إسلام ويب

زواج المسيار [1]للشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • عاش الناس في الجاهلية حياة فوضى، وخاصة من حيث حفظ الأنساب، وعندما أتى الإسلام جاء معه بهذا المطلب العظيم، فحفظ الأنساب وصان الأعراض؛ بتحريمه لكل نكاح من شأنه إفساد الأسرة التي هي منشأ المجتمع ونواته، وهذا أمر عظيم يحمل في طياته الحفاظ على الرجل والمرأة وبناء الأسرة.

    1.   

    أنواع من النكاح الجاهلي

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    فالحمد لله الذي جعل لنا من أنفسنا أزواجاً لنسكن إليها، وجعل بيننا مودة ورحمة.

    والحمد لله الذي لما أغلق سبيل الحرام إلى الزنا، فتح سبيل النكاح بهذا المباح فأحله سبحانه وتعالى، تطهيراً للنفوس وتصريفاً لهذه الشهوة في طريقها الشرعي.

    والحمد لله الذي أبدلنا بنكاح أهل الجاهلية نكاح أهل الإسلام، ويعرف المسلم حقيقة هذه الشريعة وعظمتها إذا ما قارن نكاح أهل الجاهلية بنكاح أهل الإسلام: روى البخاري رحمه الله في صحيحه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: [أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء، فنكاح منها نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته، فيصدقها ثم ينكحها.

    ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان، فاستبضعي منه -تطلب المباضعة وهو: الجماع من رجل شريف عندهم، أو شجاع أو كريم أو فيه خصال حميدة- ويعتزلها زوجها، ولا يمسها أبداً حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها، أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع.

    ونكاح آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة، كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت، ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، وتسمي من أحبت باسمه، فيلحق به ولا يستطيع أن يمتنع به الرجل.

    ونكاح رابع: يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة، لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات، تكون علماً فمن أرادهن، دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن، ووضعت حملها، جُمعوا لها ودعوا لهم القافة -أي: الذي يعرفون من الأرجل والخطوط والعلامات والقسمات، يعرفون هذا ولد من، وهذا أثر من ونحو ذلك، وهذه خبرة وإلهام- ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به، أي: التحق به، وانتسب، ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم بالحق، هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم] رواه البخاري رحمه الله تعالى في كتاب النكاح من صحيحه.

    وبهذا يتبين أنه كان يوجد عدة أنواع من الأنكحة، فمنها: النكاح الذي أقره الإسلام، ومنها: نكاح الاستبضاع المخزي؛ الذي يرضى به شخص أن تذهب امرأته إلى رجل شريف عندهم تجتمع معه ليولد ولد نجيب بزعمهم فيه صفات من ذلك الرجل، ويطؤها زوجها إذا تبين حملها، ويختلط الماء بالماء، ونكاح المشاركة المقرف الآخر الذي يجتمع الرهط ما دون العشرة، يدخلون على المرأة، فتختلط المياه والأنساب، ثم هي التي تعين الأب، ولا يمكن له أن ينتفي منه، ونكاح البغاء الذي يجتمع الناس الكثير على صاحبات الرايات، يدخلون عليهن بالزنا، ثم بعد ذلك يأتي القافة يلزمون من يرون بأن المولود له، فيلتزم به، وكانت العرب في الجملة تكره هذا النوع، وتسميهن المظلمات، والمهينات، وكان لا يليق بالحرائر عندهم، وإنما يمتهن هذا النوع الإماء والرقيق.

    وكان هناك نكاح الخدم، وهو ما يتخذ سراً، وكان العرب يقولون بزعمهم: ما استتر فلا بأس، وما ظهر فهو لوم، وهو الذي قال الله فيه: وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ [النساء:25] فاتخاذ الخدن حرام كما أن اتخاذ العشيقة حرام.

    ونكاح البدل كان في أهل الجاهلية أيضاً: يقول الرجل للرجل: اترك لي -أي: تنازل لي عن امرأتك- وأنزل لك عن امرأتي وأزيدك، ونحو ذلك مما يتفقان عليه.

    ونكاح المتعة من نكاح أهل الجاهلية: أن ينكح الرجل المرأة بشيء من المال مدة معينة، ينتهي النكاح بانتهاء المدة، وكان الزواج بالأسر يطلق على السبية اسم النزيعة، وعلى ولدها النزيع، ويتزوج الآسر من سبيته، كان ذلك في الجاهلية، والزواج بالشراء أن يشتري الفتاة من أبيها كالسلعة تماماً، والنكاح بالوراثة.

    كان الرجل في الجاهلية إذا مات وتحته امرأة، استبق إليها ورثته، فأيهم وضع عليها ثوبه قبل صاحبه كان الحق له فيها، يتصرف فيها كيف يشاء، وهذا الذي قال الله فيه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً [النساء:19] لأن إكراه المرأة حرام لا يجوز، وقال: وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:22] فإن الولد كان في الجاهلية يرث امرأة أبيه كبقية المتاع.

    1.   

    النكاح في الإسلام

    هذه الصور المحرمة التي كانت شائعة في الجاهلية، جاءت هذه الشريعة المباركة، الشريعة الحنيفية، الشريعة السمحة، شريعة الفطرة، الشريعة المطهرة من عند رب العالمين، فنسخت ذلك الحرام كله، وأباحت الزواج الحلال، ووضعت له شروطاً، ولذلك فإن النكاح في الإسلام شيء مقدس، وهذه الرابطة بين الزوجين رابطة مطهرة، لسيت برابطة بغاء ولا نجس، ليست برابطة قضاء وطر فقط، ولذلك جُعِلَ للنكاح في الشريعة أحكام تدل على أهميته، وسعت الشريعة لحماية جوانبه، وعدم الاعتداء عليها.

    أركان النكاح في الإسلام

    أركان النكاح في الشريعة ثلاثة:

    أولها: وجود الزوجين الخاليين من الموانع التي تمنع صحة النكاح: بألا تكون المرأة مثلاً من اللواتي يحرم على الرجل أن يتزوج بهن لنسب أو رضاع أو عدة أو غير ذلك، وألا يكون الرجل كافراً فتتزوجه امرأة مسلمة، أو المرأة كافرة يتزوجها رجل مسلم إلا المحصنة من أهل الكتاب، إلى غير ذلك من الموانع، فإذا خلا الزوجان من هذه الموانع، فإنه يجوز عند ذلك النكاح.

    الركن الثاني للزواج في الشريعة: حصول الإيجاب: وهو اللفظ الصادر من الولي، أو من يقوم مقامه، بأن يقول للزوج زوجتك فلانة، أو أنكحتك فلانة.

    الركن الثالث: حصول القبول: وهو اللفظ الصادر من الزوج، بأن يقول: قبلت هذا النكاح، أو هذا التزويج.

    واختار شيخ الإسلام رحمه الله وتلميذه: أن النكاح ينعقد بكل لفظ يدل عليه، ولا يقتصر على لفظ الإنكاح والتزويج، فإذا قال الرجل أبو البنت: زوجتك ابنتي فلانة، فقال الرجل الآخر: قبلت، فإنه حينئذٍ تنعقد عقدة النكاح، فإذا حصل الإيجاب والقبول انعقد النكاح، ولو كان المتلفظ به هازلاً لم يقصد معناه، وهذا من احترام الشريعة لهذا العقد أن جعلت الهازل ملزماً به، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث هزلهن جد وجدهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة) رواه الترمذي وهو حديث صحيح.

    فمنعاً للتلاعب، وبياناً لمكانة النكاح، وهذا العقد الخطير في الشريعة جعلت الشريعة الهزل في النكاح جداً، فإذا هزل معه، ومزح معه، وقال: زوجتك ابنتي، فقال: قبلت أيضاً هازلاً، ينعقد النكاح رغماً عنهما.

    هذه أركان النكاح، فما هي شروطه؟

    شروط صحة النكاح في الإسلام

    شروط صحته أربعة:

    الشرط الأول: تعيين كل من الزوجين، فلا يكفي أن يقول زوجتك بنتي، وعنده عدة بنات دون أن يسمي من هي التي زوجه إياها.

    الشرط الثاني: رضا كل من الزوجين بالآخر، فلا يصح النكاح إذا أكره أحدهما عليه، لحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن) متفق عليه، إلا ما كان من نكاح الصغيرة والمعتوه على الشروط التي بينها الفقهاء.

    الشرط الثالث: أن يعقد على المرأة وليها، لقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا نكاح إلا بولي ) رواه الأئمة الخمسة إلا النسائي ، فلو زوجت المرأة نفسها بدون وليها، فنكاحها باطل باطل باطل، لأن ذلك ذريعة إلى الزنا، ولأن المرأة في الغالب قاصرة النظر عن اختيار الأصلح لها، ولذلك خاطب الله الأولياء بالنكاح، فقال تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [النور:32].

    إذاً يزوج الولي بنته، أو موليته، أو أخته من الكفء، ويحرم عليه عضلها، وإذا عضلها -أي حبسها عن الزواج- كان للقاضي تصرف معه.

    وللأولياء ترتيب جاءت به الشريعة: أبوها، ثم وكيله ووصيه، ثم جدها لأب وإن علا، ثم ابنها، ثم بنوه -أحفاد المرأة- ثم أخوها لأبوين، ثم أخوها لأب، ثم بنوهما، ثم عمها لأبوين، ثم عمها لأب، ثم بنوهما، ثم أقرب عصبتها نسباً، فإن لم يوجد للمرأة ولي، زوجها الحاكم أي: القاضي ومن يقوم مقامه من الكفء.

    الشرط الرابع لصحة النكاح: الشهادة على عقد النكاح، لحديث جابر مرفوعاً: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) فلا يصح إلا بشاهدين عدلين، قال الترمذي رحمه الله: العمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من التابعين وغيرهم، قالوا: لا نكاح إلا بشهود.

    ما يحرم من النكاح في الإسلام

    فيحرم على الرجل أن يتزوج إحدى محارمه من النسب الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه بقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ... [النساء:23].

    ويحرم على الرجل من النساء ما يكون سببه الجمع، فيحرم الجمع بين الأختين، كما يحرم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة خالتها، فقد راعت الشريعة قضية صلة الرحم، وأن اتخاذ الضرائر من الأخوات، والمرأة وعمتها، والمرأة خالتها يفضي إلى قطع الرحم والعداوة بين أقرب الناس إلى بعض، ولا يحوز أن يجمع عنده أكثر من أربع نسوة، والآية في ذلك معروفة.

    ومن النكاح ما يحرم لعارض يزول، فإذا زال العارض جاز النكاح، فيحرم تزوج المعتدة من الغير، لأنه لا يؤمن أن تكون حاملاً، فيفضي النكاح الثاني إلى اختلاط المياه والأنساب، فإذا انقضت العدة جاز الزواج، وكذلك يحرم تزوج الزانية إذا علم زناها حتى تتوب، وتأتي الأخبار بأن سيرتها قد صارت سيرة حسنة، وأنها أقلعت عما كانت فيه، وأنها لم تر في موضع ريبة ولا شبهة، ولا خلوة، فإذا تابت جاز الزواج بها لقوله تعالى: وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3].

    كما لا يجوز تزويج الزاني أيضاً إلا بنفس الشروط السابقة.

    ويحرم على الرجل أن يتزوج من طلقها ثلاثاً، إلا إذا تزوجها بعده رجل آخر مريد للنكاح، يحصل بنكاحه وطء حقيقي، ثم إذا طلقها بعد ذلك حلت للأول.

    ويحرم تزوج المحرمة حتى تحل من إحرامها، ولا يحل أن يتزوج كافر امرأة مسلمة، ولا المسلمة أن تتزوج رجلاً كفاراً.

    ويحرم على الحر أن يتزوج أمة مسلمة إلا إذا خاف على نفسه من الزنا، ولم يقدر على مهر الحرة، أو ثمن الأمة، ويحرم على العبد أن يتزوج سيدته بالإجماع، وكذلك يحرم على السيد أن يتزوج مملوكته؛ لأن عقد الملك أقوى من عقد النكاح، فإذا أعتقها جاز له أن يتزوجها، وإذا جعل عتقها هو مهرها جاز ذلك أيضاً.

    1.   

    حكم نكاح الشغار في الإسلام

    ومن الأنكحة التي حرمتها الشريعة: ما يكون لوجود شرط فاسد في النكاح، ومن ذلك نكاح الشغار، ونكاح الشغار سمي من الشغور وهو: الخلو من العوض، وقيل: إنما سمي نكاح الشغار شغاراً من شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول، بهذه الهيئة القبيحة شبهه النبي صلى الله عليه وسلم تنفيراً منه، وحتى يبتعد الناس عنه، لأنه تجعل فيه المرأة بدل المرأة، وقد أجمع العلماء على تحريمه، وأنه باطل، ويفرق بينهما إذا حصل هذا النكاح، سواء صرحوا بنفي المهر أو سكتوا عن ذلك، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الشغار، وجاء في الحديث: (والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، وليس بينهما صداق) متفق عليه.

    قال شيخ الإسلام رحمه الله: "وفصل الخطاب أن الله حرم نكاح الشغار، لأن الولي يجب عليه أن يزوج موليته إذا خطبها كفء، ونظره لها نظر مصلحة لا نظر شهوة، والصداق حق لها لا له، وليس للولي ولا للأب أن يزوجها إلا لمصلحتها، فإذا زوجها لمصلحته غير مراعٍ مصلحتها فهو فاسق، خائن للأمانة ".

    وبعض الناس يزوجون بناتهم لمصالحهم الشخصية، ولا يكون في النكاح مصلحة للبنت، وبعض الناس يحبسون بناتهم عن الزواج، لأنه يريد أن ينتفع بمرتبها، لأنها موظفة، وكلاهما من الظلمة الذين سيحاسبهم الله يوم القيامة، قال شيخ الإسلام : "وليس له أن يزوجها لغرضه لا مصلحتها، وبمثل هذا تسقط ولايته، ومتى كان غرضه أن يعاوض فرجها بفرج الأخرى فهو نكاح الشغار".

    لم ينظر في مصلحتها، وصار كمن زوجها على مال له لا لها، وكلاهما لا يجوز، وعلى هذا لو سمى صداقاً حيلة -هو يريد بنت الرجل الآخر، أو أخت الرجل الآخر، فأعطاه ابنته أو أخته من أجل تلك المرأة، وسمى مهراً تغطية لنكاح الشغار- لم يجز ذلك كما نص عليه أحمد رحمه الله، لأن مقصوده أن يتزوج المرأة الأخرى ويزوج ابنته أو أخته لمصلحته هو، فهذا حرام لا يجوز.

    ونكاح الشغار، عرفه بعض العلماء: أن يزوج الرجل وليته لرجل آخر على أن يزوجه الآخر موليته وليس بينهما صداقاً، فإن سميا صداق حيلة فهو شغار أيضاً، وبهذا قال أحمد والشافعي ، فإذا سميا صداقاً ولم يكن حيلة، جاز عند أحمد والشافعي وغيرهما.

    ورأى بعض أهل العلم أن حقيقة الشغار هي: أن يزوج رجل وليته لرجل آخر على أن يزوجه موليته؛ سميا مهراً أو لم يسميا مهراً، كل ذلك شغارٌ عندهم.

    وذهب شيخ الإسلام رحمه الله إلى أن حقيقة الشغار هي: أن يقول الرجل لرجل آخر: زوجني موليتك على أن أزوجك موليتي، ويشترطان أن كل واحدة تكون مهراً للأخرى.

    فإذا كانت كل واحدة مهراً للأخرى، فسواء أضافا مبلغاً مالياً أو لا فما دام في القضية شرط، ألا نزوجك هذه حتى تزوجنا هذه فهو شغار عند بعض العلماء، وعند البعض الآخر إذا لم يقصدوا الحيلة وسميا مهر كل واحدة ودفع جاز ذلك.

    ونكاح التحليل أن يتزوج الرجل المرأة ليحللها لزوجها الذي طلقها ثلاثاً، سواء شرط ذلك عليه، أو لم يشرط عليه، فإنه حرام في جميع الأحوال، قال عليه الصلاة والسلام: (ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: هو المحلل) وقال: ( لعلن الله المحلل والمحلل له) رواه ابن ماجة والحاكم وغيرهما.

    فلا يجوز نكاح التحليل، فإذا تزوجها الثاني راغباً فيها، وليست نيته أن يحللها للأول، وكذلك إذا وطئها في هذا العقد الذي عقده عليها، ثم طلقها، فإذا انقضت العدة، جازت أن ترجع إلى زوجها الأول.

    فهذه بعض الأنكحة الفاسدة في الشريعة؛ لأجل فساد الشرط الذي حصل فيها، وهناك أنكحة أخرى فاسدة سنأتي عليها.

    ومن أسباب طرح الموضوع ولا أكتمكم أيها الإخوة: ما حصل فيه اللغط والكلام مؤخراً عن زواج يعرفونه بزواج (المسيار)، واختلط ذلك على بعض العامة بالهاتف السيار، فصاروا يقولون: الزواج السيار، وهذا الموضوع يرتبط بمسألة الشروط في النكاح، وسنبحث ذلك في الخطبة القادمة إن شاء الله مع مسألة أخرى وهي: ما حكم الزواج بنية الطلاق الذي يفعله بعض المغتربين وغيرهم؟

    ولكننا نحتاج إلى معرفة ما هو زوج المسيار؟ وما هي شروطه؟ وهل هو منضبط، لأن بعض الناس يطلقون ألفاظاً على شيء، ثم لا تجدهم يتفقون على حقيقته.

    وقد سبق أن ذكرنا الزواج العرفي، وقلنا: مهما كان تعريفه، فإذا توافرت شروط النكاح كان النكاح حلالاً، وزدنا ذلك بياناً في هذه الخطبة، ولكن إذا سألتم ما هو الزواج العرفي؟ منهم من يقول لك: هو الزواج السري؛ أي أن يتزوج سراً، ومنهم من يقول لك: هو زواج المتعة، ومنهم من يقول لك: هو الزواج الذي لا يسجل رسمياً، ولذلك نحن لسنا مع الأسماء، وإنما العبرة في المسمى وليس في الاسم، فهاتوا لنا ما وصل إلى أسماعكم من زواج المسيار هذا لنبحث ذلك إن شاء الله في الخطبة القادمة.

    نسأل الله وتعالى أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    حرمة نكاح المتعة في الإسلام

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، الذي خلق فسوى وقدر فهدى لا إله إلا هو، أشهد أنه هو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصبحه أجمعين، هو الرحمة المهداة، والسراج المنير، والبشير النذير، صلى الله عليه وعلى آله وذريته الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    عباد الله! إن نكاح المتعة من الأنكحة المحرمة في شريعتنا هذه، وقد كان هذا الزواج، مباحاً في فترتين من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة) متفق عليه.

    وفي رواية: (نهى عن متعة النساء يوم خيبر) متفق عليه، وأخرج الإمام مسلم في صحيحه : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم الفتح -فتح مكة - عن متعة النساء) وفي رواية لـمسلم : (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا أيها الناس إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع بالنساء، وإنه قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيءٌ فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما أتيتموهن شيئاً).

    فإذاً النص صريح جداً في تحريم نكاح المتعة، وبعض الناس يستدلون بقوله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [النساء:24] على إباحة نكاح المتعة، وبعض العلماء يقول: إنه ليس المقصود بها نكاح المتعة، وإنما الاستمتاع الذي يكون في النكاح العادي، فلا بد من المهر فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [النساء:24].

    ولو فرضنا أن المقصود بالآية نكاح المتعة فإنه قد نسخ بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم، والله تعالى أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يبين للناس ما نُزِّل إليهم من ربهم، فالسنة الصحيحة تنسخ آيات من القرآن أو تخصصها ونحو ذلك، كما أن السنة قد جاءت بتحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وتحريم لحم الحمار الأهلي، ولم يرد ذلك في القرآن، فالسنة تكمل القرآن وتشرحه وتبينه، وهذه وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقد أجمع العلماء واتفقأهل السنة والجماعة على تحريم نكاح المتعة، وهو نكاح لقضاء شهوة لا يوافق مقاصد الشريعة، قال الشافعي رحمه الله: "وجماع نكاح المتعة المنهي عنه كل نكاح كان إلى أجل من الآجال قرب أو بعد، وذلك مثل أن يقول الرجل للمرأة نكحتك يوماً أو عشراً أو شهراً، أو نكحتك حتى أخرج من هذا البلد، وما أشبه ذلك".

    وقال ابن قدامة رحمه الله: "معنى نكاح المتعة: أن يتزوج المرأة مدة مثل أن يقول: زوجتك ابنتي شهراً أو سنة أو إلى انقضاء الموسم، أو إلى قدوم الحج".

    سواء كانت المدة معلومة أو مجهولة، كزوجتك ابنتي شهراً (مدة معلومة) أو زوجتك ابنتي حتى يأتي فلان من سفره (مدة مجهولة) وكلاهما حرام ونكاح متعة.

    فهذا نكاح باطل نص عليه أحمد ، فقال: "نكاح المتعة حرام، وقد نقل عن بعض الصحابة شيء يفيد إباحته، فما نقل عنهم يحمل على عدم بلوغ النسخ لهم"، ولذلك فلما بلغ بعضهم النسخ -وهم قلة قليلة- رجع عن القول بنكاح المتعة، وقال بتحريمه والحمد لله، ولذلك فلا شبهة ولا إشكال عند أهل السنة والجماعة في أن نكاح المتعة حرام، ولكنه كان قد أبيح في فترتين قبل خيبر وفتح مكة يسيرتين لأجل سفر في غزو، ثم حرم بعد ذلك، وكان التحريم إلى يوم القيامة.

    ولا يمكن أن يتوافق هذا النكاح مع مقصد الشريعة في إقامة أسرة وإنجاب أولاد، وسكن بين الزوجين ونحو ذلك، والذين يقولون من أهل البدع: إن في نكاح المتعة حلاً لمشاكل الشباب الجنسية، فنقول: ائتوا بالحلول من الكتاب والسنة، وأما أن تأتوا بحلول محرمة فإنها ليست بحلول، ثم إنكم تريدون أن تحلوا مشكلة الشباب الذكور الجنسية، وتهملوا مشكلة النساء اللاتي يتزوجن يوماً أو شهراً أو سنة ثم بعد ذلك تترك، وتكون القضية مجرد قضاء وطر، وينتج ولد ولا يدرى لمن، وتستعجل فتعقد على غير نكاح متعة مما يجر إلى آخر ذلك من الفساد الذي يجر إليه هذا النوع من النكاح، نسأل الله السلامة والعافية.

    اللهم إن نسألك أن تطهر فروجنا وتحصنها يا رب العالمين بالحلال، اجعل بيننا وبين الحرام برزخاً وحجراً محجوراً، اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، واكفنا بفضلك عمن سواك، اللهم اجعلنا في بلادنا آمنين مطمئنين وسائر بلاد المسلمين وانصر المجاهدين، واحم حوزة الدين، واقمع أهل البدعة والمبتدعين، اللهم أظهر السنة في البلاد، اللهم اجعلها عامرة بذكرك يا رب العالمين، ووفقنا لكل ما فيه خير وصلاح للإسلام والمسلمين.

    إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90] فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2738873139

    عدد مرات الحفظ

    684559061