إسلام ويب

التبرج والسفورللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خلق الله الخلق لعبادته، ولإعمار الأرض. وحتى يبقى الاستخلاف ويدوم الإعمار خلق الله البشر على جنسين: ذكور وإناث، وجعل ميل كل منهما للآخر فطرة، ثم هذب هذه الفطرة بالزواج، فجوز وحبب ميل الرجل لامرأته والعكس، وحرم ميل الرجل لأجنبية والعكس، وحرم كذلك المقدمات التي تؤدي لمثل هذا الميل المحرم من تبرج وسفور واختلاط وغير ذلك، وقد منع كل ذلك حتى تكون حياة المجتمع المسلم طاهرة نقية.

    1.   

    تحريم التبرج وفرض الحجاب وأسباب ذلك

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد: فمع الدرس الرابع من دروس سورة الستر والعفاف في سورة النور، وما زلنا بفضل الله جل وعلا نتحدث عن جريمة الزنا وعن الضمانات الوقائية التي وضعها الإسلام حماية لأفراد المجتمع الإسلامي من الوقوع في هذه الكبيرة الخطيرة، وقلنا: إن هذه الضمانات تتلخص فيما يلي:

    أولاً: تحريم النظر إلى المحرمات.

    ثانياً: تحريم التبرج وفرض الحجاب على المرأة المسلمة.

    ثالثاً: تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية، ومنع الاختلاط المستهتر.

    رابعاً: تحريم الغناء باعتباره بريد الزنا.

    خامساً: الحض على الزواج لمن استطاع إليه سبيلاً، والحض على الصوم لمن لم يستطع الزواج، والحض على عدم المغالاة في المهور تيسيراً لتكاليف الزواج.

    ولقد تكلمنا في اللقاء الماضي -بفضل الله جل وعلا- عن أول ضمان من هذه الضمانات الوقائية، ألا وهو تحريم النظر إلى ما حرم الله جل وعلا، وبينا ما يتعلق بهذا الباب من أحكام فقهية، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.

    أيها الأحبة! نحن اليوم على موعد مع الضمان الثاني من هذه الضمانات الوقائية التي جعلها الإسلام سياجاً واقياً وحامياً لأفراده من الوقوع في هذه الفاحشة الكبرى، ألا وهو: تحريم التبرج وفرض الحجاب على المرأة المسلمة.

    أيها الأحبة! إن الإسلام يهدف إلى إقامة مجتمع طاهر ونظيف؛ لا تهاج فيه الشهوات في كل لحظة، ولا تستثار فيه دوافع اللحم والدم في كل حين؛ لأن عمليات الاستثارة المستمرة لهذه الغرائز الهاجعة والشهوات الكامنة تنتهي إلى سعار شهواني لا يرتوي ولا ينطفئ، فالحركة المثيرة، والزينة المتبرجة، واللحن العاري، والرائحة المؤثرة، والمشية المتكسرة، والقولة اللينة المترققة .. كلها لا تصنع إلا أن تثير هذه الشهوات الهاجعة والغرائز الكامنة .. كلها تتكاتف لتصب في هذا المستنقع الآسن وفي هذه النار المشتعلة المتأججة المحرقة، ألا وهي نار الشهوات والفتن التي توصلها كل هذه الأشياء إلى قلوب الشباب والرجال وأصحاب القلوب المريضة! نسأل الله أن يحفظنا وإياكم.

    ميل الرجال إلى النساء ميل فطري

    المرأة -أيها الأحباب- بينها وبين الرجل ميلٌ فطري، ميلٌ عميقٌ في التكوين الحيوي والنفسي؛ لأن الله جل وعلا قد أناط بهذا المني امتداد الحياة على ظهر هذه الأرض، لذا فإن عملية الجذب بين الرجل والمرأة عملية مستمرة لا تنتهي ولا تنقطع أبداً، وكذب من ادعى بأن مسألة الاختلاط بين الجنسين تزيل هذا الوباء والبلاء.

    إن مسألة الميل الفطري بين الرجل والمرأة مسألة عميقة في تكوين النفس البشرية، جعلها الله كذلك ليضمن بها امتداد الحياة البشرية على ظهر هذه الأرض، والمرأة بطبيعتها جبلت بالجبلة وفطرت بالطبيعة على الأنوثة وحب الجمال وحب الزينة، والإسلام لم يعاكسها في هذه الفطرة التي فطرت عليها، ولم يتنكر الإسلام لهذا الخُلق الذي جبلت المرأة عليه أبداً، ولكن الإسلام لما طلب من المرأة أن تتزين حدد الإسلام لمن تكون هذه الزينة، ولمّا حرم الإسلام الزينة على المرأة حدد الإسلام من تحرم عليه هذه الزينة، فوضع الإسلام شروطاً وقيوداً وحدوداً.

    فإذا تفلتت المرأة من هذه القيود والشروط وتعدت هذه الحدود؛ أصبحت ناراً محرقة متأججة لا تبقي ولا تذر، وخرجت سافرة متبرجة متعطرة لترسل سهام الفتنة والشهوة في قلوب الشباب والرجال! وحينئذٍ يصبح المجتمع جحيماً لا يطاق، وتحل فيه الفوضى، فلا راحة ولا هدوء ولا استقرار ولا أمان ولا فضيلة ولا خلق .. بل خطر كبير وشر مستطير، هذا إن تفلتت المرأة من حدود الله جل وعلا وتجاوزت القيود التي وضعها لها الإسلام، وخرجت متبرجة متعطرة متزينة تعاند الله جل وعلا، وهي تقول بلسان الحال: يا رب، غيِّر شرعك وبدل دينك؛ فإن الحجاب لم يعد يساير مدنية القرن العشرين، وخرجت كالعروس المزخرفة إلى الشوارع والطرقات، وقد أخذت زخرفها وتزينت وهي تقول بلسان الحال:

    ألا تنظرون إلى هذا الجمـال     هل من راغب في القرب والوصال

    هذا هو لسان حال المتبرجة التي تفلتت من حدود الله جل وعلا، وعاندت شرع ربها المعبود عز وجل.

    تبرج المرأة من أعظم أسباب السقوط في المجتمع الإسلامي

    أيها الأحبة: لقد علِم أعداء ديننا أن المرأة من أعظم أسباب القوة في المجتمع الإسلامي، وعلِموا أنها من أخطر وسائل الهدم والتدمير في المجتمع الإسلامي .. فراحوا يخططون ويدبرون لمسخ هذه الأمة، ولقلب هوية هذه الأمة، ولتدمير أخلاق هذه الأمة التي بها وصلت إلى ما وصلت إليه .. فأذل كسرى وأهين قيصر .. يوم أن فشلوا في احتلال أرضنا احتلالاً عسكرياً بالجيوش، وقالها لويس التاسع يوم أن أسر في دار ابن لقمان بـالمنصورة بـالقاهرة قالها صريحة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، قال: إنه لم يعد من الممكن السيطرة على بلاد المسلمين بالجيوش العسكرية، فلا بد -الآن- من البحث عن سبيل جديد لغزو المسلمين، وكان الغزو الفكري أخطر بكثير من الغزو العسكري.

    وبالتالي -أيها الأحباب- لم يسحب أعداء الدين جيوشهم من أرضنا وبلادنا إلا بعد أن اطمأنوا أنهم خلّفوا وراءهم في بلادنا جيشاً أميناً على كل أهدافهم، وأطلقوا على هذا الجيش الأمين الذي أخذ عنوة ليحج إلى قبلته وكعبته في الشرق الملحد تارة، وفي الغرب الملحد تارة أخرى، وعاد هؤلاء الذين أطلق عليهم أعداء ديننا أضخم الألقاب والأوصاف كالمحررين والمفكرين والمطورين، عاد هؤلاء بعد أن شربوا من هذا المستنقع الآسن العفن، عادوا لينفثوا سموم فكرهم النتن في عقول المسلمين والمسلمات، وأخذوا يطلقون هذه السهام المسمومة والرماح القاتلة تحت هذه الألقاب والشعارات البراقة التي خدعت كثيراً من المسلمين والمسلمات، ألا وهي: حرية المرأة، مساواة المرأة بالرجل، تحرير المرأة.

    وهل كانت المسلمة أمة يا دعاة السفور، والفسق والانحلال؟! هل كانت المسلمة أمة حتى تحرروها؟! لا والله: إن الإسلام هو أول من أنصف المرأة -يا عباد الله- بعد أن كانت قبل الإسلام من سقط المتاع؛ تشترى في الأسواق وتباع، بل ويتاجر بها في أسواق الدعارة والعهر والفجور، فقد كان الوالد يقدم ابنته ويقدم زوجته في بيت من البيوت ويرفع عليه الراية الحمراء ليقتضي وليتقاضى الدراهم العفنة من وراء هذا العمل وهذه المعصية، والدعارة الماجنة! كانت المرأة تشترى وتباع، ويتاجر بها في أسواق الشهوات والنـزوات، وكانت تقتل وهي حية خوف الفقر والعار: وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير:8-9] فجاء الإسلام ليعلي مكانة المرأة وليرفع من شأنها وليضعها في مكانتها التي تليق بها كإنسانة عظيمة بيدها عظمة هذا المجتمع.

    إن الإسلام هو الذي جعل النساء شقائق الرجال.

    إن الإسلام هو الذي جعل بر الأمهات مقدماً على بر الآباء.

    إن الإسلام هو الذي جعل الجنة تحت أقدام الأمهات.

    عودة المرأة المسلمة إلى الله من ركائز الصحوة الإسلامية

    يا بنت الإسلام، يا أصل العز، والشرف، والحياء.

    يا بنت خالد ، والفاتح ، وصلاح الدين ، ومحمد بن مسلمة ...

    أين العز والشرف، وأين السؤدد والمجد، وأين الحياء والكبرياء.

    لقد عز على هؤلاء أن تكوني فوق كرسي مملكتك، فجاءوك على حين غرة، وعلى حين غفلة من أبنائك البررة، فأنزلوك من على عرشك، وأخرجوك من حصنك المنيع، ولكن الحمد لله، أننا رأينا المرأة المسلمة من جديد، ترفع بيمينها كتاب الله جل وعلا، وبشمالها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لبست الحجاب ورددت الأنشودة العذبة الحلوة لله جل وعلا، سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا، اغفر لنا ما سلف من الزينة والتبرج والعري، غفرانك ربنا وإليك المصير.

    والله إننا نرى من ركائز هذه الصحوة الإسلامية عودة المرأة المسلمة إلى الله جل وعلا، فمرحباً مرحباً بك، مرحباً بك يا أماه، مرحباً بك يا أختاه، مرحباً بك يا بنتاه، مرحباً بك أيتها الكريمة الفاضلة، تحت ظلال شرع الله، وفي كنف دين ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم.

    مرحباً بك تحت شجرة الحياء، مرحباً بك تحت ظلال الحياء، تعالي إلى الله، أقبلي إليه وعودي إليه، واعلمي يا أختاه، أن المؤمنة التقية النقية الطاهرة، هي التي تسلم وجهها لله جل وعلا، وتذعن لأمر الله تبارك وتعالى.

    أمرها الله بالحجاب فتقول: سمعاً وطاعة.

    أمرها الله بعدم الخروج متعطرة فقالت: سمعاً وطاعة.

    أمرها الله بعدم الخروج متبرجة فقالت: سمعاً وطاعة.

    أمرها الله بأي شيء تسلم وتذعن لأمره، وهي طائعة محبة مختارة، كملت عبوديتها لله جل وعلا تقول: سمعاً وطاعة لله جل وعلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أما المتبرجة والسافرة، التي نزعت برقع الحياء عن وجهها، وخرجت سافرة متبرجة عارية، متعطرة متطيبة، على مرأى ومسمع من زوجها، وأبيها، وأخيها، إنا لله وإنا إليه راجعون.

    أين الغيرة والشرف والحياء والرجولة والكرم والمروءة؟

    أين الرجولة يا من ترى ابنتك الجامعية تخرج إلى الجامعة سافرة متبرجة، متطيبة عارية؟! أين رجولتك، أين مروءتك، أين دينك، أين إسلامك، أين الشهامة وأين الرجولة؟! زوجتك تخرج سافرة متطيبة على مرأى ومسمع منك يا عبد الله، اتق الله اتق الله أيها الرجل، اتق الله أيها الزوج، اتق الله أيها الأخ.

    1.   

    تكريم الإسلام للمرأة

    إن الإسلام هو الذي كرم المرأة كبيرة، بل وكرمها وقدرها صغيرة، فاسمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستمعن أيتها المسلمات الفاضلات في كل مكان على أرض الله جل وعلا، استمعن إلى هذه الأحاديث الفاضلة العظيمة لتعلمي أيتها الأخت الفاضلة أن الإسلام كرمك وعظمك وشرفك ورفعك من هذا المستنقع الآسن، إلى قمة المجد والسؤدد.

    يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم ليرد على دعاة الإباحية والتحرر والسفور الذين تباكوا على المرأة المسلمة التي ظلمت في ظل الإسلام والتي هضم حقها في ظله، وضاعت حقوقها في ظله .. فاستمعن أيتها المسلمات، واسمعوا يا دعاة الفسق والسفور والانحلال، ماذا قال الإسلام عن المرأة وفي أي الأماكن بوأها، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في جزء من الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه يقول: (استوصوا بالنساء خيراً).

    وفي الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لا يفرك مؤمن مؤمنة)، أي: لا يبغض مؤمن مؤمنة إن كانت زوجته (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر).

    وفي الحديث الذي رواه الترمذي وقال: حديث صحيح، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم).

    وفي الحديث الذي رواه ابن عساكر ، وصححه الإمام السيوطي في الجامع أنه صلى الله عليه وسلم قال: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، وما أكرم النساء إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم).

    ولم يكتف الإسلام بتقدير المرأة كبيرة، وإنما قدرها وأجلها واحترمها وهي صغيرة، فاسمعوا إلى رسول الإسلام والسلام صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الذي رواه مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (من عال جاريتين -من رزقه الله بابنتين اثنتين ورباهما تربية طيبة- حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين، وقرن بأصبعيه بين السبابة والوسطى) أسمعتم -يا عباد الله- هذه مكانة البنت في الإسلام! هذه مكانة المرأة في دين ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ووضحت رواية الترمذي ذلك فقال: (وقرن بين أصبعية السبابة والوسطى) وفي رواية أبي داود قال عليه الصلاة والسلام: (من عال ثلاث بنات فأدبهن وزوجهن وأحسن إليهن، فله الجنة).

    وفي رواية البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (دخلت علي امرأة ومعها ابنتان لها، فسألتني فلم تجد عندي شيئاً غير تمرة واحدة فأعطيتها إياها) ولا ينبغي أن نمر على هذا سريعاً، وإنما ينبغي أن نقول: إن هذا بيت من بيوت المصطفى صلى الله عليه وسلم لا يوجد فيه إلا تمرة واحدة: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [الزلزلة:7] والتمرة فيها ذرات خير كثيرة، إن تُصدق بها ابتغاء وجه الله جل وعلا! فتصدقت بالتمرة عليها، تقول أمنا السيدة عائشة رضي الله عنها: (فقسمتها المرأة بين ابنتيها -إنه قلب وحنان الأم وينبوع الحنان والرحمة- ولم تأكل منها شيئاً! ثم قامت وخرجت والبنتان) تقول عائشة : (فدخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته حديثها فقال عليه الصلاة والسلام: من ابتلي من البنات بشيء فأحسن إليهن، كن له ستراً من النار).

    أسمعتم يا دعاة الانحلال؟! أسمعتم يا دعاة التبرج والسفور؟! أسمعتم يا أدعياء الذل والباطل؟! هل استمعتن أيتها المسلمات؟! هل استمعتم يا عباد الله؟! هل هناك مكانة أعظم من هذه المكانة للمرأة المسلمة في دين الله جل وعلا؟

    هدف الإسلام من فرض الحجاب

    والله الذي لا إله غيره ما حرم الإسلام عليك التبرج يا أمة الله، وما فرض عليك الإسلام الحجاب يا أمة الله، إلا لصيانتك، وحمايتك، وحفظك من عبث العابثين، ومجون الماجنين حتى لا تتطلع إليك النظرات الزانية، وحتى لا تدنس بدنك هذه النظرات الخائنة، والله ما أراد الإسلام لكِ إلا العفة والستر والحياء..

    جعلك الإسلام في شرعه كالدرة المصونة التي تحيط بها الصدفة، حتى لا تمتد إليها اليد العابثة الآثمة، نعم. جعلك الإسلام كالدرة المصونة وكاللؤلؤ المكنون.

    وأنا أسألك أيتها الأخت الفاضلة المسلمة! بالله عليك لو كان معك لؤلؤة نادرة، أو ماسة غالية جميلة، بالله عليك هل ستلقين بها في الطرقات والشوارع، أم ستحفظينها في مكان أمين مناسب، والله لو أن أنساناً رمى لؤلؤة غالية نادرة في الطرقات لاتهمه الناس بالجنون، وأنتِ كذلك؛ أنتِ درتنا المصونة .. أنتِ لؤلؤتنا المكنونة!

    يا أمة الله! أيتها الأم الفاضلة والأخت الكريمة! أيتها الغالية الحبيبة! والزوجة الكريمة! أنتِ لؤلؤتنا المكنونة، أنتِ درتنا المصونة، أنتِ .. أنتِ .. أنتِ، أنتِ .. من أنتِ؟ أنتِ أمي .. أنتِ زوجتي .. أنتِ أختي .. أنتِ ابنتي .. أنتِ كل شيء .. أنتِ العز والعظمة، أنتِ الفخر والمجد والشرف..

    لما رأى أعداء ديننا أن المسلمة تربعت على عرش حيائها .. تهز المهد بيمينها، وتزلزل عروش الكفر بشمالها .. عز عليهم ذلك، وعز عليهم أن تجود المسلمة من جديد على أمتها بالعلماء العاملين، والمجاهدين الصادقين! وصار همهم أن تصير المسلمة عقيماً لا تلد خشية أن تنجب خالد بن الوليد، وصلاح الدين، وابن تيمية .. وغير هؤلاء، عز عليهم ذلك والله! فراحوا يدبرون لكِ المؤامرات في الليل والنهار للزج بكِ في هذا المستنقع الآسن؛ مستنقع الرذيلة والعار .. أنت لؤلؤتنا المكنونة، ودرتنا المصونة.

    عودة الحجاب من ركائز الصحوة الإسلامية

    يا بنت الإسلام، يا أصل العز، والشرف والحياء!

    يا بنت خالد، والفاتح، وصلاح الدين، ومحمد بن مسلمة ...!

    أين العز والشرف؟ وأين السؤدد والمجد؟ وأين الحياء والكبرياء..؟

    لقد عز على هؤلاء أن تكوني فوق كرسي مملكتك، فجاءوك على حين غرة، وعلى حين غفلة من أبنائك البررة، فأنزلوك من على عرشك، وأخرجوك من حصنك المنيع، ولكن الحمد لله أننا رأينا المرأة المسلمة من جديد ترفع بيمينها كتاب الله جل وعلا، وبشمالها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لبست الحجاب ورددت الأنشودة العذبة الحلوة لله جل وعلا، سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا، اغفر لنا ما سلف من الزينة والتبرج والعري، غفرانك ربنا وإليك المصير.

    والله إننا نرى من ركائز هذه الصحوة الإسلامية عودة المرأة المسلمة إلى الله جل وعلا، فمرحباً مرحباً بك، مرحباً بك يا أماه، مرحباً بك يا أختاه، مرحباً بك يا بنتاه، مرحباً بك أيتها الكريمة الفاضلة، تحت ظلال شرع الله، وفي كنف دين ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم.

    مرحباً بك تحت شجرة الحياء، مرحباً بك تحت ظلال الحياء .. تعالي إلى الله، أقبلي إليه وعودي إليه، واعلمي يا أختاه أن المؤمنة التقية النقية الطاهرة هي التي تسلم وجهها لله جل وعلا، وتذعن لأمر الله تبارك وتعالى.

    أمرها الله بالحجاب فقالت: سمعاً وطاعة.

    وأمرها الله بعدم الخروج متعطرة فقالت: سمعاً وطاعة.

    وأمرها الله بعدم الخروج متبرجة فقالت: سمعاً وطاعة.

    أمرها الله بأي شيء فسلمت وأذعنت لأمره وهي طائعة محبة مختارة! فكملت عبوديتها لله جل وعلا لما قالت: سمعاً وطاعة لله جل وعلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أما المتبرجة السافرة؛ التي نزعت برقع الحياء عن وجهها، وخرجت سافرة متبرجة عارية، متعطرة متطيبة، على مرأى ومسمع من زوجها وأبيها وأخيها .. إنا لله وإنا إليه راجعون!!

    أين الغيرة والشرف والحياء والرجولة والكرم والمروءة..؟!

    أين الرجولة يا من ترى ابنتك الجامعية تخرج إلى الجامعة سافرة متبرجة، متطيبة عارية..؟! أين رجولتك؟ أين مروءتك؟ أين دينك؟ أين إسلامك؟ أين الشهامة وأين الرجولة؟! زوجتك تخرج سافرة متطيبة على مرأى ومسمع منك يا عبد الله! اتق الله .. اتق الله أيها الرجل، اتق الله أيها الزوج، اتق الله أيها الأخ! اتقوا الله يا عباد الله!

    1.   

    حقيقة التبرج ومظاهره

    إن المتبرجة تخرج بلسان الحال الذي يقول: ألا تنظرون إلى هذه الزينة، وهذا الجمال، وهذا اللحم.

    والله إن الشريفة لا تقبل هذا أبداً -دعك من الدين في هذا- فضلاً عن المتدينة التي استسلمت لأمر الله جل وعلا؛ لا تقبل أبداً أن تخرج وقد كشفت عن لحمها، وأظهرت مفاتنها ومحاسنها، وتطيبت وتعطرت وتزركشت وتزخرفت وتبهرجت، وخرجت لتنفث السموم، ولترسل السهام المسمومة في قلوب الشباب والرجال المساكين! خرجت على هذا الحال الذي لا يرضي الرحمن ويُرضي الشيطان .. خرجت متبرجة!

    فأمة الله! ما هو التبرج الذي حرمه الإسلام عليك؟ وما هي مظاهره؟ لأن كثيراً من الناس وكثيراً من الأخوات يعتقدن أن التبرج هو أن تظهر المرأة شيئاً من محاسنها فقط؟

    التبرج لغة: هو التكشف والظهور، أو هو إظهار الزينة وإبراز المرأة لمحاسنها، وقال الإمام الزمخشري : هو تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه، وأما مظاهره فهي:

    أولاً: الإغراق في حب الزينة وإظهارها عمداً.

    ثانياً: الإغراق في تضييق الثياب وترقيقها وتقصيرها.

    ثالثاً: الخضوع بالقول.

    رابعاً: التعطر والتطيب لغير الزوج.

    هذه بعض مظاهر التبرج، فأعيروني القلوب والأسماع.

    الإغراق في حب الزينة وإظهارها عمداً

    أول مظهر من مظاهر التبرج: الإغراق في حب الزينة وإظهارها عمداً، والإسلام يريد من المرأة أن تغرق في حب الزينة وتظهرها عمداً لكن لزوجها .. لا بد؛ فالمرأة جبلت على حب الزينة والتطيب والجمال، ولا مانع أبداً بشرط أن يكون ذلك للزوج؛ تعطري وتطيبـي وتجملي وتزيني .. بل إن الإسلام يوجب عليك ذلك، وإن كثيراً من الأزواج ما هجروا البيوت إلا بسبب تضييع هذا الأمر؛ تضييع المرأة في ثيابها وزينتها وإقرار حقها .. فيهرب الزوج من البيت! الإسلام يأمركِ بذلك للزوج، وقديماً نصحت المرأة العاقلة والأم البليغة أمامة بنت الحارث ابنتها أم إياس بنت عوف الشيباني في ليلة زفافها، وكان من بين هذه النصيحة الطويلة التي ربما تعرضنا لها في مسألة الزواج إن شاء الله جل وعلا، قالت لها الأم: ولا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح..

    فالإسلام يأمركِ أن تتزيني وتتجملي وتتطيبـي وتتعطري لزوجك في بيتك، وبالمقابل يحرم عليك الإسلام أن تتزيني وتتجملي لغير الزوج، ووالله .. أقسم بالله العلي العظيم، إن الوجه من أعظم محاسن المرأة، فهو محط الجمال وينبوع الخطر ومكمن الفتنة، فالله جل وعلا يحرم على المرأة أن تضرب الأرض برجلها حتى لا يفتتن الرجل بسماع صوت خلاخيلها في قدمها، فبالله عليكم أيها الناس .. بالله عليكن أيتها المسلمات .. أفيدونا وأجبننا يا أصحاب الإنصاف، بالله عليكم أي الفتنتين أعظم: أن يسمع الرجل إلى صوت خلخال في قدم امرأة لا يدري أشرهاء هي أم حسناء، أم أن ينظر إلى وجه سافر جميل امتلأ شباباً ونظرة وحيوية وجمالاً وتجميلاً بالأصباغ والمساحيق؟!

    أي فتنةٍ أعظم: فتنة القدم أم فتنة الوجه؟ لا إله إلا الله! قليلاً من الإنصاف يا عباد الله، قليلاً من الإنصاف لنصل إلى الحقيقة الواضحة كوضوح الشمس في رابعة النهار، أي الفتنتين أعظم: سماع صوت خلخال في قدم المرأة أو النظر في وجه سافر جميل امتلأ بالشباب والنظرة والحيوية والجمال؟ بل والتزيين بالأصباغ والمكياج والمساحيق؟ أي الفتنتين أعظم؟ وأنا لا آتي بشيء من عند نفسي حتى لا نتهم بالتطرف في ذلك الأمر.

    فلتجيبوا أيها المنصفون ولتجبن أيتها المنصفات .. الإسلام لم يحرم عليك الزينة لزوجك وإنما حرم عليك أن تظهري هذه الزينة لغير المحارم، سبحان الله العظيم! ورد في صحيح البخاري أن السيدة عائشة رضي الله عنه قالت: (لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد كما منع نساء بني إسرائيل).

    لا إله إلا الله! ماذا أحدث النساء في عصر عائشة؟! ماذا أحدث النساء في عصر الطهر والعفاف؟! ماذا أحدث النساء في خير القرون بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! السيدة عائشة تقول على نساء زمانها ذلك! فبالله عليكم ماذا تقول السيدة عائشة رضي الله عنها لو رأت نساءنا في هذه الأيام وأحوالهن .. إنا لله وإنا إليه راجعون!

    والفقهاء الذين قالوا: إن الوجه ليس بعورة يشترطون عدم الفتنة، يقولون بالإجماع: يحرم على المرأة أن تكشف وجهها إن خشيت الفتنة، وهل أمنت الفتنة في زماننا هذا يا عباد الله؟ أجيبوا يا أهل الإنصاف، وأجبن يا ذوات الإنصاف، يقول الفقهاء الذين قالوا بجواز كشف الوجه: يحرم على المرأة أن تكشف عن وجهها إذا خشيت الفتنة. وهل أمنت الفتنة في زمان قل فيه الورع والإيمان والتقوى، والمروءة، بل والشهامة والنخوة والرجولة؟ هذا الزمان وإن كنا لا نعيب زماننا كما قال أبو الطيب:

    نعيب زماننا والعيب فينا     وما لزماننا عيب سوانا

    أرى ثياباً تصان على أناس     وأخلاق تداس فلا تصان

    يقولون الزمان به فساد     وهم فسدوا وما فسد الزمان

    الإغراق في تضييق الثياب وترقيقها وتقصيرها

    المظهر الثاني من مظاهر التبرج الذي حرمه الشرع على المرأة المسلمة: الإغراق في تضييق الثياب وترقيقها وتقصيرها، حتى إننا نرى المرأة وقد خرجت بثياب ضيقة لاصقة في جسدها، حتى أبرزت في الجسد كل فتنة مخبوءة .. لا حول ولا قوة إلا بالله! ودائماً الممنوع مرغوب. إن التي خرجت بهذه الثياب الضيقة، والعباءة التي لفتها على بدنها لفاً؛ فأظهرت كل فتنة مخبوءة في هذا الجسد عاصية لله جل وعلا، واسمعوا إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي رواه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: يصف النبي صلى الله عليه وسلم أحوال هؤلاء النسوة وصفاً دقيقاً عجيباً، وهذا الحديث من معجزات النبي الخالدة، يقول صلى الله عليه وسلم: (صنفان من أهل النار: قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها الناس -في السجون والمعتقلات- ونساء كاسيات عاريات) من أهل النار بشهادة نبينا المختار ما لم تتب هذه المرأة إلى العزيز الغفار، قال صلى الله عليه وسلم: (ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) كاسيات عاريات، قال الإمام النووي : تغطي شيئاً من بدنها وتظهر شيئاً آخر، فهن كاسيات عاريات، وأنا أقول: كاسيات عاريات: إما أن تلبس ثياباً رقيقة فتظهر ما تحت هذه الثياب من مفاتن البدن. كاسيات عاريات: أي أن تلبس ثياباً ضيقة خاصة بعد أن رأينا هذه البنطلونات التي تتبعت فيه المرأة المسلمة فعل الكافرات العاهرات الماجنات، وخرجت بهذا البنطلون الضيق على مرأى ومسمع من زوجها؛ من نظر إليها يظنها عارية. كاسيات عاريات: أظهرت كل موضع للفتنة وكل مكان مخبوء للشهوة، (كاسيات عاريات مميلات مائلات ) مائلات عن شرع الله جل وعلا. مميلات في مشيتهن: يتكسرن في المشية ويتغنجن في القول، مميلات لقلوب الشباب والرجال، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة فارغة تارهة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا.

    ومن الأمور التي يجب أن ننبه عليها أيضاً: هذا الحجاب اليهودي المزعوم، الذي زعموه بأنه هو الحجاب الشرعي؛ تلبسه المرأة وتخرج كعروس مزخرفة مبهرجة، تلبس طرحة على رأسها وقد وضعت شريطاً ذهبياً أو فضياً على رأسها، وضيقت الثياب ووضعت حزاماً حول خصرها، ولبست حذاءً طويلاً يشبه لون الثياب ولون الطرحة .. إلى آخره، وخرجت متعطرة متطيبة في أجمل الأشكال وأبهى الحلل والألوان .. وتظن المسكينة المخدوعة المخادعة أنها محجبة، أعوذ بالله وحاشا لله أن يكون هذا هو الحجاب الشرعي الذي أراده الله جل وعلا، وقد بينا ذلك بفضل الله بالتفصيل في كتابنا (تبرج الحجاب) نسأل الله جل وعلا أن يقبله وأن يتقبل منا وإياكم صالح الأعمال.

    الخضوع بالقول

    المظهر الثالث من مظاهر التبرج الذي حرمه الله جل وعلا وحرمه النبي صلى الله عليه وسلم: الخضوع بالقول، والله تبارك وتعالى يأمر أشرف نساء الدنيا وأطهر نساء العالمين، اللواتي ترعرعن في بيت النبوة وشربن من نهر الوحي وسمعن القرآن غضاً طرياً من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى: فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32] ولم يقف الأمر عند الخضوع بالقول كلا، وإنما يتدخل الأمر الإلهي ليحدد موضوع الحوار بين الرجل والمرأة: وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً [الأحزاب:32].

    الأمر لمن، وفي أي عهد وعصر؟ الأمر لأطهر نساء العالمين وفي عهد الصفوة المختارة، والنبوة الكريمة .. يأمرهن الله جل وعلا إن تكلمن مع الأجانب ومع غير المحارم ألا يرققن القول، وألا تلين المرأة القول، لماذا؟ لأن أصحاب القلوب المريضة في كل زمان ومكان تجاه كل امرأة ولو كانت زوج النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهناك بعض المتطورين والمتشددين والمفكرين قالوا: إن هذا الأمر خاص بزوجات النبي صلى الله عليه وسلم .. أعوذ بالله! أطهر نساء العالمين وأشرفهن يأمرهن الله جل وعلا بعدم الخضوع في القول، ويحدد لهن مسار الحياط: وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً [الأحزاب:32]؛ لأن موضوع الحوار ربما يكون أكثر تأثيراً من طريقة الحوار وأسلوب الحوار، فلا يجوز أبداً أن يكون بين المرأة والرجل الأجنبي هدر ولا هزل ولا مزاح ولا نظرة خائنة ولا حركة مؤثرة .. ولا ينبغي أن تتكلم معه في موضوعات يعف الرجل الحيي أن يتحدث فيها في المكاتب وغيرها من المصالح، واليوم.. تتكلم المرأة مع الرجل الأجنبي في أدق ما خص أمور المرأة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

    يأمر الله أطهر النساء بعدم الخضوع في القول وأن يقلن قولاً معروفاً، ولكن هذا الأمر بعيد عمن يتغنجن في قولهن ويتكسرن في مشيتهن، ويجمعن كل فتن الأنوثة، ويطلقنها قنابل محرقة في قلوب الشباب والرجال .. إنا لله وإنا إليه راجعون! هكذا تقلب الحقائق حتى صارت البدعة سنة، والمنكر معروفاً، والحلال حراماً إلا من رحم الله جل وعلا.

    نكمل المظهر الرابع من مظاهر التبرج بعد جلسة الاستراحة وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

    التعطر والتطيب لغير الزوج

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه .. وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا أيها الأحبة! أما المظهر الرابع والأخير من مظاهر التبرج: هو ألا تتعطر المرأة لغير زوجها.

    الإسلام لا يحرم الطيب على المرأة، بل إن الإسلام يريد المرأة دائماً متطيبة ومتعطرة ومتزينة ومتجملة لزوجها، ويحرم عليها أن تمس الطيب إذا خرجت من بيتها، لماذا؟ لأن الطيب من ألطف وسائل المخابرة بين الشاب والمرأة، وكم من شاب تقي لله جل وعلا مشى في الشوارع والطرقات وقد أطرق بصره للأرض؛ لا يريد أن ينظر يمنة ولا يسرة، فمرت به امرأة متطيبة قد وضعت أرقى العطور .. وبمجرد مرورها عليه انتشرت رائحة العطر في كل مكان، فسكنت قلبه، فظل يغالب شيطانه ويغالب هواه، إما أن يقع في المعصية ويدنس نظره بالزنا والنظر إليها، وإما أن ينصره الله جل وعلا على هذه الفتنة العارمة، ويظل في طاعته وفي إطراق بصره لله جل وعلا!

    لماذا هذه الفتن؟

    ولماذا هذه السهام المسمومة؟

    ولماذا هذه الشهوات؟

    ورد في الحديث الذي رواه الإمام الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيما امرأة استعطرت -وضعت العطر والطيب- ثم خرجت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية، وكل عين زانية) أي: كل عين تنظر إليها بشهوة لتستمتع بها فهي زانية، وفي الحديث الصحيح: (إن العينين زناهما النظر) هذا كلام المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى.

    وفي الحديث الذي رواه مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إذا خرجت إحداكن إلى المسجد فلا تقربن طيباً) فإذا خرجت المرأة إلى المسجد فلا تمس الطيب، قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله: يحرم على المرأة أن تمس الطيب إذا خرجت إلى مسجد، قلت: فكيف يكون حالها إذا خرجت إلى الأسواق والشوارع والطرقات، إن الطيب في حقها أشد حرمة.

    هذه بعض مظاهر التبرج -يا عباد الله- فيا أيها الأب الغيور الكريم! ويا أيها الأخ الحبيب الرحيم! ويا أيتها الأم الكريمة! ويا أيتها الأخت المسلمة الفاضلة! اتقوا الله جل وعلا، وعودوا إلى الله عز وجل، واعلم -أيها الأب- الذي فرط في تربية بناته على شرع الله ودين رسول الله صلى الله عليه وسلم أنك موقوف بين يدي الله ومسئول عن بناتك أمام محكمة قاضيها الله جل وعلا.

    وأنتِ -أيتها الأم- التي حاربتِ الحجاب وحاربت النقاب وقلت لابنتك: لا وألف لا، لا تلبسي الحجاب ولا ترتدي النقاب إلا بعد الزواج، اعلمي أن الزوج الذي جاء على معصية الله وعلى هذا الجمال الزائل واللحم العاري -لن يصون ابنتك أبداً؛ لأن رجلاً ذهب إلى الحسن وقال: إن لي ابنة، تُرى لمن أزوجها؟ قال: زوجها لمن يتقي الله؛ فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها.

    وأنت -أيتها المسلمة- اتقي الله جل وعلا وعودي إليه، واعلمي أن هذا الجمال إلى زوال، وأن هذا البدن إلى دود وتراب، وأنك ستعرضين على العزيز التواب جل وعلا ليسألك عن هذه الأمانة التي امتن بها عليك، فماذا سيكون جوابك بين يدي الملك الجبار؟!

    فاتقوا الله جميعاً يا عباد الله! وعودوا إلى الله، واعلموا أنكم مسئولون عن بناتكم وزوجاتكم بين يدي الله جل وعلا.

    وأختم بكلام ربنا جل وعلا في سورة التحريم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم:6-8].

    نكمل إن شاء الله جل وعلا فرضية الحجاب في الأسبوع المقبل إن قدر الله لنا البقاء واللقاء، وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.

    اللهم احفظ نساءنا يا رب العالمين، اللهم بارك في شباب المسلمين، وأصلح نساء المسلمين، واجعلهم قرة عين لنا في الدنيا والآخرة يا رب العالمين رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان:74].

    اللهم اجعلنا من التوابين واجعلنا من المتطهرين، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا.

    اللهم قيظ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر؛ أنت ولي ذلك ومولاه.

    اللهم وفق ولاة الأمر لما تحبه وترضاه، هذا وأكثروا من الصلاة والسلام على نبينا محمد: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] اللهم صلِ وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه، وأقم الصلاة.