إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. محمد حسان
  4. إن أكرمكم عند الله أتقاكم

إن أكرمكم عند الله أتقاكمللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أيضاً: يترتب على هذه الموالاة والمناصرة بعض الحقوق مثل: الزيارة والإكرام، والسلام، وحماية العرض، والمواساة بقدر المستطاع... إلى آخر ما هو معلوم من حقوق المسلم على أخيه المسلم.

    هذه بعض الأدلة التي تبين أهمية الولاء والبراء، وبعض حقوقها التي لا تفرق بين المسلم وأخيه المسلم، لا على أساس اللون، ولا الوطن، ولا اللغة، ولا الجنس، ولا غير ذلك؛ مصداقاً وامتثالاً لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]، لم يقل الله سبحانه وتعالى: إن أكرمكم عند الله أعظمكم نسباً، أو أكثركم مالاً، بل إن أكرمكم عند الله أتقاكم، كما قال بعض الشعراء:

    ألا إنما التقوى هو العز والكرم وحبك للدنيا هو الذل والعدم

    وليس على عبد تقي نقيصة إذا صحح التقوى وإن حاك أو حجم

    وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأسود على أبيض، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، كلكم لآدم، وآدم من تراب) .

    وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي أو فاجر شقي) .

    وقال صلى الله عليه وسلم: (إن آل فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين). وقال صلى الله عليه وسلم: (إن أولى الناس بي المتقون)، لم يقل: أهل نسبي وأقاربي، وإنما قال: (إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا)، نرى أحياناً بعض الناس يتغطرسون ويتكبرون على الناس بانتسابهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ونسبه عظيم، لكن ينبغي الالتزام بسنته وهديه صلى الله عليه وآله وسلم، فأغلب الحكام الظلمة والمناوئين لدين الإسلام يفاخرون غيرهم بأنهم من بني هاشم، فهذا الملك الحسين بن طلال في الأردن يفخر بأنه من الهاشميين وأنه من نسل النبي صلى الله عليه وسلم، حتى وإن سلم لهم أنهم من نسله، فحيث أنهم محاربون لدين الله، ويظاهرون أعداء الإسلام على المسلمين؛ فينطبق عليهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا) .

    وقوله: (إن آل فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين). فما أثر الانتساب إليه صلى الله عليه وآله وسلم؟ ولا ينبغي لمن رزق هذا النسب أن يجعله عائقاً له عن التقوى، وسبباً لمتابعة الهوى، فالحسنة في نفسها حسنة، وهي من بيت النبوة أحسن، والسيئة في نفسها سيئة، وهي من أهل بيت النبوة أسوأ، قال الله تعالى: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [الأحزاب:30]* وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا [الأحزاب:31]، فالحسنة إذا أتت من أشرف الناس نسباً من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وأقربائه فهي أحسن، والسيئة إذا صدرت من أهل بيت النبوة تكون أسوأ، فقد يبلغ اتباع الهوى لذلك النسيب الشريف إلى حيث يستحي أن ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال بعض الشعراء لشريف ينتسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه كان سيء الأفعال:

    قال النبي مقال صدق لم يزل يحلو لدى الأسماع والأفواه

    إن فاتكم أصل امرئ ففعاله تنبيكم عن أصله المتناهي

    وأراك تسفر عن فعال لم تزل بين الأنام عديمة الأشباه

    وتقول إني من سلالة أحمد أفأنت تصدق أم رسول الله

    يقول الإمام الألوسي رحمه الله تعالى:

    ولا يلومن الشريف إلا نفسه إذا عومل حينئذ بما يكره، وقدم عليه من هو دونه في النسب بمراحل كما يحكى أن بعض الشرفاء في بلاد خرسان كان أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، غير أنه كان فاسقاً ظاهر الفسق، وكان هناك مولى أسود، تقدم في العلم والعمل، فأكب الناس على تعظيمه، فاتفق أن خرج يوماً من بيته -ذلك المولى الأسود العالم العابد من بيته- يقصد المسجد، فاتبعه خلق كثير يتبركون به، فلقيه الشريف وهو سكران، فكان الناس يطردونه عن طريقهم، فغلبهم وتعلق بأطراف الشيخ وقال: يا أسود الحوافر والمشافر يا كافر ابن كافر أنا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذل وأنت تجل؟! وأهان وأنت تعان؟! فهم الناس بضربه، فقال الشيخ: لا تفعلوا هذا محتمل منه لجده، وإن خرج عن حده، ولكن أيها الشريف! بيضت داخلي، وسودت داخلك، فرؤي بياض قلبي فوق سواد وجهي فحسنت، وسواد قلبك فوق بياض وجهك فقبحت، وأخذت سيرة أبيك، وأخذت سيرة أبي، فرآني الخلق في سيرة أبيك ورأوك في سيرة أبي فظنوني ابن أبيك، وظنوك ابن أبي، فعملوا معك ما يعمل مع أبي، وعملوا معي ما يعمل مع أبيك.

    هذه هي مساواة الإسلام، هذا هو معنى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]، فهكذا يرتفع بالإسلام أقل الناس وأحقرهم إلى أعلى المقامات، وإلى أشرفها، ولا ينفع هذا الشريف وجود هذه النسبة، وهي شرف الانتساب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لكن لابد من التقوى كما بينا، هذه الرابطة رابطة الأخوة في الإسلام هي التي تكون بين المسلمين، ويكون عليها الولاء والبراء، فقد بين الله سبحانه وتعالى أن الإسلام هو الذي يربط بين أفراد المجتمع الإسلامي دون غيره من الروابط؛ لأنه يجعل المؤمنين كالجسد الواحد، يقول الشنقيطي رحمه الله: فربط الإسلام لك بأخيك كربط يدك بمعصمك، ورجلك بساقك.

    1.   

    جميع الناس مأمورون بالتقوى

    بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد: فمع اللقاء الحادي عشر، وما زلنا نعيش في رحاب سورة الحجرات، وما زلنا نعيش مع هذه القواعد التشريعية العظيمة، التي وضعها العليم الخبير جل وعلا؛ لصيانة المجتمع الإسلامي من: التمزق، والتشتت، والتفكك، والضغائن، والأحقاد. ونحن اليوم على موعد مع قاعدة تشريعية جديدة، نبني من خلالها المجتمع المسلم، نحن اليوم مع مبدأ كريم، ألا وهو: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]، فبعد هذه النداءات المتكررة في سورة الحجرات للمؤمنين، يأتي النداء العام للإنسانية كلها، على اختلاف أجناسها وألوانها وألسنتها، يأتي هذا النداء بهذا المطلع المهيب. (يا أيها الناس) يا أيها المختلطون أجناساً وألواناً وألسنة! يا أيها المتفرقون شعوباً وقبائل! يا أيها الناس من لدن آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها! يا أيها الناس! إن أصلكم واحد فلا تختلفوا، ولا تفتخروا على بعضكم بعضاً، ولا يتعال بعضكم على بعض، إن ربكم واحد، وإن أصلكم واحد، وهو: آدم عليه السلام. يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات:13]، ولقد ذكر الإمام ابن الجوزي في زاد المسير، في سبب نزول هذه الآية: أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة أمر بلال رضي الله عنه أن يصعد على ظهر الكعبة ويؤذن، فلما صعد بلال رضي الله عنه ليرفع الأذان على ظهر الكعبة، في البلد الذي طرد منه النبي صلى الله عليه وسلم، وشاء الله جل وعلا أن يعود إليه رسوله عليه الصلاة والسلام؛ لينشر فيه أنوار التوحيد والإيمان. فقام بلال رضي الله عنه ليرفع الأذان على ظهر الكعبة، فقال الحارث بن هشام : أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذناً؟! فنزل قول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى [الحجرات:13]. وله شاهد عند الإمام السيوطي في الدر المنثور، وعزى هذا الحديث إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن أبي مليكة : (أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذناً)، فنزلت هذه الآية؛ لتربي القلوب، وتهذب الضمائر والأخلاق، يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات:13].

    1.   

    التقوى ميزان التفاضل في الإسلام

    لا مجال في الإسلام لهذه الرايات الزائفة، ولا مجال في الإسلام لهذه العصبيات الجاهلية العفنة المنتنة، لا مجال في الإسلام لعصبية العرق، ولا لعصبية الأرض، ولا لعصبية الوطن، ولا لعصبية الجنس، ولا لعصبية اللون، ولا لعصبية اللغة، وهذا الأساس كان القرآن قد وضعه قاعدة لبناء المجتمع الإسلامي من قبل مئات السنين، قبل أن تتغنى الدول الديمقراطية بهذا المبدأ، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]. إن كل هذه الرايات لا مجال لها أن ترفرف في سماء الإسلام، كل هذه الموازين إلى زوال، وكل هذه القيم إلى فناء، إن الميزان الحقيقي الذي يخفض ويرفع، إنما هو ميزان التقوى، (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، والحديث رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، هذا هو الميزان، وهذا هو المقياس الذي يخفض ويرفع، عند رب الناس جل وعلا. وفي الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم فتح مكة، فقال: يا أيها الناس! إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية، وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان: بر تقي كريم على الله. وفاجر شقي هين على الله. ثم قال صلى الله عليه وسلم: إنكم لآدم، وإن الله خلق آدم من تراب، ثم تلى النبي صلى الله عليه وسلم قول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات:13]). فلا فخر بالأنساب، ولا فخر بالجاه، ولا فخر بالسلطان، وهذا الحديث رواه الإمام الترمذي بسند حسن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه أيضاً الإمام الترمذي من حديث عبد الله بن عمر وقال: حديث غريب. وفي الحديث الآخر عن جابر بن عبد الله أنه قال: (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق، فقال: أيها الناس ! أيها الناس ! ألا إن ربكم واحد، ألا إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود، إلا بالتقوى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13])، والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح. لا ميزان في الإسلام إلا للتقوى، ولا لواء يرفع في دين الله إلا لواء التقوى، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]، وهذا اللواء الذي رفعه محمد صلى الله عليه وسلم ساوى بين بلال الحبشي ، وصهيب الرومي ، وسلمان الفارسي ، وحمزة القرشي ، ومعاذ الأنصاري ، فلا تفاضل إلا بالتقوى، ولذلك فخر وتفاخر بهذا النسب سلمان الفارسي رضي الله عنه فقال: أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم فلقد رفع الإسلام سلمان فارس ولقد وضع الكفر الشريف أبا لهب .

    1.   

    انقطاع العلائق والأنساب يوم القيامة

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان يوم القيامة، أمر الله منادياً يقول هذا المنادي: إني قد جعلت لكم نسباً، وجعلت أكرمكم أتقاكم، فأبيتم إلا أن تقولوا: فلان بن فلان خير من فلان بن فلان، فاليوم أضع نسبكم، وأرفع نسبي، أين المتقون؟) والحديث رواه البيهقي ، ورواه الإمام ابن المنذر، والحاكم وصححه، نقلاً عن الإمام السيوطي في الدر المنثور. قلت: وله شاهد من حديث أبي هريرة الطويل في فضل العلم الذي رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن حبان وصححه، والحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين: البخاري ومسلم ، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم (من أبطأ به عمله، لم يسرع به نسبه). وصدق الله جل وعلا إذ يقول: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ [المؤمنون:101]، ينقطع كل نسب إلا نسب التقوى، فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ [المؤمنون:101-104]، إلى آخر الآيات. نعم، إن الميزان الحقيقي الذي يرفع ويخفض هو: ميزان التقوى، يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى [الحجرات:13].

    1.   

    أصناف الخلق

    قال علماؤنا: لقد خلق الله الخلق على أربعة أصناف: خلق الله عز وجل آدم من غير أب ومن غير أم. وخلق الله حواء من أب دون أم. وخلق الله عيسى من أم دون أب. وخلق الله سائر الناس من الأب ومن الأم. وهذا دليل على كمال قدرة الله جل وعلا، يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى [الحجرات:13]، ورحم الله من قال: الناس من جهة الأصل أكفاء أبوهم آدم والأم حواء نفس كنفس وأرواح مشابهة وأعظم خلقت فيهم وأعضاء وإن يكن لهم من أصلهم حسب يفاخرون به فالطين والماء ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أجلاء فقدر كل امرئ ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء ففز بعلم تعش حياً به أبداً الناس موتى وأهل العلم أحياء يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات:13]، وهكذا تذوب جميع الفوارق، وتسقط جميع هذه الرايات المنتنة، التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: (دعوها فإنها منتنة) هذه العصبيات الجاهلية الممقوتة، التي نجح أعداء ديننا في بذرها في قلوب كثير من المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، لا راية في الإسلام إلا للتقوى، ولا ميزان في الإسلام يخفض ويرفع إلا للتقوى، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]. ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم -كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري -: (يا رسول الله! أي الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند الله أتقاهم)إلى آخر الحديث.

    1.   

    تعريف التقوى وأركانها

    فما هي التقوى؟! الجواب على هذا السؤال يحتاج إلى وقت طويل جداً، ولكنني سأوجز الجواب عن هذا السؤال الهام؛ لأني قد أفردت خطبة كاملة قبل ذلك للحديث عن التقوى، وهذا من باب: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55]؛ فما هي التقوى أيها الأحباب؟ التقوى هي: وصية الله جل وعلا لجميع خلقه، ووصية النبي صلى الله عليه وسلم لجميع أمته، وهي الوصية التي ما زال يتوارثها سلفنا الصالح رضوان الله عليهم جميعاً، وقد عرفها أحد السلف فقال -نقلاً عن الحافظ بن رجب في جامع العلوم والحكم- التقوى: هي أن تعمل بنور من الله، في طاعة الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله. وفي الحديث الذي أخرجه الحاكم وصححه من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعاً وموقوفاً -وقال الحافظ بن رجب في كتاب جامع العلوم والحكم: الموقوف أصح- أنه قال في قول الله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران:102] ، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر. إذاً: فأركان التقوى هي: أن يطاع فلا يعصى. وأن يذكر فلا ينسى. وأن يشكر فلا يكفر.

    أول أركان التقوى: طاعة بلا معصية

    الركن الأول: طاعة بلا معصية، والمعصية سبب لسخط الله جل وعلا في الدنيا والآخرة، ولها آثار خطيرة على العبد -عافانا الله وإياكم منها- ذكرها وأسهب في تفصيلها الإمام ابن القيم في كتابه القيم الداء والدواء، أو بعنوان آخر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، حتى لا يلتبس الأمر على بعض الإخوة. إن للمعصية آثاراً خطيرة، وهي سبب لسخط الله جل وعلا في الدنيا والآخرة، والمعصية لها ظلمة في القلب، وأذكر نفسي وإخواني من طلبة العلم، بأن المعصية سبب رئيس من أسباب حرمان العلم، قال الشافعي : شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأوصاني بأن العلم نور ونور الله لا يهداه عاصي ومن آثارها الخطيرة: أن صاحب المعصية يحس للمعصية بظلمة وبوحشة في قلبه، لا يعلمها إلا الله، كما قال الحسن رحمه الله: أبى الله إلا أن يذل من عصاه، ورحم الله ابن عباس حينما قال: إن للحسنة ضياء في الوجه، ونوراً في القلب، وقوة في البدن، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للمعصية سوداً في الوجه، وظلمة في القلب، وضيقاً في الرزق، ووهناً في البدن، وبغضاً في قلوب الخلق. خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذلك التقوى واصنع كماش على أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى إياك أن تحتقر معصية، فإن المؤمن ينظر إلى معصيته، على أنها كبيرة من الكبائر، ولو كانت من الصغائر، ولكن المنافق ينظر إلى عظم المعصية، كأنها ذبابة وقعت على أنفه فذبها عنه فطارت، لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى من عصيت! إن خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل: عليَّ رقيب فعليك أن تطيع الله جل وعلا، وأن تراقب الله في سرك وعلنك، ولقد أمسك أعرابي بأعرابية في الصحراء، وأراد أن يفعل بها الفاحشة، فقالت له الأعرابية: هل نام الناس في الخيام؟ فذهب الأعرابي فرحاً مسروراً بمعصية زائلة وبلذة فانية، وبمعصية تعرضه لسخط الله جل وعلا، وعاد إليها -وقد تملكه السرور- وهو يقول: أبشري لقد نام الناس جميعاً، ولا ترانا إلا الكواكب، فقالت له هذه المرأة النقية: وأين مكوكبها؟! أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة:7]، لا تنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى من عصيت، وإن خلوت بنفسك فلابد أن تعلم أن الله جل وعلا يسمع ويرى: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:43-46] .. يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19]. إن خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت، ولكن قل: عليَّ رقيب

    ثاني أركان التقوى: أن يذكر فلا ينسى

    الركن الثاني: (أن يذكر فلا ينسى)، والله إنه لشرف أن تذكر الله فيذكرك مولاك: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة:152]، والله لو ذكرت عند ملك من ملوك الأرض، أو عند حاكم من حكام الأرض، وذكرت بالخير لسعدت بذلك سعادة غامرة، فكيف إذا قيل لك: لقد ذكرك ملك الملوك، وجبار السماوات والأرض؟! فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [البقرة:152]، وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منهم) أي: ذكرت في الملأ الأعلى يا عبد الله! ذكر الله حصن حصين، يتحصن به الذاكر من شياطين الإنس والجن، إن مثل الذاكر لله جل وعلا، كمثل: رجل خرج العدو في أثره سراعاً، فأتى إلى حصن حصين، فاحتمى بهذا الحصن من عدوه، كذلك الذاكر لله جل وعلا، يحتمي بذكر الرحمن من الشيطان. فلا تغفل عن ذكر الله، وليكن لسانك دائماً رطباً بذكر الله، وإن ذكرت الله جل وعلا فأنت في كنفه ورعايته، والحديث عن الذكر طويل، إلا أن أفضل الذكر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم هو: (لا إله إلا الله) كلمة التوحيد والإيمان، (أفضل الذكر لا إله إلا الله).

    ثالث أركان التقوى: أن يشكر فلا يكفر

    الركن الثالث: (وأن يشكر فلا يكفر)، وكم من نعم لله جل وعلا علينا وهي بحاجة إلى شكر، ولابد أن نفرق بين معنى الشكر والحمد، فإن معنى الشكر أعم من معنى الحمد: فإن الحمد يقترن باللسان والقلب، ولكن الشكر لابد له من أركان، لابد له من شكر القلب، وشكر اللسان، وشكر الجوارح والأركان، كما قال صاحب فتح المجيد رحمه الله: إن الشكر أعم من الحمد قال تعالى: اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا [سبأ:13]. ولقد وعد الله بالزيادة على الشكر: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:7]. والشكر -كما قال الإمام ابن القيم - هو: الحافظ وهو الجالب: هو الحافظ للنعم، وهو الجالب للنعم، أو لفضل الله جل وعلا: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:7]، والشكر لابد أن يكون بالقلب واللسان والأركان، فإن منّ الله عليك بنعمة المال وأردت أن تشكر الكبير المتعال، فشكرك لا يكون بالثناء فقط، وإنما يكون بالثناء على الله والإنفاق في سبيل الله. وإن منّ الله عليك بنعمة الصحة، فلا ينبغي أن تقتصر على أن تحمد الله فقط، بل ينبغي أن تستغل هذه النعمة في طاعة الله جل وعلا، لذا فإن الشكر يدور على ثلاثة أركان: الركن الأول: هو الاعتراف بنعمة الله جل وعلا. والركن الثاني: هو الثناء على الله جل وعلا. والركن الثالث: هو أن تستغل نعم الله في طاعة الله عز وجل. فلا تستغل نعم الله في معصية الله؛ لأن الذي من عليك بالنعم قادر على أن يسلب منك هذه النعم، ولا شك أن أفضل نعمة أمتن الله بها علينا هي نعمة التوحيد. ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا نعمة، لو ظللنا الليل والنهار نشكر الكبير المتعال عليها ما وفيناه حقها أبداً، وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، أما أنت فلقد أمتن الله عليك بالتوحيد، من غير إرادة منك، ومن غير حول منك ولا قوة، وذلك فضل الله جل وعلا يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. فهذه هي أركان التقوى بإيجاز شديد، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]. فالتقوى: أن يطاع الله فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر.

    1.   

    تعريف الإمام علي رضي الله عنه للتقوى

    وقال الإمام علي رضي الله عنه: التقوى هي: العمل بالتنزيل، والخوف من الجليل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل. (العمل بالتنزيل) سل نفسك: أين أنت من أوامر الله جل وعلا؟ وأين أنت من نهي الله جل وعلا؟ وأين أنت من حدود الله جل وعلا؟ هل نفذت أوامر الله؟ وهل انتهيت عن نواهي الله؟ وهل وقفت عند حدود الله جل علا؟ إن الله لم ينزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الأمة من بعده لتحلى به الجدران، أو لتحلى به الصدور، أو ليقرأ على القبور، أو ليوضع في البراويز الذهبية والفضية، أو في علب القطيفة؛ ليهدى في المناسبات الرسمية وغيرها. طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه:1-2]، يقول صاحب ظلال القرآن: يا محمد! ما أنزل الله عليك هذا القرآن لتشقى به، أو لتشقى بتكاليفه، أو لتشقى به أمتك من بعدك، ولكن ما أنزلنا عليك هذا القرآن إلا لتقيم به أمة، وإلا لتنشئ به دولة، وإلا لتربي به العقول والقلوب والضمائر والأخلاق، هذه مهمة القرآن. ويوم إن هجرت الأمة القرآن أذلها الله جل وعلا، ولا عزة للأمة إلا إذا عادت إلى مصدر عزها، ألا وهو قرآن ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم. اعرض نفسك على كتاب الله جل وعلا، لترى أين أنت من الأوامر والنواهي والحدود؟ وهذه من بنود التقوى. (والرضا بالقليل) أن تحمد الله جل وعلا على ما امتن به عليك، فإن من حرم القناعة لن يملأ عينه إلا التراب. النفس تجزع أن تكون فقيرة والفقر خير من غنى يطغيها وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبيت فجميع ما في الأرض لا يكفيها هي القناعة فالزمها تكن ملكاً لو لم تكن لك إلا راحة البدن وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن (والخوف من الجليل) أن تراقب الله جل وعلا في سرك وعلنك، وأن تخشى الله تبارك وتعالى. (والاستعداد ليوم الرحيل) لا تنشغل بهذه الفانية عن دارك الباقية، والله لست بمخلد في هذه الأرض. أيا عبد كم يراك الله عاصياً حريصاً على الدنيا وللموت ناسيا أنسيت لقاء الله واللحد والثرى؟ ويوماً عبوساً تشيب فيه النواصيا لو أن المرء لم يلبس ثياباً من التقى تجرد عرياناً ولو كان كاسيا ولو أن الدنيا تدوم لأهلها لكان رسول الله حياً وباقيا ولكنها تفنى ويفنى نعيمها وتبقى الذنوب والمعاصي كما هيا استعد ليوم ستعرض فيه على محكمة قاضيها الله، لا تقبل الرشوة، ولا تقبل المحسوبية، ولا تقبل المحاماة، ولا تقبل الاستئناف للأحكام، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46]. الاستعداد ليوم الرحيل، ليوم ستنام فيه على فراش الموت، ولا تستطيع قوة على ظهر الأرض أن تحول بينك وبين أمر الله جل وعلا. حتى ولو اجتمع إليك أطباء الدنيا فلن يستطيعوا أن يحولوا بينك وبين قدر الله عز وجل،وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19]، والحق: أنك تموت، والله حي لا يموت، والحق: أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة، أو ملائكة العذاب، والحق أن يكون قبرك روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران. ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19]، أي: ذلك ما كنت منه تهرب وتفر وتجري، تحيد إلى الطبيب إذا جاءك المرض، وتحيد إلى الطعام إذا أحسست بالجوع، وتحيد إلى الشراب إذا أحسست بالظمأ، ثم ماذا أيها القوي الفتي؟! أيها الذكي العبقري ! يا أيها الكبير ! ويا أيها الصغير ! وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19]، وصدق من قال: كل باك فسيبكى، وكل ناع فسينعى، وكل مذكور سينسى، وكل مذخور سيفنى، ليس غير الله يبقى، من على فالله أعلى. (العمل بالتنزيل، والخوف من الجليل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل) هذه بعض اللمحات في التقوى، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المتقين، إنه ولي ذلك ومولاه. وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

    1.   

    لا تزكوا أنفسكم إن الله أعلم بمن اتقى

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه. هكذا يقول الحق جل وعلا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [الحجرات:13]، لا من أجل أن يفخر بعضكم على بعض، ولا من أجل أن يتعالى بعضكم على بعض. لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات:13]، عليم بكم، خبير بأموركم، فهو الذي يعلم التقي من الشقي، وهو الذي يعلم الصالح من الطالح، فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم:32]. أسأل الله جل وعلا أن يرزقني وإياكم لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وجسداً على البلاء صابراً، وأن يجعلنا وإياكم من المتقين، اللهم اجعلنا من المتقين، اللهم اجعلنا من المتقين، اللهم اجعلنا من المتقين، اللهم لا تحرمنا التقوى يا أرحم الراحمين، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا حاجة هي لك رضا، ولنا فيها صلاح، إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين. اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل اللهم فينا ولا منا ولا بيننا ولا حولنا شقياً ولا محروماً، اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه.