إسلام ويب

اتقوا الله في أهليكمللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه وتعالى قد استرعى كل إنسان رعية، سواءً كانت شعوباً أو أمماً أو زوجة وأولاداً، وكل إنسان مسئول عن رعيته أمام الله سبحانه وتعالى، وإن مسئولية الأولاد والزوجة مسئولية عظيمة عند الله، وبحفظها تكون الوقاية من النار، والفوز بالجنة ورضوان الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    شرح قوله تعالى: ( قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً )

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1] .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6].

    هذه الآية -أيها الإخوة- تستنهض همم المسلمين، وتذكرهم بمسئوليتهم أمام الله نحو الأهل، نحو الزوجات والأزواج والأولاد، والآباء والأمهات والأقارب.

    ونحن -أيها الإخوة- إذ نتكلم عن هذا الموضوع في هذا الوقت ندرك أننا نعيش واقعاً مراً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، وذلك من كثرة المحرمات التي تفشت في مجتمعاتنا، ومن كثرة الانغماس في أوحال المعاصي والابتعاد عن شرع الله عز وجل، وتأملوا هذه الآية العظيمة: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ [التحريم:6] لأن البداية تكون من النفس دائماً، ولا يمكن أن يصلح حال الآخرين إلا إذا صلح حال المصلح، فإذا كان المصلح في نفسه سيئاً، فأنى يكون الإصلاح؟! وكيف يحدث التأثر؟!

    قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6] هذه نوع من النار، وقودها ليس حطباً ولا بنزيناً أو مادة مشتعلة، وإنما وقودها الناس والحجارة، الناس هم الوقود، وهم الذين تسعر بهم جهنم، هم مادة الاحتراق، قال أهل العلم: أدبوهم .. علموهم .. مروهم بالذكر .. أوصوهم بتقوى الله .. مروهم بالمعروف .. وانهوهم عن المنكر، ولا تدعوهم هملاً فتأكلهم النار يوم القيامة.. مروهم بطاعة الله، وانهوهم عن معصية الله، وساعدوهم على المعروف، وإذا رأيت لله معصية -أي: يعصى الله في هذا الوسط، في البيت وفي الأهل- فإنك تقدعهم عنها، أي: تكفهم وتمنعهم، وقال الضحاك ومقاتل : حق على المسلم أن يعلم أهله من قرابته وإمائه وعبيده ما فرض الله عليهم وما نهاهم عنه. ويدخل في هذا أمر الصبيان بالصلاة.

    فتكون وقاية النفس عن النار بترك المعاصي وفعل الطاعات، ووقاية الأهل بحملهم على ذلك بالنصح والتأديب، علموا أنفسكم الخير، وعلموا أهليكم الخير وأدبوهم.

    مسئولية الآباء والأزواج

    واستُدل بهذه الآية على أنه يجب على الرجل أن يتعلم ما يجب من الفرائض وأن يعلمها لهؤلاء، وإن من المعذبين يوم القيامة من جهل أهله -من كان أهله يعيشون في جهل- وهذه الكلمة تشمل الأولاد والزوجة، وتشمل العبيد والإماء أيضاً: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه:132].

    فأول واجبات الرجل المسلم أن يحول بيته إلى بيت مسلم، وأن يوجه أهله إلى أداء الفريضة التي توصلهم بالله، وما أروع الحياة في ضلال بيت أهله كلهم يتجهون إلى الله!

    إن تبعة المؤمن في نفسه وأهله تبعة ثقيلة رهيبة، فالنار هناك، وهو متعرض لها هو وأهله، وعليه أن يحول دون نفسه وأهله ودون النار، هذه النار التي تنتظر هناك.

    إن المؤمن مكلف بهداية أهله -هداية الدلالة والإرشاد- وإصلاح بيته، كما هو مكلف هداية نفسه وإصلاح قلبه.

    وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه وهذا الحديث يبين لنا مسئولية المسلم، المسئولية العامة التي لا تستثني أحداً: (كلكم راع وكلكم مسئول، فالإمام راع وهو مسئول، والرجل راع في أهله وهو مسئول، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول) هذا لفظ البخاري.

    وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132].

    وكان عمر رضي الله عنه له ساعة من الليل يصلي فيها، وكان إذا استيقظ أقام -أيقظ- أهله، فقام وقال: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه:132].

    وليست هذه المسألة سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقط، بل إنها طريقة الأنبياء من قبل: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً [مريم:54-55] فهذا إسماعيل يأمر أهله بالصلاة والزكاة.

    اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بتعليم النساء والحث عليه

    ولذلك الواجب على الإنسان تجاه أهله من زوجة وأولاد وإخوة وآباء وأمهات واجب ثقيل جداً، وبالذات النساء اللاتي أوصى بهن الله خيراً، ووصى بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك تجد أهل العلم في مصنفاتهم قد اهتموا بإبراز هذا الأمر، واهتموا بإبراز اهتمام الإسلام بأمر المرأة في وقايتها من النار، قال البخاري رحمه الله: باب هل يجعل للنساء يوم على حدة؟ أي: في التعليم والتذكير والوعظ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: قالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلم: (غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوماً من نفسك، فوعدهن يوماً لقيهن فيه، فوعظهن وأمرهن).

    قال ابن حجر : ووقع في رواية سهل عن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، بنحو هذه القصة فقال فيها: (موعدكن بيت فلانة، فأتاهن فحدثهن).

    إذاً خصص لهن موعداً زمانياً ومكانياً، وفي شرح حديث موعظة رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء يوم العيد، ذكر ابن حجر رحمه الله تعالى في فوائد الحديث: استحباب وعظ النساء وتعليمهن أحكام الإسلام، وتذكيرهن بما يجب عليهن، ويستحب حثهن على الصدقة، وتخصيصهن بذلك في مجلس منفرد، ومحل ذلك كله إذا أمنت الفتنة والمفسدة.

    وتعليم الزوجة والبنت هو من جعل وقاية بينهن وبين النار، بل إن الجهل الذي يلحق الزوجة والبنت والأخت بسبب تقصير الرجل قد يصل إلى الرجل في قبره، فعدم القيام والإهمال في شئون النساء من قبل الرجل قد يصل عذابه إلى الرجل في قبره، عن عبد الله أن حفصة بكت على عمر ، لما طعن عمر ، فقال: (مهلاً يا بنية! ألم تعلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه).

    وللعلماء رحمهم الله مذاهب شتى في هذا الحديث، ومن أقواها أنه يعذب في قبره إذا أهمل تعليمهم أن النياحة حرام، وإذا كان يعلم أن عادتهن النياحة، وأنهن من المتوقع أن ينحن عليه إذا مات، فأهمل أمر تعليمهن حكم النياحة وأنها حرام، ولم ينههن قبل موته، وهو يتوقع أن يحدث ذلك، فإنه يعذب في قبره بما نيح عليه، لأنه أهمل في هذا الأمر، وهذا حمل جيد لهذا الحديث، وجمع بينه وبين قول الله عز وجل: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164].

    فإذاً الاهتمام بشأن الأهل في التعليم، وعقد جلسات الوعظ والتذكير، وتمكين المرأة أياً كان مستواها من تعلم الأحكام الشرعية التي تحتاج إليها، وتوفير الإجابات على أسئلتها الفقهية أمر مهم، الإتيان بالإجابات على تساؤلات أهلك، والفتاوى للوقائع التي تحدث لهن في أمور الصلاة والطهارة والحيض والنفاس، فهناك أمور كثيرة تحتاج إليها المرأة، فمن وقايتهن من النار أن تبذل لهن الوسيلة في التعليم.

    قال البخاري رحمه الله تعالى: باب تعليم الرجل أمته وأهله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لهم أجران -فذكر منهم- ورجل كانت عنده أمة فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها، فتزوجها فله أجران) قال ابن حجر رحمه الله: مطابقة الحديث للترجمة في الأمة بالنص، وفي الأهل بالقياس. وهذا الحديث يحث على تعليم الأمة، والأمة هي الرقيقة، فإذا كان أمر بتعليم الأمة، أليس من باب أولى أن يؤمر بتعليم الحرة؟!

    ولذلك يقول: إذ الاعتناء بالأهل الحرائر في تعليم فرائض الله وسنن رسله آكد من الاعتناء بالإماء.

    اعتناء النبي صلى الله عليه وسلم بتعليم أهله

    ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم كان يفتح لـعائشة باب النقاش والسؤال، ويوفر لها الإجابة على تساؤلاتها، خذ مثلاً هذا الحديث الذي رواه البخاري رحمه الله في صحيحه، عن ابن أبي مليكة: (أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت لا تسمع شيئاً لا تعرفه إلا راجعت فيه -أي شيء لا تفهمه تراجع فيه وتسأل حتى تعرفه- وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال مرة من المرات: من نوقش الحساب عذب، قالت عائشة : فقلت: أوليس يقول الله: فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً [الانشقاق:8]؟ قال: إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب هلك).

    فمن الناس من يحاسبون حساباً يسيراً، فلا يناقشون ويدقق معهم، أما الذين يناقشون ويدقق معهم فهم معذبون، لكن الذي لا يعذب هو الذي يحاسب بسرعة ويمشي إلى الجنة، فلا تعارض إذاً.

    الشاهد: أن عائشة سألت عن شيء لم تفهمه، ولو لم تجد إيجابية من الرسول صلى الله عليه وسلم هل كانت ستسأل؟

    لو لم تكن عائشة تجد انفتاحاً من الرسول صلى الله عليه وسلم عليه وسلم واهتماماً بأسئلتها وتوفيراً للإجابة هل كانت ستسأل كلما جهلت أمراً، وتتشجع على السؤال؟

    ومن آكد الأشياء التي يؤمر بها الأهل الصلاة، فلا يجوز أن يقول الرجل: زوجتي منهكة متعبة دعها تنام، يراها نائمة فيقول لنفسه: دعها نائمة ولا أوقظها للصلاة حتى ترتاح. والمسئولية عن الأهل تدخل فيها المرأة أيضاً، فالمرأة داخلة في الحديث: ( والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها ).

    فلا يجوز أن تقول المرأة: زوجي جاء من الدوام متعباً، فلن أوقظه، فليسترح حتى لو أدى ذلك إلى ضياع وقت الصلاة. وهذا خطير، بل إن راحة زوجك أن توقظيه للصلاة، وراحة زوجتك أن توقظها للصلاة، وليس أن تبقى ويبقى نائمة أو نائم، وتقول: دعها تستريح، أو تقول هي: دعه يستريح. كلا.

    1.   

    متابعة الزوجة وتفقدها

    حث الزوجة على قضاء ما فاتها من الصيام، وهذا كثير. حثها على إخراج زكاة حليها ومالها، والنساء قد يكون في بعضهن غفلة عن أمور الزكاة، وأمرهن بالصدقة على الفقراء والمحتاجين كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء: (يا معشر النساء! تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار) كل ذلك داخل في المسئولية، مساعدتها على الحج والعمرة، خصوصاً الحج والعمرة الواجبة، بعض الرجال لا يهتمون بتوفير المحرم لنسائهم في البيوت من زوجة أو أخت أو بنت، وتجلس السنوات الطوال بدون حج الفريضة، لأنه ليس معها محرم، وهو يستطيع أن يكون محرماً لها، أو أن يرسل معها محرماً، لكن يقصر في ذلك.

    متابعة الزوجة في أحكام الطهارة والصلاة والمحارم

    قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6] ومنها مسئولية تعليمها أحكام الطهارة والصلاة، كم يسر الإنسان -أيها الإخوة- عندما يسمع برجال يأتون إلى أهل العلم، ويقول أحدهم: زوجتي حصل لها في أمر الطهارة .. نزل عليها دم في الوقت الفلاني .. تقطع الدم معها في الوقت الفلاني .. فهو لا يستحي من هذا، أما المرأة تستحي، فهو يأتي ويقول ويسأل: ماذا تفعل هذه المرأة؟

    عندها مشكلة في العادة كذا وكذا، ماذا تفعل؟

    إذاً الرجل مهتم بأمر الزوجة، فهو يطبق قول الله عز وجل: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6].

    إذاً هو فعلاً يوقن بالمسئولية وهو يحس بها، ولذلك يسأل عن الأحكام لزوجته، وهو يسأل هل هذا محرم للمرأة أم لا؟ وهو يسأل هل خال الزوج وعمه محرم للزوجة أم لا؟ فهو يسأل ويتأكد من أجل ألا تقع في أمر محرم، ويسأل عن حكم الرضاع بينها وبين رجل آخر، حتى لا تقع في أمر محرم. فيجب على الرجال أن يهتموا بأمر نسائهم.

    تعليمها المحافظة على وقتها، سواءً كانت زوجة أو أم أو أخت أو بنت أو خالة أو عمة، أياً ما كانت، تعليمها المحافظة على وقتها، عدم إضاعة وقتها بالأشياء التافهة، بعض النساء قد تضيع وقتها بالمكالمات الهاتفية الطويلة بدون فائدة تذكر، فإذاً هو يرشدها، ويعلمها، ويراقبها، ويلاحظها، ويقيها النار، ويعلمها أدب الرد على الهاتف، وكيفية محادثة الرجال الأجانب، ما هو الأدب في ذلك؟ وما هي المحاذير؟ وما هي الأشياء التي يجب عليها أن تنتبه إليها؟ وينتبه للمنكرات التي تحدث أثناء تسوقها، وما هو من الممكن أن يحدث لها من الحرام عندما تنزل إلى السوق، وكيف يجنبها هذا الحرام؟ فهو مسئول عن ذلك.

    متابعة الزوجة في الخروج إلى الأسواق

    قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً [التحريم:6] مخالطة أهل المنكرات وأماكن المنكر، في الأسواق عند الخياطين وفي أماكن النزهة في الحدائق والخلوات، يجب عليه أن ينتبه لزوجته، وبعض الناس عندهم دياثة عجيبة، وتبلد في الإحساس، فإنه أبداً لا يلتفت إلى زوجته في هذه القضايا، ويدع ابنته تذهب كيفما شاءت، لا رقيب ولا حسيب، تذهب مع من تشاء، وتمضي الوقت مع من تشاء، يذهب بها إلى الحديقة والمنتزه، ويفلت لها الزمام تلعب كما تشاء، وهو مسئول عنها، ومثل الإثم الذي اكتسبته يكن على ظهره؛ لأنه كان باستطاعته أن يمنع ذلك ولم يتحرك.

    والرسول صلى الله عليه وسلم كان يغضب لله عز وجل، وكان يغار أن تنتهك أدنى حرمة من حرمات الله، روى البخاري رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها رجل -وفي رواية مسلم: فاشتد ذلك عليه، تقول عائشة : ورأيت الغضب في وجهه، وفي رواية أبي داود: فشق ذلك عليه، وتغير وجهه، وعوداً إلى سياق البخاري - فكأنه تغير وجهه -كأنه كره ذلك- فقال: يا عائشة ! من هذا؟ فقالت: إنه أخي -أي: أخوها من الرضاعة- فقال: انظرن من إخوانكن -تحققن وابحثن في الأمر- فإنما الرضاعة من المجاعة) أي: انظري يا عائشة! وابحثي ودققي، هل وقعت الرضاعة في وقت التأثير، أم أنها وقعت خارج ذلك الوقت فلا تؤثر، ولا تنتشر الحرمة بسببها؟

    مراقبة المرأة عند خروجها، وكيفية حجابها مسئولية الرجل، هل هو سابغ؟ هل هو ساتر؟ هل هو سميك؟ هل هو خال من الطيب؟ هل هو لا يشابه لباس الرجال ولا لباس الكافرات؟ هل هو فضفاض غير ضيق؟ هذه مسئولية يجب على الرجل أن يراقب زوجته وابنته كيف تخرج.

    متابعة الزوجة في الأعراس والأخلاق والصديقات

    يا أيها المسلمون: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً [التحريم:6] والمسألة ليست سهلة، والإفراط فيها في هذا الزمن غريب عجيب كثير حاصل شائع ومتفش.

    المكياج والزينة.. ذهاب المرأة إلى الأعراس والولائم.. إلى أين تذهب؟ ما هو الوضع هناك يا ترى؟ هل الوضع في ذلك العرس والوليمة مرض لله؟ هل تسمح لها بالخروج أم لا؟ يحب عليك أن تتحقق.

    يا جماعة: لماذا نفلت نساءنا؟ لماذا نفلت لهن الزمام يعبثن؟

    والمرأة خلقت من ضلع أعوج، هناك من النساء من استقامت على شرع الله، تعرف بنفسها الحرام من الحلال، وتجنب نفسها الحرام ربما أكثر من بعض الرجال، ولكن هناك كثير من النساء في الجانب المقابل، لم يحصل عندهن ذلك النوع من التقوى، فمسئولية الرجل أن يحمي ذمته وألا يخفرها، فيراقب لسان الزوجة أو البنت في الغيبة والنميمة، وفي الغيرة والحسد، وفي الأشياء التي تبدر من المرأة، يهيئ لها الجو لتعاشر الصالحات، ويمنع غير الصالحات من دخول بيته، وبعض الناس يوصلون نساءهم إلى أماكن لا يدرون ما هي، ويرمي زوجته هكذا من السيارة أو يجعلها تذهب مع السائق دون أدنى استفسار إلى أين ستذهب؟ أليس هذا أمراً شنيعاً يودي إلى منكرات ومصائب عظيمة في المجتمع؟

    ينبغي أن تراقبها فيمن تكشف عليهم من المحارم والناس، هل هو محرم لها تكشف عليه أم لا؟ من هذا الشخص الذي تصافحه أو يريد أن يصافحها؟

    قضية الجليسات قضية مهمة جداً، وكثير من المشاكل التي دخلت في كثير من البيوت بسبب جليسات السوء، هل تتصور أن امرأة تأتي وتطلب من زوجها أن يأتيها من الخلف في المكان المحرم؟ لماذا؟

    لأنها سمعت امرأة في مجلس تنصحها بهذا الأمر.

    انظروا -أيها الإخوة- من تخالط نساؤكم، من هن الجليسات للنساء؟

    متابعة الزوجة في الخروج للعمل

    خروج المرأة خارج البيت كثيراً ما يؤدي إلى الفساد، وعمل المرأة من أبواب الشر العظيمة التي لو لم تجعل إلا في نطاق الضروريات، وفي نطاق النساء التقيات لحصل فساد عظيم، وبين يوم وآخر نسمع عن قصص مأساوية في البيوت بسبب خروج المرأة للعمل ونحوه، ذهبت إلى العمل وتوظفت في شركة، ثم تعرفت على رجل عن طريق العمل، سافر الزوج فكانت النتيجة أن تستقبل ذلك الرجل الأجنبي في بيتها أثناء غياب زوجها، من أين بدأت العلاقة؟ من العمل.

    خروج المرأة للعمل أمر خطير جداً، ينبغي أن يضبط وأن يراعى، ومكائد تحاك حول الدين وحول المرأة المسلمة من أعداء الله من العلمانيين ونحوهم، الذين يريدون أن يخرجوا المرأة وأن يهدموا آخر معقل من معاقل المجتمع الإسلامي.

    1.   

    تربية الأولاد والاهتمام بهم

    ينبغي للأب أن يكون له إشراف على أولاده، فالأولاد داخلون في الأهل دخولاً أولياً، بل إن بعض العلماء يرى أنهم داخلون في النفس، فقالوا: قُوا أَنْفُسَكُمْ [التحريم:6] يدخل فيها الأولاد، لأن الولد خرج من صلبك أنت، فيرى بعض العلماء أنهم داخلون في قول الله عز وجل: قُوا أَنْفُسَكُمْ [التحريم:6].

    ينبغي للأب أن يصون ولده عن نار الآخرة كما يصونه عن نار الدنيا، لو قلت للأب: ولدك تضعه في نار الدنيا، يصيح ويقول: لا، كيف هذا؟! هل أنا مجنون؟! لكن قد لا يصونه عن نار الآخرة.

    ينبغي تربية الطفل المسلم تربية إسلامية جيدة، فيعلم فروض الأعيان، وبعض فروض الكفاية التي يمكن أن يحتاج إليها، وتنمي المشاعر الإسلامية فيه، وتغرس الأماكن الطيبة: المسجد.. الخطبة.. العمرة، القصص الإسلامية، يعلم سير الأنبياء، الصحابة.. السلف، فيراقبه في صلاته، ويراقب ماذا يقرأ أطفالنا، بماذا يلعب أطفالنا، وماذا يشاهد أطفالنا، تربيتهم على التوحيد وعدم البداية من الشرك وتعليق التمائم في رقاب الأولاد، فينشأ الولد على الشرك منذ نعومة أظفاره.

    الأولاد ومنكرات البيوت

    أيها الإخوة: إن أولادنا وأطفالنا يُجرم في حقهم في هذا العصر إجرام عظيم، ويشاهد الطفل من المنكرات في البيت ما الله به عليم، وتنغرس في نفسه في كل يوم، ويشرب قلبه كل يوم من حب المنكرات والمعاصي أشياء كثيرة بسبب ما يشاهد في البيت.

    أستاذ في مرة من المرات يتكلم مع طالب في أول مرحلة من مراحل الدراسة الابتدائية، فيقول الطالب: أنا أبي يشرب الخمر في البيت، لكن إذا جاءه أصحابه ليشربوا الخمر يخرجنا من الغرفة.

    يقول المدرس: لعله عصير أو ماء، فقال الطالب: لا. أنا أعرفه، إنه خمر. هذا الولد الصغير عمره ست سنوات يقول هذا، ذلك المجرم يظن أنه لما أخرج الولد من الغرفة أن الولد لا يدري ماذا يحدث، والولد يعلم كل شيء، أليس كذلك؟ هذه الحوادث الواقعية هي التي تنبئنا.

    أيها الإخوة: عندما يقول ولد صغير: إن أبي يفعل مع الخادمة مثلما تفعل أمي مع السائق، ماذا نرجو من وراء هذا الغرس الذي يغرس في بيوتنا؟ وأي حياة وشقاء ونكد يتوقع أن يكون عليه أولئك الأطفال، وهم يشاهدون هذه المنكرات في البيوت؟

    مع الأسف كثير من الأشياء التي يسمعها أطفالنا تصادم الدين والعقيدة، وتغرس فيهم الكفر والشرك، حتى إنك تجد في بعض أفلام الكرتون تغرس في نفس الطفل حب السحر والسحرة والساحرة، وأنه شخص طيب، ويساعد الطيبين، وهو ضد الأشرار، والسحر كفر كما قال صلى الله عليه وسلم.

    مرة من المرات كنت أقلب إبرة المذياع، فاستقرت على قصة للأطفال تقولها مذيعة من المذيعات، ماذا يكون في بالكم وماذا يخطر في بالكم أن تكون القصة؟!

    وهذا شيء سمعته بنفسي: النملة مجتهدة تجمع الطعام وتدخره في جحرها، والصرصور كسلان لا يجمع الطعام ويبعثره ولا يحتاط لأمره، فجاء فصل الشتاء، والنملة في خير، فخرج الصرصور جائعاً، فطرق باب جارته النملة -حتى الآن كلام شبه مقبول- وقال: أقرضيني حبوباً وأردها لك في السنة القادمة، هنا قالت المذيعة: مع الفائدة طبعاً، تقول المذيعة: الصرصور يقترض من النملة ويردها في السنة القادمة مع الفائدة.

    ماذا ينغرس في نفس الطفل وهو صغير يسمع هذا البرنامج؟ نحن نفاجئ بانحرافات الأولاد، ثم نقول: عجيب ماذا فعلنا؟! من أين الخطر؟! ومن أين منشأ المشكلة؟

    منشأ المشكلة هو ما يسمعه هؤلاء الأطفال وما يشاهدونه، الصرصور يقترض من النملة بالربا -بالفوائد- لأن القصة لا تصلح أن تقال إلا بهذه الطريقة: قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [التوبة:30].

    ونحن عندما نقول: استوصوا بأطفالكم خيراً، فإننا لا نعني أن المسألة تكون فقط معلومات تصب على ذهن الطفل ودماغه دون ترو ودون إعطائه الحق في اللعب، أو اللهو المباح البريء، بل من حق الأطفال على الأباء أن يوفروا لهم الألعاب المفيدة، وأنواع اللهو البريء، هل تتصورون أن أباً من الأباء لا يشتري لأطفاله أي نوع من أنواع الحلوى أو البسكويت؟!

    وهذا لأن الأب لا يحب الحلوى شخصياً، فلذلك هو لا يشتري لأطفاله أي نوع من أنواع الحلوى، ويبخل عليهم بذلك، ويقول: هذه أشياء تافهة غير ضرورية، ولا يحضر لهم ألعاباً عند العيد؛ لأنها ليست مفيدة بزعمه، ويرفض أن يعطي الأم مالاً لتشتري لهم به، فتضطر المسكينة أن تشتري بمالها الخاص، أو أن تقترض من أهلها لتشتري لأولادها ألعاباً، أو تأخذ وتدخر من الضيافة التي تأخذها من الناس أثناء زيارتها لهم، فتدخر حلوى لأولادها لأن الرجل لا يأتي بالحلوى للأولاد: ( وإن لأهلك عليك حقاً ).

    أيها الإخوة: لقد تكلمنا في درس منفصل كامل عن تربية الطفل المسلم، لكن نقول باختصار: إن عدم الاهتمام بالطفل في مقتبل أمره وعمره، يؤدي إلى انحرافه في المستقبل غالباً، فلو ترك الولد دون تدخل سلبي من الأب أو الأم فإنه سينحرف في الغالب، لأن المجتمع فيه قذارات، المدرسة فيها قذارات، الشارع فيه قذارات، الجيران عندهم قذارات، أقران السوء عندهم قذارات، إذا ما انحرف الولد بهذا السبيل سينحرف بالسبيل الآخر.

    هذا إذا ترك لوحده هكذا دون أن يعمل الأب والأم له شيئاً، فكيف إذا كان بعض الآباء هو المفسد.

    وهذه أشياء واقعية سمعتها بنفسي، رجلٌ يجلب الأفلام الداعرة الخليعة إلى بيته، ويجبر أولاده الصغار أن يقعدوا منذ نعومة أظفارهم ليشاهدوا هذه الأفلام، بنت عمرها سنتين ونصف تفتحت عيناها على هذه الأفلام، وهو يجبرها ويأتي بها ويقعدها أمام الفيديو لتشاهد الأفلام، وتقول: إذا ذهب أبي إلى الخارج، وأخذنا في الصيف أو في العطلة، فإنه يدخل المرقص في بلاد الكفار، ونحن قد كبرنا فيسلمنا إلى الشباب الكفرة الذين يرقصون ليراقصونا، ويفعلون بنا ما يشاءون.

    نماذج كثيرة عجيبة غريبة لا تمت إلى دين، ولا إلى خلق، ولا إلى عفة، ولا إلا صيانة، ولا إلى ستر بأي نوع من أنواع العلاقة، موجودة في مجتمعاتنا ليست في مجتمعات الأمريكان والإنجليز والكفرة، موجودون بيننا هنا، هكذا يربون أطفالهم، ثم نقول: لماذا تتفشى الفواحش في المجتمع؟ لماذا المنكرات كثيرة؟ لماذا الزنا كثير؟ لماذا الفاحشة؟

    لوط واهتمامه بأهله

    لوط عليه السلام لما كان في مجتمع قذر رفض أهل ذلك المجتمع الابتعاد عن الفاحشة، فماذا كان لوط عليه السلام يقول؟ كان يقول: رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ [الشعراء:169] لوط عليه السلام يشعر بوطأة الجاهلية وثقلها عليه وعلى أفراد أسرته، هؤلاء الذين يفعلون الفاحشة لا يريدون أن يتوبوا، فيقول لوط عليه السلام وقد شعر بذلك الثقل الذي تضغط به تلك الجاهلية الشريرة في عصره على أعصابه وعلى أهل بيته، وهو يجأر إلى الله وينادي ربه ويقول: رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ [الشعراء:169].

    فقد كان حريصاً على أهل بيته من الفاحشة، والآن ينبغي لكل عاقل مسلم أن يقول: رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ [الشعراء:169] لأن الفواحش موجودة في المجتمع مثل قوم لوط أو أكثر: فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ [الشعراء:170] وهذه عاقبة الصدق والإخلاص والتوبة والدعوة إلى الله وتغيير المنكر: إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ [الشعراء:171] كانت مجرمة تنقل أخبار أضياف لوط إلى قومه لكي يأتوا ويطالبوه بالضيوف ليفعلوا بهم الفاحشة.

    حال الأولاد إذا لم يربوا

    وعندما يكبر هذا الولد ويترعرع مع تأثيرات المجتمع الفاسدة المنحلة وعدم التربية تخرج منهم أمثال العبارة التي سأقولها لكم في هذه القصة المدهشة، التي تنطوي على هذه العبارة المدهشة، التي تحتاج إلى تفكير طويل حتى تعلم كيف انبعثت!

    الأب والأم والولد أمام الشاشة، خرجت الممثلة بصورتها الفاتنة الجميلة، وهم ينظرون، والولد يحملق في الشاشة ويبحلق، وعندما ظهرت صورة تلك المرأة في غياب عقله-الآن هو غائب في المنظر- انطلقت منه الكلمات وهو ينظر في وجه المرأة الفاتنة، فيقول: كم تعب ربنا حتى خلقك؟!

    انظر إلى هذا الحالم والغائص في المسلسل، فهو يفكر الآن في المسلسل وفي المرأة وينظر إليها، وقد يكون نسي أن أباه وأمه بجانبه، سبحان الله! هذه العبارة الواحد يقف أمامها حائراً، الولد في مرحلة المراهقة، ويتساءل: كم تعب الله إلى أن خلق هذه المرأة! وهذه ما قالها شخص شيوعي ملحد، بل قالها واحد من أبناء المسلمين الذين يعيشون هنا.

    عقيدة غير موجودة، وأخلاق غير موجودة، عفة لا توجد، احترام الله عز وجل أمر معدوم، تعالى الله عن هذا الكلام علواً كبيراً، اليهود لعنوا لأنهم قالوا: إن الله خلق العالم في ستة أيام ثم استراح يوم السبت، انظر اليهود يقولون: الله خلق الدنيا كلها السماوات والأرض في سنة أيام ثم استراح يوم السبت، وهذا الآن يقول: كم تعب؟ أليست مقالته أسوأ من مقالة اليهود الذين لعنوا؟!

    ويواجه بعض الأباء في بيوتهم في هذه المجتمعات تطورات عجيبة من قبل الأبناء طبعاً؛ لأن التربية إذا أهملت من البداية، وخرج الولد وعايش رفقاء السوء في المدرسة كيف تصلحه وقد كبر وتكونت شخصيته؟ فهو يتمرد الآن، ويفوت قطار الإصلاح في كثير من الأحيان.

    رجل يشتكي، ويقول للشيخ ابن باز : عندي أولاد لا يصلون أبداً، نصحتهم وكلمتهم ووعظتهم وشتمتهم ولا فائدة، ماذا أفعل؟

    كثير الآن من الآباء يقولون ويشتكون مثل هذه الشكوى.

    فيقول الشيخ حفظه الله: انصحهم، فإذا بلغوا عشراً يضربهم إلى البلوغ، أما عند البلوغ فلا ينفع الضرب بعده، فالضرب عند البلوغ لا يورث إلا أحقاداً، وربما رد الولد بالصاع صاعين على أبيه، وكم تسمع من أولاد يقول أحدهم -بحنق وغلظة عبارات على أبيه- كنت أريد أن آخذ الكرسي وأضربه، أو آخذ العقال وأضربه، وأعلمه ألا يمد يده عليّ، إذا بلغوا ولم يستقم أمرهم فيبلغ بهم من يقيم عليهم حد الردة -القتل- إذا لم يصلوا، وإن لم يستطع يخرجهم من بيته.

    وهذا الكلام يستثنى منه إذا كان إخراجهم من البيت يؤدي إلى مشاكل أكبر، وإلى وقوعهم وأن تسوء أحوالهم أكثر وأكثر، فعند ذلك لا يكون من الحكمة إخراجهم من البيت، لكن إذا كان إخراجهم من البيت سيدفعهم ويضطرهم إلى الرجوع إلى البيت وهم يصلون، لأنهم لا يجدون مأوى ولا مصروف، فيجب على الأب أن يطردهم من البيت، وألا يؤوي في بيته أناساً لا يصلون. فإذا استنفذ الجهد والطاقة والوسع، ونصح وتكلم وليس هناك فائدة، وكان إخراجهم أقل ضرراً من بقائهم، وكان إخراجهم لا تترتب عليه مفسدة أكبر من بقائهم، فإنه يجب أن يخرجهم من البيت، ولو كانوا أولاده من صلبه.

    البقاء مع الأهل وعدم الانقطاع عنهم

    البقاء مع الأهل وعدم الانقطاع عنهم: يجب أن يكون الرجل المربي الناصح قريباً من أهل بيته، بعض الناس يسافرون سفريات طويلة جداً، وهذه السفريات الطويلة جداً تؤدي إلى مشاكل كثيرة في البيوت، فتسمع أخباراً عجيبة. فهذه لما سافر زوجها جاءها فلان وفلان، مشاكل متشعبة وشائكة، ولو كان الضرر أقل من هذا، فإنك تجد أن بعض الناس الذين يسافرون في تجارة أو حتى في طلب علم أو دعوة إلى الله، لو كان سفرهم يؤدي إلى تضييع أهلهم فحرام عليهم أن يسافروا، بعض النساء قد يكون فيها خير، لكن زوجها يهجرها أسبوعاً أو أسبوعين وشهراً أو شهرين وثلاثة وأربعة أشهر وهو مسافر مبتعد عنها، تقول: لا أجد ماء أشربه، فضلاً عن الأغراض الأخرى، كيف تشتري الأغراض؟

    مرض الولد الصغير من يذهب به إلى المستشفى؟

    تضطر إلى الذهاب به أحياناً بسيارة الأجرة، هل هذا واقع صحيح؟ وهل سفر هذا الرجل يبرر مثل هذه الأشياء؟ أم أنه إنسان ظالم لنفسه وأهله عليه من الله ما يستحق لأجل التضييع والتفريط؟

    الرسول صلى الله عليه وسلم يوصي ويقول -انظروا أيها الإخوة الشريعة فيها حكم: (السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليعجل الرجوع إلى أهله) لأن إطالة الابتعاد عن الأهل مضرة، فعليه أن يعجل بالرجوع إلى أهله، ولا يطيل عليهم الغياب، وأقل ما فيها يصحبهم معه إن كان ولابد، أما أن يهجرهم ويسافر عنهم شهوراً فهذا من الجرائم، وكثير من الساقطات المنحرفات في المجتمع، سبب انحرافها أن زوجها غائب عنها لا يأتيها.

    واحدة تقول: إن زوجي لا يأتيني من خمس سنوات، وأخرى تقول: أنا معه الآن منذ أكثر من عشر سنين، لكن لا يعاشرني معاشرة الزوجة، فهو يأتي يدخل البيت ويأكل وينام ويمشي.

    فهذا سبب من الأسباب التي يتولد عنها انحراف الزوجة، وقد يبتعد أحياناً عن أهله بسبب زوجة أخرى، وهو شيء طيب وحلال، لكن إذا لم يحسن هذا المتزوج توزيع وقته والعدل كما أمر الله تقع المصائب، بل قد يميل إلى زوجته الثانية فيترك زوجته الأولى بالكلية، ويترك أولادها، لا يأتيهم ولا يسأل عنهم، ولا يزورهم، ولا يعطيهم الحنان ولا العطف، وقد يكون ولا حتى المصروف.

    ونسمع قصصاً عجيبة، هذا رجل تزوج بأخرى، فصار يسب بناته من الزوجة الأولى ويشتمهن، ويتهمهن بالفاحشة، ويضرب زوجته الأولى في الشارع أمام الناس، وتضطر الأم المسكينة بالتالي أن تعمل، وأن تصرف على الأولاد في البيت، وربما يكون هؤلاء كلهم من البنات، وحالة الجميع سيئة، والسبب أنه لم يفكر أصلاً في قول الله: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6].

    1.   

    عاقبة إهمال تربية الزوجة والأولاد

    عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى سائل كل راع عما استرعاه أحفظ ذلك أم ضيعه؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته) ففي يوم القيامة تصل قضية المساءلة والحساب أن يسأل عن أهل بيته: أحفظتهم أم ضيعتهم؟

    وهذا التضييع الذي تنتج عنه كثير من الفتن، وعلى رأسها الخيانات الزوجية، من ماذا؟

    من تضييع الأهل تنتج الخيانات الزوجية المتبادلة من الطرفين.

    جار عنده مفتاح بيت جاره، فإذا ذهب الجار إلى العمل فتح الباب ودخل وعاشر زوجة ذلك الرجل، وتختلط الأنساب ولا تدري هذا ولد من.

    ويحدث من وراء ذلك من المصائب والنكبات وخراب البيوت أشياء نسمع عنها صباحاً ومساء، ناهيك عن الفواحش التي تحدث في البيوت من الآباء أو الأبناء مع الخادمات مثلاً، ومشاكل البنات والزوجات مع السائقين والخدم، ما هو أثر ذلك في البيت؟ وما هي عقوبة الله المنتظرة لهؤلاء الناس؟

    بل إن تضييع الأهل، وعدم التربية والملاحظة، ينتج عنه نكبات أكثر من ذلك، ونسمع كثيراً عن جرائم اعتداء الأولاد الكبار في البيوت على أخواتهم، وتقع المشكلة وبعد ذلك يقولون: البنت لم تعد بكراً. وهل تعلمون أن من وقع على محرم من محارمه فإنه يقتل حداً في دين الله حتى ولو لم يكن قد تزوج؟!

    فإن هذه جريمة عظيمة، وقصص تشيب لها الرءوس، وتذوب لها القلوب إن كان في تلك القلوب إيمان وإسلام.

    أخ يرش على أخته مادة مخدرة ثم يأتيها. أب متزوج من أكثر من زوجة، وهناك أخ يأتي أخته من زوجة أبيه، وأخوه الأصغر يأتي ويهدده، ويقول: سلم لي أختك.

    وهناك حاجات وأشياء ما كان الواحد يتصور أنه في يوم من الأيام يحدث ذلك، إلا بعد أن تسمعها فتفاجئك الحقائق والحوادث بأشياء، أقسم بالله العظيم إنه يتبين للإنسان حلم الله بأن العقوبة والعذاب لم ينزل منذ زمن بعيد.

    وبعض الأحيان يصل بعض الأهل والقرابة إلى درجة من السوء لا يصح اعتبارهم بأي حال من الأحوال من الأهل، بل يجب منابذتهم ومعاداتهم وطردهم والتبرؤ منهم، قال تعالى: وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود:45-46]، ليس من أهلك الذين وعدتك بإنجائهم، فأولئك المؤمنون من أهلك، لكن هذا الولد الكافر ليس من أهلك، وليس من الناجين.

    هذا موقف التبرؤ قد يضطر لاتخاذه أحياناً بعض الناس، لما تسمع قصة مثلاً، أن الرجل الشائب الضعيف المسكين يقول: بنتي تخرج إلى الشارع وتركب مع أي سيارة وتأتي وتذهب، والبنت الأخرى نفس الشيء، وعندما وعظتهم وكلمتهم وكلمت أمهم في البيت، قالوا جميعاً بلسان واحد: هذه طريقة عيشتنا، إذا لم يعجبك فاخرج من البيت، ماذا يفعل؟ هناك حالات كثيرة في المجتمع من هذه الأنواع من المصائب.

    وفي بعض الأحيان يكون من مصلحة هذا الشخص، ومصلحة أولئك المجرمين أن تبلغ بهم الجهات الرسمية، كهيئة الأمر بالمعروف أو مكافحة المخدرات مثلاً، لعلهم أن يفعلوا معهم شيئاً، فالمسألة خرجت عن طور التحكم، وصارت الآن خارج الموضوع، وهناك كثير من الناس الذين فقدوا السيطرة والتحكم على بيوتهم وعلى بناتهم وأولادهم.

    1.   

    فضل الدعاء

    وبهذا يتبين لنا -أيها الإخوة- عظمة الدعاء الذي علمنا إياه عليه الصلاة والسلام، دعاء نردده صباحاً ومساء: (اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي -انظر العفو والعافية في ديني ودنياي- وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي ... الحديث) يدعو به صلى الله عليه وسلم عليه وسلم صباحاً ومساءً، لعل هذا الدعاء إذا خرج من قلب حي متصل بالله عز وجل، أن يُحفظ الأهل والبنات والأولاد بسبب دعاء أبيهم الصالح أو أخيهم الصالح.

    حتى في السفر ماذا كان صلى الله عليه وسلم يقول؟ (اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل) كأن الواحد يقول: اللهم اخلفني في أهلي بخير، إني استودعتك أهلي فاحفظهم، والله إذا استودع شيئاً حفظه كما قال عليه الصلاة والسلام: (اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل).

    ولذلك الإسلام ينمي في المسلم الغيرة والدفاع عن أهله وعرضه، ويعتبر الإسلام أن من قتل دون أهله فهو شهيد: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شيهد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد) حديث صحيح.

    وينبغي كذلك ألا يكون الأهل حائلاً بين الإنسان وبين طاعة الله، وألا يشغلوه عن طاعة ربه: إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [التغابن:14] ما هي حجة المنافقين لما تخلفوا عن الجهاد؟

    شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا [الفتح:11] هناك أناس عندهم إفراط، وأناس عندهم تفريط، ويحتاج الأمر في كثير من الأحيان إلى وقفات صارمة، أحياناً الزوجة يكون زوجها لا يصلي، فهي تنصحه وتقيم عليه الحجة وتذكره بالله فلا يصلي.

    ماذا تفعل؟ لا يجوز لها أن تبقى معه لحظة واحدة أبداً، لأنه مرتد عن الدين، لا يجوز أن يعاشرها، ولذلك عليها أن تفارقه، فهذا رجل من أهل السوء، من أسوأ من خلق الله، مرتد عن الدين، ويهاجم الدين ويهزأ بالدين لا يصلي ولا يفعل أي فرض من الفرائض، تقول له زوجته: اتق الله، صلِّ، رفض، قالت له: أفارقك ولا أقعد معك لحظة واحدة، فقال لها المجرم: وقعي إقراراً بأنك لا علاقة لك بالأولاد وأنك قد تخليت عنهم، وليس لك شأن بهم، وقعت الورقة وقالت: خذ.

    ولما رأى إصرارها ورأى موقفها انقلب وصار يصلي: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً [الطلاق:2] وحتى لو لم يكن لديها مكان تخرج إليه، بل لم تستطع أن تخرج إلى مكان آخر، فإن الحكم الشرعي أن تتحجب منه، ولا تمكنه من نفسها أبداًً، وتعيش في نفس البيت مكرهة، لكن هو أجنبي عنها، لا تخالطه ولا تعاشره ولا تمكنه من نفسها، ولو ضربها وأكرهها فإن الإثم عليه هو.

    1.   

    علاج مثل هذه الكوارث ودور الدعاة

    وأخيراً أيها الإخوة! ما هو العلاج لهذه الكوارث؟ هناك أملٌ في الله كبير، في الصحوة الإسلامية المباركة التي بدأت تعيشها مجتمعات المسلمين، الأمل في الدين، الأمل في المتدينين، الأمل في المتمسكين بالدين الآن، هم الذين عليهم المعتمد بعد الله في إنقاذ المجتمع من الشرور.

    ما هو موقف أولئك المستقيمين على شرع الله؟ كيف ينبغي أن يكون دورهم في علاج ومواجهة مثل هذه المواقف؟

    ينبغي أن نتغلغل في أسباب الداء، لماذا لا ينتشر الإصلاح في المجتمع بقوة؟

    هناك من أولئك جيل الصحوة أناس عرفوا الله والطريق، وأناس عرفوا الله وأخطئوا الطريق، فتجد من هؤلاء من يحدث عنده تفريط فيتقوقع على نفسه وعلى بعض إخوانه الطيبين، وينزوي عن المجتمع، ويقول: مالي وللناس، مالي وللبيت، مالي ولأهلي، وقد يصيبه الاشمئزاز من بعض ما يفعلونه، فيتركهم ويبتعد عنهم، ويقول: أنا الآن علي بنفسي ولا شغل لي بالآخرين، لو كانوا إخواني أو أخواتي أو أمي وأبي ليس لي علاقة، ويقول: أنا الآن فقط أربي نفسي.

    فهذا تفريط وإهمال، لماذا تتخلى عن المسئولية؟ هل أنت تدخل في قول الله عز وجل: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6] أم لا تدخل؟

    إذاً لماذا تتخلى الآن عن المسئولية؟ ولماذا تنطوي وتنعزل وتتقوقع على نفسك؟

    وفي الجانب الآخر يوجد نوع من الإفراط في الأمر، وأخذ المسألة بالعنف، بعض الناس يريدون أن يصلحوا البيوت والمنكرات والانحرافات بالعنف والشدة المنافية للحكمة التي أمر الله بها، فتأتي النتائج غالباً عكسية، ويتضاعف الكره للدين وللمتدينين.

    ولذلك أيها الإخوة: يجب أن يكون دور أولئك المستقيمين على شرع الله، الملتزمين بدين الله في بيوتهم دوراً إيجابياً، ويجب على أولئك الناس الذين هم أفراد من جيل الصحوة أن يستشعروا المسئولية التي أناطها الله بهم، والتي شرفهم الله بالقيام بها، ينبغي على كل واحد من هؤلاء أن يبني شخصية قوية داخل بيته، قوية للإسلام واعية، تقوم بواجب الدعوة إلى الله والتوجيه، وتواجه الانحرافات بالحكمة، وبإقامة البرهان والدليل، وباللجوء إلى القوة في الوقت ا لمناسب، وفي الإنكار بدرجات الإنكار حسب المصلحة الشرعية.

    على أولئك أن يبدءوا بنشر الوعي الإسلامي في البيت بنشر الكتاب الإسلامي، ونشر الشريط الإسلامي، وفتح القنوات أمام أهل البيت حتى يذهبوا إلى المحاضرات والدروس، وأن يأتوا لهم بالمجلات الطيبة، والكتب الإسلامية الطيبة، يجب على كل واحد من أولئك الشباب وغيرهم من الكبار ممن هداهم الله عز وجل أن يكون لهم دور إيجابي في بيوتهم، يؤثرون على آبائهم وأمهاتهم، وإخوانهم وأخواتهم، وأن يربطوا إخوانهم -مثلاً- بأصدقاء طيبين، وأن يبعثوهم إلى الأماكن الطيبة، لتبدأ تلك البذور في التفتح، وتختفي الانحرافات التي وجدت في بيئات الشر والفساد.

    ويجب على الشاب ألا يحتقر نفسه، وكثيرٌ منهم ولله الحمد بدأ لهم ثقل واضح في المجتمع، وبدأ لهم وزن في الأوساط الاجتماعية، فكثير من أولئك المستقيمين قد تزوج وأنجب، أو هو يعمل في وظيفة محترمة، وربما صار ينفق جزئياً أو كلياً على أسرته، وتغيرت النظرة إلى كثيرين من أولئك، ولم يعودوا ينتقدون ويعاب عليهم مثلما كانت النظرة الأولى. فعلى أولئك أن يقدروا أن وزنهم في المجتمع قد تغير، وأن نظرة المجتمع إليهم قد تغيرت، وأن الكثيرين من الغرقى بدءوا يمدون أيديهم طلباً ليد العون، ويطلبون منهم المساعدة، وقد لا يطلبونها منهم تصريحاً، ولكن يتمنون في قرارات أنفسهم أن يأتي من أولئك المتدينين المستقيمين من ينتشلهم من تلك الأوحال، ويعلمهم ويوجههم ويرشدهم.

    على أولئك من أفراد جيل الصحوة الإسلامية المباركة -إن صحت هذه التسمية- أو قل المستقيمين الذين هداهم الله، أن يبعدوا أهلهم عن مصادر الشر من الأسواق ونحوها، والأجهزة المفسدة المرئية أو المسموعة أو المقروءة، وعن جيران السوء وأقرباء السوء وأصدقاء السوء، وأن يحبوا الخير لأهليهم ولإخوانهم، وألا يقول واحد منهم: الحمد لله أنا على خير، وليذهب أخي في ستين جهنم، انظر ماذا قال العبد الصالح موسى عليه السلام: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه:29-32].

    إنه يحب الخير لأخيه، ويطلب إشراكه معه، فما كان أنانياً، وما قال: أنا أتفرد بالأمر، وإنما قال: يا رب! فدعا الله أن أشركه في أمري، كي يصبح معيناً لي على طاعة الله. أنت إذا دعوت إخوانك وأخواتك في البيت، والتزم منهم بدين الله أفراد، فإنك تكون منهم جبهة داخلية في البيت، ويصبح الرأي العام أو أغلبه معك، وتستطيع من خلاله تكوين الرأي العام في البيت، فتغير المنكرات ولو بالقوة المستندة إلى الحكمة أحياناً.

    وهناك كثير من البيوت لما التزم فيها الأولاد، وأخرجوا أجهزة الفساد، لم يجرؤ الأب والأم على إعادتها مرة أخرى، ورضخوا وتحسنت أحوالهم، وكم من أب اهتدى على يد ولده، وكم من أم التزمت على يد ابنتها.

    ويجب أن يكون لك -أيها الأخ المسلم- موقف من الخلافات العائلية، وهذا جزء من مسئوليتك، فإنه في كثير من الأحيان قد تؤدي الخلافات إلى طلاق مثلاً، أو إلى انفصال، أو إلى هجر الزوجة لزوجها أو العكس، فعليك أن تقوم بدور في تقريب وجهات النظر، وإزالة الشقاق والخلاف، وأن يحل بمجهودك -بعد فضل الله- وئام وحب بين الأطراف المتنازعة، كثير من أولئك يقفون مواقف سلبية وهم يشاهدون الخلافات العائلية الموجودة، لا يحاولون أن يحركوا ساكناً، ولا أن يتوسطوا لإنهاء الخلافات، على أولئك الإخوة أن ينتبهوا لدورهم، وأن يقوموا بالإصلاح: إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ [هود:88] .. فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا [النساء:35] نتيجة ماذا؟ السعي في الإصلاح.

    وأختم هذا الدرس بكلمات لصاحب الظلال يرحمه الله: إن الإسلام دين أسرة، ومن ثم يقرر تبعة المؤمن في أسرته، وواجبه في بيته، والبيت المسلم هو نواة الجماعة المسلمة، وهو الخلية التي يتألف منها، ومن الخلايا الأخرى ذلك الجسم الحي: المجتمع الإسلامي. إن البيت الواحد قلعة من قلاع هذه العقيدة، ولا بد أن تكون القلعة متماسكة من داخلها، حصينة في ذاتها، كل فرد فيها يقف على ثغرة لا ينفذ إليها، وإلا تكن كذلك سهل اقتحام المعسكر من داخل قلاعه، فلا يصعب على طارق ولا يستعصي على مهاجم، وواجب المؤمن أن يتجه بالدعوة أول ما يتجه إلى بيته وأهله.

    واجبه أن يؤمن هذه القلعة من داخلها، واجبه أن يسد الثغرات فيها قبل أن يذهب عنها بدعوته بعيداً، ولابد من الأم المسلمة، فالأب المسلم وحده لا يكفي لتأمين القلعة، لابد من أب وأم ليقوما كذلك على الأبناء والبنات، فعبث أن يحاول الرجل أن ينشئ المجتمع الإسلامي بمجموعة من الرجال، لابد من النساء في هذا المجتمع، فهن الحارسات على النشء، وهو بذور المستقبل وثماره، ومن ثم كان القرآن يتنزل للرجال والنساء، وكان ينظم البيوت ويقيمها على المنهج الإسلامي، وكان يحمل المؤمنين تبعة أهليهم، كما يحملهم تبعة أنفسهم قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً [التحريم:6].

    هذا أمر ينبغي أن يدركه الدعاة إلى الإسلام، وأن يدركوه جيداً.

    إن أول الجهد ينبغي أن يوجه إلى البيت إلى الزوجة إلى الأم، ثم إلى الأولاد وإلى الأهل عامة، ويجب الاهتمام البالغ بتكوين المسلمة لتنشئ البيت المسلم، وينبغي لمن يريد بناء بيت مسلم أن يبحث له أولاً عن الزوجة المسلمة، وإلا فسيتأخر طويلاً بناء الجماعة الإسلامية، وسيظل البنيان متخاذلاً كثير الثغرات، وفي الجماعات المسلمة الأولى كان الأمر أيسر مما هو عليه في أيامنا هذه، كان قد أنشئ مجتمع مسلم في المدينة يهيمن عليه الإسلام، يهيمن عليه بتصوره النظيف للحياة البشرية، وكان المرجع فيه من النساء والرجال جميعاً إلى الله ورسوله، وإلى حكم الله ورسوله.

    ولكن نحن الآن في موقف متغير، نحن نعيش في جاهلية، جاهلية مجتمع، جاهلية تشريع، وجاهلية أخلاق، وجاهلية تقاليد، وجاهلية نظم وجاهلية آداب، وجاهلية ثقافة كذلك، والمرأة تتعامل مع هذا المجتمع الجاهلي، وتشعر بثقل وطأته الساحقة حين تهم أن تلبي دعوة الإسلام، سواءً اهتدت إليه بنفسها، أو هداها إليه رجلها زوجها أو أخوها أو أبوها، ولذلك فإنها ستجد كثيراً ممن يعاديها.

    فلابد من إنشاء البيت المسلم، وإنشاء القلعة المسلمة، ويتعين على الآباء المؤمنين الذين يريدون البعث الإسلامي أن يعلموا أن الخلايا الحية لهذا البعث وديعة في أيديهم، وأن عليهم أن يتوجهوا إليهن وإليهم بالدعوة والتربية والإعداد قبل أي أحد آخر، وأن يستجيبوا لله وهو يدعوهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6].

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.