذلك قصر الصلاة، والمسح على الجوربين، وجمع الصلاتين، هذه الأشياء المشروعة هي معنى "الدين يُسر".

    هل معنى الدين يُسر أن نتفلت من الأحكام ونأخذ ما نشاء وندع ما نشاء؟

    لا. هذا أصبح الدين لعباً، وهذه من صفات بني إسرائيل أنهم اتخذوا دينهم لهواً ولعباً، الذي يعجبه يفعله والذي لا يعجبه لا يفعله، والذي يدخل عقله يفعله والذي لا يدخل عقله لا يفعله، والذي يطاوع هواه يفعله والذي لا يطاوع هواه لا يفعله.. وهكذا.

    أولئك هم الصحابة

    بعض الناس -مثلاً- إذا جئت تكلمه وتقول له: يا أخي! الحكم كذا، والرسول كان يفعل كذا. يقول لك: إيه ذاك الرسول، الصحابة كانوا يفعلون كذا: إيه أولئك الصحابة، هذا كلام نسمعه كثيراً.

    أي: سبحان الله! الرسول أرسل لكي يعمل بمفرده، وليعمل لنفسه، لا لأجل أن نستفيد من هذا العمل مطلقاً، هذا معنى كلامه، لأننا كلما أتينا بشيء قال: ذاك رسول، أي: لا نتبع شيئاً من أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم، والله يقول: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21].. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأنفال:20].

    وهؤلاء الصحابة قدوتنا، وإذا لم نقتدِ بالصحابة ولا بالرسل صلى الله عليه وسلم فبمن نقتدي إذاً؟ وما هي فائدة القدوة؟ ولماذا صار ذلك الجيل الذي اجتمعت فيه تلك الصفات أمام الأمة وفي بدايتها، وما هي الحكمة أن نقتدي بهذا الجيل، وأن نسير على نهجه وعلى طريقه؟

    المقصود منه كذا وكذا

    وإذا جئت إلى أحكام كثيرة، تنهى الإنسان عن إسبال الثوب، يقول لك: المقصود الخيلاء وأنا لم أسبل خيلاء، ومن الذي قال لك: إن النهي عن إسبال الثوب المقصود منه الخيلاء؟ ومن أين استقيته؟

    فكثير من الناس ليس عنده علم، يقول هكذا، فإذا رجعت إلى الأحاديث وجدت أن الإسبال منهي عنه مطلقاً لا للخيلاء ولا لغير الخيلاء: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار).. (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه) فصار عندنا عملين مختلفين كل واحد له جزاء مختلف عن الآخر: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) مطلقاً و(من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه) فالذي يسبل ثوبه إلى تحت الكعب له جزاء وهو أن يحترق ذلك الجزء من جسمه في النار، ومن جره خيلاء له جزاء أعظم وهو ألا ينظر الله إليه.

    انظر كيف تبين الأحاديث، وهذا الرجل يقول: المقصود أنها خيلاء، ثم كما يقول ابن العربي رحمه الله في فتح الباري في التعليق على هذا الحديث الذي رواه ابن عمر في الصحيح : (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) قال: وأي إنسان يقول: أنا لا يوجد في نفسي خيلاء، لا نقبل كلامه، لأن معناه أننا فتحنا الباب أمام كل أحد أن يقول: أنا لا أقصد الخيلاء: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ [النجم:32] ما يدريك أن ما في نفسك خيلاء، أي: لو لم يكن هذا الحكم إلا من باب سد الذرائع لكفى.

    هذه سنة

    وإذا جئت إلى إناس في قضايا كثيرة من الأحكام قال: يا أخي! هذه سنة، أي: إذا فعلتها أُثاب وإذا لم أفعلها لا أعاقب، ومن قال لك: إن هذا هو تعريف السنة، هل هذا هو التعريف فقط للسنة، أليس عندنا سنن واجبة، وسنن مستحبة، صلاة الظهر أربع ركعات ليست موجودة في القرآن، وموجودة في السنة، فصلاة الظهر أربع ركعات سنة لكنها واجبة.

    هل يستطيع أحد أن ما يريد، كثير من الأحكام وردت في السنة واجبة ملزمة لا يمكن أن يتخلى عنها الإنسان مطلقاً، فالذي يقول: إن أي سنة يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها هذا كلام خطأ، ليس هذا هو التعريف فقط للسنة، هذا إحدى التعريفات؛ ولكن هناك سنن واجبة وسنن مستحبة، فيجب عليك أن تنظر هل هي من السنن الواجبة أم من السنن المستحبة.

    إنما الأعمال بالنيات

    كذلك يوجد عند الناس قضية (إنما الأعمال بالنيات) أي إنسان تريد أن تتكلم معه في أحكام يقول: والله إنما الأعمال بالنيات، وأنا نيتي طيبة، طيب! الحديث يقول: (إنما الأعمال بالنيات) وهذا الرجل مشكلته أنه لا يوجد عنده أعمال في الأصل حتى تكون بالنيات! الحديث يقول: (إنما الأعمال بالنيات) وهذا الرجل لا يعمل أي عمل، ثم يقول: (إنما الأعمال بالنيات) أين الأعمال؟ أرنا الأعمال أولاً؟

    إن الله غفور رحيم

    تجدهم يفهمون (إن الله غفورٌ رحيم) كما يشاءون، وينسون أن الله عز وجل شديد العقاب، وإذا ناقشت أحدهم يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] والحمد لله أنا لست مشركاً؛ فإذاً -إن شاء الله- الله يغفر لي، والحمد لله أنا في خير، وأنا أملي في الله كبير، وأن واثق بالله، وأنا.. و.. لكن الآية تقول: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

    ما يدريك أنك من الناس الذين شاء الله أن يغفر لهم؟ هل عرفت مشيئة الله وعرفت أنت في أي نوع من الأنواع إن شاء الله أن يعذبك أو يغفر لك؟!

    نحن نقول: نعم كل الأعمال سوى الشرك تحت المشيئة، يمكن أن الله يعذبه، وقد يغفر له ولا يعذبه، لكن ما يدريك يا مرتكب المنكر.. يا مرتكب الحرام.. يا من وقع في المعصية بأنك دخلت في مشيئة المغفرة وأن الله قد غفر لك؟ ثم تأتي وتحتج بالآية!

    أيها الإخوة! هناك مفاهيم كثيرة خاطئة عند الناس يفهمونها عن الإسلام، فمفهوم الشهادتين خطأ، ومفهوم العبادة خطأ، ومفهوم الإيمان خطأ، ومفهوم إن الله غفور رحيم خطأ، ومفهوم القضاء والقدر خطأ، فلذلك هناك عوائق كثيرة أمام الناس، ونحن الدعاة إلى الله عز وجل يجب علينا أن نبين للناس وأن نعلمهم، وأن نزيل هذا الغبش من أذهانهم.

    1.   

    عائق انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة

    كذلك من العوائق: انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي تكون بين الناس وبين الالتزام بالإسلام، مثلاً: يأتي إنسان إليك ويقول لك: (نية المؤمن خيرٌ من عمله) فإذاً النية أحسن من العمل، إذاً العمل شيء ثانوي والنية هي الأساس، فأنا يمكن أن تكون نيتي طيبة ولا أعمل، والدليل على ما أقول: هذا الحديث.

    فإذا نظرت إليه وجدته حديثاً منكراً باطلاً لا يصح عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

    ويأتي آخر يقول: (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له) رجل فيه فسق لكنه يريد أن يصلي؛ لكن المشكلة الآن أنه فاسق؛ فينظر إلى هذا الحديث: (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له) أو (لم يزدد من الله إلا بعداً) فيقول: لا أصلي، فأحد الإخوان قال لي: أنا ضللت ستة وعشرين عاماً لا أصلي بسبب هذا الحديث، كنت واقعاً في بعض المنكرات ولكني أريد أن أصلي مع أني واقع فيها، وكلما جئت أصلي أتى هذا الحديث أمامي: (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له) فيقول: لماذا أصلي؟ وهذا الحديث منكر باطل، ولا يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

    أحدهم يأتي يشيع على ألسنة الناس حديث: (السارق من السارق كالوارث من أبيه) هذا سمعته في أحد المجالس، أي: المسألة معناها أن كل أحد يبحث له عن سارق ويسرق منه؛ لأنه كالوارث من أبيه، أي: أصبحت القضية لها مستنداً شرعياً، صارت هذه أحد الأوجه التي يتملك فيها الإنسان المال من طريق شرعي، لأن السارق من السارق كالوارث من أبيه، وهذا حديث غير معروف ولا مشهور وليس له أصل، بل وضعه بعض العامة، فاشتهر بينهم على أنه حديث، وقس على ذلك أحاديث كثيرة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة المنتشرة التي تثبط الناس وتخذلهم، وإذا وبحثت عنها وجدتها ضعيفة أو موضوعة أو مكذوبة على الرسول صلى الله عليه وسلم، والعلاج أن نبين، والواجب على الناس أن يسألوا.. ما حكم هذا الحديث؟ وما درجة صحته؟

    1.   

    عائق مواصفات بعض الشخصيات

    ختاماً: هناك بعض المواصفات في بعض الشخصيات يعوق التزامه بالإسلام، فمثلاً: إنسان شخصيته هزلية، يحب الهزل كثيراً، لا يريد أن يلتزم بالإسلام لماذا؟

    يقول: أخشى إن التزمت أني لا أبتسم أبداً، ولا أضحك مطلقاً، ولا يمكن أن أفرح ولا أمرح وهذه هي طبيعتي، وسأضيق وأكتم نفسي!!

    يا أخي! من قال لك: إن الإسلام يحرم الضحك؟!

    ومن قال لك: إن الإسلام يحرم المزاح؟! ألم يكن صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم يترامون بقشر البطيخ، كما ثبت في الحديث الصحيح، كانوا إذا أكل بعضهم بطيخاً؛ أخذوا القشر فتراموا -مزاح- فإذا جاء الجد كانوا هم الرجال.

    لكن نحن الآن في الجد وفي غير الجد هزليين، بل إن كثيراً من الملتزمين وغير ملتزمين، يضحكون على أنفسهم؛ لأنه هزلي، فلا يقدر أبداً أهمية هذا الدين وهذه المبادئ التي يحملها، هزلي في جميع التصرفات، ولا يمكن أن يكون قدوة بأي حال من الأحوال، ولا يمكن أن نتلقى منه علماً، ولا يمكن أي يتأثر منه أحد، والسبب أن شخصيته هزلية جداً، لا تمثل أبداً ذلك الوقار والسمت الحسن الذي أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم لدرجة أنك ترى أناساً ظاهرهم الالتزام لكن يأخذ السيارة ويفحط، أحدهم قال: أعرف شخصاً يفحط وهو يسمع القرآن.

    يا أخي! نحن فعلاً في آخر الزمان!

    كذلك بعض الشخصيات إنطوائية لا تحب المعاشرة، ولا الكلفة، فهذا يحول بينه وبين التأثر بالشخصيات الطيبة، لكن هذا العائق قد لا يكون لهذا الإنسان ذنب فيه، وإنما هذه قضية يتحملها دعاة الإسلام، الذين يجب عليهم أن يتغلغلوا ويحاولون أن يتداخلوا مع هذا الرجل، ويبينوا له الحق ويعرضوا عليه النور الذي أنزله الله عز وجل.

    بعض الشخصيات عندها ضعف إرادة في اتخاذ القرارات، ليس عنده مقدرة على اتخاذ القرار أبداً، هذه الشخصية التي فيها الضعف الناتج عن قلة الإيمان لا يمكن أن يتمسك بحكمٍ ما، لا يمكن أن يقرر أن يواجه المجتمع بشيءٍ ما، ليست عنده إرادة وقدرة على اتخاذ القرار، وقد سمعت أشياء عجيبة عن بعض الرجال، أحدهم يقول: لا أستطيع أن أعمل كذا؛ لأن زوجتي ستطلقني إذا فعلت، سبحان الله! النساء قوامات على الرجال، انقلبت الآية.

    قال: زوجتي ستطلقني، وهو يتكلم ليس هزالاً، قال: والله ستطلقني ستطلقني. سبحان الله العظيم!

    إذاً هؤلاء أشباه الرجال ولا رجال، وفعلاً هذه حال كثير من الناس في بيوتهم، أمام الناس شخصية من أحسن ما يكون، وفارض نفسه على غيره، فإذا رجع إلى البيت صار مثل الدجاجة.

    بعض الشخصيات -مثلاً- عندها اللامبالاة، وتبلد في الإحساس، ويمشي من غير هدف، وقد يقلد الملتزمين في الشكل، لكن لا يحس بأي قيمة لأحكام الإسلام، ولا يحس أن وراءه هدف، ولا أن عليه مسئولية، ولو أن أحداً كلمه لا يبالي، فهذا الرجل لا يمكن أن يتحرك مطلقاً في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نهائياً أبداً.

    فلذلك بعض الناس عندهم صفة الكبر، هذه الصفة الذميمة الأثيمة التي تمنع تقبل الحق، والكبر هو بطر الحق وغمط الناس، فهو لا يقبل الحق لهذه الصفة.

    وبعض الناس في شخصياتهم المراوغة واللف والدوران، بحيث أنك إذا جئته بأي شيء لا بد أن يروغ منك.

    إذا أعطيته حكماً لابد أن يدبر لك حلاً أو مخرجاً، يقول: يا أخي! اللحية! تشوه زوجتي إذا اقتربت منها، وتتأذى منها، ويقول مثلاً: عندي حساسية وحبوب، المهم أنه لا يطبق الحكم، وهذا مثل، وأنا لا أقصد هذا الحكم لذاته، وإنما أقصد المثل عموماً، وأن هذه البلايا الموجودة في بعض الشخصيات تمنع كثيراً من الناس من الالتزام بالإسلام.

    ما هو الحل؟

    علاج هذه العيوب بالإيمان والعمل الصالح، ويجب على الدعاة إلى الله عز وجل أن يتفطنوا لنقاط الضعف في شخصيات أولئك الناس الذين يدعونهم إلى الإسلام، حتى يعرفوا كيف يتسللون إلى نفوسهم، وما هو مكمن الضعف عند هذا الرجل حتى يُعالج ويُدفع ويُقوى، وحتى يستقيم على شرع الله عز وجل.

    نكتفي بهذه النقاط التي ذكرناها في هذا الموضوع، وهو موضوع طويل، ويحتاج إلى تفصيل، وبعض النقاط سردناها هكذا، ولكن لعل في هذا يكون ذكرى لنا جميعاً.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الصلاة ببطاقة العمل

    السؤال: ما حكم صلاة رجل يعلق بطاقة العمل وعليها صورته بارزة كما في بعض المستشفيات؟ وهل إذا نسي وصلى صلاته صحيحة؟

    الجواب: لقد أجاب الشيخ ابن باز على هذا السؤال، وقال: هذا لا يجوز مطلقاً، أي: لا يجوز أن يصلي الإنسان وهو يعلق البطاقة التي فيها صورته على جيبه، إما أن يقلب البطاقة، أو يدخل الصورة في جيبه، لكن لا يعلق الصورة على جيبه.

    أما بالنسبة لو صلى هل صلاته صحيحة؟

    فقد أجاب عن هذا الشيخ ابن عثيمين فقال: نعم صلاته صحيحة ولا شيء عليه.

    أكل الفاكهة قبل الطعام

    السؤال: هل أكل الفاكهة قبل الطعام سنة من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: يمكن أن هذا الأخ يقصد أن قول الله عز وجل: وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ [الواقعة:20-21] أنه قدم الفاكهة على لحم الطير -هذا في الجنة لكن لا يؤخذ منه- كما يقول الشيخ ابن عثيمين - أن هذا سنة، وأما أنه بدأ بالفاكهة، أو بدأ بالطعام، أو بدأ بالماء فليس هناك حرج في هذا كله.

    حكم أكل شجرة رمان نبتت في بلاعة

    السؤال: شجرة رمان تنبت في بلاعة هل يجوز أكل ثمرها؟

    الجواب: يقول الشيخ ابن عثيمين: إذا لم يتغير طعم ولون هذه الثمرة بنجاسة؛ فيجوز أكلها، أما إذا تغير الطعم بالنجاسة؛ فلا يجوز أكلها.

    حكم إغماض العينين في الصلاة بسبب الزخرفة

    السؤال: هل الزخرفة الموجودة في سجاجيد المساجد اليوم مبرر شرعي لإغماض العينين في الصلاة؟

    الجواب: يقول الشيخ ابن عثيمين : ليست مبرراً شرعياً لإغماض العين إذا تعود عليها، أي: إذا تعود عليها يفتح عينيه ويصلي، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي وهو مفتوح العينين ينظر إلى موضع السجود، وينظر إلى السبابة وهو يحركها في الصلاة، لأنه إذا غمض عينيه فسوف تفوته مثل هذه السنن، أما إذا كان ينشغل ذهنه -فعلاً- ويتشوش وهو ينظر إلى هذه السجاجيد المزخرفة؛ فلا حرج عليه في إغماض عينيه.

    شرط شفاعة البقرة وآل عمران

    السؤال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيما معنى الحديث: (تأتي سورة البقرة وآل عمران شفيعتان لأصحابهما) هل يشترط الحفظ حتى يحصل هذا الأجر، أو هذا الجزاء؟

    الجواب: يقول الشيخ ابن عثيمين: ليس الحفظ شرطاً، وإنما يحصل هذا الشيء -إن شاء الله- بالقراءة، والحفظ أفضل، ولكن لا يعني أنه لا يحصل هذا الأجر إلا بالحفظ، وإنما يحصل أيضاً بالقراءة.

    الدعاء بالنجاح أو بالأفضل

    السؤال: ما هو الصحيح: أن أدعو الله أن ينجحني في الامتحان، أم أدعو الله أن يختار لي الأفضل سواءً النجاح أو الرسوب؟

    الجواب: الشيخ ابن عثيمين لما عَرضت عليه السؤال ضحك وقال: تدعو الله أن ينجحك في الامتحان. قال: وإلا جالس يذاكر طوال السنة من أجل أن يرسب في الأخير، فأنت تدعو الله بما تريد، تقول: اللهم أعطني كذا، وهب لي كذا وتعمل الأسباب وتتوكل على الله عز وجل، وكذلك لا مانع أن تدعو بالدعاء العام أن الله عز وجل ييسر لك الخير حيثما كان، ولذلك شرعت لهذه الأشياء صلاة الاستخارة.

    اختلاف الزوج والزوجة في بعض الأحكام

    السؤال: كثيراً ما يرى الزوج حرمة شيء، وترى زوجته خلاف هذا الأمر، وكلاهما يستند إلى دليل شرعي، فما هو الحل هل يقدم رأي الزوج أو رأي الزوجة؟

    الجواب: فصّل الشيخ ابن عثيمين في هذا السؤال تفصيلاً طيباً، فقال: إذا كان الشيء خاصاً بالزوج، وهذا مفروغ منه، فلابد أن تقدم قناعة الزوج الشرعية، أما لو كان الشيء متعلقاً بالزوجة فقط؛ فتقدم قناعة الزوجة الشرعية.

    مثلاً: زكاة الحلي: نفترض أن رجلاً يعتقد وجوب الزكاة في الحلي، والمرأة تعتقد عدم وجوب الزكاة في الحلي، وكل واحدٍ عنده أدلة ومقتنع برأي بعض العلماء الموثوق بهم، فهنا المسألة متعلقة بالمرأة لا بالرجل.

    فلذلك لا يجوز للرجل أن يجبر زوجته على تطبيق الرأي الذي توصل إليه؛ لأن هذه المسألة متعلقة بالزوجة وهي المتعبدة به والمسئولة عنه أمام الله عز وجل، أما إذا كان الشيء مشتركاً، مثل: آنية المطبخ -مثلاً- الزوجة ترى في هذا الإناء شيئاً وزوجها لا يرى فيه شيئاً، أو مثلاً: أكل اللحم المستورد: الزوجة ترى فيه كذا والزوج يرى كذا.

    فهذه الأشياء المشتركة يقول الشيخ ابن عثيمين : يقدم فيها رأي الزوج؛ لأنه هو ولي الأمر الذي تجب طاعته، فصارت عندنا الأشياء ثلاثة أقسام:

    1- شيء متعلق بالزوج وهذا مفروغ منه.

    2- شيء متعلق بالزوجة: فإذا كانت الزوجة عندها أدلة فعلاً، وسألت أناساً موثوق بهم فعلاً، وهي لا تعلم، أو أن الحق ليس عندها مطلقاً، فإذا كان عندها قناعة شرعية، لا يجوز لزوجها أن يجبرها على الرأي الذي توصل إليه هو.

    3- أما لو كان الشيء مشتركاً، فعند ذلك يقدم قول الزوج.

    حكم الصدقة ببقية الطعام الزائد دون إذن الزوج

    السؤال: امرأة تتصدق ببقية الطعام الزائد عندها، والزوج لا يسمح لها بهذا، فماذا تفعل؟

    الجواب: يقول الشيخ ابن عثيمين : لا يجوز لها أن تتصدق بهذا الطعام؛ لأنه ملكٌ لزوجها، ولكن إذا كان عندها من المال ما تضمن به هذا الشيء الذي تصدقت به لو طالبها به الزوج؛ فيجوز لها أن تفعل هذا.

    أخي الأكبر لا يصلي وهو ولي الأمر في البيت

    سالسؤال: أخي الأكبر هو ولي الأمر في البيت؛ لأن والدي قد توفى وهو يصرف علينا، فهل يجوز أن آكل وأسكن في البيت وهذا الأخ لا يصلي مطلقاً، أي: خارج عن ملة الإسلام؟

    الجواب: يقول الشيخ ابن عثيمين : نعم يسكن ويجلس في البيت ويأكل معه من الطعام، وينصحه ويواظب على نصحه، فإن استجاب وإلا فإنه يهجره ولا يسلم عليه.

    حكم الصلاة بين الأعمدة والسواري

    السؤال: هل هناك حديث ينهي في الصف بين الأعمدة والسواري في المسجد، فلو أن الناس يصلون في الزحام في الحر فهل يصلون بين السواري؟ أي: يصفون وتكون الأعمدة متخللة الصف أم يتركون هذا حتى لو اضطروا إلى الصف خارج المسجد في الحر؟

    الجواب: يقول الشيخ ابن عثيمين : لا بأس بهذه الحالة أن يصف الإنسان بين السواري، ويجب عليهم أن يملئوا الصف ويكملوه.

    حكم اتلاف الصور

    السؤال: أنا شابٌ ملتزم، وزوجتي عندها صور، فبعد أن التزمت هذه الصور التي عند زوجتي هل يجب عليّ أن آخذها من زوجتي إن رفضت؟

    الجواب: كان جواب الشيخ ابن عثيمين : نعم يجب عليك ذلك، وأجاب الشيخ ابن جبرين كذلك: يجب عليك.

    حكم الصور المدفونة

    السؤال: أنا شابٌ ملتزم عندي صور قديمة، فأخفيتها في محل لا يعلم به إلا الله وهو كذلك يعلم به -دفنها مثلاً- يقول: فما هو الحكم؟

    الجواب: قال الشيخ ابن عثيمين مجيباً على هذا السؤال: يجب عليه أن يتلفها. فما هي المصلحة في إبقائها إذاً في مكان أنت لا تستفيد منها.

    معاملتي لرفقة أبي السيئة

    السؤال: أنا والدي فاسق، ويأتي إليه أصحاب يشربون معه الخمر، ويطرقون الباب ويكون أحياناً غير موجود، فهل يجوز لي أن أدخلهم إلى البيت وأرحب بهم علماً بأنني إذا لم أفعل ذلك سيغضب والدي؟

    الجواب: كان جواب الشيخ عبد الله بن جبرين على هذا السؤال: لا يجوز لك أن تدخلهم، ولا أن ترحب بهم، بل تطردهم من البيت أو تردهم على الأقل حتى لو غضب والدك.

    حكم تزيين اللوحات بأجنحة الفراشة الطبيعية

    السؤال: امرأة تقول: ما حكم تزيين بعض اللوحات بأجنحة الفراشة الطبيعية، أي: تصيد فراش وتأخذ الأجنحة وتضعها زينة في لوحاتها في المعارض الفنية.. إلخ؟

    الجواب: يقول الشيخ عبد الله بن جبرين: لا بأس بذلك، ومن الأسباب أن ما قطع من حيٌ فهو ميت لا ينطبق على هذا، لأن هذه الحيوانات لا نفس لها سائلة، وليس لها دم، فلذلك إذا ماتت فليست نجسة، أما البعوض ففيه دم لكنه غير نجس ؛ لأن الدم الذي فيه دم امتصه من إنسان أو كائن حي وليس دم البعوض نفسه، أي: أن البعوض ليس لديه جهاز دموي ودم يسري فيه، وإنما الدم الذي يوجد بعد قتله إنما هو دم امتصه من مصدرٍ آخر، ولذلك تبقى هذه الميتات التي لا نفس لها سائلة طاهرة، فيقول الشيخ: فلا بأس من استعمالها.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.