إسلام ويب

النبي القدوةللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد جعل الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة لنا، فأدبه الله تعالى وأحسن تأديبه، حتى كان من العظمة والقدوة بالمحل الأعلى، وقد حول تعاليم الإسلام إلى منهج عملي، وتعامل مع الخلق مؤمنين وكفاراً، كباراً وصغاراً وفق ذلك المنهج، فإذا أراد المسلمون أن تعود لهم الكرامة والعزة، فعليهم باتباع نهجه والاقتداء بسلوكه الكريم عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة فكشف الله به الغمة. فاللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه المشرقة الطيبة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك ومولاه.

    أمة محمد أولى الأمم اعتزازاً بماضيها

    أحبتي في الله! النبي القدوة صلى الله عليه وسلم، هذا هو عنوان محاضرتنا مع حضراتكم في هذه الليلة الطيبة، ودعونا ندع اللقاء مفتوحاً دون تقييد أو تحديد؛ لأن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث جميل رقيق رقراق طويل لا حد لمنتهاه. أيها الأحبة! إذا كان الوقوف على الماضي لمجرد البكاء والنحيب والعويل فهذا شأن الفارغين العاطلين، وازدراء الماضي بكل ما فيه من خير ونور شأن الحاقدين الجاهلين، ولقد حاول أعداء الأمة بكل سبيل أن يضعوا بين الأمة وبين هذا الماضي المجيد المشرق الوضيء الطاهر الحواجز والموانع والسدود، حتى لا تستمد الأمة من هذا الماضي نوراً يضيء لها الطريق، ودماء زكية لتتدفق في عروق مستقبلها وأجيالها، مع أن كل أمم الأرض تفخر بماضيها وتفخر برجالها، وتفخر بأبنائها، وأولى أمم الأرض بهذا الاعتزاز والفخار بجدارة واقتدار، بل وبشهادة العزيز الغفار هي أمة نبينا المختار، قال جل وعلا: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110]، فلا ينبغي أبداً -مع هذا الواقع النازف- أن نجرد الأمة من خيريتها، ولا ينبغي أبداً -مع حالة الضعف التي تعتري الأمة الآن- أن نسلب الأمة مكانتها التي أرادها لها ربها تبارك وتعالى، فشتان بين الإيمان والكفر! وشتان بين الطاعة والمعصية، قال تعالى: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم:35-36]، وقال تعالى: أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ [السجدة:18]، قال تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص:28]. أين الثرى من الثريا؟ وأين الأرض من كواكب الجوزاء؟ وأين الحق من الباطل؟ وأين الليل من النهار؟ لا يلتقيان أبداً. هذه الأمة هي أولى أمم الأرض بالاعتزاز والفخار، فلقد أنجبت الأمة على طول تاريخها رجالاً سيظل التاريخ يقف أمام سِيرَهِمْ وقفة إعزاز وإجلال وإكبار، وعلى رأس هذه الأمة قدوتنا الأعظم وأسوتنا ومعلمنا ونبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو الطاهر الذي فاضت طهارته على العالمين، وهو الأسوة والقدوة والمثل الأعلى، وما أحوج الأمة الآن إلى هذه القدوة وإلى هذا المثل الأعلى لاسيما ونحن نعيش زماناً قَلَّتْ فيه القدوة من ناحية وقدم فيه كثير من التافهين ليكونوا القدوة من ناحية أخرى.

    النبي صلى الله عليه وسلم يحول الإسلام إلى منهج عملي

    إن الأسوة والقدوة لهذه الأمة هو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وقد يكون من اليسير جداً -أيها الأحباب!- أن نضع منهجاً نظرياً في التربية، لكن هذا المنهج سيظل حبراً على الورق، وسيظل حبيس الأشرطة والمجلدات ما لم يتحول هذا المنهج في حياتنا إلى منهج حياة وإلى واقع عملي. لقد استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يحول هذا المنهج التربوي الإسلامي إلى منهج حياة، وذلك يوم أن نجح في طبع عشرات الآلاف من النسخ من هذا المنهج، لكنه صلى الله عليه وسلم لم يطبعها بالحبر على صحائف الأوراق، وإنما طبعها على صحائف قلوب أصحابه بمداد من التقى والهدى والنور، فانطلق هذا الجيل المبارك؛ ليُحَوِّلَ مع هذه القدوة الطيبة والمثل الأعلى؛ هذا المنهج الذي رآه هذا الجيل منهجاً في دنيا الناس يتحرك، فصدقوا أن هذا المنهج ما أنزله الله إلا للتطبيق، إذ لو شاء الله لأنزل بهذا المنهج ملكاً، ولقال الناس ساعتها: هذا ملك من الملائكة، لكن شاء الله وقدر أن يحول الناس هذا المنهج الرباني في دنياهم إلى منهج حياة وإلى واقع عملي. شاء الله وقدر أن يرسل الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة والمثل الأعلى محمداً صلى الله عليه وسلم؛ ليحول هذا المنهج الرباني في دنيا الناس إلى منهج عملي، لذا قالت عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن خلقه صلى الله عليه وسلم: (كان خلقه القرآن)، وقد قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21]. فالأسوة الحسنة والقدوة الطيبة والمصطفى والمجتبى من بين العالمين هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي شرح الله له صدره، ورفع الله له قدره، وأعلى الله له ذكره، وطهره ورفعه وكرّمه على جميع العالمين، وزكّاه جل وعلا في كل شيء. زكاه في عقله، فقال سبحانه: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [النجم:2]. زكاه في بصره فقال سبحانه: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم:17]. زكاه في فؤاده فقال سبحانه: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم:11]. زكاه في صدره فقال سبحانه: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1]. زكاه في ذكره، فقال سبحانه: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:4]. زكاه في طهره، فقال سبحانه: وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ [الشرح:2]. زكاه في علمه، فقال سبحانه: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:5]. زكاه في صدقه، فقال سبحانه: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم:3]. زكاه في حلمه، فقال سبحانه: بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128]. وزكاه كله، فقال سبحانه: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]. أغـر عليه للنبوة خاتم من الله من نور يلوح ويشهـد وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد

    رسول الله قدوة في شتى مجالات الحياة

    إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عجيبة من عجائب الكون، وآية من آيات الله، ومعجزة من معجزات الله في هذه الأرض -وتدبروا معي هذا التأصيل الذي لابد منه- فهو رسول يتلقى الوحي من السماء ليربط الأرض بالسماء بأعظم رباط وأشرف صلة، وهو رجل سياسة، يقيم للإسلام دولة من فتات متناثر، وسط صحراء تموج بالكفر موجاً، فإذا هي بناء شامخ لا يطاوله بناء في فترة لا تساوي في حساب الزمن شيئاً على الإطلاق، وهو رجل حرب يضع الخطط ويقود الجيوش بنفسه، بل إذا حمي الوَطِيْسُ واشتدت المعارك وفر الأبطال والشجعان، وقف على ظهر دابته لينادي على الجمع بأعلى صوته ويقول: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) وهو رب أسرة كبيرة تحتاج إلى كثير من النفقات من نفقات الوقت والفكر والتربية والشعور، فضلاً عن النفقات المادية، فيقوم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الدور على أعلى وأثم وجه شهدته الأرض وعرفه التاريخ. فهو صلى الله عليه وسلم رجل إنساني من طراز فريد كأنه ما خلق في الأرض إلا ليمسح دموع البائسين، وليضمد جراح المجروحين، وليذهب آلام البائسين المتألمين. وهو رجل عبادة قام بين يدي الله حتى تورمت قدماه، فلما قيل له: أولم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال قولته الجميلة: (أفلا أكون عبداً شكوراً). هو رجل دعوة أخذت عرقه ووقته وفكره وروحه، قال له ربه: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:1-2]، فقام ولم يذق طعم الراحة حتى لقي ربه جل وعلا، فرسول الله صلى الله عليه وسلم.. ما تعلقت به قلوب أصحابه إلا لأنه قدوة، ما أمرهم بأمر إلا وكان أول المنفذين له، وما نهاهم عن نهي إلا وكان أول المنتهين عنه، وما حد لهم حداً إلا وكان أول الوقافين عند هذا الحد.

    1.   

    حاجة الناس إلى القدوة

    أيها الأحباب! الناس بحاجة إلى قدوة وليسوا بحاجة إلى منظرين ينظرون تنظيراً بارداً، باهتاً لا علاقة له بالصدق ولا بالواقع. لما رأى الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم يحول هذا المنهج الرباني والنبوي في حياتهم إلى منهج عملي تعلقت به القلوب، فالقلوب تتعلق بالجمال كأمر فطري جبلي، فكيف بمن جمع الله له الجمال والكمال خَلقاً وخُلقاً؟

    افتقاد الناس للقدوة الحسنة

    أيها الأحباب! إن مشكلتنا الآن أن كثيراً من أبنائنا وإخواننا قد افتقدوا القدوة في كل ميادين الحياة.. في الجانب الدعوي وإن كنا نرى المنظرين ونسمع المتحدثين.. في البيوت فقد افتقدت كثير من البيوت القدوة في كثير من مناحي الحياة، فنحن نحتاج الآن إلى قدوة تشهد لهذا الإسلام بخلقها وسلوكها وقولها وعملها لا إلى منظر سلبي بارد لا يمت تنظيره إلى واقعه أو إلى قوله أو فعله وخلقه بأدنى صلة. مشى الطاوس يوماً باختيال فقلده شكل مشيته بنوه فقال: علام تختالون قالوا بدأت به ونحن مقلدوه وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه أنا لا أريد أن أطوف بحضراتكم في بستان النبي الماتع، فهذا الأمر يحتاج إلى سنوات ورب الكعبة، ولكنني فقط أردت بهذا العنوان وسط هذه الفتن الهائجة والأمواج المتلاطمة أن أقف بحضراتكم في هذا البستان الماتع وقفة متأنية في كيفية تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الناس؛ لأننا قد افتقدنا الآن فن التعامل مع الخلق، وقد قلت لحضراتكم بالأمس: قد يكون الحق معنا -و(قد) هنا للتحقيق- لكننا لا نحسن أن نشهد لهذا الحق على أرض الواقع، ولا نحسن أن نشهد لهذا الحق عرضاً للناس على منهج النبي صلى الله عليه وسلم بالحكمة البالغة والموعظة الحسنة، وقد يكون الباطل مع غيرنا، لكنه يحسن أن يلبس الباطل ثوب الحق، ويحسن أن يوصل بالباطل إلى حيث ينبغي أن يصل الحق، وحينئذ ينزوي حقنا ويضعف -كما هو الواقع- وكأنه مغلوب، وينتفخ الباطل وينتفش كأنه غالب، وهنا نتألم لحقنا الذي ضعف وانزوى، وللباطل الذي انتفخ وانتفش، فنعبر عن هذا الألم بصورتين لا ثالث لهما: إما أن نعبر عن ألمنا تعبيراً ساكناً صامتاً سلبياً، فنزداد هزيمة نفسية على هزيمتنا وانعزالاً عن المجتمع والعالم، وإما أن نعبر عن ألمنا هذا تعبيراً صاخباً متشنجاً منفعلاً دموياً انفلت من القواعد الشرعية القرآنية والنبوية، وهنا تكثر الأخطاء وتكثر التجاوزات، وحينئذ نخسر الحق للمرة الثالثة بل للمرة الألف؛ لأن أهل الأرض في الأرض سيزدادون بغضاً للحق الذي معنا، وإصراراً على الباطل الذي معهم، فنخسر الحق الذي من أجله خلق الله السموات والأرض والجنة والنار، ومن أجله أرسل جميع الأنبياء والمرسلين.

    1.   

    تعامل النبي القدوة مع الخلق

    إن رسول الله هو أسوتنا وقدوتنا، فلننظر أيها الأفاضل! كيف كان يتعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الخلق؟ وهذا ما أود أن أركز الحديث فيه مع أحبابنا وإخواننا جميعاً. لماذا نجح أهل الباطل في جذب قلوب الجماهير إلى باطلهم، مع أنهم لا يملكون على الإطلاق حجة تقنع عقلاً ولا قلباً، ومع ذلك استطاعوا أن يجذبوا جماهير المسلمين -فضلاً عن أهل الأرض- إلى الباطل الذي معهم؟! انظر كيف يدعو غير المسلِم المسلَم، أو غير المسلم وكيف يخاطبه ويحاوره؟ لماذا نخسر قضيتنا مع أنها قضية مضمونة؟! لماذا صار الإسلام في قفص اتهام؟ بكل أسف لا يوجد إلى الآن مجموعة من المدافعين الصادقين المخلصين الذين يدافعون عن هذا، ولا أقول: يدافعون بل يبينون الحق بالحق وبقوة الإيمان، بل نقف أمام كل تهمة يتهم بها ديننا وقفة الضعيف المهزوم المخذول، الذي يود أن لو وضع أنفه ورأسه في الرمال وكأنه لا يملك حجة ليبلغها لأهل الأرض، بل صارت ردودنا سلبية مهزومة، ونسينا قول الله جل وعلا: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29]. إن مكمن الخطر إلى الآن أننا لم نشهد لهذا الإسلام على أرض الواقع بأخلاقنا وسلوكنا، ولم نبلغ هذا الحق لأهل الأرض كما بلغه أسوتنا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم، فإنه ما جهة إلا وخاطبها: خاطب الملوك .. خاطب الرؤساء .. خاطب العشائر والقبائل، ما ترك مجلساً من مجالس الكفار إلا وغشيهم في أنديتهم؛ ليبلغهم دين الله بأدب جم .. بحكمة بالغة .. بموعظة حسنة .. بكلمة رقيقة رقراقة، ولو تتبعت منهج رسول الله في البلاغ والدعوة إلى الله لرأيت العجب العجاب حتى مع أكفر أهل الأرض.

    تعامله صلى الله عليه وسلم مع ثمامة سيد اليمامة

    أيها الأحبة! تدبروا هذه الرواية كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل يقال له: ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، وربط الصحابة ثمامة في سارية من سواري المسجد النبوي -أي: في عمود- ودخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد فوجد ثمامة بن أثال مربوطاً في السارية، فاقترب النبي صلى الله عليه وسلم منه)، فإذا به يرى ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، ثمامة الذي أعلن الحرب بضراوة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى دينه. (فاقترب النبي صلى الله عليه وسلم منه وقال: ماذا عندك يا ثمامة ؟! فقال ثمامة : عندي خير يا محمد ! إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط من المال ما شئت). قول واضح صريح قوي: (إن تقتل تقتل ذا دم) يعني: إن قتلتني فاعلم بأن دمي لن يضيع هدراً ولن تفرط قبيلتي في هذا الدم. (وإن تنعم تنعم على شاكر)، أي: إن أحسنت إلي وأطلقت سراحي فلن أنسى لك هذا الجميل والمعروف ما حييت، فأنا رجل أصيل لا أنسى إحسان من أحسن إلي. (وإن كنت تريد المال فسل تعط من المال...) أي: أما إن كنت تريد المال والفدية فسل تعط من المال ما شئت. (فتركه النبي صلى الله عليه وسلم)، وفي غير رواية الصحيحين: (أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يحسنوا إلى ثمامة) . (ثم دخل عليه في اليوم الثاني واقترب منه وقال: ماذا عندك يا ثمامة ؟! فقال: عندي ما قلت لك يا محمد! إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم دخل عليه في اليوم الثالث، فقال: ماذا عندك يا ثمامة ؟! قال عندي ما قلت لك يا محمد ! إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أطلقوا ثمامة) أي: لا نريد مالاً ولا جزاءً ولا شكوراً. ولاحظ -أخي- أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أبقاه في المسجد، ولم يأمر بإخراجه، فدل هذا على جواز أن يدخل المشرك المسجد ما لم يدخله بقصد الإهانة والإساءة، وقصد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبقى ثمامة في المسجد ليستمع ثمامة القرآن غضاً طرياً من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليرى النبي صلى الله عليه وسلم كيف يربي الصحابة، وليرى كيف يتعامل الصحابة مع رسول الله، فالمسجد مدرسة تعلم فيها ثمامة في ثلاثة أيام عظمة هذا الدين. أيها الأحباب! منذ متى ونحن ندخل المساجد؟ منذ كم سنة؟ فهل تعلمنا هذا الدين كما ينبغي في بيوت الله وكما علم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثمامة في ثلاثة أيام عظمة وجلال هذا الدين؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أطلقوا ثمامة ، فانطلق ثمامة إلى حائط فاغتسل) أولم أقل لك إنه تعلم في المسجد؟ ثم عاد إلى المسجد النبوي ووقف بين يدي رسول الله وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله. اسمع أيها الحبيب اللبيب! إلى قول ثمامة؟ (يا رسول الله! والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فأصبح وجهك الآن أحب الوجوه كلها إلي، والله ما كان على الأرض دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدين كله إلي، والله ما كان على الأرض بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك الآن أحب البلاد كلها إلي، ثم قال: يا رسول الله! لقد أخذتني خيلك وأنا أريد العمرة، فبماذا تأمرني؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أمره بإتمام العمرة) . قال الحافظ ابن حجر : (فبشره) أي: بالجنة، أو بمغفرة الذنوب، أو بقبول التوبة، وأمره بأن يتم عمرته. أيها الحبيب! انطلق ثمامة إلى مكة شرفها الله فجهر بالتلبية -كما في غير رواية الصحيحين- وهو القائل: ومنا الذي لبى بمكة محرماً برغم أبي سفيان في الأشهر الحرم فلما رفع صوته بالتلبية قام المشركون إليه: من هذا الذي يرفع صوته بالتلبية بين أظهرنا؟ فقاموا إليه وضربوه ضرباً شديداً حتى أنقذه أبو سفيان من بين أيديهم وقال: إنه ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة وأنتم تحتاجون إلى الحنطة من هذه البلاد، فتركوه، فلما سمع ذلك جلس ثمامة ، وقال: والله لا تصل إليكم بعد اليوم حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله. خلع رداء الشرك على عتبة الإيمان فوظف كل طاقاته لخدمة دينه، وهذا هو حقيقة الانتماء لهذا الدين. منذ متى قد شرح الله صدورنا لهذا الدين؛ لكن ماذا فعلنا؟ ماذا بذلنا؟ ماذا قدمنا؟ أنت تخطط لمستقبل أولادك ولتجارتك ما لا تخطط عُشر معشاره لدين الله جل وعلا. أيها الأحباب! لو خططنا لهذا الدين عشر ما نخططه لأولادنا وبيوتنا ومستقبل تجاراتنا لغيَّر الله هذا الحال، لكنك قد لا تتذكر العمل لدينك إلا في محاضرة كهذه، أو إذا استمعت شريطاً لرجل من أهل العلم الصادقين، يحترق قلبك حينئذ أنك تنتمي إلى دين يجب عليك أن تضحي من أجله وأن تبذل له أغلى ما تملك. لكن ثمامة رضي الله عنه وظف طاقاته وإمكانياته وعقله وفكره وماله ومكانته لدين الله تبارك وتعالى، وكان ثمامة أول من فرض حصاراً اقتصادياً على الشرك وأهله في مكة، حتى أكلت قريش (العلهز) وهو وبر الإبل مع الجلد، يضعونه على النار ويأكلونه من شدة الجوع، حتى ذهب أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ يناشده الله والرحم أن يرسل إلى ثمامة ليخلي بينهم وبين الميرة، فرد عليه معدن الكرم وصاحب الخلق والأسوة الطيبة ورحمة الله للعالمين، وأرسل إلى ثمامة أن خل بينهم وبين الميرة. والشاهد أيها الأفاضل: انظروا كيف حول خلق النبي صلى الله عليه وسلم وأدبه ورحمته وتواضعه البغض في قلب ثمامة إلى حب مشرق وود. انظروا كيف حول خلق النبي صلى الله عليه وسلم البغض في قلب ثمامة إلى حب مشرق وود! انظروا كيف حول الرفق واللين قلبه! وهذه الأمثلة والأحاديث نحفظها، لكنني لا أدري هل نظن هذه الأحاديث ليست لنا؟ ولسنا مكلفين بأن نحولها في حياتنا جميعاً إلى منهج حياة، وإلى واقع عملي؟

    تعامله صلى الله عليه وسلم مع شاب جاء يستأذنه في الزنا

    أيها الأحبة: لقد روى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح: أن شاباً -تغلي الشهوة في عروقه- جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وقال: يا رسول الله! أتأذن لي في الزنا؟ -يستأذن رسول الله في الزنا- فقال الصحابة: مه! مه! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ادن -أي: اقترب، لم يقل: اطردوه، أخرجوه، أخرجوا هذا النجس الفاسد الفاسق، لا- ويقترب الشاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسأله النبي صلى الله عليه وسلم برفق وحب وحنان وخلق: أتحبه لأمك؟ فيقول: لا والله يا رسول الله! جعلني الله فداك، فيقول: أتحبه لأختك؟ قال: لا والله يا رسول الله! جعلني الله فداك، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: أتحبه لابنتك؟ أتحبه لخالتك؟ أتحبه لعمتك؟ والشاب يقول: لا والله جعلني الله فداك، فيقول: وكذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم وبناتهم، وأخواتهم، وعماتهم وخالاتهم، ومع كل ذلك يرفع النبي صلى الله عليه وسلم يده المباركة الشريفة ليضعها على صدر هذا الغلام ويدعو الله عز وجل له ويقول: (اللهم اشرح صدره! واغفر ذنبه! وحصن فرجه)، فيخرج الشاب من عند رسول الله ولا يوجد على الأرض شيء أبغض إليه من الزنا. والله يا إخوة! لقد رأت عيني وسمعت أذني، رأيت أخوين من إخواننا العاديين البسطاء في طريقهم إلى مسجد كهذا، وأمام مكان الوضوء وقفا يتحدثان ويبدو أن أحدهما كان على سفر لأنهما تعانقا، وقفا فتحدثا حتى شرع المؤذن في إقامة الصلاة، وإذ بأحد الإخوة يمر عليهما وأراد أن يأمرهما بالتعجيل إلى الصلاة، فنظر إليهما وقال: (صل يا حمار أنت وهوه)، فاقتربت من الأخ وقلت: لا يا أخي! لن يصلوا يا أخي! قال: كيف يا شيخ! قلت: يا أخي! متى فرض الله الصلاة على الحمير؟ الحمير لا تصلي! هل هذه طريقة بلاغ.. طريقة دعوة.. طريقة تعامل مع الخلق؟ إننا لا نتعامل أيها الإخوة مع ملائكة بررة، ولا مع شياطين مردة، ولا مع أحجار صَلدةٍ، بل نتعامل مع نفوس بشرية فيها الإقبال والإحجام.. فيها الحلال والحرام.. فيها الخير والشر.. فيها الطاعة والمعصية.. فيها الفجور والتقوى.. فيها الهدى والضلال، فلابد أن نكون على بصيرة بمفاتيح هذه النفوس البشرية؛ لنتغلغل إلى أعماق أعماقها، هذا إن كنا قد صدقنا الله بالفعل في أننا نريد أن ننقل الناس من البدعة إلى السنة، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الباطل إلى الحق، ومن الشر إلى الخير، ومن الضلال إلى الهدى، أما إن كنا نعمل من أجل أنفسنا ومن أجل الهوى فذاك شأن آخر، لكن إن كنت تريد بالفعل أن تنقل الناس من الباطل إلى الحق، فبحق، ولن تنقلهم أبداً إلا بحق، قال جل وعلا لنبينا صلى الله عليه وسلم: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108]. قال ابن القيم رحمه الله: ولا يكون الرجل من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم حقاً حتى يدعو إلى ما دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم على بصيرة.

    تعامله صلى الله عليه وسلم مع الأطفال

    أيها الإخوة! إننا قد نتألم غاية الألم إن رأينا طفلاً من أطفالنا يجري في المسجد أو يبكي أو يلعب، وربما يُنهر هذا الطفل نهراً ويطرد، وربما يفعل ذلك بعض إخواننا من أئمة المساجد وطلبة العلم، ونعجب من هذا غاية العجب! إن لم نفتح قلوبنا قبل أبواب مساجدنا لأطفالنا وأولادنا؛ ليتعلموا في بيوت الله عن الله ورسوله، فمتى وأين سيتعلم أولاد المسلمين؟ والله لقد نزل النبي صلى الله عليه وسلم من على المنبر حين رأى الحسن يتهادى. نعم. رأى طفلاً صغيراً خرج من بيوته صلى الله عليه وسلم يتهادى، وكان على المنبر فنزل وترك الخطبة، وحمل الحسن وارتقى به المنبر وأجلسه على يمينه على المنبر. بالله ماذا لو صنع إمامٌ هذا الصنيع الآن، ووضعه عن يمينه؟ ثم أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى الحسن مرة وإلى الناس مرة، ثم قال: (إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) -يا ألله!- وهذا قبل الفتنة بسنوات؛ لكن الشاهد أن ننظر كيف نزل النبي صلى الله عليه وسلم من على منبره، وحمل الحسن وهو طفل صغير، وأجلسه عن يمينه على المنبر؟ بل لقد روى مسلم من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: (صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغداة، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته فاستقبله الولدان، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام يمسح على خدي أحدهم واحداً واحداً) هل فعلنا ذلك مع أولادنا؟ يقول جابر رضي الله عنه الذي لم ينس هذا: (ومسح النبي صلى الله عليه وسلم على خدي، فوجدت ليده برداً وريحاً كأنما أخرجهما من جُونةِ عَطَّار) صلى الله عليه وسلم.

    واجبنا في تعليم أطفالنا القدوة

    أيها الإخوة! لا أنسى ذلك الرجل الحبيب العاقل حين كنت أعمل خطيباً لبيت من بيوت الله في مدينة القصيم، وجاء هذا الوالد الكريم وقال لي: يا شيخ محمد ولدي يحبك، قلت: الحمد لله، قال: وسآتي به لأول مرة لصلاة الجمعة في الجمعة المقبلة إن شاء الله، قلت: أهلاً وسهلاً به. قال: ولكنني أحضرت هذه الهدية لتضعها في منبرك، فإذا أنهيت الخطبة سآتي به؛ لتسلم عليه، فأرجو منك أن تصافحه، وأن تقبله، وأن تدعو الله له، وأن تعطيه هذه الهدية ليزداد حباً لك ولبيت الله جل وعلا. فَهم راقٍ .. انظر كيف يخطط الوالد لولده؟! كيف يغرس الوالد هذا الحب في قلب ولده بأسلوب يتناسب مع طفل. وهذه المواقف -أيها الأحباب- لا ينساها أطفالنا أبداً، فكافئ ولدك بمكافأة؛ لأنه حفظ جزءاً من كتاب الله، فإنه لا ينسى أبداً هذه المكافأة، بل سيظل يحتفظ بها وهو في غاية السعادة. اغرس في قلب ولدك حب العقيدة، فهذا خلق أسوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس : (كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً على حمار، فقال صلى الله عليه وسلم: يا غلام! احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف). روى مسلم في صحيحه قال: حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب عن كهمس عن وكيع عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: (كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني -يعني كان أول من قال بنفي القدر في البصرة معبد الجهني - قال: فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر؟ قالا: فوقف لنا عبد الله بن عمر داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، وظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: أبا عبد الرحمن -ينادي ابن عمر - إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم -أي يبحثون عن غوامض العلم وخوافيه ودقائق مسائله- ويزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف -أي: لا يعلم الله الأشياء إلا بعد وقوعها وحدوثها- فقال عبد الله بن عمر : إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني، فوالذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد .. .) وساق الحديث بطوله. والشاهد: قول عبد الله بن عمر : (حدثني أبي عمر عن رسول الله)، فهل قال ولدك: حدثني أبي عن فلان الصحابي عن رسول الله؟ هل جلست مع ولدك أيها الأخ الحبيب الفاضل؟! أولسنا نحفظ هذه الأحاديث يا إخوة؟! أولسنا نعرف هذا المنهج التربوي؟ أولسنا نقف على هذا الخلق العظيم في معاملة النبي صلى الله عليه وسلم للخلق؟

    1.   

    تعامل الرسول القدوة مع الكفار

    أيها الإخوة! لقد علم النبي صلى الله عليه وسلم الدنيا الشرف في معاملته مع الأعداء، فقد روى مسلم من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: (ما منعني أن أشهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن المشركين قد أخذونا وقالوا: أتريدون محمداً؟ قال حذيفة : فقلت: لا. قال حذيفة : فأخذ المشركون علينا عهد الله وميثاقه أن ننصرف إلى المدينة وألا نشهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما قال المشركون وبما قلت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: انصرفا -يعني: لا تشهدا معنا المعركة- نفي للمشركين بعهدهم ونستعين الله عليهم)، هذا هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم. أيها الأحباب! وأختم بهذا الموقف الرقيق، لأنني لو جلست إلى الفجر ما انتهيت؛ لأننا نتحدث عن منهج تربوي كامل، أختم بهذا المشهد الوضيء، ففي سنن النسائي وأبي داود بسند صحيح: أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أتى يوم فتح مكة بـعبد الله بن سعد بن أبي السرح ليبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أهدر دمه، وأمر الصحابة أن يقتلوه في أي مكان وجدوه ولو كان معلقاً بأستار الكعبة. فجاء به عثمان بن عفان فنظر النبي صلى الله عليه وسلم فوجد عثمان وعبد الله بن سعد أمام عينيه وبين يديه، وإذا بـعثمان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: بايعه يا رسول الله! فغض النبي صلى الله عليه وسلم الطرف عن عبد الله بن سعد وسكت ولم يرفع النبي صلى الله عليه وسلم يده، فقال عثمان ثانية: بايعه يا رسول الله! فلم يمد النبي صلى الله عليه وسلم يده، فقال عثمان ثالثة: بايعه يا رسول الله! وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستحيي من عثمان ؛ لأن عثمان رجل تستحي منه الملائكة، فقال عثمان في الثالثة: بايعه يا رسول الله! فمد النبي صلى الله عليه وسلم يده فبايع عبد الله بن سعد ثم انصرف والنبي صلى الله عليه وسلم غاضب حزين، فالتفت النبي إلى أصحابه وقال: (أوما كان فيكم رجل رشيد يراني قد كففت يدي عن بيعته؛ فيقوم إليه ليقتله، فقال الصحابة: هلا أومأت إلينا بعينك يا رسول الله! فرد النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة أعين)، يعلمنا الصدق حتى في النظرة، لا في القول والفعل والاعتقاد فحسب، بل حتى في النظرة.

    1.   

    حاجتنا إلى الرجوع إلى المنهج النبوي والاقتداء بصاحبه عليه الصلاة والسلام

    أيها الأفاضل! ما أحوجنا أن نرجع من جديد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لنسير على دربه، فوالله لا سعادة لنا ولا نجاة في الدنيا والآخرة إلا إذا عدنا من جديد إليه وسرنا على نفس الدرب الذي سار عليه، ورددنا مع السابقين الأولين الصادقين قولتهم الخالدة: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285]. فلنفرق بين مقامي الدعوة والجهاد، فمقام الجهاد يحتاج إلى رجولة وغلظة، أما مقام الدعوة فيحتاج إلى رقة وحكمة وتواضع ولين: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل:125]، فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159]. أما في مقام الجهاد فقال ربنا: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التحريم:9]، فالخلط بين مقامي الدعوة والجهاد يوقعنا في حرج بالغ، فلنتحرك الآن بصدق وبهمة عالية وبإخلاص وبرجولة: ولم أر في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمام أنت تقدر أن تفعل أي شيء فتحرك لدين الله.. مر بالمعروف بمعروف، وانه عن المنكر بغير منكر، واحمل هم هذا الدين، واشهد لدين الله في موقعك الذي أنت فيه، في موقع إنتاجك وموطن عطائك، فهذه أعظم خدمة نقدمها اليوم لدين الله، فلسنا أقل من هؤلاء الذين أبدعوا في الشرق والغرب، بل يجب على هذه الأمة أن تبدع في كل مناحي الحياة بعد أن تحقق إيمانها بالله وإيمانها برسول الله صلى الله عليه وسلم. أسأل الله جل وعلا أن يردنا إلى الحق رداً جميلاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً! اللهم وكما آمنا بنبيك ولم نره فلا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله، اللهم وأوردنا حوضه الأصفى، اللهم اسقنا منه شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً يا رب العالمين! اللهم لا تدع لأحد منا في هذه الليلة الكريمة المرجوة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أنج المسلمين المستضعفين في فلسطين، وأنج المسلمين المستضعفين في العراق، وأنج المسلمين المستضعفين في الشيشان، وأنج المسلمين المستضعفين في أفغانستان وفي كل مكان. اللهم اجعل دولة قطر أمناً أماناً سخاءً رخاءً، وجميع بلاد المسلمين! اللهم لا تحرم هذا البلد من نعمة الأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويرمى به في جهنم، ثم أعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007962185

    عدد مرات الحفظ

    720517317