إسلام ويب

حرب الرذيلةللشيخ : مسند القحطاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الفواحش التي حرمها الله تبارك وتعالى تفتك بالفرد، وتقوض كيان المجتمع، وعلى رأس هذه الفواحش وأشدها خطراً فاحشة الزنا. ولقد جاء الإسلام لعظمته وكماله بتحريم هذه الفاحشة العظيمة، وسد جميع المنافذ المؤدية إليها، عبر منهج متكامل من الأسباب والوسائل.

    1.   

    فاحشة الزنا .. وتحذير الله منها

    الحمد لله الذي جعلنا مسلمين، ولم يجعلنا يهوداً أو نصارى أو وثنيين، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، الحمد لله على نعمه الكثيرة، وآلائه الجسيمة، نحمده تبارك وتعالى حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً نرجو بها النجاة يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً، نشهد أنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات ربي وسلامه عليه صلاةً وسلاماً تامين دائمين إلى يوم الدين، وأسأل الله عز وجل أن يجعلنا جميعاً من إخوانه الذين آمنوا به ولم يروه، وأن يحشرنا تحت لوائه، وأن يوردنا حوضه، وأن يسقينا من يده الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها، اللهم آمين.

    أما بعد:

    أيها الأحبة في الله: فسلامٌ من الله عليكم ورحمته وبركاته، وأحمد الله تعالى الذي بنعمته تتم الصالحات، ونحمده جل وعلا أن جمعنا في هذا المكان المبارك، وعلى هذه الشعيرة العظيمة، ألا وهي صلاة الجماعة، وأسأله جل وعلا أن يجمعنا في الدنيا دائماً وأبداً على ما يحب ويرضى، وأن يجمعنا في الآخرة في دار كرامته ووالدينا وأحبابنا إنه جواد كريم.

    أيها الأحبة في الله: حديثنا هذه الليلة عن منهج الإسلام في محاربة الفاحشة، وحماية المجتمع منها، وحماية المسلم حتى لا يقع فيها.

    نعم أيها الأحبة! الفواحش التي حرمها الله تبارك وتعالى والتي تفتك بالمجتمعات، وتهدد كيان الفرد والمجتمع، تلكم الفواحش التي جاء الإسلام لعظمته وكماله بتحريم ما ظهر منها وما بطن.

    الفاحشة: هي ما فحش من الذنوب، أي: ما عظم في نفسه وفي أثره، فذلكم هو الفاحشة، ومقصودنا هذه الليلة هو فاحشةٍ من هذه الفواحش، تهاون الناس بالأسباب المؤدية إليها، وتهاونوا بالوسائل التي توقع فيها، والله تبارك وتعالى قد حذرنا من هذه الأسباب والوسائل، فضلاً عن تحريمها في ذاتها.

    إنها فاحشة الزنا -أعاذنا الله وإياكم- هذه الفاحشة الخطيرة التي تكاد تعصف اليوم بالعالم شرقه وغربه، فالبشرية اليوم تعيش حالةً ربما لم يمر عليها في تاريخها من انتشار الفاحشة -أي الزنا- وشيوع الزنا، وكثرة وسائله، وطرقه، والأسباب المؤدية إليه، من إثارة الغرائز، وإشاعة الشهوات والفتن، والأسباب المؤدية إليه، حتى وصلت بعض شعوب الأرض اليوم إلى مستوىً أقل وأحط من مستوى الحيوانات في ممارسة هذه الفاحشة والعياذ بالله.

    وأقول: إن البشرية اليوم قد وصلت إلى هذا المستوى؛ لأن هذه الفاحشة وهذا الانحراف، وهذا الخلق الخطير قد أصبح اليوم في بعض الأقطار قانوناً يقنن ويؤسس، وأصبح نظاماً لا يكاد أحدٌ ينكره، أو يتكلم عليه.

    فالمصيبة عندما تصبح الرذيلة فضيلة، وعندما يصبح الانحراف هو الأساس وهو حياة الناس، وهذا من انقلاب المفاهيم، والانتكاسة، والجاهلية التي تعيشها بعض شعوب الأرض اليوم. والله المستعان.

    أيها الأحبة في الله: إن فاحشة الزنا -أعاذنا الله وإياكم وأحبابنا ومجتمعاتنا منها- فاحشة خطيرة، وآثارها خطيرة، ونتائجها خطيرة على الفرد وعلى المجتمع، خاصةً إذا جاءت هذه الآثار وهذه النتائج من حيث لا نحتسب، إذا أغفلت هذه الخطورة، أو لم يتعامل معها على القدر الذي تستحقه.

    إن الله تبارك وتعالى يقول في محكم كتابه: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً [الإسراء:32] هذا هو منهج الإسلام في حماية المجتمع من هذه الفاحشة وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32]، فلم يقل الله تبارك وتعالى: (ولا تزنوا) وإنما قال: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32] فهناك منهج لكيلا نقع في هذه الفاحشة، ولكيلا نقرب هذه الفاحشة، فما هو هذا المنهج؟

    لم يقل الله عز وجل: (ولا تزنوا) لأن الله سبحانه وتعالى لو قال: (ولا تزنوا) لكانت النظرة حلالاً، واللمس حلالاً، والخلوة حلالاً، والتمتع حلالاً، وكل ما يؤدي إليه حلالاً؛ لأنه لم يحرم إلا الزنا نفسه، فلذلك حرم الله تبارك وتعالى الحكيم الخبير سبحانه وبحمده الوسائل المؤدية إلى هذه الغاية الخطيرة، والوسائل لها أحكام الغايات، فإذا كانت الغاية خطيرة مثل هذه الغاية فالوسيلة إليها حرام، فأصبحت كل وسيلة تؤدي إلى هذه الغاية الخطيرة حراماً، وهذا شرع الله عز وجل، وهذه حكمته سبحانه وتعالى، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14] سبحانه وبحمده! والله جل وعلا حكيمٌ عليم لا يشرِّع ولا يخلق عبثاً سبحانه وتعالى، أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115].

    1.   

    ضعف الإنسان أمام الشهوات .. والحكمة من خلق الشهوة

    أيها الأحبة في الله: لقد خلق الله الإنسان ضعيفاً، وخاصةً أمام الشهوات، فأودع الله تبارك وتعالى فيه هذه الشهوة، وجعلها غريزةً فيه، وجعله ضعيفاً أمامها، ولكن الله تبارك وتعالى أكرمه بالعقل، فجعل له عقلاً يتحكم في شهواته، ولم يجعلنا الله تبارك وتعالى كالحيوانات التي فيها شهوات، وليس لها عقولٌ تحكم هذه الشهوات، فمتى ما أراد هذا الحيوان أن يقضي شهوته قضاها، سواءً يراه أحد أو لم يره، في أي زمان، وفي أي مكان.

    وكما قلت في بداية الحديث: قد وصل بعض شعوب الأرض اليوم إلى مستوىً أقل وأحط من مستوى بعض الحيوانات في قضاء شهواته، فإن بعض الحيوانات ربما لا يقضي هذه الشهوة أمام أحدٍ من الناس، ولكنها اليوم تذاع وتشاع على مستوى العالم من خلال القنوات والفضائيات، ومن خلال المجلات والجرائد، ومن خلال الوسائل التي أصبحت في متناول الجميع، فأصبحت الفاحشة ترى وتسمع ويتلذذ بمتابعتها هنا وهناك، تلذذاً شيطانياً والعياذ بالله، وإنما هو انحرافٌ، وإنما هو انتكاسة في الفطر والعقول السليمة.

    وأقول أيها الأحبة: خلق الله الإنسان ضعيفاً وخاصةً أمام الشهوات، فمن كابر وقال: لا، إن الإنسان يستطيع أن يصمد، ولا داعي لهذا المنهج، ولهذه الأسباب والوسائل، فإنه يغالط نفسه، ويكابر نفسه، ويعاند نفسه، ويرد كلام الله تبارك وتعالى، فالله جل وعلا خلق الإنسان ضعيفاً أمام هذه الشهوات، وأودع فيه هذه الغريزة لفائدتين كما قال العلماء:

    الفائدة الأولى: بقاء النسل البشري، فإن هذه البشرية؛ نتيجة لانجذاب الجنسين بعضهما إلى بعض.

    والفائدة الثانية: أن يتصور المؤمن ما أعد الله لعباده الصالحين في الجنة من التمتع بالأزواج والزوجات.

    ولم يخلق الله تبارك وتعالى هذه الشهوة حتى تكون قائداً للإنسان، وإنما جعل الله تبارك وتعالى للإنسان عقلاً يتحكم في هذه الشهوة، ويتصرف بها حسب مصلحته وفيما شرعه الله تبارك وتعالى.

    أما إذا أصبح الإنسان -والعياذ بالله- يقوده بطنه وما تحته، فهذه هي حياة الحيوان، وهذه هي حياة الكافر الذي لا يعرف الله تبارك وتعالى، ولا يعرف ديناً ولا عبادةً يتعبد لله عز وجل بها، واسمع إلى قوله تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ [محمد:12] والعياذ بالله! فالكفار يعيشون حياة الأنعام، لا دين، ولا خلق، ولا منهج.

    وهذا هو الغالب، ولا يغرك ما تراه من بعض عقلائهم ومصلحيهم، فإن هؤلاء قلةٌ، وإنما الغالب أنهم شعبٌ يقودهم كأسٌ وشهوة، كأس وغانية، هذه هي الحقيقة.

    فأقول أيها الأحبة: خلق الله الإنسان ضعيفاً، وخاصةً أمام الشهوات، فلا بد أن نعلم ذلك يقيناً، وأن نخاف على أنفسنا من الوقوع في هذه الفاحشة، يقول الله تبارك وتعالى: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً [النساء:27-28] الذين يتبعون الشهوات يريدون المجتمع كله أن يكون متبرجاً سافراً واقعاً في الفاحشة، متعاطياً للخمور والمخدرات والفاحشة، هكذا يريد الذين يتبعون الشهوات، وهكذا يريد الذين ينادون بكشف وجه المرأة، لماذا؟ والله لانتشار الفاحشة -والعياذ بالله- وليس لإكرام المرأة، وإلا فمن الذي يفرح بتبرج نساء المسلمين؟ ومن الذي يفرح بضياع أبناء المسلمين؟ ومن الذي يفرح بهذه الجرائم التي نسمع عنها صباح مساء، والتي كانت غريبة عن المجتمع، وأصبح الناس اليوم لا يستهجنونها، ولا يستغربونها، وكثرة المساس تميت الإحساس والعياذ بالله.

    ويقول الله تبارك وتعالى محذراً من اتباع خطوات الشيطان: وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [النور:21] فما هي النتيجة؟ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [النور:21] واسمع قوله جل وعلا: خُطُوَاتِ [النور:21] ولم يقل: (خطوة) فالزنا لا يحدث دفعةً واحدة، والقتل لا يحدث دفعةً واحدة، وإنما هناك خطوات، وهناك وسائل وأسباب من تهاون بها أوصلته إلى الجريمة الكبرى، وهكذا الشيطان يأتي من نظرة، فابتسامة، فموعد، فلقاء فجريمة تقع، وهكذا الشيطان يأتي بجلساتٍ مع أصحاب السوء، بدون أن يحدث شيءٌ يذكر، ثم بعد ذلك جلسةٌ أخرى، وثالثة ورابعة حتى يقع ما لم يكن بالحسبان.

    فربما خطوة واحدة لا توصل إلى الفاحشة، وخطوة ثانية وثالثة ورابعة، فإن الله عز وجل يقول: خُطُوَاتِ [النور:21] ولم يقل: خطوتين، ولا ثلاث خطوات، ولا عشر خطوات، فلذلك بعض الناس ربما يخلو بامرأةٍ أجنبية لأول مرة، فيقول: لم يحدث شيء، أنتم تشككون، ليس عندكم ثقة، وكأنه يرد كلام الله عز وجل، فهذه الخطوة الأولى، لكن باقي خطوات، الجلسة الثانية، والخلوة الثالثة، والرابعة، والخامسة، والسادسة، ما تدري متى تأتي الخطوة الأخيرة، ربما بعض الناس الآن يقع في الخطوة الأولى أو الثانية أو الثالثة، فلا يرى شيئاً حدث فيغتر المسكين، ويظن أنه قويٌ، وأنه متحكم في شهوته، وأن هذا مجرد كلام لا حقيقة له، ونسي المسكين أن هناك خطوات وليست خطوة واحدة.

    1.   

    خطورة الزنا

    علاقة فاحشة الزنا بالشرك بالله عز وجل

    أيها الأحبة في الله: إن فاحشة الزنا من أخطر الفواحش، إنها أخت الشرك بالله عز وجل، فالزنا أخو الشرك -والعياذ بالله-؛ لأن الزاني حين يزني لا يزني وهو مؤمن -والعياذ بالله- كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) يعني: إيمانه في الحضيض، في أقل ما يكون، فلذلك هو خطورة عظيمة جداً وقريب من الشرك، وكذلك الزنا معصية، وكل معصيةٍ فهي شركٌ لله عز وجل؛ لأنها طاعةٌ للشيطان، وعبادةٌ للهوى، فلذلك هي شركٌ بالله عز وجل، وربما قاد صاحبه -والعياذ بالله- إلى الشرك الأكبر المخرج من الملة.

    وكذلك قال سبحانه وتعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3] فساوى الله تبارك وتعالى بين الزاني والمشرك، وبين الزانية والمشركة، فهذا أمرٌ خطير، وكأن الزاني أخو المشرك، والزانية أخت المشركة، فهذا أمرٌ خطير، ويدل على خطورة هذا الأمر من ناحية الإيمان، فهذه الجريمة خطيرة جداً، فكما جاء في الحديث الصحيح: (إذا زنى العبد خرج منه الإيمان كأنه ظلة، حتى إذا أقلع عاد إليه إيمانه) فإذا زنى خرج منه إيمانه، وهذا أمر خطير، فمن يضمن له أن يعود إيمانه إليه، وقد مارس هذه الفاحشة، فربما -والعياذ بالله- استحلها، واستمر عليها مستحلاً لها، ورد حكم الله تبارك وتعالى، وبذلك يكفر والعياذ بالله.

    علاقة فاحشة الزنا بالقتل

    وكذلك أيها الأحبة: الزنا أخو القتل؛ لأنه جريمة تُقتل فيها العفة والطهارة، ويقتل فيها الحياء والكرامة، ويقتل فيها العفاف، ويقتل فيها الطهر، ويقتل فيها أمور عظيمة من المروءة، والحياء، والاستقامة، وغير ذلك من الأمور التي تذهب عمن يقع في هذه الفاحشة الخطيرة.

    ولبيان الخطورة الثانية وهي أن الزنا أخو القتل استمع إلى قوله تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً... [الفرقان:68-70] الآية. فالشاهد أن الله جمع الزنا مع الشرك بالله ومع القتل، فالزنا -والعياذ بالله- شركٌ بالله؛ لأن كل معصية شرك بالله تبارك وتعالى، وكما قلنا خطورته من ناحية الإيمان، وهو قتلٌ للعفاف والطهر، والكرامة والشرف، وغير ذلك.

    الزنا سبب لعقاب الله عز وجل

    وكذلك أيها الأحبة! الزنا -والعياذ بالله- سببٌ لعقاب الله جل وعلا وعذابه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (إذا ظهر الزنا والربا في قريةٍ فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله وعقابه) إذا أعلن، الإعلانات التجارية التي تراها هنا وهناك لصور النساء، وصور الصبايا، وإعلانات الربا التي تعلنها البنوك هنا وهناك، فماذا بقي؟ ألم يظهر الربا؟ ألم يعلن عنه الآن في كل جريدة، وفي كل زاويةٍ، وفي كل لوحةٍ قروضٍ ربوية؟ حربٌ صريحةٌ علنية على الله تبارك وتعالى، وهذه الفاحشة أفلامٌ ومسلسلات، وصور ومجلات، وغير ذلك تعلن وتظهر فيها صور النساء المتبرجات المتجملات المتزينات... إلخ، كل ذلك إظهارٌ للفاحشة، وإظهارٌ لوسائلها وأسبابها -والعياذ بالله- حتى أصبح بعض الناس يظنه تقدماً وتطوراً، وإنما هو -والله- تخلف، وانحدار، وانتكاسةٌ في الفطر والعقول.

    وكذلك أيها الأحبة! إن من خطورة الزنا أنه سببٌ لكثيرٍ من الأوجاع، والأمراض الخبيثة، التي لم تكن معروفة في أسلافنا، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يا معاشر المهاجرين! خمسٌ إن ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن -وذكر من هذه الخمس- لم تظهر الفاحشة في قومٍ قط حتى يعلنوا بها إلا ظهرت فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا...) ظهرت فيهم الأوجاع، وفشت فيهم الأمراض، وفشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن ظهرت في أسلافهم الذين مضوا.

    نعم أيها الأحبة! فمن خطورة الزنا أنه سببٌ لكثيرٍ من الأمراض والأوجاع التي لم تكن معروفة فيما سبق في الأمم التي قبلنا، وهذا واضحٌ اليوم، فشعوب الأرض على تقدمها في الطب اليوم، وفي أسباب العلاج والوقاية، إلا أن الأمراض تتزايد يومياً، وتتكاثر بشكلٍ عجيب، وبعضها يولد بعضاً، وعندما عقد مؤتمرٌ في جنوب أفريقيا قبل عدة أشهر، وناقش كثرة انتشار الأمراض الجنسية كما يقولون، خرج المؤتمرون بوصيةٍ عجيبةٍ تدل على مدى الانحطاط والانتكاسة والانحراف في تلك العقول، فخرج بتوصيةٍ إلى الناس باستعمال الواقي الذكري عند ممارسة الفاحشة، أعوذ بالله!!

    هكذا أصبحت الفاحشة قانوناً ونظاماً، يوصي المؤتمر باستعمال الواقي الذكري عند ممارسة الفاحشة، ولم يجرؤ أن يوصي بوقف الفاحشة، وأن يؤكد ويبين على خطورة الفاحشة، لا. فقد أصبحت عند القوم ديناً، وأصبحت عندهم نظاماً، وهكذا انتكاستهم، نحمد الله على العافية.

    الزنا سبب لضياع الأنساب واختلاطها

    أيها الأحبة في الله: من خطورة الزنا -أيضاً- أنه سببٌ لضياع الأنساب واختلاطها، ولذلك انظر إلى الإحصاءات الخطيرة التي تأتي من دول الكفر من الشرق والغرب، في أمريكا يولد سنوياً مليون طفل من الزنا، وهذه إحصائية رسمية نشرت في جرائدنا الرسمية، مليون طفل سنوياً يولد من الزنا، ويتفاخرون بذلك، وفي أوروبا (40%) من أولاد أوروبا غير شرعيين -نعوذ بالله- هذا ما أعلن وما خفي أعظم. فهكذا وصل الحال بمن تهاون بهذه الفاحشة.

    1.   

    منهج الإسلام في حماية المجتمع من فاحشة الزنا

    أيها الأحبة في الله: منهج الإسلام في حماية المجتمع من هذه الفاحشة، وفي حماية المسلم حتى لا يقع في هذه الفاحشة منهجٌ عظيم، فهناك أسبابٌ ووسائل إذا اتبعها المؤمن فإنه بإذن الواحد الأحد يحميه الله تبارك وتعالى من الوقوع في هذه الفاحشة، والجريمة الخطيرة، التي كما قلت لا نستطيع الصمود أمامها بقوانا البشرية المجردة من الإيمان، واتباع شرع الرحمن سبحانه وتعالى.

    منهج الإسلام سنتكلم عليه من خلال هذه النقاط:

    1- إباحة الزواج والحث عليه.

    2- تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية.

    3- تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية.

    4- تحريم السماع والغناء المحرم.

    5- تحريم لمس المرأة الأجنبية.

    6- تحريم الاختلاط.

    8- تحريم الخضوع بالقول.

    9- تحريم الدخول على النساء.

    10- وجوب الغيرة على المحارم.

    تحريم التبرج والسفور ووجوب الحجاب.

    وغير ذلك من النقاط.

    إذاً: -أيها الأحبة- هذا منهجٌ عظيم، وهذه أسبابٌ ووسائل أمر الله تبارك وتعالى باتباعها، أو أمر الله عز وجل باجتنابها، فهذه الأسباب بعضها يتبع وبعضها يجتنب، المهم أنها تؤدي إلى حماية المجتمع من الفاحشة.

    مشروعية الزواج والحث عليه

    إن الدعوة العالمية الآن التي يرونها تطوراً وتحضراً هي تأخير الزواج، بل بعضهم الآن ينادي بعدم الزواج، لماذا الزواج؟! ولماذا الارتباط؟! ولماذا هذه المسئوليات؟! ولذلك انتشرت الآن في دول الكفر في شرقه وغربه البنوك التي تبيع ماء الرجل للنساء، وتقول للمرأة: لماذا ترتبطين برجلٍ يتحكم فيك، ومسئولية وواجبات؟ فمتى ما اشتهت الولد ذهبت إلى بنكٍ من هذه البنوك فحقنت بماء رجلٍ، زنا مقنن، ومنظم، ومتطور -إن صح التعبير والعياذ بالله- فحقنت بماءٍ وحبلت، وجاءت لها بولدٍ تفتخر به أمام الناس، هكذا أصبح وضعهم.

    الآن في بريطانيا يدرسون منهجاً في مدارس البنات، ما هو هذا المنهج؟ إنه الترغيب في الزواج، فالترغيب في الزواج الآن يدرس في مدارس بريطانيا ، لماذا؟ لأن بريطانيا من أكثر الدول التي يعزف فيها الشباب والشابات عن الزواج، ولذلك في بريطانيا سنوياً أربعون ألف فتاةٍ قاصرةٍ تحمل سفاحاً -قاصرة أي دون الخامسة عشرة في نظرهم- وهكذا إذا رأوا الاغتصاب في القاصرات لا يثير ذلك عندهم أي دهشةٍ أو استغراب، وإذا حصل زواجٌ لفتاةٍ صغيرة أو شابٍ صغير استغرب ذلك، ونظر إليه على أنه شيءٌ غريب وجريمة أو… إلخ.

    أما الاغتصاب والسفاح -والعياذ بالله- فهو في صغارهم وكبارهم، ولكن كما قلنا أصبح ديناً عندهم، وقانوناً ونظاماً، وهذه من الانتكاسة في الفطر والعقول، نسأل الله السلامة والعافية.

    وقد جاء الإسلام بالحث على الزواج المبكر، والترغيب فيه، وبيان فضائله وفوائده، وأنه معينٌ على تقوى الله عز وجل، وطاعة الله، وعلى الإحصان، وأنه معينٌ على الاستقامة، وعلى البعد عن الوقوع في الفاحشة، يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج) هذا هو المنهج، ولذلك الزواج سكن، ولباس، وحماية بإذن الله عز وجل.

    وقد رغَّب النبي صلى الله عليه وسلم في الإكثار من الزواج، والإكثار من الأولاد، كل ذلك حتى يكون الإنسان قد حمى نفسه من الوقوع في الفاحشة، ومن الاقتراب من الوقوع في هذه الفاحشة، أو التفكير فيها، وهذه إحدى فوائد الزواج وخاصةً المبكر، واستمع إلى نداء النبي عليه الصلاة والسلام عندما قال: (يا معشر الشباب!) ولم يقل: يا معشر الناس! ولم يقل: يا أيها الناس! وإنما خص الشباب؛ لأنه كما يُعلم الشباب فيه قوة القوى العقلية والشهوانية وغير ذلك، فهو أحوج من غيره لهذا الأمر.

    والعلماء رحمهم الله يقدمون الزواج لمن احتاج إليه على أداء فريضة الحج، وهذا من جمال الإسلام وكماله، فمن كان عنده مالٌ ولم يحج فريضة الله عليه، وهو محتاجٌ إلى الزواج يقدم الزواج على الحج، وذلك لأنه حاجةٌ ملحة، وحماية لهذا الفرد من الوقوع في الفاحشة.

    أيها الأحبة في الله: إن واقع الناس اليوم في الزواج، وتأخير الزواج، وعدم التفكير فيه وما يردده بعض الناس أن الزواج مسئولية وارتباطات، وتعقيد ... وغير ذلك، نقول: إنه والله من الأمور الخطيرة التي تهدد المجتمعات، فكلما كثرت العنوسة وتأخير الزواج بين الشباب ضاع الشباب، وفكر في الفاحشة، وبدأ ينحرف ويسقط ويضعف أمام داعي الشهوة وخاصة في هذا الزمن الذي كثر فيه التبرج والسفور، وكثرت فيه الدعوات إلى الفاحشة -والعياذ بالله- وقويت فيه وسائل الاتصال بين شعوب الأرض هنا وهناك، فلذلك لم يعد بالإمكان أن يعيش المسلم لوحده بعيداً عن تلك الدعوات الخطيرة التي تنادي الغرائز وتثير الشهوات والغرائز، وتثير حاجات الناس إلى ما لا يستطيعون الصبر على مثله.

    فلذلك -أيها الأحبة- علينا أن نعي هذا الأمر حتى نحمي مجتمعاتنا، فإنه والله قد اتضح لنا الآن أن من أسباب كثرة الفاحشة ووقوع الجريمة تأخير زواج الشباب والشابات، وتعقيد الزواج، ووضع العقبات أمام طريق الزواج من غلاء المهور والحواجز الأسرية والعائلية ... وغير ذلك، حتى أصبح بعض الناس يفكر بالزواج من الخارج لسهولة أمره، أو يخاف على نفسه من الوقوع في الفاحشة -والعياذ بالله- إلى آخر ما قد يحصل، ومما لا شك أن من خالف هذا المنهج فلا يلومن إلا نفسه.

    أيها الأحبة في الله: زواج جاهلي ذكرته أمنا السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها كما في صحيح البخاري وهو اليوم الزواج المعلن المطبق في دول التطور والحضارة، وهو أن تتعرف المرأة على أصدقاء وتعاشرهم ويعاشرونها، فإذا حملت من أحدهم قالت: من يتزوجني وأنسب الولد له؟! إنه الزواج المعترف به رسمياً اليوم في أوروبا وأمريكا ودول الشرق والغرب.. فالمرأة يعاشرها الرجل وتحمل منه وتلد، ثم بعد ذلك يفكر في الزواج، فمن يتزوجها ينسب الولد إليه.. هذا هو زواج أهل الجاهلية كما ذكرت عائشة رضي الله عنها.

    تحريم الخلوة بالأجنبية

    أيها الأحبة في الله: من منهج الإسلام العظيم في حماية المجتمع من هذه الفاحشة الخطيرة تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية، وقد قال صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، والحديث صحيح: (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما).

    وانظروا -يا رعاكم الله- إلى هذا التعبير النبوي! (ما خلا رجل) فلفظة رجل نكرة تشمل كل رجل، ولم يقل: رجل شاب، ولم يقل: رجل أعزب، ولم يحدد أو يستثن رسول الله صلى الله عليه وسلم فمثلاً: لو قال: إلا إن كان رجلاً كبيراً، أو رجلاً صالحاً، أو بامرأة صالحة فلا بأس من الخلوة، أو كانوا زميلين في العمل لا بأس من الخلوة، أبداً لم يستثن، وإنما بقي على أصله، (ما خلا رجل بامرأة) أي رجل وأي امرأة (إلا كان الشيطان ثالثهما) وهذا منهج عظيم لسد هذا الباب وحماية المجتمع من هذه الفاحشة.

    ولذلك قال بعض السلف كما يروى ذلك عن ميمون بن مهران رضي الله عنه: لا تخلون بامرأة ولو كنت تحفظها القرآن. وإن كان كتاب الله بينكما فلا تخلون بها، لا تقع في هذا السبب، ولا تتهاون به فإنه يوصل إلى الفاحشة -والعياذ بالله- ألا وهو الخلوة بهذه المرأة الأجنبية.

    وربما يرد البعض ويقول: قد خلا فلان مع امرأة أجنبية مرة ومرتين وثلاثاً وأربعاً ولم يحدث شيء.. نقول: ما زالت خطوات الشيطان مستمرة، وهو يتبعها الآن ولم يصل إلى الخطوة الأخيرة، والسعيد من اتعظ بغيره، والشقي من وعظ في نفسه، والعياذ بالله.

    وهذا هو واقع الناس في الشرق والغرب، وهو يشهد بأن معظم الجرائم إنما جاءت عن طريق التهاون بهذا السبب، وهو: الخلوة بالمرأة الأجنبية.

    تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية

    ومن منهج الإسلام العظيم -أيها الأحبة- في حماية المجتمع من هذه الفاحشة تحريم النظرة المحرمة بشهوة إلى المرأة الأجنبية، فإن الله تبارك وتعالى أمر المؤمن بأن يغض بصره، ولم يأمرنا الله عز وجل بأن نغمض عيوننا، وهذا من رحمة الله عز وجل، وإنما أمرنا بغض البصر؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يغمض عينيه، ولا يمكن أن يحمي نفسه ألا يقع بصره على شيء محرم، فهذا لا يمكن وهو يمشي في الشارع ويخالط الناس، ولكن من رحمة الله عز وجل أنه أمرنا بغض البصر وليس بإغماض العينين، والرسول صلى الله عليه وسلم قد أرشدنا إلى أن النظرة الأولى لك والثانية عليك، وهذه من رحمة الله عز وجل، ولذلك بعض الناس عندما يسمع مثل هذه النصوص يقول: هل أغمض عيني؟! من قال لك هذا؟ إنما غض بصرك، وإذا نظرت فلك الأولى وعليك الثانية، فانته.

    وهذا منهج عظيم لا يرده إلا مكابر ومحب للشهوات -والعياذ بالله- يقول الله عز وجل: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30] لماذا؟ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30] فمن غض بصره حفظ فرجه، وبالتالي كان أزكى وأطهر له عند الله عز وجل.

    وحفظ الفرج تابع لغض البصر، فمن لم يغض بصره فإنه مهدد بعدم حفظ فرجه؛ لأن العين تزني والأذن تزني كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه؛ فغض البصر من أسباب حفظ الفرج، وكلاهما من أسباب الزكاة عند الله عز وجل.

    وكانت العادة في النص القرآني أن النداء إذا جاء للمؤمنين يدخل فيه المؤمنات تبعاً، ولكن في بعض الحالات وفي بعض الأحكام يأتي النص على المؤمنات لأهمية الموضوع، فجاء بعد هذا النص للمؤمنين قوله تبارك وتعالى: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ [النور:31] مع أن النص الأول كاف، فهو يدخل فيه المؤمنون الرجال والنساء، ولكن لأهمية الموضوع وخطورته في نفس الوقت جاء نص خاص للنساء وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ... [النور:31] الآية، فانظر! كيف أكد الله تبارك وتعالى هذا الأمر؛ وذلك لخطورة النظرة وخطورة التهاون في عدم غض البصر؛ فإنه لا يجوز للرجل أن ينظر إلى ما لا يحل له، ولا يجوز للمرأة أن تنظر إلى ما لا يحل لها.

    وبعض الناس يظن أن غض البصر خاص بالرجال، أي: ألا ينظروا إلى النساء الأجانب.. وهذا غلط، فكذلك المرأة يجب أن تغض بصرها، بل إن المرأة تنظر إلى الرجل بغير العين التي ينظر بها الرجل إلى الرجل، والمرأة تنظر وترى وتعرف، وربما ركزت في نظرها، وربما كان هناك بعض الأشياء التي تجذبها؛ فلذلك ينبغي للمرأة المؤمنة أن تغض من بصرها. وكما قلنا: هذا نداء خاص للمؤمنات كما أنه خاص للمؤمنين على غير عادة النص القرآني وذلك لأهمية الموضوع وخطورته في نفس الوقت.

    والنظر -أيها الأحبة- خطير؛ لأن النظرة يجتمع معها صوت وصورة كما يقال، وقد تهاون الناس اليوم بالنظر إلى المحرم في جرائد ومجلات وقنوات ومحطات، فكل يتابع، بعض الناس ينظر ويتابع وليس له إلا الحرقة والألم، وليس له إلا التشويش والقلق، وليس له إلا الهم والغم والوقوع في المحرم، والله تبارك وتعالى قد حرم النظرة، وبين الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كما في الحديث القدسي: (والنظرة سهم من سهام إبليس من تركها لأجلي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه) وصدق من قال:

    والمرء ما دام ذا عين يقلبها          في أعين الغيد موقوفاً على الخطر

    كم من نظرة فعلت في قلب صاحبهـا     فعل السهام بلا قوس ولا وتر

    فلذلك لا يحقر أحدنا نظرةً أو تلذذاً بمنظر أو غير ذلك فإن هذا حرام؛ لأنه يؤدي إلى حرام ويؤدي إلى الوقوع في الفاحشة -والعياذ بالله-.

    تحريم الاستماع إلى الغناء

    ومن منهج الإسلام العظيم في محاربة هذه الفاحشة وحماية المسلم حتى لا يقع فيها: تحريم الغناء والسماع المحرم، فالغناء النصوص معروفة في تحريمه، وليس المقام لبيان ذلك، ولا يوجد عاقل اليوم يحلل الغناء، فلا توجد أغنية اليوم تعين على طاعة الله عز وجل بإجماع المسلمين؛ ولا يوجد إلا من شذ، فلذلك الغناء تتركه وتمجه وترفضه العقول السليمة، لأنه يتنافى مع الإيمان، والخشوع، ويتنافى مع لذة الطاعة، ولا يجتمع كلام الرحمن ومزمار الشيطان في قلب مسلم.

    وقد ورد عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال: الغناء بريد الزنا. ومن كابر وجاحد فنقول: ماذا يستفيد المستمع من الغناء؟ وقد ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: [الغناء ينبت النفاق في القلب].

    فمن منهج الإسلام لحماية المجتمع من هذه الفاحشة تحريم الغناء؛ لأن الغناء هز ورقص وطرب وتصفير وكلمات وأشعار وغير ذلك.. وكل ذلك محرم، لو أن أحداً جلس يتابع هذه الأغنيات وهذه الأغاني فماذا تستمع فيها إلا التغني بمحاسن النساء، والتغني بأشكال الصبايا، والتغني بالسهر، ومتابعة الأحباب، وبالعذاب وراء الحبيب والحبيبة وغير ذلك من الكلام، ثم بعد ذلك ماذا؟ إننا بشر ولسنا حجر، فالذي يسمع كلاماً لا بد أن يتأثر به، ويفكر فيه، ولا بد أن يؤثر في حياته.

    لكن بعض الناس يقول: لا، مجرد كلام أسمعه هكذا، ولا أفكر فيه.

    فنقول: لا، هذا مكابر، وهذا معاند، وهذا يكابر ويعاند فطرته التي فطر الله الناس عليها.

    تحريم لمس المرأة الأجنبية

    ومن منهج الإسلام العظيم في حماية المجتمع من هذه الفاحشة: تحريم لمس المرأة الأجنبية، فلا يجوز لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يمس امرأةً لا تحل له، ولذلك ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه ما مست يده يد امرأة قط، ثم يأتي بعض الناس ويقول: أنا قلبي نظيف، وأنا ما عندي شكوك، وهذه مجرد مصافحة ليس فيها شيء، ونحن قلوبنا نظيفة...!!

    فنقول: أيها التعيس! أيها الضعيف! أقلبك أنظف من قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! أقلبك أطهر من قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! سبحان الله العظيم! هذا المغرور يأتي فيقول هذا الكلام، وهو يكابر ويعاند!

    فمس المرأة الأجنبية حرام، لا مصافحة ولا غير مصافحة، وإنما يقع حب ذلك لضعاف النفوس ومن في قلبه مرض، فيتلذذ بالمصافحة وباللمس، وما درى المسكين أنه قد بدأ خطوةً من خطوات الشيطان، وقد ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لأن يطعن في رأس رجل بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأةً لا تحل له) رواه الطبراني وصححه الألباني رحمه الله.

    فهذه وسيلة من الوسائل، وسبب من الأسباب، من تهاون به وتلذذ به وقع في الفاحشة -والعياذ بالله-.

    فمس المرأة الأجنبية، والتلذذ به، والاستمرار عليه، والتهاون فيه، وعدم معرفة خطورة ذلك، حتى وصل بالبعض إلى أنه يحتال هنا وهناك ويأتي ببعض الأقوال ويوردها حتى يحلل له هذا الأمر.. وهذا أمر لا يجوز، وكما قلنا: النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أطهر الناس قلباً، وأنظفهم قلباً، بأبي وأمي ونفسي هو صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك ما مست يده يد امرأة قط.

    تحريم الاختلاط

    كذلك -أيها الأحبة- من منهج الإسلام العظيم في حماية المجتمع المسلم من الوقوع في هذه الفاحشة: تحريم الاختلاط.

    ولا يوجد نص في كتاب الله عز وجل يقول: يا أيها الناس لا يختلط الرجال بالنساء. لماذا؟ لأن الاختلاط يحتوي على أمور محرمة أصلاً، فالاختلاط يؤدي إلى النظر المحرم، ويؤدي إلى الكلام والخوض والخضوع بالقول، ويؤدي إلى الاحتكاك، والخلوة، ويؤدي إلى أشياء كثيرة جداً؛ فلذلك الاختلاط يحرم من هذا الجانب، فيحرم اختلاط الرجال بالنساء؛ لأنه يؤدي إلى كثرة الكلام والمناقشة والحوارات والنظر والاحتكاك وإدامة النظر -إدامة نظر الرجل إلى المرأة وبالعكس- فكيف يجلس معها ويختلط بها ويناقشها.. وإلى آخره؟

    كل هذه أشياء تؤدي إلى الوقوع في المحرم.

    وانظر! إلى عظمة الإسلام في المسجد، حيث لم يأذن الله تبارك وتعالى باختلاط الرجال والنساء، وهل هناك مكان آمن من المسجد؟ أيهما آمن: مسجد أو مجمع تجاري يختلط فيه الرجال بالنساء في محل واحد الساعة الثانية عشرة ليلاً أو الواحدة ليلاً؟ أي سوق هذا؟ هذه والله تفاهة، جميع بلدان العالم تقفل أسواقها الساعة التاسعة مساءً والعاشرة إن طالت، وأسواقنا إلى الواحدة ليلاً، شاب وشابة يبقيان في السوق في الدور الثالث أو الرابع في آخر المجمع في محل مظلم، وبعيد عن الأنظار، فلا تسأل بعد ذلك!!

    فهذه خطورة، والله الناس يلعبون بالنار، ويعبثون بالنار، ويعبثون بهذه الأسباب والوسائل وهم ضعفاء، ثم بعد ذلك إذا وقع الفأس في الرأس، ووقعت جريمة أخذ الناس يلومون ويستغربون..!

    أنتم السبب؛ لأنكم قد فتحتم الباب وأتحتم الفرصة للوقوع في هذه الفاحشة، جاء الإسلام لتحريم الاختلاط وكثرة احتكاك الرجال بالنساء لغير حاجة، والنقاش والكلام والمجادلة والمحاورة وغير ذلك، وكما قلنا: لو أبيح ذلك لأحله الله تبارك وتعالى في بيوته، في المساجد التي هي آمن وأحب البقاع إلى الله عز وجل، ومع ذلك النساء في مكان خلف الرجال، ولا يختلطون بهن، وإذا حصل شيء فماذا تفعل المرأة؟ هل تنادي بصوتها؟ هل تقول: سبحان الله؟ ماذا تقول؟ تصفق، سبحان الله! لماذا تصفق؟ حتى لا يفتح الباب أمام الشيطان، لو تكلمت المرأة ربما خضعت بالقول فوقع في قلب أحد، حتى وهي في المسجد، وفي صلاة، في أعظم ما يكون الإنسان في إيمانه ومراقبته لربه سبحانه وتعالى، ومع ذلك جاء الإسلام العظيم لسد هذا الباب، فإذا ناب النساء شيء فإنهن يصفقن، يسبح الرجال ويصفق النساء كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    والآن -أيها الأحبة- في دول الشرق والغرب نداءات في الصباح والمساء بعودة النساء إلى بيوتهن، وبمنع الاختلاط، والآن أقر ذلك في بعض الدول الأوروبية، فأصبح هناك نقل خاص بالنساء، وآخر خاص بالرجال، وهكذا في القطارات، وينادى بذلك الآن في المدارس وفي الجامعات لكثرة ما وقع من الجرائم التي كان سببها الأول هو الاختلاط.

    تحريم الخضوع بالقول

    ومن منهج الإسلام العظيم -أيها الأحبة- في حماية المجتمع من هذه الفاحشة: تحريم الخضوع بالقول، الذي تهاون به بعض الناس اليوم، فترى عندما يخرج أحد هؤلاء الفجرة والفسقة من المغنيين والمغنيات أو الممثلين أو الممثلات فيتكلم في برنامج فيأتي الاتصال من شاب أو شابة بتغنج وتكسر وكلمات مائعة: يا بعد عمري .. الله يخليك .. وأنا أتابعك .. وأنا معجبة بك كثيراً .. وأنا متعلقة بأعمالك .. وأنا... إلى غير ذلك. كلام لا يقوله عاقل! ولا يقوله شريف!

    ومع ذلك يوجه القرآن العظيم خطاباً إلى أطهر النساء وهن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32] سبحان الله العظيم! خطاب موجه لأمهات المؤمنين، وهن أطهر النساء رضي الله عنهن وأرضاهن، اللاتي اختارهن الله تبارك وتعالى لنبيه، فهن أزواجه في الدنيا وفي الآخرة، وحرم الله عليه النساء من بعد، كل ذلك إكراماً لهن، ومع ذلك يقول الله عز وجل: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32].

    الخضوع بالقول خطوة شيطانية، وسبب من أسباب الوقوع في الفاحشة في بيع أو شراء، ترى بعض النساء تقف مع البائع وتقول له: الله يخليك .. الله يرحم والديك .. نزلي هذا .. ما عندي أحد .. ما أستطيع آتي مرة ثانية .. ما عندي فلوس تكفي... إلى آخره، وتترجى وتترجى، وربما وقعت الفاحشة بعد ذلك، والواقع يشهد بذلك.

    فلذلك من عظمة هذا الدين أنه سد هذا الباب، والله قد اتصل بي أحد الشباب وذكر لي قصة فاحشة وقعت في محل من محلات البيع والشراء كان سببها الخضوع بالقول، حيث وقع الخضوع بالقول في المقابلة الأولى، وفي المقابلة الثانية خطوة أخرى، والثالثة خطوة ثالثة، وهكذا حتى وقعت الفاحشة.

    فلذلك الخضوع بالقول باب عظيم، وسبب عظيم من أسباب الوقوع في هذه الفاحشة الخطيرة نسأل الله السلامة والعافية.

    تحريم الدخول على النساء

    ومن منهج الإسلام العظيم كذلك: تحريم الدخول على النساء، فلا يجوز لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يدخل بيتاً ليس فيه رجل أو ليس فيه صاحبه، أو ليس من محارمه،ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الأمر الخطير فقال: (إياكم والدخول على النساء. قالوا: يا رسول الله! أرأيت الحمو؟ -يعني: قريب الزوج- قال: الحمو الموت) لماذا؟ لأنه بعيد عن الشك ومظنة السوء فيه، فيأتي الشيطان فيدخل عن طريقه.

    وهذا أمر تهاون به بعض الناس، وربما قاد إلى الفاحشة -والعياذ بالله-.

    تحريم التبرج والسفور والأمر بالحجاب

    كذلك من منهج الإسلام العظيم: تحريم التبرج والأمر بالحجاب، والحجاب الشرعي أجمع علماء المسلمين على وجوبه؛ لأنه نص قرآني، وقد اختلفوا في كيفيته وطريقته اختلافاً لا ينظر إليه ولا يلتفت، وإنما قد جاء النص القرآني والنبوي على وجوب الحجاب، وعلى وجوب الستر، وعلى وجوب أن تكون المرأة مصونة بعيدة عن النظر، وعن الوقوع فيها بنظرة قريبة أو بعيدة.

    فنصوص الحجاب معلومة معروفة في كتاب الله عز وجل، وانظر هذا النص العظيم؛ لأنه هو الشاهد في حديثنا، يقول الله تبارك وتعالى: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الأحزاب:53] لماذا يا رب؟ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب:53] هذا هو الشاهد، الحجاب ليس مشروعاً لذاته، فالمرأة لا تتحجب أمام محارمها، وزوجها، ولا تعاملهم معاملة الأجانب، وإنما هو سد ومانع من الوقوع في هذه الفاحشة، فلذلك أمرت المرأة بالحجاب والستر وألا تبدي زينتها إلا ما ظهر منها -أي: رغماً عنها- لأنه مهما تسترت المرأة فربما ظهر شيء منها من غير إرادتها، فهذا معفو عنه، وأمرت -أيضاً- ألا تبدي زينتها إلا لمحارمها: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ [النور:31] إلى آخر الآية، فهذا نص أنه يجب أن يفرق بين الزوج وبين المحارم في هذا الحجاب.

    أما أن يكون واقع الناس الآن -وخاصة في بلاد الكفار وبعض بلاد المسلمين للأسف- أن المرأة في الشارع أمام الأجانب تظهر كما هي في بيتها وأمام زوجها، باللباس نفسه والحجاب والستر نفسه! فهذا لا يقبل عقلاً فضلاً أن يقبل شرعاً.

    فلذلك أقول: من منهج الإسلام العظيم أنه جاء بهذا الحجاب، وعندما يتهاون في أمر الحجاب وينظر إلى أجساد النساء العاريات وتثور الغرائز وتتحرك الشهوات فلا تسأل عما يحدث بعد ذلك، والآن ما يحدث من التبرج والسفور -عوداً على ما ذكرته في بداية الحديث- ربما لم يمر على البشرية مثله، فقد أصبح الآن يوجد بعض الأماكن والجزر خاصة للعراة -أجلكم الله- كما ولدتهم أمهاتهم.. أي عقل هذا؟ وأي فطر هذه؟ وأي حياة وتقدم وحضارة؟!! سبحان الله العظيم! هذا لا ينكر ولا يكتب عنه ولا تتحرك له الأمم المتحدة ، ولا يحارب؟! سبحان الله العظيم! أي انتكاسة للبشرية، وأي تشويه للإنسانية، وأي هدم للحضارة والتقدم يقوده هؤلاء عندما يقننون مثل هذا الانحراف وهذه الانتكاسة..؟!!

    فأقول -أيها الأحبة-: الحجاب من محاسن هذا الدين، وأذكر أني ألقيت محاضرة في إحدى الدول الكافرة وكان من الحضور بعض الكفار، وبعض النساء، وكانت المحاضرة باللغة الإنجليزية عن الحجاب، وذكرت محاسن الحجاب، ومكانة المرأة في الإسلام، فما كان من إحدى النساء الكافرات إلا أن طلبت حجاباً في الحال، لماذا؟ لأنها عرفت الحقيقة، لأن مشكلة الإسلام اليوم -أيها الأحبة- أنه لا يعرض على الحقيقة، الإسلام اليوم مشوه، الإسلام لا يحتاج إلى دعاية، ولا يحتاج إلى تلميع، بل يحتاج إلى عرض على الحقيقة، أن يعرض كما أنزله الله عز وجل، لكن مصيبة الإسلام اليوم أنه بين جهل أبنائه وعداوة وكيد أعدائه، نعم أيها الأحبة! كيد أعدائه وعجز أبنائه وجهلهم بهم، حتى أصبحنا اليوم لا نمثل الإسلام حقيقة في حياتنا إلا من رحم ربك.

    فلذلك أقول -أيها الأحبة-: من محاسن هذا الدين العظيم الأمر بالحجاب، وتحريم السفور والتبرج، ومن منهج الإسلام في محاربة الفاحشة أن جاء بهذا الأمر العظيم، فأمر بالحجاب وبالستر حتى يكون سداً مانعاً؛ ولذلك إذا كانت المرأة متحجبة فإنها بإذن الله عز وجل لا يمكن أن تنظر إليها عين، أو تطمع فيها نفسٌ لماذا؟ لأن الزنا غالباً إنما يأتي من المرأة نفسها، ولذلك قال الله تبارك وتعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2] فبدأ بالزانية، ولأن المرأة إذا كانت متسترة متحجبة فإنها لا يمكن أن تطمع فيها نفسٌ ولا تنظر إليها عين، وهذا في الغالب، فلذلك لا يوجد أحدٌ ينظر إلى امرأةٍ متحجبةٍ محترمةٍ نفسها، بل والله إنه يخاف منها، أما إذا تبرجت، وأبدت محاسنها ومفاتنها، فكأنها تدعو الناس إلى النظر إليها، وإلى الوقوع في هذه الأسباب والوسائل من كلامٍ ولمسٍ ونظرٍ وغير ذلك.

    وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير من هؤلاء الكاسيات العاريات: (صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهما، وذكر منهما: نساءٌ كاسيات عارياتٌ، مائلاتٌ مميلات، كأن رءوسهن أسنمة البخت، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها) والعياذ بالله.

    فصاحبة العباءة الكتفية، والعباءة المطرزة، والعباءة المخصرة، والعباءة الشفافة، والتي قد تبرجت ولبست وهي في الوقت نفسه كاسية إما لباسٌ قصير، وإما مشقوق، وإما شفاف، وإما ضيق، ألا تخاف أن تكون من هذا الصنف؟ لا تدخل الجنة، ولا تجد ريحها -والعياذ بالله- أي امرأة مؤمنة ترضى بذلك؟! وأي عاقلٍ لا يخاف على نفسه من هذا الوعيد الشديد؟!

    فلذلك أيها الأحبة: الأمر في ذلك خطير، وخاصةً ما نرى من التبرج والسفور باسم الحجاب، الآن أصبح هناك نداءات تحذر من الحجاب المتبرج، مثل النقاب، عندما تلبس المرأة نقاباً يكشف عن عينيها مكحلتين مزينتين، وقد أبدت شيئاً من الوجنتين فهذا تبرج وسفور وليس بحجاب، وهذه كاسية عارية، وهكذا قس على ذلك العباءة، وقس على ذلك الغطاء الخفيف، وقس على ذلك الثياب الضيقة، والقصيرة، والمشقوقة، وغير ذلك، كل ذلك أصبح الآن داعياً إلى الفتنة، وإلى النظر، والمتابعة، والتعلق بها، وكل ذلك حتى أصبحت المرأة شيطانة في نفسها -والعياذ بالله-.

    فمن عظمة الإسلام أنه جاء بسد هذا الباب العظيم حتى يحمي المجتمع من الوقوع في هذه الفاحشة.

    الغيرة على المحارم

    كذلك أيها الأحبة: من منهج الإسلام العظيم: الغيرة على المحارم، أن يكون الرجل ذا غيرة على محارمه، وألا يثق ثقةً زائدة، وألا يكون ساذجاً غبياً، لا ينظر إلى محارمه، ولا يراقب ولا يتابع، ولا يغار ولا يحاسب، كما يفعل بعض الناس، يدع بناته يفعلن ما يشأن ونساؤه، ويخرجن كيف أردن، وغير ذلك في لباسهن، وطريقة كلامهن، وتعاملهن مع الناس، ولا يغار، ولا تتحرك في جسده شعرة وهو يرى تبرجاً، وكلاماً هنا وهناك، وخضوعاً بالقول، وبعض الأمور، وكأن الغيرة اليوم أصبحت تخلفاً عند بعض الناس ضعاف الإيمان والنفس، والله يغار، والرسول صلى الله عليه وسلم يغار كما ثبت ذلك عنه، وكذلك قال عليه الصلاة والسلام: (المؤمن يغار، والله أغير من الكل).

    فالله جل وعلا من أجل غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فالمؤمن يغار، والذي لا يغار ليس بمؤمن، فلا بد من الغيرة، والغيرة هي سدٌ مانع أمام النساء من التهاون في بعض الأمور، وكما قلنا: لا تنظر إلى الخطوة الأولى وما يحدث معها، فربما لا يحدث معها شيء، ولكن انظر إلى الخطوات الأخرى، والغيرة مانع وسدٌ أمام ضعاف النفس والشهوة، وأمام شياطين الإنس والجن.

    نعم أيها الأحبة! ولذلك قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ومن قتل دون عرضه فهو شهيد) أي عظمةٍ هذه؟! جعل الإسلام حماية العرض، والغيرة عليه، والدفاع عنه، شهادة في سبيل الله عز وجل، وليس كما هو مقنن الآن في بلاد الكفر من الشرق والغرب، حيث إنه إذا رضي الطرفان فلا يحق لأحدٍ أن يتدخل بينهما، فالزوج له صديقات، والزوجة لها أصدقاء ولا غيرة -والعياذ بالله- بل دياثة مقننة متطورة كما يقال، والديوث لا يدخل الجنة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي يرضى في أهله الخنا ولا يغار، ولا يتحرك، ولا يمنع مثل وقوع هذه الجرائم.

    أيها الأحبة في الله: إن الغيرة حصنٌ لردع السفهاء، وردع بعض الجهلة، وكذلك لسد الباب أمام هذه الفاحشة الخطيرة، وكما قلنا لا تنظر إلى الخطوة الأولى، وما زلت أذكر امرأة اتصلت بي في مكتب الدعوة، وهي امرأةٌ متزوجة، ولها أولاد، وموظفةٌ في وظيفةٍ تربوية اجتماعية مرموقة، ومع ذلك تبكي وتصيح صياحاً عجيباً، حتى والله كأنها قد أيست من رحمة الله، ماذا حصل؟ لا تكاد تعرف إلا أن تقول: زوجي هو السبب .. زوجي هو السبب، سبحان الله العظيم! ما الذي حدث؟ تقول: كان زوجها ينظر إليها ويعرف من حالها أنها تتبرج وتخرج، وتخالط الرجال، وربما جالست بعض الضيوف وتحدثت معهم ومازحتهم، وهاتفتهم وضحكت معهم، وربما خرجوا سوياً والتقوا في بيت فلان، أو في بيت فلان، وربما جاءوا إلى بيتهم وهكذا، والزوج ينظر في برود أعصابٍ وعدم غيرة، وعدم خوفٍ من الله عز وجل، وانظر إلى الخطوات، يوماً ويومين وثلاثة وأربعة وليست من أول يوم، ثم بعد ذلك خدعها شخص من أصدقائهم، فأوقعها في شباكه، ذئبٌ خبيث أوقعها في شباكه فما زالت معه على اتصالٍ، وعلى جلساتٍ وضحكاتٍ، وتبادلٍ للكلمات حتى خرجت معه، وأيضاً في بداية الأمر خطواتٌ لم تحدث الجريمة إلى أن جاءت الخطوة الأخيرة، ووقعت في الفاحشة والعياذ بالله.

    امرأة متزوجة، ولها أولاد، وموظفة، وفي مكانة مرموقة في المجتمع، ومع ذلك وقعت في الفاحشة، ليست شابة ولا صغيرة، ولا عزباء، ولا مطلقة، ووقعت في الفاحشة، واستمرت على ذلك وهي الآن تبكي بكاءً حاراً، فتقول: لا أدري أولادي من أي الرجلين، ثم أصيبت بورمٍ خبيثٍ خطيرٍ في ظهرها وأدخلت المستشفى، والآن تحت رحمة الله عز وجل.

    أيها الأحبة: والله لا أنسى دائماً وهي تكرر وتردد: زوجي هو السبب .. زوجي هو السبب، لماذا؟ قالت: لا يغار عليَّ؟ كان يرى وينظر ولا يحرك ساكناً، هذه قصةٌ واحدة وأمثالها كثير. والله المستعان.

    الاشتغال بالطاعة

    كذلك أيها الأحبة: من منهج الإسلام العظيم في حماية المسلم من هذه الفاحشة: الاشتغال بالطاعة، فكلنا يعلم قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديثه: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج) حيث قال في آخره: (ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وِجاء).

    فلذلك المسلم إذا خاف على نفسه الوقوع في الفاحشة لظروفه المحيطة به أو بيئته، فعليه بالاشتغال بطاعة الله عز وجل، بلزوم المسجد، ولذلك كان بعض الصحابة كـعبد الله بن عمر وغيره من الصحابة الذين كانوا عزباً على عهد النبي عليه الصلاة والسلام ولم يتزوجوا إلا متأخرين كانوا يلزمون المسجد، وينامون في المسجد، كل ذلك لحمايتهم ولإشغالهم بطاعة الله عز وجل، فكذلك الإنسان يشتغل بالجلوس في حلق العلم، والذكر، والمشي مع الصالحين الطيبين، والجلوس في المساجد، وقراءة كتاب الله، والصوم، فإنه يضعف الشهوة ويضعف البدن، فهذا منهجٌ أيضاً لحماية المجتمع من هذه الفاحشة.

    تحذير من يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا

    أيها الأحبة في الله: إن من منهج الإسلام أيضاً في حماية المجتمع من هذه الفاحشة: أن حذر أولئك الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وليس فقط الذين يفعلونها، بل من يحبها مجرد محبة فقط، بعض الناس ربما أحب أن يحدث في الناس هكذا، أن يكون الناس على هذا المستوى، فليحذر من يقع في قلبه هذا الشيء من وعيد الله عز وجل، يقول سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19] وانظر إلى قوله (في الدنيا والآخرة) فمن أحب أن تشيع الفاحشة في المؤمنين فليحذر من عذاب الله الأليم في الدنيا قبل الآخرة.

    وقد جاء شابٌ إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقد أحب الزنا وأراده، وضعف أمامه، فقال: (يا رسول الله! أحل لي الزنا، فقام إليه الصحابة ليفتكوا به، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: دعوه، فناداه وقربه -الحبيب المصطفى .. الرحمة المهداة، والنعمة المسداة صلى الله عليه وعلى آله ومن والاه- فناداه وقربه، ومسح على صدره، وقال له: أترضاه لأمك؟! قال: لا. فداك أبي وأمي، أترضاه لأختك؟! قال: لا. فداك أبي وأمي، أترضاه لعمتك؟! أترضاه لخالتك؟! -أو كما قال صلى الله عليه وسلم- وكل ذلك يقول: لا. فداك أبي وأمي، فيقول عليه الصلاة والسلام: وكذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم وأخواتهم وعماتهم وخالاتهم).

    فكذلك من منهج الإسلام أن يتصور الإنسان أنه لو وقع هذا في عرضه -والعياذ بالله- ولذلك قيل:

    إن الزنا دينٌ إن أقرضته     كان الوفاء من عرضك فاعلم

    الزنا دين -والعياذ بالله- فمن حدثته نفسه بالزنا فنقول له أولاً: احذر من عذاب الله الأليم في الدنيا والآخرة، للذين يحبون -(يحبون) فقط- أن تشيع الفاحشة في المؤمنين.

    ثانياً: أترضاه لأختك؟ أترضاه لأمك؟ أترضاه لأهلك: زوجتك وبنتك؟ فإن هذا أيضاً من الأسباب الرادعة التي تجعل المؤمن يبعد أكثر وأكثر عن الوقوع في هذه الفاحشة الخطيرة.

    أيها الأحبة في الله: هذا شيءٌ من منهج الإسلام العظيم في حماية المجتمع من هذه الفاحشة الخطيرة، وهذا شيءٌ من واقع الناس عندما تهاونوا في هذه الأسباب والوسائل.

    أقول: هذا شيءٌ وإلا فمنهج الإسلام عظيم ومتكامل في حماية المجتمعات من هذه الفاحشة والرذيلة، ومن الوقوع فيها، ومن هذه الجريمة الخطيرة التي تهاون فيها الناس. وأقول وأكرر: السعيد من اتعظ بغيره، والشقي من وعظ في نفسه، فانظروا رحمكم الله إلى الدول لا أقول: الكافرة، انظروا إلى الدول الإسلامية للأسف، انظروا إلى بعض الدول العربية، انظروا إلى بعض الدول القريبة، كيف حصل وكيف وصل الوضع عندهم عندما تهاونوا بهذه الأسباب، وصدق الله عز وجل: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً [الإسراء:32].

    أسأل الله تبارك وتعالى أن يحفظ مجتمعات المسلمين في كل مكان، وأن يحفظ هذه البلاد من كل شرٍ ومكروه، وأن يحفظ ولاة أمرها، وعلماءها، وشبابها، ونساءها من كل شرٍ ومكروه، وأن يحفظنا جميعاً من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

    اللهم حصن فروجنا، اللهم حصن فروجنا، اللهم حصن فروجنا، اللهم طهر قلوبنا، وطهر ألسنتنا، اللهم احفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم اكلأنا برعايتك، واحرسنا بعنايتك، اللهم احفظنا بحفظك، اللهم واستعملنا فيما يرضيك عنا، اللهم احفظنا وذرياتنا وأبناءنا وأبناء المسلمين، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، واجعل عاقبتنا في خير، اللهم اختم لنا بخير، اللهم اختم لنا بخير، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ووالد والدينا وجميع موتى المسلمين.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    أو الدخول بحساب

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3086718606

    عدد مرات الحفظ

    746228882