إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد المنجد
  3. المزيد من المنهجية في طلب العلم

المزيد من المنهجية في طلب العلمللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد وجدت العشوائية وعدم الثبات والاضطراب والتذبذب وعدم الاستمرار لدى الكثير من طالبي العلم الشرعي؛ فحدث الخلل، وما حدث ذاك إلا عند غياب المنهجية السليمة لطلب العلم. فلابد من تلافي الخلل ورسم الطريق الصحيح لمنهجية رائدة في طلب العلم، فلابد من التدرج في التعليم والصعود المتأني في سلم العلم. ولقد أجاد بعض الأفذاذ في السير على المنهجية الصحيحة فاستوى على سوقه فكان الرسوخ، وأخطأ بعض السذج فليس معهم إلا نتف من هنا وهناك.

    1.   

    الحث على الجدية في طلب العلم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا، وزدنا علماً إنك أنت العليم الحكيم.

    أيها الأخوة: أحييكم في هذه الليلة وأقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    وبعد:

    فإننا في هذه الليلة، سنكمل -إن شاء الله- ما بدأناه في ليلة الخميس الماضي، عندما شرعنا في الكلام على موضوع (طالب العلم والمنهج).

    وبعد المحاضرة الماضية كان هناك عدد من الأسئلة، وهذه الأسئلة تضمنت ردود فعل مختلفة من عدد من الإخوان؛ لسماعهم المحاضرة الماضية.

    فبعضهم رأى أن فيها حَثَّاً على الجدية في الطلب، واستثمار الأوقات، لكي يكون طالبُ العلم طالبَ علم حقيقي فعلاً.

    وبعضهم رأى في العرض السابق تثبيطاً وشعر بالإحباط في نفسه؛ لأنه لما قارن ما هو عليه بالمنهج الذي ينبغي أن يسير عليه طالب العلم، رأى أنَّ بين هذا وذاك بوناً شاسعاً.

    وبعضهم من أصحاب التخصصات العلمية والوظائف قالوا: إن معنى الكلام أنه ليس لنا موقعاً في طلب العلم، وأننا لا بد أن نتجه لقراءة كتيبات، ونترك العلم لأهل العلم.

    وبعضهم قال مازحاً: نريد أن نبيع الكتب الكبيرة التي اشتريناها من معارض الكتاب، فما فائدة وجود كتاب مثل: كتاب (المغني) لدينا.

    المقصود من طالب العلم والمنهج

    وحرصاً على إيصال الفكرة الصحيحة المُرادة، ونفي الخواطر غير الصحيحة المتَوَّهَمَة، أذكر ما يلي في نقاط سريعة:

    كانت المحاضرة الماضية هزة للذين يخادعون أنفسهم بأنهم طلبة علم وليس عندهم من العلم إلا النزر اليسير.

    وكانت المحاضرة الماضية تنبيهاً بأن طلب العلم مسألة شاقة وعسيرة، وأنها تحتاج إلى مجاهدة ومجالدة، وأنها تحتاج إلى صرف الأوقات والأعمار، وأن العلم غزير وكثير، إذا أعطيته كلك أعطاك بعضه.

    وهذا كان مقصد من المقاصد الأساسية في المحاضرة وهو: الحث على الجدية، واستثمار الأوقات، وأن طلب العلم ليس شيئاً سهلاً يناله كل أحد، وأن من قرأ كتاباً أو كتابين أو حضر درساً أو درسين أصبح طالب علم.

    وكانت المحاضرة تنبيهاً قوياً إلى بعض أصحاب الدراسات الدنيوية من أصحاب الشهادات العليا في العلوم الدنيوية- المتسلطين على العلم الشرعي بأهوائهم، والمتحكمين في أقوال العلماء بعقولهم القاصرة، التي لم تتشكل بالعلم الشرعي، وإنما غرور الشهادة الدنيوية جعلتهم يظنون أنهم يفهمون كل شيء، حتى الفتاوى والأحكام الشرعية.

    فهؤلاء لا بد أن يعرفوا حدودهم، ويعرفوا ما هو المنهج الصحيح في الطلب، وما هو موقعه بالنسبة للطلب، وبالنسبة لأهل العلم، ومَن تكلم في غير فنه أتى بالعجائب.

    ومن المقاصد في عرض الموضوع: الحث على تلقي العلم الشرعي عن أهله المختصين ما أمكن ذلك إن وجدوا.

    وتلقي باقي التصورات الإسلامية عمَّن يجيدها أيضاً.

    وتلقي الأدب عمَّن هو مشتهر به ومعروف.. وهكذا.

    وإن اجتمعت في شخص واحد فهذه النعمة، وإذا لم يوجد من أهل العلم المتخصصين مَن يمكن الوصول إليه والتتلمذ على يديه فلا بد من التعاون على دراسة الموضوعات الشرعية المختلفة، مع الأمثل فالأمثل.

    وقد تقدم أن المذاكرة الجماعية تقي الفرد كثيراً من الانحرافات في التلقي والخطأ في الفهم.

    1.   

    تنبيهات لأصحاب التخصصات

    كذلك لا بد أن يوقن أصحاب التخصصات غير الشرعية بعِظَم المهمة التي يضطلعون بها، وحجم الثغرة التي يقومون بسدها، وكثافة المسئوليات الملقاة على عواتقهم، وأن المجتمع يحتاج إلى الأطباء المتدينين الملتزمين بالدين، والمهندسين الملتزمين بالدين، والإداريين الملتزمين بالدين، والعسكريين الملتزمين بالدين.. وهكذا.

    فالذي يظن أن الإسلام لا يُخدَم إلا بطلاب العلم الشرعي المتخصصين، فنظرته قاصرة، وفي تفكيره خلل.

    فالمسئوليات الدينية كبيرة ينبغي القيام بها، كالتربية، والدعوة، وإنكار المنكر، وسائر فروض الكفايات.

    وتنبيه آخر لأصحاب التخصصات الشرعية لا بد من ذكره، وهو: أن الذين يظنون أن الجامعات الشرعية تُخَرِّج طلاب علم أقوياء إذا نجح الطالب في المقرارت فهم أناس مخطئون، فإن كثيراً من هؤلاء الطلاب يذاكرون للشهادة والنجاح، ولا يطلبون العلم حقيقة، وما الكليات الشرعية إلا مفتاح للبدء في الدراسة الجادة، وتأهيلاً للطلب، وليس هي نهاية الطلب، والمتخرج من الكلية الشرعية لم يُنْهِ علوم الشريعة، وإنما لا بد من التركيز والمواصلة، خصوصاً وأن كثيراً من الكليات الشرعية في العالم الإسلامي تعرضت إلى مؤامرات تحجيم وإزالة مقررات، وقد سمعتُ بنفسي مَن أخبرني من الذين درسوا في بعضها أن الجيد بخمسة جنيهات والجيد جداً بعشرة جنيهات!

    وكذلك فهناك اختلال في توجه أصحاب الطاقات العقلية لا يتناسب مع شرف العلم الشرعي بالمقارنة مع غيره، فبينما تجد كثيراً من النابهين يتجهون لدراسة العلوم الدنيوية، ترى في المقابل كثيراً من أصحاب الطاقات المحدودة والمستويات المنخفضة يتجهون للدراسات الشرعية.

    وفي بعض بلدان العالم الإسلامي توضَع المجاميع العالية للطب والهندسة والمجاميع المنخفضة للشريعة والآداب، في خطة تهدف إلى صرف الناس عن دراسة دين الله والإجادة فيه.

    ثم إن هؤلاء المتخرجين من الحقول الشرعية هم الذين يتولَّون المناصب الدينية؛ من الإمامة، والخطابة، والتدريس، والقضاء، والإفتاء، فتحدث الكارثة، وتعم المصيبة، وينعكس هذا سلباً بالطبع على تقبل الناس للدين وأهله.

    ولا بد بعد هذا من تسجيل حسنة عظيمة في حق بعض المتفوقين الذين آثروا دراسة دين الله، والمواصلة فيه، على دراسة علوم الدنيا، رغم كثرة الإغراءات الدنيوية والضغوط الاجتماعية.

    ومِن ثَمَّ فإن مَن آنسَ في نفسه قدرة على طلب العلم الشرعي والحفظ والفطنة، فإن عليه أن يتجه لهذه للدارسة منذ مرحلة مبكرة، فيتجه بعد دراسة الثانوية مباشرة مثلاً للعلم الشرعي والكليات الشرعية؛ لأن كثيراً من الطلاب بعد أن يقطع مشواراً في علم من العلوم الدنيوية يريد أن يغير تخصصه، فيضيِّع على نفسه سنين، ويحصل عنده شيء من عدم الاستقرار، ولذلك فإن هذا التخطيط ينبغي أن يكون من مرحلة مبكرة.

    أمور يجب ملاحظتها على خريجي الثانوية

    كما أن هؤلاء المتخرجين من المدارس الثانوية، ينبغي عليهم أن يلاحظوا أموراً، منها:

    أن هناك مصالح شرعية عظيمة، كأمور تتعلق بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وتربية الناس، قد يكون الإنسان مجيداً فيها، وقد يرى من المصلحة أن يدخل في هذه المجالات ويخدم فيها، ويتأخر معه التركيز الشرعي العلمي إلى مرحلة تالية، ربما تكون بعد تخرجه من هذه الكلية غير الشرعية التي يدرس فيها، وذلك من أجل تحصيل المصالح الأخرى.

    فالمسألة إذاً دراسة ومشاورة، وتفكُّر واستخارة، وليست القضية خبط عشواء.

    وليس المقصود من عرض منهج طلب العلم إحداث الخلخلة في الأوساط التربوية واحتقار ما فيها والانسحاب منها، بحجة افتقارها إلى الجودة العلمية، وإنما المقصود: إثراء هذه الأوساط وتقويتها، ونشر العلم فيها، ودعمها بالبرامج العلمية الشرعية الجادة، فلا خير في تربية ودعوة بلا علم شرعي، ولا خير في طلب علم لا يرافقه تربية ولا تأديب ولا اشتغال بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

    وليس المقصود من عرض صفة طالب العلم إحداث التمرد والمشاغبة على كل مُرَبٍّ وقدوة، بحجة أن عنده شيئاً من النقص في طلب العلم؛ لأن كثيراً من هؤلاء تشغلهم طاعة أخرى عن التفرغ للطلب، وهناك فروض كفايات لا بد أن يقوم بها بعض أفراد الأمة، وإلا أثمت الأمة.

    والمقصود أن يتجه الشاب إلى الطلب الجاد مع استمراره في التربية والتلقي في التصورات والمفاهيم الإسلامية، وصقل شخصيته من خلال التقائه بالقدوات، خصوصاً وأن بعض هؤلاء قد لا يكونون متركزين إلا في بعض الجامعات غير الشرعية تركزاً كبيراً يساعد على صقل الشخصية واستمرارية التربية.

    التخصصات التجريبية

    لا يمكن أن يكون المقصود من العرض السابق: إخراج أصحاب التخصصات الدنيوية من دائرة العلم الشرعي، فالعلم الشرعي مراتب، وما لا يدرك كله لا يترك بعضه، ولا شك أن كثيراً من أصحاب هذه التخصصات الدنيوية يتميزون بعقليات جيدة يستوعبون بها كثيراً من العلم، وإنما كان المقصود: أن تحصيل العلم وطلبه يحتاج إلى تفرغ لا يتأتى مع انشغال أصحاب هذه التخصصات بتخصصاتهم، ولكن لا بد من الإعداد العلمي قدر المستطاع، إذ هلْ نترك هؤلاء الطلاب جهالاً؟ أو يقال لهم: استمروا على قراءة الطب، وكتب الهندسة، واتركوا العلم الشرعي بالكلية، ولا تتفقهوا في دين الله! إن الذي يقول هذا لا شك أنه مخطئ، فكيف ندعو الناس إلى ترك العلم الشرعي بالكلية بحجة أنهم في تخصصات دنيوية.

    ولعل الفرصة تتاح لهؤلاء لمزيد من التركيز بعد تخرجهم من هذه التخصصات، حيث ينطلقون إلى شيء من التفرغ الذي يتيح له التأسيس مع وجود بعض الحلق العلمية في البلد، وفي بعض الأماكن.

    فإذا تخرج وعنده خلفية، وقراءة واطلاع سابق في العلم الشرعي، فإنه يجد نفسه عنده من الحصيلة ما يساعده على الاتجاه المؤسَّس القوي في المستقبل، بخلاف ما لو أهمل ما يستطيعه من الطلب الشرعي أثناء الدراسة الدنيوية، فإنه سيجد نفسه لو أراد التأسيس فيما بعد غريباً كل الغرابة عن مجال العلم الشرعي، والطالب الجامعي الذكي قد يحصّل في الصيف، واستثمار الأوقات أثناء العام، أكثر مما يحصل طالب في كلية شرعية، أقل منه ذكاء وتوقداً.

    وإننا نقول للمهندس الذي يتخرج مثلاً ثم يعمل دواماً حكومياً إلى الساعة الثانية والنصف، ويخرج بعد ذلك متحرراً من ربقة الدوام: إنك تستطيع أن تكون طالب علم جيد ولا شك، وقل مثل ذلك وأسهل بالنسبة للمدرس الذي هو أقل دواماً وأكثر إجازات.

    لكننا نقول: إن أخذ الأمور بواقعية مهم، وإن الجمع بين نوعين من الدراسة الشرعية وغير الشرعية فيه صعوبة كبيرة، هذا الذي نريد أن نقرره، ونلفت النظر إليه.

    ويوجد نوادر تستطيع الجمع بين الأمرين، وكذلك فإن كثيراً من هؤلاء الطلاب في المجالات الدنيوية يستطيعون خلال العُطَل والإجازات عمل شيء كثير لو أحسنوا استغلال أوقاتهم.

    ثم إنك تجد في الواقع أن كثيراً من هؤلاء الشباب لا يتجهون اتجاهاً دينياً واضحاً يؤدي في النهاية إلى الاهتمام بالعلم الشرعي؛ إلا في مراحل من الدراسات الجامعية غير الشرعية، فمتى كانت هدايته لدين الله والالتزام بالإسلام إلا في هذه الجامعة! وبعد ذلك سيحس بأهمية العلم الشرعي، ويُقْبِل على طلبه، فيجد صعوبة في الجمع بين الأمرين، فماذا يفعل وقد قطع مشواراً في هذه الكلية؟!

    هل نقول لهؤلاء: ما دمتم قد اهتديتم في هذه الكليات الدنيوية آخرجوا بعد سنة أو سنتين أو ثلاث، وانطلقوا إلى الكليات الشرعية، واتركوا ما بدأتموه ولم يبقَ على إتمامه إلا شيء قليل؟

    لا شك أن ذلك لا يكون من الحكمة في كثيرٍ من الأحيان.

    نبوغ أصحاب التخصصات

    تكلمنا أيضاً أنه قد يوجد من الندرة، ندرة من الناس تستطيع الجمع بين الأمرين، ورغم قلة هؤلاء إلا أنهم أثبتوا أن هذا شيء عملي يمكن أن يقع إثباتاً يمنع اليأس من المحاولة.

    ثم إن كثيراً من هؤلاء الطلاب الذين يدرسون في الجامعات غير الشرعية عندما أقبلوا على التعلم وأحبوا دين الله كانوا سبباً لتنشيط العلماء والشيوخ ودفعهم إلى التدريس، بل إن لهؤلاء أثراً بارزاً في إبراز دور الشيوخ والعلماء وتسليط الأضواء عليهم، لدرجة أن بعض الشيوخ والعلماء إذا سمعوا أسئلة هؤلاء ومناقشاتهم لا يخطر ببالهم مطلقاً أنهم ليسوا أصحاب تخصصات شرعية، بل لقد علق بعض الأكابر من العلماء على هؤلاء مستغربين؛ لأن كلياتهم ليست كليات طب وهندسة، وإنما هي كليات شريعة ودعوة، بل ربما نصحوا بعض هذه النوعيات بالإتجاه إلى الكليات الشرعية للتخصص.

    وإنني أقول: إن وجود هذه الندرة ممن تستطيع الجمع بين الأمرين في الكليات غير الشرعية، وجودهم فيها أمر في غاية الأهمية؛ لأن وجودهم يساعد في ضبط المنهج، والوقاية من الانحراف، والإجابة على الأسئلة والاستفتاءات.

    فمن العيب الكبير أن توجد كلية طب أو كلية هندسة مثلاً فيها طلاب مسلمون كثيرون، لا يوجد واحد منهم يجيبهم على سؤال يتعلق بصلاة كسوف، أو خسوف، أو يجيبهم على سؤال يتعلق بأمرٍ من الأمور التي تواجههم في حياتهم، على الأقل يوجد من يحفظ فتاوى العلماء لينقلها إليهم وهذا بحد ذاته نوع من التحصيل للعلم.

    الجمع بين العلوم الشرعية والدنيوية

    إذاً: المحاضرة السابقة كانت مكاشَفة ومصارَحة، وليست تأييساً ولا إحباطاً للمعنويات، علماً أنني وجدت من خلال الأسئلة والتعليقات أن تلك المحاضرة السابقة وافقت هوى في بعض نفوس الكسالى والجهال، وقالوا: ما دام ليس لنا أمل في طلب العلم الشرعي ونحن أصحاب تخصصات غير شرعية، فلنركز على دراساتنا الدنيوية إذاً؛ لنخرج بأحد الأمرين على الأقل، وقالوا: لا يصلح أن نتجه لدراسة شيء من العلم الشرعي، فإن المفهوم أنه ينبغي علينا أن نتخصص ونركز ونتقن هذا التخصص الدنيوي، ونترك طلب العلم الشرعي بالكلية، ولا شك أن هذا من الغلو، ومن الانحراف في الفهم.

    وكثير من ضوابط المنهج التي ذكرناها في المحاضرة الماضية تنفع لغير المتفرغ.

    فلا بد أن ندرك أن طلب العلم الشرعي ليس مقيداً بالتخصص، وإن كنا نعرف أن طالب العلم غير الشرعي قد لا يستطيع أن يكون طالب علم شرعي قوي ويجمع بين الأمرين، مع صعوبة دراسته وكثافتها؛ لكننا نؤكد على الحقيقة، ونقول مرة أخرى: إن المطلوب منك يا أيها الدارس في الكلية غير الشرعية، أمر يحتاج إلى تصميم ومجاهدة لأن فيه صعوبة بالغة؛ لأنك تحتاج أن تجمع بين أمرين لا يتيسر الجمع بينهما بسهولة.

    ولا شك أن مما يميز الدعوة الصحيحة: اقترانها بطلب العلم الشرعي على قدر المستطاع، فلا بد من حضور الدروس والحلق الممكن حضورها، والقراءة في كتب العلماء، وإنما نقول: إن طالب علم الشريعة المتخصص في كليته الشرعية عنده فرصة أكبر وأمره أسهل، وفرصة طالب العلم الدنيوي في طلب العلم الشرعي أقل بالنسبة لطالب الكلية الشرعية، ولا يعني هذا أن طالب الشريعة سيكون طالب علم بتخصصه بالضرورة، ولا يعني أن طالب العلم الدنيوي لا يمكن أن يكون طالب علم شرعي بحالٍ من الأحوال.

    وطالب العلم الدنيوي إذا طلب العلم الشرعي فإنه يحتاج إلى جهد أكبر، لأنه يعاني من ازدواجية، لكنه مطالَب بتخصص ينفع به المسلمين أو يبر فيه والديه، ومطالب كذلك بتعلُّم دين الله.

    1.   

    المنهج السويّ لطلب العلم

    ننتقل الآن لإكمال ما تبقى من الضوابط المتعلقة بالمنهج والإرشادات والنصائح في طلب العلم، وقد ذكرنا في المرة الماضية أموراً تتعلق بالتدرج والأولويات :-

    ونضيف إلى ذلك: أن أصل العلوم النقلية هي:

    الشرعيات من الكتاب والسنة التي شرعها الله ورسوله.

    ثم يستتبع ذلك علوم اللسان العربي الذي هو لسان الملة، وبه نزل القرآن.

    أصناف العلوم النقلية

    أصناف العلوم النقلية كثيرة؛ لأن المكلف يجب عليه أن يعرف أحكام الله تعالى المفروضة عليه، وهي مفروضة من الكتاب والسنة؛ بالنص، أو بالإجماع، أو بالإلحاق.

    فلا بد من النظر في الكتاب ببيان ألفاظه أولاً.

    ما هو الكتاب؟

    القرآن الكريم. وهذا هو: علم التفسير.

    ثم بإسناد نقلته وروايته إلى النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء به من عند الله، واختلاف روايات القراء في قراءته، وهذا هو: علم القراءات.

    ثم بإسناد السنة إلى صاحبها، والكلام في الرواة الناقلين لها، ومعرفة أحوالهم وعدالتهم؛ ليقع الوثوق بأخبارهم، بعلم ما يجب العمل بمقتضاه من ذلك، وهذا هو: علوم الحديث.

    ثم لا بد في استنباط هذه الأحكام من أصولها من وجه قانوني يفيد العلم بكيفية هذا الاستنباط، وهذا هو: أصول الفقه.

    وبعد هذا تحصلُ الثمرة بمعرفة أحكام الله تعالى في أفعال المكلفين، وهذا هو الفقه.

    فإذاً: القرآن، والحديث، والفقه.

    وهناك علوم آله، ذكرناها أيضاً، مثل: أصول الفقه، والمصطلح، واللغة.

    قال ابن خلدون رحمه الله : ثم النظر في القرآن والحديث لا بد أن تتقدمه العلوم اللسانية؛ لأنه متوقف عليها، وهي أصناف، فمنها:

    1- علم اللغة.

    2- وعلم النحو.

    3- وعلم البيان.

    4- وعلم الأدب.

    كيف تتدرج في دراسة فن؟

    ذكرنا في موضوع التدرج أموراً، ونضيف إليها كذلك:

    تلقي مسائل كل باب من أبواب الفن أولاً :-

    فإذا أراد الإنسان أن يدرس فنّاً من الفنون، فكيف يتدرج في دراسته؟

    أولاً: يتلقى مسائله الأصلية -أصول الفن- ويقرأ شرحها ويَسْمعه من الشيخ على سبيل الإجمال، ويراعي في ذلك استعداداته وعقليته حتى يُنهِي الفن بشكل مُيَسَّر مبسَّط شامل في البداية، فيتهيأ لفهم الفن وتحصيل مسائله بعدما أخذ فكرة إجمالية عنه.

    ثم يرجع إليه مرة ثانية بمرحلة أعلى من الأولى فيها رتبة أعلى، فيستوفي الشرح والبيان، ويخرج عن الإجمال، وتُذْكَر له أوجه الخلاف إلى أن يتمه مرة أخرى.

    ثم يرجع ثالثة وقد اشتد فلا يترك عويصاً ولا مغلقاً إلا فتح مُقْفَله، فيخلص من الفن وقد استولى على ملكته وحصل له بذلك نفع كبير.

    فإذاً هذا التدرج وهو في الغالب يأتي على ثلاث مراحل.

    كما ذلك ذكر بعض أهل العلم، هذا أمر مهم؛ لأن بعض الطلاب إذا أراد أن يدرس فناً، فإنه يريد أن يأتي من أوله على دقائقه، وتفصيلاته، ومسائله، وتعقيداته، وعُمقه، وهذا خطأ، فلا بد أن يأخذ ما يلي:

    أولاً: فكرة إجمالية عبر متن مبسَّط سهل في شرح عام من دون الغوص في التفاصيل، ثم بعد ذلك المرحلة الثانية: يعرف الخلافات، ثم المرحلة الثالثة: يغوص في دقائقه ومصاعبه.

    لأن المتعلم إذا حصَّل مَلََكة في علمٍ من العلوم استعدَّ بها لقبول ما بقي، وحصل له نشاط في طلب المزيد، أما إذا غاص من البداية في عمقه فإنه يعجز عن الفهم، ويحصل له يأس من التحصيل.

    وتكلمنا كذلك على مسألة البدء بصغار العلم قبل كباره، وهذه تتبع التدرج، وقال الله عز وجل: وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ [آل عمران:79] والرباني هو: الذي يبدأ بصغار العلم قبل كباره، ويعلم الناس صغار العلم قبل كباره.

    وقد قال بعض العلماء وهو علي بن المديني -رحمه الله- معلقاً على هذه المسألة في قضية طلب الحديث؛ لأن طلاب الحديث كانوا يكتبون الحديث في البداية.. يكتبون الحديث البسيط الذي له طرق بسيطة، ثم يبدءون يكتبون الحديث الذي له طرق أكثر.. وهكذا يتدرجون.

    فقال ابن المديني ضارباً المثل على هذا المفهوم: إذا رأيت الحَدَث أول ما يكتب الحديث يجمع حديث الغُسْل وحديث مَن كذب، فاكتب على قفاه: لا يفلح؛ لأن حديث الغسل وحديث مَن كذب هذه أحاديث أطرافها واسعة، وطرقها كثيرة جداً، فإذا بدأ بها بدأ معناها بالمقلوب.. بدأ بالواسع.. بدأ بالكثير ولم يبدأ بالسلم من بدايته.

    وقال ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- فيما ينبغي على طالب العلم أن يجمع: ينبغي عليه أن يتدرج، فيأخذ المبسط، ثم بعد ذلك يضيف إليه ما اجتنى من الثمرات، ويقتنص الفوائد.

    من أسباب القصور في تحصيل الفقه

    اعلم رحمك الله تعالى -أيها الأخ المسلم- أن الذين يبدءون بطلب العلم في الفقه مثلاً، فيبدءون في العبادات مثلاً بالطهارة، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، فتقصر هِمَمُهم ويتوقفون ولا يدخلون في المعاملات بعد ذلك، فلا يعرف البيع، والنكاح، والإجارة، وغير ذلك من أنواع الفقه.

    ولعل السبب في هذا أمور، فمنها:

    1- عدم التوجيه.

    2- أو البدء بكتاب صعب.

    3- أو الدخول في حلقة متقدمة جداً.

    4- أن يأخذ الفقه في دروس متباعدة، كأن يقتصر على الإجازات فقط في كل سنة، فلا ينتهي من الصلاة ولا من الزكاة إلا بعد فترة طويلة جداً يفتر فيها حماسه.

    فلا بد إذاً أن تكون الدروس متقاربة قدر الإمكان، خصوصاً في العلوم التي تحتاج إلى فترة في التحصيل لأنها طويلة، مثل: التفسير، والحديث، والفقه.

    طرق التحصيل لكل فن

    لا بد أن نعرف أن طرق التحصيل لكل فن يتلخص فيما يلي:

    أولاً: حفظ مختصر فيه.

    ثانياً: ضبطه على شيخ متقِن.

    ثالثا: عدم الاشتغال بالمطولات والتفاريع قبل ضبط الأصل وإتقانه.

    رابعاً: عدم الانتقال من مختصر إلى آخر دون سبب وجيه.

    يتم الضبط بالقراءة على شيخ، أو بالرجوع إلى معاجم اللغة، وكذلك كتب الضبط التي كتبها العلماء، اصطلاحات العلماء، أو التأمل في العبارة، والقاعدة تقول: (إنما يُشْكَّل ما يُشْكِل) ما الذي يُشْكَّل بالضمة والفتحة والكسرة والسكون؟ هو الذي يُشْكِل، كما أن الدابة تُضْبَط بالشِّكال فتُقَيَّد.

    إذاً: العبارة التي تُضْبَط تقيد بالضبط حتى لا يحدث التباس في إعرابها, ومما قالوه في هذه المسألة: أولى الأشياء بالضبط: أسماء الناس؛ لأنه شيء لا يدخله القياس، ولا قَبْله شيء يدل عليه، ولا بعده شيء يدل عليه، أسماء الرواة مثلاً.

    التصرف مع المتون الصعبة

    كذلك من الأمور والمصاعب التي تواجه طالب العلم: أنه يقع على متن من المتون الصعبة، وهذه المتون الصعبة بعض العلماء أراد أن يختصر العلم الكثير في مقطوعة قصيرة، أو في منظومة قليلة الأبيات للتيسير، فالذي حصل مع هؤلاء أنهم صعَّبوا الأمور وعقدوها؛ لأنهم يريدون أن يجعلوا المعاني الكثيرة في ألفاظٍ قليلة، فيأتي الطالب المبتدئ فيجد المتن أمامه صعباً لا يستطيع أن يحل رموزه.

    ولذلك لا بد أن ينتقي متناً سهلاً يدرسه على شيخ قدر الاستطاعة، أو يأخذ لهذا المتن شرحاً يفك إشكالاته، فإذا كان الأصل فيه بساطة فكذلك الشرح سيكون متيسراً بطبيعة الحال.

    المواصلة والاستمرارية

    ومن الأمور المهمة: المواصلة والمواظبة والاستمرارية، وهذا الأمر قد أشرنا إليه في السابق، ونزيد عليه بأن بعض الطلاب الذين يعتريهم الفتور ينبغي أن يكون الحماس متولداً، وينبغي أن يكون هناك في الوسط مَن يحمِّس ويشعل الحماس مرة أخرى، وينبغي إذا غابت الدروس فترة في الامتحانات أن تعود للظهور مرة أخرى، حتى تحصل العودة.

    ولا شك أن من ضعف الحماس أن يوجه الإنسان فترات مثل فترات الامتحانات والاختبارات، ولكن يجب أن يبدأ بعدها بانطلاقة كبيرة؛ لأنه من المفترض أن يكون متشوقاً متلهفاً لإكمال المشوار.

    كان رجل يطلب العلم فلا يقدر عليه، فعزم على تركه، فمر بماء ينحدر من رأس جبل على صخرة قد أثَّر فيها، فقال الرجل: الماء على لطافته قد أثَّر في صخرة على كثافتها! والله لأطلبن، فطلب، فأدرك.

    ولذلك فإن المسألة تحتاج إلى مواصلة ومتابعة، وبالتدرج وبمرور الوقت يحصِّل الإنسان أشياء كثيرة.

    استعجال النتيجة

    ومن أسباب ترك المنهجية في الطلب: استعجال النتيجة، فبعض الناس يتصورون أنه لا بد أن يحصل المسائل ويجمع الأشياء في مدة قليلة، وأنه يستطيع أن يفعل ذلك، وخصوصاً إذا بدأ طالب العلم بدراسة علوم الآلة، ودراسة علوم الآلة لا تُشْعِر الدارس أنه قد حصَّل علماً كثيراً؛ لأنه يدرس أشياء في المصطلح والأصول والنحو، لا يحس أنه قد جمع وحفظ ووعى مسائل، ويحس أن دائرة معلوماته قليلة، وفي الجانب المقابل ينظر إلى الفوضوي الذي لا يدرس على أصول، ولا على منهج، ولا يدرس مثلاً علوم الآلة إنما يفتح الكتب فقط ويقرأ، ويجمع من هنا ومن هنا، فتحدث في خلال النقاشات أشياء تُشْعِر الشخص الدارس على منهج والذي يبدأ بدراسة علوم الآلة أن الشخص الفوضوي الآخر أحسن منه، وأنه جمع ما لم يجمع، وحصَّل ما لم يحصِّل، فيتأسف ويقول: لا فائدة إذاً من هذا المنهج الذي لم يزِدْني شيئاً؛ لكن ليعلم أنه بعد سنوات عندما يقارن نفسه وقد أسَّس نفسه بالآخر الفوضوي الذي يقرأ مما هبَّ ودبَّ أنه يكون أحسن وأوعى وأحفظ وأضبط، وأكثر جمعاً للمسائل في النهاية، وقد تشابكت عنده أطراف العلم، وتشابكت عنده الخطوط وتقاطعت، فترسخت هذه الأمور في نفسه.

    ولا يصلح أن تشعرك النقاشات مع بعض الفوضويين وتحس أن عندهم أشياء وأطراف بحيث ينبغي عليك أن تترك المنهج؛ لأنه لم يفِد ولم يؤدِّ إلى تحصيل أشياء كثيرة في وقت قليل، وأصحاب التجميعات هؤلاء ما عندهم أسس ولا قواعد، ولذلك يصعب النقاش معهم، وكثير من الشباب يتركون المنهجية من أجل القفز، والعجلة من الشيطان، من أجل القفز، يقولون: إذن نحصل العلم بسرعة، ونأخذ ونقرأ الكتب الطويلة، وهم ما بدءوا بالكتب الأساسية، والعلم لا يأتي بسنة ولا بإتمام منهج (البكالوريوس) في العلوم الشرعية، وإنما لا بد أن يصبر الإنسان حتى يحصِّل، ومن صبر ظفر.

    إفناء العمر في علوم الآلة

    من الأخطاء التي يقع فيها البعض في المقابل: إفناء العمر في علوم الآلة، فيتبحر في النحو، أو في الأصول، أو في المصطلح، ويترك معاني القرآن والسنَّة، مع أنك تدرس علوم الآلة لغرض فهم معاني القرآن والسنة، فهل تتبحر فيها تاركاً علوم معاني القرآن والسنة؟ هذا خطأ.

    فإذاً علوم الآلة ليست مقصودة لذاتها، وإنما تراد لغيرها، وهي مرقاة للوصول إلى فهم الكتاب والسنة، فلا يصح إفناء العمر فيها.

    تقييد العلم بالكتابة

    ومن الأمور المهمة أيضاً في طريق طلب العلم: تقييد العلم وخصوصاً الفوائد، والشوارد، واستعمال هوامش الكتب، وبعض الشباب إذا اشترى كتاباً فوجد فيه صفحة بيضاء من أوله وصفحتين في آخره، قال: ما بال هؤلاء الأغبياء يضيعون الأوراق! مع أنه ما عرف أن لهذه الأوراق البيضاء فوائد كثيرة في كتابة اللطائف والشوارد والأشياء التي قد لا تكون موجودة في محل يسهل الوصول إليه، فيقيدها في أول الكتاب أو في آخره، أو كتابة بعض التحقيقات، أو الإضافات، وكذلك ترتيب الهوامش والجوانب في كل صفحة؛ لأنك إذا أردت أن تكتب شرحاً على متن مثلاً فتحتاج أن تجعل الشرح أمام العبارة؛ لأن بعضهم لا يحسن الحساب، فيبدأ يكتب بخط طويل أو بخط كبير من أوله، فلا يجد نفسه إلا وقد أتى في شرح العبارة الأولى إلى موضع العبارة الخامسة، فلم يرتب الصفحة، ولم يحسب الحساب، وهذا فن بحد ذاته، وهو قضية إعداد الهوامش وإعداد الجوانب وترقيمها، ووضع أرقام في كلا الجانبين.. في الأصل وفي الشرح وفي الحاشية، حتى تعرف أن هذا الشرح لهذه العبارة.. وهكذا، وحسن تنظيمها وترتيبها يساعدك على استذكارها واستعادتها مرة أخرى.

    وأما تقييد العلم فقد جاء فيه أحاديث، ومن ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: (قيدوا العلم بالكتاب).

    وكان لـعلي صحيفة كَتَب فيها أحاديث.

    ولـعبد الله بن عمرو بن العاص صحيفة يقال لها: الصادقة.

    وقال الشعبي : لا تدع من العلم شيئاً إلا كتبته.

    وقالوا: الحِبْر عِطْر الحَبْر.

    مَن هو الحَبْر؟ العالِم.

    والِحبْر؟ حِبْر المحبرة، المداد.

    قالوا: الحِبْر عِطْر الحَبْر، الناس الآن يضعون (كالونيات) وأشياء وعطورات، والعالِم عِطْره حِبْر قلمه.

    العلم صيدٌ والكتابة قيده     قيد صيودك بالحبال الموثقة

    فمن الحماقة أن تصيد غزالة     ثم تدعها في البراري مطلقة

    الانشغال بالكتابة عن الحفظ والتدبر

    وفي المقابل من الأشياء المهمة: الحذر أن تشغلك الكتابة عن الحفظ والتدبر، قال ابن الجوزي رحمه الله: تأملت حالة تدخل على طلاب العلم توجب الغفلة عن المقصود، وهو: حرصهم على الكتابة خصوصاً المحدِّثين، فيستغرق ذلك زمانهم عن أن يحفظوا أو يفهموا، فيذهب العمر وقد عرُوا عن العلم إلا اليسير، فمن وُفِّق جعل معظم الزمان مصروفاً في الإعادة والحفظ، وجعل وقت التعب من التكرار للنسخ فيحصل له المراد. وهذه مسألة مهمة.

    العلم الأساس، ما هو العلم؟ هو المحفوظ في الصدور، فإذا صرف الإنسان وقته للكتابة، هناك بعض الشباب مثلاً يجيدون كتابة الأبحاث، فيكتبون أبحاثاً وأشياء كثيرة وتحقيقات؛ لكنهم لا يصرفون وقتاً في الإعادة والتكرار والحفظ، مع أن هذا هو العلم في الأصل، أصل العلم هو: ما وقر في النفس.

    فهؤلاء عندهم أبحاث كثيرة جداً؛ لكنك لو جئت سألته عن مسألة؟ يقول: لحظة أبحث على أوراقي.. الأوراق غير موجودة.. أوراقي ليست مفهرسة.. ضاعت أوراقي، وإن سألته في الشارع أو في مكان ليس عنده أوراقه فيقف أمامك مبهوتاً مفلساً، ليس عنده شيء.

    ولذلك لا بد أن يكون أكثر الوقت للحفظ والتكرار، ووقت آخر لتقييد الفوائد والشوارد، وكتابة الشروح؛ لأنك إذا لم تكتبها ربما تضيع منك.. فما هو الحل؟ أن تكتبها، وكذلك لو قلنا لك: اكتب دائماً، اعمل بحوثاً، واكتب حواشٍ، وما قرأت هذه الحواشي، ولا قرأت المتن ولا شرحه ولا الأصل ولا التعليق عليه، فكيف يكون هذا طلب علم؟! لا يكون طلباً.

    وقال ابن الجوزي رحمه الله: ولما كانت القوة تَمَل فتحتاج إلى تجديد، وكان النسخ والمطالعة والتصنيف لا بد منه، مع أن المهم الحفظ، وجب تقسيم الزمان على الأمرين، فيكون الحفظ في طرفي النهار وطرفي الليل، ويوزع الباقي بين عمل النسخ والمطالعة، وبين راحة البدن وأخذ لَحْظة، ولا ينبغي أن يقع الغبن بين الشركاء.

    قال: والنفس تهرب إلى النسخ والمطالعة والتصنيف عن الإعادة والتكرار؛ لأن ذلك أشهى وأخفَ عليها، فلو سألتكم سؤالاً، فقلت: هل الأصعب على النفس التكرار والحفظ أو الكتابة والتدوين؟

    الجواب: التكرار والحفظ؛ لأنه يحتاج إلى مجهود أكبر، ولأنه يحصل فيه ملل، أما الكتابة فأنت تنتقل من شيء إلى شيء، ومن مسألة إلى أخرى، وتدوِّن، وكذا الحفظ فأنت تحتاج أن تقرأ العبارة عشر أو عشرين مرة حتى تحفظها، وهذا يوجِد مللاً، ولذلك يجب على الإنسان أن يقاوم نفسه، ولا ينجرف معها فيما تتجه إليه.

    وقال أيضاً رحمه الله: ما رأيت أصعب على النفس من الحفظ للعلم والتكرار، وخصوصاً تكرار ما ليس له نفس في تكراره وحفظه، وكذلك حفظ مسائل الفقه بخلاف الشعر والسجع، فإن للنفس لذة في إعادته.

    لكن ينبغي للعاقل أن يجعل جُلَّ زمانه للإعادة، خصوصاً الصبي والشاب، فإنه يستقر المحفوظ عندهم استقراراً لا يزول، وسيندم من لم يحفظ وقت الحاجة إلى النظر والفتوى، وينبغي أن يُحْكِم الحفظ، ويكثر التكرار ليثبت قاعدة الحفظ.

    إذاً: صرف الوقت الأكثر للحفظ، وحفظ بعض الأشعار والأدبيات جيدة من باب الترويح على النفس؛ لكن لا تصبح هي المقصود وهي الهم الأكبر.

    تأجيل علم لم يُفهم في الحال

    ومن القواعد كذلك في الطلب أنه إذا استغلق عليك فهم علم، أجِّله حتى تتهيأ لك فرصة أخرى للفهم،

    فبعض الشباب مثلاً يريد أن يدرس النحو، فيبدأ بكتاب ويقرأ في شرحه، فيجد أنه لا يفهم في النحو ولا يجيده، ولم يفقه فيه، ما زال عنده التباس بين الفاعل والمفعول، وبين الحال والتمييز.. وهكذا من أنواع الأشياء وأقسامها.

    فإذا ما وجد انطلاقة في البداية فإنه في هذه الحالة يؤجل دراسة هذا العلم فترة من الزمن لعله أن يلاقي أو يصادف انفراجاً في نفسه، وفرصة للإتيان عليه، كما يُحكى عن الخليل فيما ذكر الأصمعي أنه اجتمع بـالخليل بن أحمد -رحمهما الله- وحرص على فهم علم العَروض من الخليل فأعياه ذلك، حاول وحاول، فما وجد فائدة، فقال له الخليل يوماً: قطِّع لي هذا البيت:

    إذا لم تستطع شيئاً فدعه     وجاوزه إلى ما تستطيعُ

    لم يكن مقصود الخليل أن يقطِّع الطالب هذا البيت، لكن كان مقصوده هو المعنى الذي انطوى عليه البيت:

    وقد حصلت مثل هذه القصة مع العلامة محمد بن الأمين الشنقيطي -رحمه الله تعالى- فإنه كان يدرس عليه بعض الطلاب علم النحو، وكان أحد هؤلاء الطلاب يدرس عليه النحو، ويحاول أن يفهم مع الشيخ لكن دون فائدة، فقال له الشيخ محمد الأمين -رحمه الله- أعرب هذا البيت:

    إذا لم تستطع شيئاً فدعه     وجاوزه إلى ما تستطيعُ

    والفرق أنَّ الأصمعي فهم المقصود والطالب لم يفهم المقصود، فجلس يُعرب، ويحاول أن يُعرب، لكنه لم يفهم المقصود.

    استقبال العلم بالتفكير والإبداع السوي

    كذلك من الأمور المهمة في طلب العلم: الإقبال على العلم بالتفكير الطبيعي والعقل السوي، فالفهم العادي السوي مهم جداً، والتفكير الفطري الخالص عن التعقيدات والشذوذات والأغلوطات والشبهات.. اترك المداخلات جانباً، أقبل على العلم بنفسية طبيعية، وتفكير عادي، واترك قضية الشبهات، لا تثير على الشيخ وأنت في البداية الشبهات، تقول: وإن كان كذا، وإن كان كذا، حسناً يمكن المقصود كذا، دع التعقيدات، والأغلوطات جانباً، ودع الشذوذات؛ لأن بعض الناس من كثرة مقاطعاتهم عقولهم قد لا تستقيم وتفهم العلم بشكل طبيعي، وإنما يحاولون الإتيان بالغرائب والعجائب، وأن يأخذ المسألة من بابٍ غير اعتيادي، والنتيجة تتعقد عليه الأمور ولا يفهم، اترك الجدال في البداية، وفرِّغ بالك للتعلم بالطريقة الطبيعية، وهذه مسألة في غاية الأهمية.

    أما بالنسبة لقضية المطولات، وجرد المطولات، وقراءة المطولات، مثلاً: جامع الأصول، والبداية والنهاية، ودرء تعارض العقل والنقل ، وتاريخ بغداد، وما شابه ذلك من الكتب الطويلة، فهذه ليس موقعها في البداية، ولا في الوسط، وإنما تكون في مراحل متأخرة، وقد يفعل هذا من يريد جمع فوائد، أو تحضير محاضرة أو درس، لكن ليس لمن يريد أن يؤصل نفسه تأصيلاً علمياً قوياً، وهذا يشغل عن التأسيس أن تقول: يكفي أن أقرأ البداية والنهاية ، وأقرأ جامع الأصول وأقرأ... وأنت لم تبدأ بعد بـالأربعين النووية في شيء مبسَّط، ولا في كتاب في الفقه مبسّط، أو في كتاب في السيرة مبسّط، تريد أن تقرأ هذه المطولات من البداية؟! كلا! هذه ليس محلها البداية.

    وهناك نظرية بدأت تنتشر عند بعضهم وهي مُوْضَة هذه الأيام، بعض الذين يريدون طلب العلم اعتقاداً أنهم إذا قرءوا المطولات على بعض المشايخ فإنهم يكونون قد حصلوا العلم، فيقولون: يا شيخ، نريد أن نقرأ عليك زاد المعاد من أوله إلى آخره، نتفرغ أسبوعين.. ثلاثة.. شهر، ننهي عليك زاد المعاد والبداية والنهاية، وجامع الأصول وننهي عليك...، هذه العملية بهذه الطريقة ليست طلب علم بطريقة منهجية صحيحة، لا يتسنى للشيخ أن يعلِّق، ولا ليشرح، وقُصارى ما يحدث أن يقول هذا الطالب: ختمت الكتاب على الشيخ الفلاني، ليس المقصود أن تختم خمسة مجلدات أو عشرة، المقصود أن تدخل من باب التأسيس، ولذلك كان العلماء يجعلون لهم كتباً مثل: درء تعارض العقل والنقل واقتضاء الصراط المستقيم، وزاد المعاد.. ونحو ذلك في أوقات ليست أوقات طلب أساسية، مثلاً: بعد الظهر أحياناً، وكذلك كثير من الكتب لم تكن توضع في الفترات الأساسية للطلبة، إذا كانت عندك الأشياء الأساسية في الأوقات المحددة فلا مانع أن تأخذ مثل كتاب غذاء الألباب أو الآداب الشرعية ، أو إغاثة اللهفان ، في غير أوقات الطلب الأساسية.

    وكذلك بعضهم يفكر في قراءة كتب السنن ، من أول ما يطلب يقول: نريد أن نقرأها ونأتي عليها وعلى مجملها، فنقول: تمهل رويدك، فليست القضية الآن جرد السنن والنصوص، وإنما المسالة مسألة تجرد.

    عقد قران بين الأثر والنظر

    ومن أساسيات المنهج في الطلب وخصوصاً التفقه في الدين: الجمع بين الأثر والنظر، وقد قامت عداوة مفتعلة بين أهل الفقه وأهل الحديث، وطار بعض شررها، وتأثر منه كثير من الناس، ولكن العاقل الذي ينظر إلى العلماء المحققين ماذا قالوا في المسألة في قضية أهل الحديث وأهل الفقه، أو أهل النظر وأهل الأثر.. أو أهل الرأي وأهل الحديث؟

    قيل: إن في الحجاز اشتهر مذهب أهل الحديث، لكثرة مذهب أهل الحديث؛ لأن الأحاديث كثيرة، والنصوص متوافرة، والعلماء موجودون، الذين سمعوا هذه النصوص ودرَّسوها، بينما كانت في العراق مثلاً: تشتهر مدرسة أهل الرأي؛ لأن الحديث فيها قليل، وطلاب الحديث فيها قليل، هذا مر في فترة من الفترات، كان هكذا.

    فالآن بالنسبة للاتجاه في الحديث والفقه، أو قضية التفقه كيف تكون؟!

    الصواب: أن تكون جمعاً بين الأثر والنظر، قال الخطابي -رحمه الله- في كلام عظيم متين في مقدمة كتابه معالم السنن شرح سنن أبي داود ، قال: رأيت أهل العلم في زماننا قد صاروا حزبين وانقسموا إلى فرقتين:

    أصحاب حديث وأثر.

    وأصحاب فقه ونظر.

    وكل واحدة منهما لا تتميز عن أختها في الحاجة، ولا تستغني عنها في درك ما تنحوه من البنية والإرادة، لأن الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع، وكل بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو منهار، وكل أساس خلا عن بناء وعمارة فهو قفر وخَرَاب.

    ووجدنا هذين الفريقين -على ما بينهما من التداني في المحلين، والتقارب في المنزلتين، وعموم الحاجة من بعضهما إلى بعض، وشمول الفاقة اللازمة لكل منهما إلى صاحبة- إخواناً متهاجرين، وعلى سبيل الحق في لزوم التناصر والتعاون غير متظاهرين.

    فأما هذه الطبقة الذين هم أهل الأثر والحديث: فإن الأكثرين منهم إنما وَكْدُهم الروايات وجمع الطرق، وطلب الغريب والشاذ من الحديث الذي أكثره موضوع أو مكذوب، لا يراعون المتون ولا يفهمون المعاني. وربما عابوا الفقهاء، وتناولوهم بالطعن، وادعوا عليهم مخالفة السنن، ولا يعلمون أنهم عن مبلغ ما أتوه من العلم قاصرون، وبسوء القول فيهم آثمون.

    -وفي الجانب المقابل، الذين يقولون: يزيد فقهاً فقط ولا يزيد نصوصاً وأدلة، وإنما ننظر ونرى في الأمر، قال:

    وأما أهل الطبقة الأخرى وهم أهل الفقه والنظر: فإن أكثرهم لا يعرجون من الحديث إلا على أقله، ولا يكادون يميزون صحيحه من سقيمه، ولا يعرفون جيده من رديئة، ولا يعبئون بما بلغهم منه أن يحتجوا به على خصومهم إذا وافق مذاهبهم التي ينتحلونها، ووافق آراءهم التي يعتقدونها، وقد اصطلحوا على مواضعة بينهم في قبول الخبر الضعيف، والحديث المنقطع إذا كان ذلك قد اشتُهر عندهم وتعاورته الألسن فيما بينهم -يقولون: هذا حديث مشهور في كتبنا، في كتب الفقهاء، حسناً: انظر، قد يكون ضعيفاً لا يصح الاحتجاج به- من غير ثبت فيه، أو يقين علم به، فكان ذلك ضِلَّة من الرأي، وغبناً فيه.

    ثم قال: وهؤلاء لا يقبلون من أقوال الأئمة أبي حنيفة إلا من طريق أبي يوسف ومحمد بن الحسن ، ولا يقبلون قول مالك إلا من طريق ابن القاسم والأشهل ، ولا يقبلون قول الشافعي إلا من طريق المزني والربيع .

    حسناً: إذا كنتم لا تقبلون كلام أئمتكم إلا من خلال التلاميذ الموثوقين، فالأحرى ألا تقبلوا الكلام الذي ينسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام إلا من طريق الثقات المعروفين.

    فهذا خلاصة الجمع بين الأثر والنظر.. بين الفقه والحديث، الفقه يجب أن يكون مختلطاً بالحديث.

    قال الترمذي : سمعت أبا عبد الله يقول: إذا كان يعرف الحديث ويكون معه فقه أحب إلي من حفظ الحديث لا يكون معه فقه.

    وقال سفيان بن عيينة: "يا أصحاب الحديث! تعلموا معاني الحديث، فإني تعلمت معاني الحديث ثلاثين سنة.

    وهؤلاء الذين يعتمدون على الأحاديث دون الفقه، ويجمعون الطرق ويُضرِبُون عن معرفة الواجبات، حتى أن أحدهم يشتغل عن أركان الصلاة، فلا يدري ما هي؟ وقد يستحيي من رد الفتوى، يجمِّع أحاديث ويحفظ دون فقه، فيفتي بما لا يحسن ذكره.

    حتى أن امرأة سألت أحد هؤلاء الذين يجمعون الحديث فقط دون الفقه وهو في مجلس مع أناس كثيرين، قالت: إني حلفتُ بصدقة إزاري فماذا أفعل؟ فقال: بكم اشتريتيه؟ قالت: باثنين وعشرين درهماً، فقال: صومي اثنين وعشرين يوماً، فلما ذهبت جعل يقول: آه! غلطنا والله، أمرناها بكفارة الظهار، وكفارة الظهار صيام كم يوم؟ ستين يوماً وهذا أول ما قال: بكم اشتريتيه؟ قالت: باثنين وعشرين درهماً، قال: الحل بدل كفارة الحلف هذا: صومي اثنين وعشرين يوماً، ثم قال: آه! غلطنا، أعطيناها كفارة الظهار.

    إذاً: مثل هذا كيف يصلح أن يعلِّم الناس؟!

    الاشتغال بالنصوص فقط من غير معرفة المعاني خطأ، ولذلك قلنا: إن بعض الشباب يخطئون عندما يتفقهون بـصحيح الجامع ، ويكون علمهم من كتاب، مثل صحيح الجامع كتاب أحاديث، صحيح أنها أحاديث مخدومة ومخرجة، لكن هل موجود فيها الشروح، قد يكون الحديث منسوخاً، قد يكون مخصوصاً، فإذاً هذه الطريقة لا تصلح، والانشغال فقط بالنسخ ومعرفة الصحيح من الضعيف، والجرح والتعديل، واتصال السند، وجمع الطرق، ثم لا تعرف معنى الحديث، هذا عيب كبير.

    زوامل الأخبار لا علم عندهم     بمُثقلها إلا كعلم الأباعدِ

    لعَمْرُك ما يدري البعير إذا غدا     بأوساقه أو راح في الغرائر

    الفقه عمدة العلوم

    ثم ننتقل إلى قضية تعلم الفقه وأهمية القفه:

    قال ابن الجوزي رحمه الله: إن الفقه عليه مدار العلوم، فإن اتسع الزمان للتزود من العلم فليكن من الفقه فإنه الأنفع.

    وقال الشافعي لـيونس بن عبد الأعلى: عليك بالفقه، فإنه كالتفاح الشامي، يحمل من عامه.

    وقال ابن الجوزي : الفقه عمدة العلوم.

    وقال محمد بن الحسن : كان أبو حنيفة يحثنا على الفقه وينهانا عن الكلام، وكان يقول: لعن الله عمرو بن عبيد ، لقد فتح للناس الطريق إلى الكلام فيما لا يعنيهم.

    وقال بعض العلماء: أفضل العلوم بعد علم التوحيد معرفة الفقه والأحكام الفاصلة بين الحلال والحرام.

    فلا شك أن علم التوحيد أشرف العلوم.. العلم بالله، وأسمائه، وصفاته، وربوبيته، وألوهيته، هذا أشرف العلوم ليس هناك شك، وبعده يكون الفقه، وكل ذلك خاضع الكتاب والسنة، ليس هناك شك، والاعتناء بالدليل، وصحة الدليل كيف تعتقد شيئاً لم يصح؟! وكيف تعمل بشيء في الحلال والحرام لم يصح؟!

    وقال كذلك: أعظم دليل على فضيلة الشيء النظر إلى ثمرته، ومن تأمل ثمرة الفقه عرف أنه أفضل العلوم، واعتبر هذا بأهل زماننا، فإنك ترى الشاب يعرف مسائل الخلاف الظاهرة فيستغني، وكم رأينا مبرزاً في علم القرآن، أو في الحديث، أو في التفسير، أو في اللغة، لا يعرف مع الشيخوخة معظم أحكام الشرع، وربما جهل علم ما ينويه في صلاته.

    على أنه ينبغي للفقيه ألا يكون أجنبياً عن باقي العلوم، فإنه لا يكون فقيهاً، بل يأخذ من كل علم بحظ، ثم يتوفر على الفقه، فإنه عِزٌّ الدنيا والآخرة.

    فإن سألت عن منهج دراسة الفقه وكيف ندرس الفقه؟

    فالجواب باختصار في ابتداء دراسة الفقه: أن تجمع بين متن فقهي ميسر يُشرح على شيخ ثقة، ومتن حديثي يُطعِّم الفقه بأحاديث الأحكام.

    وإذا أردت أن تدرس متناً خالياً من الأدلة فلتدرسه على شيخ يبين لك الراجح بالأدلة.

    وإذا وجدت الشيخ لا يهتم كثيراً بالأدلة، فاختر كتاباً فيه أدلة، فمثلاً: تُقدّم منار السبيل على زاد المستقنع؛ لأن منار السبيل أكثر أدلة، أما إذا وجدت الشيخ مبيناً الأدلة فلا بأس أن تدرس عليه متناً في الفقه، لا تكثر فيه أو تندر فيه الأدلة؛ لأنه سيبين الأدلة من خلال الشرح.

    إذاً: لا بأس بقراءة كتاب من كتب المذهب -مثلاً- على شيخ أو طالب علم يذكر فيه الراجح بالدليل، فيؤصِّل للمسائل من خلال الشرح.

    أما الكتاب بمجرده فقد لا يعطي لك شيئاً كثيراً في الغالب، ودراسة الفقه من غير نصوص تورث أخذ الأقوال بلا أدلة، والتقليد مذموم، والمُتَعَصِّبَة يدرسون الفقه دون حديث، وبعض السطحيين في المقابل يدرسون الحديث دون فقه، فلو جمعتَ بين كتاب في كل جهة منهما لكن ذلك جيداً، فلو درستَ العمدتين ، عمدة الفقه لـابن قدامة، وعمدة الأحكام لـعبد الغني -رحمهما الله- لكان هذا الجمع جيداً جداً، أو أخذتَ مثلاً زاد المستقنع مثلاً مع كتاب بلوغ المرام تجمع بين المتن الفقهي وبين المتن الحديثي فإن ذلك خير عظيم.

    ثم بعد ذلك تتدرج في الفقه، تأخذ كتاباً واحداً ليس فيه إلا قول واحد حتى لا تتشتت، القول موجود مع الدليل، ثم بعد ذلك تنتقل إلى معرفة القولين أو الخلاف في المسألة.. ونحو ذلك، أو ما يوجد في المذاهب الأخرى، وتأمل ابن قدامة -رحمه الله- كيف رتب المنهج، فإنه أولاً جعل عمدة الفقه قولاً واحداً، ثم المقنع قولين، ثم الكافي فيه تفصيل أكثر، ثم المغني فيه فقه مقارن.

    فالذي يريد أن يدرس المسائل من المغني مباشرة من أولها، وهو لم يُجِدْ على الأقل قولاً في المسالة بدليلٍ يعرفه، فهذا يُضيّع كثيراً، ولو ذهبت إلى بلد في المغرب لوجدت أنهم يدرسون متناً في الفقه المالكي أو في بلد آخر يدرسون متناً في الفقه الشافعي أو الحنفي.. ونحو ذلك، أو قد يدرس متناً ليس على مذهب معين، كـالدرر البهية للشوكاني مثلاً.

    فالشاهد: أن تجمع بين متن فقهي مع متن آخر فيه أدلة.

    وحتى متون الأحاديث.. أحاديث الأحكام فيها تدرج، فمثلاً: إذا بدأت بـعمدة الأحكام ، ثم بلوغ المرام ، ثم منتقى الأخبار ، هذه متون فيها ابتداء وتوسط وتوسع.

    أمور يجب على دارس الفقه مراعاتها

    لا بد للقارئ في كتب الفقه أن ينتبه إلى أمورٍ، منها:

    أولاً: ما يكون في بعضها من المخالفة للنصوص الثابتة في الكتاب والسنة ومتابعة للمذهب فقط، وتأييد للرأي المَحض على النص.

    كما يذكر مثلاً في بعض كتب المذاهب: أن الإمام يقوم في صلاة الجنازة عند صدر الرجل والمرأة. لماذا؟ قال: لأن الصدر فيه القلب، والقلب هو مستقر الإيمان، فإذاً نقوم عند الرجل والمرأة في صلاة الجنازة عند الصدر في كليهما، مع أن السنة قد جاءت بأن يقف الإمام عند رأس الرجل ووسط المرأة.

    أو مثلاً ما يوجد في بعض الكتب من أن حضور النساء للجماعات متروك بإجماع المتأخرين.. حسناً: هذا تحكيمٌ للعقل.. تحكيمٌ للرأي في النص، وماذا أفادنا إجماع المتأخرين إذا كان خالف الكتاب والسنة؟!

    ثانياً: الحذر من الأحاديث الضعيفة والموضوعة أو الاحتجاج بها واستنباط الأحكام منها، فتجد مثلاً في بعض كتب الفقه: وضع اليدين تحت السرة، مع أن أحاديث وضع اليدين حتى السرة في الصلاة، أو مثلاً دفن الشعر والأظفار، أو عدم استقبال الشمس والقمر أثناء قضاء الحاجة، أو إعادة الوضوء من القهقهة، هذه الأحاديث كلها ضعيفة، لا يصح الاحتجاج بها، ولا الاعتماد عليها، فلا بد من الحذر أثناء القراءة في كتب الفقه من هذا الأمر.

    ثالثاً: الحذر من تقديم أقوال العلماء المتأخرين على أقوال الأئمة المتقدمين.

    رابعاً: عدم انحباس طالب العلم المتقدم في مذهب واحد ويترك الاستفادة من علوم المذاهب الأخرى.

    ومن أمثلة ما تقدم في اعتماد أقوال العلماء المتأخرين وترك أقوال المتقدمين، أن بعضهم قال مثلاً: لا يجوز للشافعي أن يقتدي بإمامٍ حنفي، وبعضهم قال: لا يجوز للحنفي أن يقتدي بإمامٍ شافعي، مع أن الأئمة كانوا يصلون وراء بعضهم البعض، والاختلافات التي بينهم لا تمنع اقتداء بعضهم ببعض في الصلاة، فيقولون قول المتأخرين: لا يقتدي الشافعي بالحنفي، أو الحنفي بالشافعي، ولذلك وُجِدَت أربعة محاريب في المساجد، كل جماعة تصلي لوحدها.. الأحناف لوحدهم، والمالكية لوحدهم، والشافعية لوحدهم، والحنابلة لوحدهم؛ لأن المتأخرين عندهم أن الشافعي لا يقتدي بالحنفي.. وهكذا، مع أنه في عصر أبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد كان يصلي بعضهم وراء بعض، أحمد يصلي وراء الشافعي ، ولا يقول: هذا يُخالفني في فروع، فأنا لا أصلي وراءه، فترك أخذ كلام بعض المتأخرين الْمُخالف للمتقدمين مشكلة!

    خامساً: الانحباس على أقوال مذهب معين، وعدم أخذ الاستفادة من أقوال المذاهب الأخرى، هذا أيضاً فيه تضييق وفيه فوات فوائد كثيرة، بل إن التعصب وصل عند بعضهم أنه قال: كتب المذهب الفلاني مثل أحاديث أهل الكتاب لا تصدق ولا تكذب، بل نتوقف فيها.

    سادساً: الحذر من خلو كثير من الكتب المذهبية من الأدلة الشرعية، بحيث صارت المتون الفقهية هي المرجع الأول والأخير، وهذا خطأ.

    سابعاً: في بعض الكتب الفقهية تجد الخوض في مسائل خيالية، وافتراضات سخيفة، وأحياناً تكون المسائل الخلافية هي هذه، والمسائل الخيالية هذه تكون نتيجة اعتقادات صوفية باطلة، لأن بعض الاعتقادات الصوفية الباطلة تسربت إلى بعض كتب الفقه.

    فمثلاً: تجد في بعض هذه الكتب بحثاً في (الصلاة إلى أرض الكعبة)، إذا خرجت الكعبة)، وأين خرجت الكعبة؟ قالوا: لزيارة الأولياء، إذا ذهبت الكعبة لزيارة الأولياء وبقيت أرضها فارغة ماذا نفعل؟ كيف نصلي في الحرم؟ الجواب: اتفقوا على أنه يصلي إلى الأرض الفراغ.. إلى فراغ أرض الكعبة.

    كما قالوا: لو دخل رجل في فرج امرأة لوجب عليه الغسل؛ لأنه بطبيعة الحال قد غيب الحشفة، هل هذا كلام يعقل؟!

    وهناك أمثلة أخرى كثيرة في هذا؛ لكن يعف اللسان عن ذكرها.

    ثامناً: فتح باب الحيل المحرمة، فهذا يُنْتَبَه منه.

    تاسعاً: مخالفة الفروع للأصول.

    عاشراً: التعقيد في أسلوب بعض المتون، وسبق أن ذكر بعض العلماء، قالوا: ليس العالم الذي يحفظ متناً من المتون فيصبح عالماً، ليس العالم الذي يحفظ مختصر خليل في فقه المالكية، أو مراقي الفلاح والكنز في فقه الحنفية، أو الغاية والتقريب في فقه الشافعية أو زاد المستقنع عند الحنابلة، إذا حفظ متن كفى! من حفظ الزاد حكم بين العباد! لا، المسألة تحتاج إلى فهم في المتن وأدلة، ولا يصح قطع الطالب عن الكتاب والسنة.

    أمور لابد أن تراعى لطالب الحديث

    في طلب الحديث هناك تدرج، وكيف يبدأ الإنسان؟ مثلاً: إذا بدأ يبدأ بـالأربعين النووية ، ثم ينتقل إلى كتاب أوسع مثل عمدة الأحكام وهكذا، ويجعل العلل آخر ما يدرس في الحديث؛ لأن أصعب شيء في علم الحديث هو علم العلل.

    وكذلك ينتبه دارس الحديث إلى جمع الطرق، لأن جمع الطرق تتبين فيه أشياء كثيرة، كما قال الإمام أحمد -رحمه الله-: إذا لم يجمع طرق الحديث لم يفهم، والحديث يفسر بعضُه بعضاً، أي: الطرق تجد زيادة في الحديث تفسر لك الحديث الآخر، وهكذا.

    وكذلك أن يعلم صحيحه من سقيمه، هذا من الأشياء المهمة جداً في علم الحديث.

    ومن هنا نعلم أن الذين يدرسون المصطلح ثم يغوصون في الأسانيد والرجال، وهذه قضية لها لذة، لا شك أن دراسة المصطلح والأسانيد والرجال لها لذة، وتعلمها سهل، والنتائج سريعة، وكثير من هؤلاء يصدرون المؤلفات، حققه فلان وخرجه فلان، وعلق عليه فلان، يجب أن نعلم أن هؤلاء القاصرين المقتصرين على المصطلح والجرح والتعديل، ليسوا طلبة علم حقيقيين، نعم قد تفيد مجهوداتهم في أشياء، قد يسهِّلِون لطالب العلم المبتدئ الذي يريد أن يؤصل نفسه إذا قرأ في كتب العلم أن يعرف الصحيح من الضعيف، لكنَّ هؤلاء المخرجين والمحققين كثير منهم ليسوا بأهل علم، لكن الآن أصحاب دور النشر.. الكتب الرائجة في السوق.. الكتب المخرجة والمحققة، تريد أن تشتغل، تريد أن تؤلف؟ ألِّف في التخريج والتحقيق، فهم إذاً يتجهون لهذا من باب التكسب والمتاجرة لا لطلب العلم، وقد لا يبتغون فيها وجه الله، وتجد الواحد منهم يعارض أقوال فحول العلماء لمجرد أنه عرف كيف يخرج رجالاً من كتب، ويتكلم في إسناد، فهؤلاء ليس لهم في طلب العلم المؤسَّس نصيب وافر ولا طريقة صحيحة.

    وينبغي على من يشتغل في التخريج أن ينقل كلام العلماء المتقدمين في التصحيح والتضعيف، وألا يحكم هو بنفسه في البداية، لأن الحكم يحتاج إلى تعمق وخبرة، وهذا له سنوات معدودة يشتغل في هذا، ثم يخالف كلام العلماء الكبار، فينبغي على طالب العلم ألا يأبه بقول هؤلاء إذا خالفوا الراسخين.

    الحذر من إهمال التفسير والقرآن

    ننتقل إلى مسألة مهمة جداً وهي: الحذر من إهمال التفسير، وإهمال كتاب الله سبحانه وتعالى، ومع الأسف فإنه في هذا الزمان التفسير لا يكاد يوجد له طالب، وهذا من كيد الشيطان، فتجد الطلاب يتجهون إلى الأصول والمصطلح والنحو ويتركون أصل الأصول وهو تفسير القرآن، لا يعرفون حتى تفسيراً مبسطاً للقرآن أو متوسطاً، مع أن التفسير المسند بالآثار المنقولة عن السلف ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، ومقاصد الآيات لا يعرف إلا بالنقل عن الصحابة والتابعين.

    ولذلك ينبغي الاهتمام بتفاسير القرآن التي تبنى على الأثر كتفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسنة، وتفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين، وكلام أهل العلم.

    وينبغي على الإنسان أن يدرس في التفسير تفسيراً مبسطاً، مثل: تفسير العلامة الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله، فإذا انتقل بعد ذلك إلى تفسير ابن كثير يكون عنده فكرة مجملة عن تفسير القرآن، فإذا أراد أن يدرس التفسير المفصل ويبتدئ بـالمفصل يحفظه ويدرس تفسيره.

    فيبدأ بالتفسير المبسط حتى يتعود على الأسلوب وعلى المنهج، ثم بعد ذلك يأخذ ما بعده، أما أنه يبدأ من البداية فيحضر السورة من تفاسير كثيرة، فهذا لم يسلك السبيل الطبيعي الذي فيه التدرج.

    أهمية دراسة علم النحو

    ومن العلوم المهمة التي ينبغي تحصيلها لارتباطها بفهم الكتاب والسنة: دراسة علم النحو، قال أهل العلم: من العلوم التي تلزم صاحب الحديث معرفتها: معرفة النحو، لئلا يلحن، ولكي يورد الحديث على الوجه الصحيح، ويعرف أصل الكلمة واشتقاقها ومعناها، وهل هي مصدر أو فعل.

    وكان ابن عمر يضرب ولده على اللحن، رواه ابن أبي شيبة بإسنادٍ جيد، أي: من الصغر يربون أولادهم على اللسان الفصيح.

    وقال شعبة : مثل الذي يتعلم الحديث ولا يتعلم النحو مثل البرُنس لا رأس له.

    وقال بعض العلماء: اللحن في الكلام أقبح من آثار الجدري في الوجه.

    وينبغي أن يصحح النطق، ويعرف الإنسان اللغة لكي يفهم الكتاب والسنة كما كان يفهمها العرب الأُوّل، كانوا لا يحتاجون إلى تفاسير لأن لغتهم صحيحة، فلما خاطبهم القرآن والسنة وقعا في قلوبهم موقعاً.

    وكذلك مما ينبغي أن ينتبه إليه عدم خلط كلام العلماء المتقدم أو الألفاظ الشرعية بالمصطلحات المستحدَثة الجديدة التي حدثت بعد ذلك، افترض أن إنساناً مثلاً قال: الواجب: ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، والمكروه مثلاً: ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، ثم قرأ قول الله عز وجل في الزنا والقتل وأكل مال اليتيم وفي آخر الآية: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً [الإسراء:38] فماذا يقول؟ هذا مكروه، هذا يعني: لا يعاقَب فاعله، قال: مادام أنه مكروه.

    إذاً: معرفة التفاصيل مهمة، وفهم القرآن والسنة ينبغي أن يُفهم مع الأخذ بعين الاعتبار إلى المصطلحات المتأخرة، وأنها قد لا تدخل في هذا الفهم فيخطئ الإنسان.

    وكذلك فإن تعلم اللغة مهم، كما قال الحسن رحمه الله لما سئل: أرأيت الرجل يتعلم العربية ليقيم بها لسانه ويقيم بها منطقه؟ قال: نعم فليتعلمها، فإن الرجل يقرأ بالآية فيعياه توجيهها فيَهلِك، وقال الشاعر:

    اللحن يُصلح مِن لسان الألكن     والمرء تُعْظِمُه إذا لم يلحنِ

    لحن الشريف محطة من قدره     فتراه يسقط من لحان الأعينِ

    وترى الدنِيَّ إذا تكلم معرباً     حاز النهاية باللسان المعلِنِ

    وإذا طلبتَ من العلوم أجلَّها     فأجلُّها منها مقيمُ الألسُنِ

    قال ابن عبد البر -رحمه الله- معقباً: لو كان مهتدياً هذا الشاعر لقال:

    وإذا طلبتَ من العلوم أجلَّها     فأجلُّها منها مقيمُ الأدين

    والعلم بالنحو يسدد الفهم، فيعلم الضميرَ على أي شيء يعود؟ وأنه قد لا يُشترط أن يعود على أقرب مذكور مثلاً.

    وكذلك يعلم اشتقاق الكلمة فإنه مهم، ألم يأتِك خبر الذي لَمَّا جاء على تفسير قول الله عز وجل : رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ [آل عمران:117] قال: الصِرُّ: الصراصير، ريحٌ فيها صراصير الليل.

    ومن العجائب كذلك: أن بعض هؤلاء إذا قرأ نصاً يستغرب، مع أنه لو عنده شيء من الفهم الصحيح لما استغرب. وإذا تعلَّم الضمائر علم أن المسألة ليست هكذا، كما حدث لبعض الشباب قرأ: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتِي بصبي، فوضعه في حجره، فبال عليه) انظر إلى فهم هذا الشاب، يقول: كيف النبي صلى الله عليه وسلم يبول على الصبي؟! فهمني هذه! فهذا عليه أن يتقي الله، ويستغفر الله، هل النبي عليه الصلاة والسلام يفعل هذا؟! كيف يتبادر هذا الفهم إلى الذهن؟!

    وقد حصل مثل ذلك أيضاً، أن أحدهم جزم أن حديث أبي هريرة في النزول على اليدين قبل الركبتين مقلوب، قال: قال الحاكم: إنه مقلوب، فقال له شخص: كيف تقول: إنه قال: مقلوباً، قال: أنا آتي لك بكلام الحاكم ، ففتح المستدرك وأتى على كلام الحاكم بعد هذا الحديث، ولمّا أورد الحاكم هذا قال: والقلب إلى هذا أمْيَل، يقصد بالقلب، فهمه أو فقهه في قلبه، أنه إلى حديث أبي هريرة أمْيَل، قال: لا، القلب أي: أنه مقلوب.

    وكما ظن بعضهم أن الحَلْق لا يجوز قبل صلاة الجمعة، لحديث: (نهى عن الحِلَق قبل الجمعة) مع أن الحديث نهى عن الحِلَق قبل الجمعة، أي: عن التَّحَلُّق.

    وهكذا الأخطاء الكثيرة التي تقع في الفهم نتيجة عدم معرفة النحو واشتقاق الكلمات ومن أين جاءت.. وهكذا، ولا بد للإنسان أن يضبط، والكتاب لا يضيء إلا إذا أظلم، أي: بالتعليقات والضبط والحواشي.

    أمور يجب الانتباه إليها عند القراءة

    ومما ينبغي أيضاً أن يُنْتَبَه إليه في القراءة عدم الجمود الشديد بدون ضابط، وهذه حادثة حصلت: أن بعض الشباب عندما اتجه إلى القراءة في كتاب المحلى لـابن حزم من وقت مبكر، أول ما ابتدأ يقرأ، حصلت عنده ظاهرية مفْرِطة، وابن حزم نفسه لما ألف الكتاب ألفه بعد أن قطع مشواراً في الطلب، ثم هذا يريد أن يقرأ، يقول: أسلوب ابن حزم أسلوب ممتاز، فأورثه ذلك جمود ابن حزم ليس عنده قواعد ابن حزم ، فكيف تتوقع أن تكون النتيجة في النهاية؟

    ومن الأمور المهمة كذلك في طلب العلم ترقيق القلوب، وليس فقط الجمع؛ لأن كثرة الحفظ والجمع قد تقسِّي القلب، فلا بد من التطعيم بالمرققات، وتلذيع النفس بأسباب المرققات تلذيعاً لا يقدح في كمال التشاغل بالعلم، وإلا فإن الانشغال فقط بالتحصيل والحفظ وعلوم الآلات ونحوها قد يقسِّي القلب، فإذا لم تجعل لك نصيباً من العبادة والقراءة في كتب الوعظ والزهديات والرقائق تأسن النفس، ولذلك فإن القراءة مثلاً في ذكر الموت، وزيارة المقابر، وأخبار المحتضرين، وحسن الخاتمة، وسوء الخاتمة، هذا أمر لا بد منه، وإلا فقد يقسو قلب طالب العلم من حيث لا يشعر.

    1.   

    منهج مختصر لطالب العلم

    إن معرفة منهج يسير عليه الإنسان في طلب العلم لابد منه في البداية، سواءً الذي عنده استعدادات أو الذي ليس عنده استعدادات، لا بد أن يكون للجميع برنامج؛ لكن في المرحلة الأولى منه يشتركون فيها، ولا يشترط أن يتنقل الجميع للمرحلة الثانية أوالثالثة.. وهكذا.

    فإذا أخذت مثلاً في التفسير: الحفظ المفصل مع معرفة معانيه، من تفسير ابن كثير مثلاً، فهذا شيء جيد.

    وفي الحديث: الأربعين النووية ، ثم رياض الصالحين ، أو أبواب منتقاة من صحيح البخاري مع شرح كل ذلك فهذا أمر مهم.

    في العقيدة مثلاً: لو أخذت مثلاً أعلام السنة المنشورة ، والعقيدة الواسطية وفتح المجيد ، فهذا خير كبير.

    وفي الفقه: تأخذ مثلاً كتاباً في العبادات على أحد الكتب الفقهية المعتمدة، وتجمع بينه وبين معرفة الأدلة، مع قراءة فتاوى العلماء المعاصرين فيكون هذا برنامجاً جيداً في طلب الفقه.

    وبعد ذلك تأتي أشياء أخرى، مثل: السيرة، والفكر الإسلامي، والأخلاق، والسلوك، والآداب، والرقائق، والدعوة.. ونحو ذلك، فهذه أشياء أيضاً ينبغي أن يكون لك فيها سهم.

    فالمقصود أن هذا برنامج مبسط يشير إلى بعض الأشياء التي لا بد أن يكون الطلب فيها.

    ونعود ونقول فيما بدأنا في البداية: إن الإنسان لا بد أن يطلب العلم، ولا يقول: أنا تخصصي غير شرعي، وأنا موظف، وأنا إنسان مشغول، وعندي مناوبات، لست معذوراً في ترك تعلم دين الله، ولا يصلح أن يبقى الإنسان جاهلاً، ينبغي أن يحرص على كل فرصة تسمح له بالتعلُّم، لا بد أن نحسِّن أوضاعنا، أما أن نبقى على هذا الجهل فهذا غير صحيح، وهذا خطأ كبير جداً أن نستمر على جهلنا، وقد تواجهك أشياء في ظروف لا تجد فيها عالماً تسأله، فماذا تفعل وليس عندك علم عن المسألة؟! على الأقل تحفظ فتاوى العلماء، لأن حفظ فتاوى العلماء فيها خير عظيم، إذا لم تستطع أن تسلك سبيل التفقه على أصوله، على الأقل احفظ فتاوى العلماء فلستَ معذوراً في ترك الطلب، ولا بد أن تستمر في الطلب.

    ومن أساسيات المنهج الصحيح: طلب العلم:

    من الأشياء التي تميزنا عن الصوفية وسائر المبتدعة هو طلب العلم.

    أما ترك الطلب، ويقال: للعلم أهله، ونحن ما لنا؟ فهذا انحراف لا شك في ذلك.

    هذا ما تيسر جمعه وذكره من بعض الأشياء التي تتعلق بالمنهج في طلب العلم.

    1.   

    الأسئلة

    أخذ العلم عن الثقات

    السؤال: هل من مانع أن أدرس العلم عن شيخ عنده أخطاء في المنهج بحيث آخذ منه العلم وأترك الأخطاء؟

    الجواب: لا يصلح للمبتدئ في طلب العلم أن يأخذ العلم عن شيخ عنده أخطاء وانحرافات، والسبب أنه إذا كان مبتدعاً فقد يدس لك البدعة في أمثلة النحو والأصول، وإذا كان الشيخ قاصراً وقد ذَكَرْنا لهذا مثالاً، قلنا: بعض العلماء عندما كانوا يجمعون الحديث.. من أين كانوا يجمعونه: من أهل السنة أم من أهل البدعة؟ من أهل السنة أولاً، ثم إذا تقدموا وعرفوا وجمعوا أشياءً وكانوا متمكنين ربما يذهب إلى إنسان ليختبره، ليرى ماذا يحدِّث؟ ماذا عنده من الأشياء؟ لكن هذا لا يفعله الشخص المبتدئ، كما وقع لأهل العلم لما زار أحد المُغالين في التشيُّع ليأخذ عنه، فكان هذا المتشيِّع يختبر الطلاب الذين يأتون عنده، فلما جاءه الرجل وجد عنده سيفاً معلقاً، قال: ما هذا وأنت ضرير، قال: أقاتل به مع المهدي إذا ظهر، فقال هذا الشيخ المبتدع للطالب: من الذي حفر البحر؟ قال: الله عز وجل ، قال: أدري، ولكن من حفره؟ قال: الله الذي خلق البحر، قال: أدري ولكن من حفره؟ قال: يخبرني الشيخ، قال: حفره علي بن أبي طالب ، ثم قال له: من أجرى البحر؟ قلت: الله أجرى البحر، قال أدري، لكن من الذي أجراه؟ قلت: يقول الشيخ، قال: أجراه الحسن بن علي ، قال: فلما سمعتُ ما أريد سماعه منه من الأشياء التي عنده جئته في النهاية في آخر يوم مودعاً، فقال: من الذي حفر البحر؟ من الذي أجرى البحر؟ قلت: الذي حفره معاوية ، والذي أجراه عمرو بن العاص ، فقال: خذوا الكافر، خذوا الكافر.

    فالطالب المبتدئ لا يأتي إلى مبتدع يأخذ عنه؛ لأنه قد تختلط عليه الأشياء فيضله، إما إذا كان الشيخ مجيداً في فن وليس عنده جودة في غيره، قد يكون مجيداً في الفقه مثلاً، واستنباط الأصول، لكن ليس عنده إتقان في الحديث ومعرفة الصحيح من الضعيف، فيأخذ عنه ما هو مجيد فيه.

    نعيد ونقول وننبه ونؤكد: أنه ربما يكون طالب علم قريب منك، متفرغ لك، أفضل في جانب معين من عالم قد لا يكون عنده اشتغال هذا الطالب بفن من الفنون، فقد يوجد طالب مثلاً مشتغلاً بفن الحديث، وعالم مشتغلاً بالفقه، وهذا الطالب قد يعطيك في هذا أكثر مما يعطيك ذلك العالم، فلا بد أن ينتبه إلى هذا.

    الجمع بين علوم الدنيا والدين

    السؤال: ألا ترى أن بعض القواعد المذكورة لا سيما لغير المتفرغ ليست بإطلاق، بل تختلف باختلاف الأشخاص والمواهب؟

    الجواب: لا شك في ذلك وقد ذكرناه هذا وقلنا: إن هذا يختلف باختلاف الطاقات والمواهب.

    السؤال: أرغب وأميل إلى دراسة علوم الإدارة والاقتصاد والسياسة، وأجيد في هذا الجانب، ويعتب عليّ زملائي بقولهم: اطلب العلم أفضل لك، مع أنه قد لا تتوفر لدي من القدرات والميل إلى طلب العلم، مع الحرص على معرفة ما لا بد من معرفته من أمور ديني؟

    الجواب: إذا كان العلم الذي تدرسه يحتاج إليه المسلمون من العلوم الدنيوية، فإن تخصصك فيه ينفع المسلمين، وإجادتك فيه تنفع المسلمين، وبروزك فيه ينفع المسلمين، مع الحرص على أن تطلب من العلم ما لا بد لك من معرفته، ما تصحح به عباداتك مثلاً، أقول: هذا اتجاه جيد، مادام أن عندك استعداداً له، وليس عندك استعداد للتعمق في طلب العلم، لكن لا بد أن تحرص على حِلَق العلم.. تحرص على دروس.. تستمر فيها لكي تتعلم، وإلا تتخرج وتُبْتَعَث لتدرس في الخارج وترجع وأنت ليس عندك شيء من دين الله.

    السؤال: أقوم من حين لآخر بوعظ الناس في أحد المساجد حسب ما ييسر الله لي، رغم أني لم أدرس الشريعة، ولكن درست الهندسة، فهل هذا فيه تعدٍّ وتنافٍِ مع المنهج؟

    الجواب: كلا والله، بل هو من صميم الدين، أنت تعظ الناس وتذكرهم بالله، خصوصاً الوعظ لا يحتاج إلى علم عميق، إذا أنت عرفت أن هذه الأحاديث التي تعظهم بها صحيحة، ومعاني الآيات التي تذكرها صحيحة، فيجب عليك أن تعظ، والناس يحتاجون إلى الوعظ.

    القراءة المتميزة

    السؤال: إن الله قد منَّ عليّ بحب القراءة والشغف فيها، وأقرأ أشياء كثيرة، لكن قد تُطرح مسألة فيما سبق قراءته فلا أستطيع تذكرها مما يؤلمني؟!

    الجواب: لا بد من تفريغ وقت للحفظ والترداد، وهذه المسائل التي جمعتها إذا ما عدت إليها وقرأتها مرات فإنها تنسى، والكتاب الذي أنهيتَه، لا تقول: هذا الكتاب أنهيتُه كفى وآخذ كتاباً آخر بل تعود إليه بعد فترة، لتتذكر ما سبق أن قرأته.

    السؤال: ما رأيك في شاب مجتهد محب للخير أراد أن ينفع الناس ويدعوهم إلى الله، فأخذ يشرح كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب في أحد المساجد لعوام الناس، وقد سبق أن درس كتاب التوحيد على أحد الشيوخ، فهل تحث هذا الشاب على المتابعة أم على التوقف؟

    الجواب: لا والله، أحثه على المتابعة، ونفع المسلمين، وبالمناسبة، سألت الشيخ عبد العزيز بن باز -حفظه الله- عن مسألة: هل يصح للشخص الذي لم يدرس علوم الآلة أن يقرأ في كتب العلماء الكبار كـالمغني مثلاً وغيره، وفتح الباري أم أنه لا يصح أن يقرأ في هذا أبداً؟

    فقال الشيخ ما مُلَخَّصُه: إذا كان صاحب عقل سليم يقرأ لنفسه فلا بأس بذلك ولا يمكن منعه من هذا، وهذا لا يقرأ لغيره، يقرأ من المغني ليعلم الناس ويشرح لهم، ليس عنده قدره، لكن أن تقول: لا تمدن عينيك إلى كتب العلماء الكبار مطلقاً، ولا في حال من الأحوال، فهذا ليس بصحيح، لا بأس أن يقرأ ويطلع ويبحث إذا كان عنده عقل سليم يستفيد ويفهم كلام العلماء، لكن الحرص على التدرج وعلى المنهجية أيضاً، وإلا لو جاءت له مسألة فقهية، فما وجد بغيته في منار السبيل ؟!

    نقول: ينتقل إلى كتاب آخر ليرى ماذا فيه، يتوسع عند الحاجة، هنا في حاجة، ما وجد بغيته في كتاب مختصر، فيدرس كتاباً مختصراً، عرضت له مسألة، يقول: أنا أسير على منهجية، أي: أقرأ كتاباً مختصراً أولاً، ولا يمكن أن أمد عيني إلى غيره، هذا خطأ، يتوسع ويدرس ويقرأ في غيره، صحيح أنه لا يجعله منهجاً بحيث يحوِّل كل الأشياء إلى أبحاث، من أربعة، وخمسة، أو عشرة كتب، تمثل المذاهب المختلفة، لكن عند الحاجة يتوسع، ولو كان في البداية ما المانع؟! هل من الأفضل للأمة أن كل فرد فيها يتعلم العلم الشرعي، وإذا كان هذا صحيح هل تستطيع الأمة المنافسة والتحدي مع الأمم الأخرى بدون العلوم التجريبية؟

    الجواب واضح من السؤال، لا تستطيع الأمة أن تتبحر على أن تتحدى وتصل وتنافس إلا إذا كان فيها من يدخل الصناعات، كيف استعْمَرَنا الغرب؟

    لما أدخلوا الصناعة والزراعة والإدارة، وركزوا عليها، فسادوا العالم، لا بد أن يكون من المسلمين من يقوم بهذه الأشياء.

    التسديد والمقاربة وفهم الأولويات

    السؤال: أنا طالب في كلية الهندسة سمعت عن درس في الفقه والحديث، فهل أحضر فيه أم لا؟

    الجواب: لماذا لا تحضر فيه؟! هل وجودك في كلية الهندسة يحرم عليك حضور الدرس العلمي ؟!

    السؤال: ما هي الطريقة التي من الممكن انتهاجها لحفظ القرآن الكريم؟

    الجواب: هذا تكلم عليه بعض أهل العلم في الكتب، مثلاً: التكرار الذي هو الأصل، وقراءته في الصلوات، والحفظ من طبعة واحدة، ومعرفة التفسير والمعنى، فذلك يساعد على ثبات الحفظ.

    السؤال: أنا مهندس أعمل يومياً من الساعة السابعة صباحاً إلى الساعة الرابعة مساءً، كيف أوفق بين مطالب الحياة، ومسئولية البيت، والأطفال، وطلب العلم، والزيارة؟

    الجواب: لا شك أن الحياة التي نعيشها الآن معقدة، ليست مثل حياة الأولين فيها بساطة، ويكفيك ساعات لطلب الرزق، والحمد لله ليس هناك أحد يموت من الجوع، والناس في خير واستكفاء.

    الآن تحتاج أنت بسبب الظلم الموجود.. بسبب الانحرافات الموجودة، الإنسان يحتاج أن يكدح ويعمل، والتضييق الموجود، والربا الذي جعل طبقات غنية مترفة وجعل طبقات فقيرة مدقعة في الفقر، هذا كله أوجد لنا أشياءً من الأوضاع الاجتماعية المعقدة، ومع ذلك التكاليف كثيرة، الناس في جهل.. الناس يحتاجون إلى دعوة.. هناك انحرافات.. أولادك يحتاجون إلى التربية وزوجتك لها حقوق، إخوانك لهم زيارات، وطلب علم، فلا بد إذاً عندك حديث سلمان وأبي الدرداء ، أقول: حديث سلمان وأبي الدرداء مهم جداً في قضية توزيع الأوقات ومعرفة الأولويات.

    الشعر الحسن والشعر القبيح

    السؤال: أنا شاب أعطاني الله موهبة في الشعر، وقد توجهت إلى الطريق الصحيح، فسؤالي ما حكم الشعر؟ وهل هناك طريق أستطيع بواسطته إخراج الشعر بدون حرج؟

    الجواب: القاعدة في الشعر كما قال العلماء: أن حسنه حسن وقبيحه قبيح، فإذا كتبته في نصرة دين الله، والحث على الفضيلة، والدعوة إلى الله، فهذا شيء حسن جداً.

    ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم الإخلاص، والاستقامة، والفقه في دينه، والفوز بجنات النعيم.

    والله أعلم، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد.

    سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.