إسلام ويب

الإنفاق في سبيل اللهللشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • استخلفنا الله عز وجل على الأموال التي بين أيدينا، وحثنا سبحانه على الإنفاق في سبيله، وبين لنا حقارة هذه الحياة الدنيا، حتى لا نغتر بزينتها، فمن يوق شح نفسه، وينفق مما آتاه الله؛ فهو من المفلحين.

    1.   

    مسائل في الإنفاق في سبيل الله

    الحكمة من الأمر بالإنفاق في سبيل الله

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإن الله سبحانه وتعالى جعل التكليف امتحاناً لبني آدم، وجعل رضاه فيما كان مخالفاً للهوى، فللإنسان هوىً يدعوه إلى الانسياق وراءه، فمن انساق وراءه لم ينجح في أي امتحان، ومن خالف هواه فإن الله وعده على ذلك بالجنة.

    وإن من أبلغ الامتحانات التي امتحن الله بها عباده مما يخالف الهوى: إنفاق المال في سبيل الله؛ وذلك أن الناس يقولون: المال شقيق النفس، ويظنون أن بقاءها مشروط ببقاء المال بأيديهم، ولا ينالونه في الغالب إلا بجهد ومشقة وعنت؛ فلذلك كان إنفاقهم امتحاناً شاقاً، قل من ينجح فيه من الناس؛ لكن الله سبحانه وتعالى بايع عباده المؤمنين على ما آتاهم من الأنفس والأموال بيعة أكدها في التوراة والإنجيل والقرآن، فقال سبحانه وتعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[التوبة:111] ، ودعاهم سبحانه وتعالى إلى التجارة الرابحة معه فيما آتاهم من الأموال، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ[الصف:10-11]، وبدأ هنا بالأموال قبل الأنفس.

    وكذلك فإنه سبحانه وتعالى عندما دعا الناس إلى الإنفاق في سبيله، علم مشقة ذلك على النفوس، ومخالفته للهوى، فرتب عليه من الأجور الشيء الكثير، فجعل النفقة مضاعفة إلى سبعمائة ضعف كما في سورة البقرة.

    نحن مستخلفون على الأموال وليست لنا حقيقة

    قال الله تعالى: وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ[محمد:36-37].

    ثم أكد بعد ذلك على الإنفاق فقال: هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ[محمد:38] ، وقد عطف الله سبحانه وتعالى هذا الامتحان على الامتحان بالإيمان، فقال تعالى: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ[الحديد:7] .

    وهذه الآية فيها تلميح عجيب!! بيّن الله فيه: أن كل ما في هذه الدنيا من الأموال والمنافع هو من الخلق الذي خلقه الله في الأيام الأولى من خلق العالم، فإن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ[فصلت:9-10]، فكل أقوات الأرض وما فيها من الأموال والمنافع، كانت قد خلقت في الأيام الأولى من خلق العالم، فلم تنقص بعد ذلك، فما يأكله الناس منها راجع إلى الأرض، يخلفه الله سبحانه وتعالى فيما بقي في الأرض كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا[المرسلات:25-26]؛ ولكنه دولة بين الناس، يخرج من يد هذا ليصل إلى يد هذا إما بالبيع وإما بالتفليس وإما بالسرقة وإما بالغصب، وإما بالميراث، كحال المساكن في هذه الأرض، فما من بيت معمور اليوم بالسكان إلا وقد سكنه سابقون، وسيسكنه لاحقون، وهكذا أمر الدنيا كلها، فإذا كان الأمر كذلك فعلينا أن نعلم أن ما تحت أيدينا ليس ملكاً لنا؛ ولهذا قال الله تعالى: مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ[الحديد:7] ، فأنت مستخلف أي: خالف لمن سبقك، ومخلوف أيضاً فيما تحت يدك، وستسلمه لآخرين إما طوعاً وإما كرهاً، ومن هنا يعلم أن الله ما ملكنا الأموال: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ[الأنفال:1] ، فالله تعالى لم يملكنا الأموال، وإنما استخلفنا فيها، فجعلها تحت أيدينا أمانة عندنا، ووكالة فقط، والوكيل ينتظر العزل في كل حين؛ ولذلك فعزله إما بالموت، وإما بالحجر، وإما بالفقر، كل ذلك عزل للإنسان عن التصرف فيما تحت يده، ولا يدري الإنسان متى يقع ذلك:

    وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعول

    اختلاف الناس في الأرزاق

    الأرزاق بقدر الله سبحانه وتعالى، ووفق الحكمة البالغة: لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ[الرعد:41] ، فلهذا: جعل الله الأسباب التي تجمع بها الأموال مقسومة إلى حلال وحرام، وجعل من الناس من يبذل الجهد الكثير فلا ينال إلا القليل مقابل ذلك، ومنهم من يبذل الجهد اليسير، فينال الكثير من الدنيا إذا أقبلت.

    وكم من إنسان أعطاها وقته، فلم يبق أي وسيلة يمكن أن يعملها في جمع المال إلا أعملها، ومع ذلك مات فقيراً، ولم ينل من الدنيا مراده! ولا حول ولا قوة إلا بالله، وكم من إنسان أعمل الحيل لجمعها، فلما بلغ المستوى الذي يطلبه كان على موعد مع ملك الموت، فبينما هو ينعم بزهرتها انتهت حياته.

    وكم من إنسان لم يعمل من الحيل إلا الشيء اليسير فاجتمع عنده أكثر من حاجته.

    كل ذلك نراه ونشاهده بين ظهرانينا من الذين يعملون للدنيا، فليس الغنى عن كثرة العرض، ولا عن إعمال الحيل، بل هو قدر يكتبه الله سبحانه وتعالى في الدنيا بحكمته، ولا مبدل لحكمه؛ ولهذا قال الحكيم:

    باتت تعيرني الإقتار والعدمَ لما رأت لأخيها المال والنعمَ

    تباً لرأيك ما الإقتار عن جلد ولا من الكسب بل مقسومة قسما

    فالدنيا كلها مقسومة قسماً، وكذلك إعمال الحيل ليس هو الموصل إلى الغنى، بل الموصل إليه هو القدر؛ ولذلك قال ابن زريق في عينيته:

    لا تعذليه فإن العذل يولعه قد قلت حقاً ولكن ليس يسمعه

    جاوزت في نصحه حداً أضر به من حيث قدرت أن النصح ينفعه

    فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلاً من عذله فهو مضني القلب موزعه

    يكفيه من حزن الترويع أن له من النوى كل يوم ما يروعه

    ما آب من سفر إلا وأزعجه عزم على سفر بالبين يجمعه

    كأنما هو من حل ومرتحل موكل بفضاء الله يذرعه

    إذا الزمان أراه في الرحيل غنى ولو إلى السند أضحى وهو يزمعه

    وما مكابدة الإنسان واصلة رزقاً ولا دعة الإنسان تقطعه

    قد قسم الله رزق الناس بينهم ما يخلق الله من خلق يضيعه

    لكنهم كلفوا رزقاً فلست ترى مسترزقاً سوى الغايات يقنعه

    والدهر يعطي الفتى من حيث يمنعه أرباً ويمنعه من حيث يطمعه

    إذاً: على الإنسان أن يجمل في الطلب أولاً، ثم ليعلم أن ما جعل تحت يده ليس بالضرورة أنه سينتفع به، بل كثير من الناس يبتلى بكثرة العرض، وتجعل تحت يديه أملاك طائلة، ومع ذلك لا يرزق منها إلا الشيء اليسير، فيكون هو خادماً للدنيا، بعد أن كانت الدنيا خادمة له.

    إن كثيراً من الناس يعيش مهموماً مغموماً في مكابدة هذه الدنيا؛ فإذا اختل منها أي ركن من الأركان، أو أي لازم من اللوازم، ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وظن أن الآخرة قد أقبلت، وقد أقبلت فعلاً؛ لكن ليس معنى ذلك أن ما اختل من الدنيا شيء لم يكن من قبل، بل هكذا حيل الدنيا كلها، وقد قال الحكيم:

    مثل الرزق الذي تطلبه مثل الظل الذي يمشي معك

    أنت لا تدركه متبعاً فإذا وليت عنه تبعك

    فلن تنال من الدنيا إلا حظك.

    حقارة الدنيا وما فيها من الأموال

    عليك أن تعلم قيمة هذا المال، وقيمة هذه الدنيا كلها، وأن تعلم أنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً شربة ماء، فالله سبحانه وتعالى جعل الآخرة خيراً وأبقى؛ ولذلك خاطب رسوله صلى الله عليه وسلم -وخطابه خطاب لأمته- بهذا الخطاب البليغ فقال: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى[طه:131-132]، فالعاقبة للتقوى، وما في هذه الدنيا من الأعراض سيزول، وبقاء الحال من المحال، فأمرها إلى زوال، وعلى هذا، فإن على الإنسان التقليل من الدنيا ما استطاع، وهذا خير له؛ ولهذا قال الله تعالى: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ[الحديد:23] ، فعلى الإنسان ألا ييئس على ما فاته من هذه الدنيا، وعليه ألا يفرح بما نال منها، فإن ذلك امتحان يمتحنه الله به، فإذا كان كذلك فليعلم المؤمن أن عليه في أموال الدنيا حقين:

    الحق الأول: أن يأخذها من حلها.

    والحق الثاني: أن يضعها في محلها.

    فأخذها من غير حلها محادة لله ورسوله، ووضعها في غير محلها غاية السفه والخسران، فعلى الإنسان حينئذ ألا يأخذها إلا من حلها، وألا يتبع نفسه ما ليس من حله؛ فإن الإنسان الذي يتبع نفسه هواها، ويريد الوصول إلى المال مطلقاً -سواء جاء من حله، أو من غير حله- مفتون بهذه الدنيا، والمفتون لا رأي له؛ لأن الهوى قد تملك قلبه فأصبح عابداً لهواه، وقد جعل الله سبحانه وتعالى عبدة الهوى أضل الناس: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ[القصص:50] .

    فالذين يتبعون الهوى هم أضل الناس؛ ولهذا على الإنسان قبل الجمع أن يقدر الهدف.

    أصناف الناس تجاه أموالهم

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الخيل لثلاثة: هي لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر) قال أهل العلم: المال كله كذلك، وإنما مثل النبي صلى الله عليه وسلم بالخيل؛ لأهميتها عند العرب، وإلا فالمال كله كذلك، وهذا على القاعدة في تفسير السلف للقرآن، فإن تفسير السلف للقرآن يقصد به ضرب الأمثلة للتفهيم، كمن سألك عن الخبز فقال: ما هو؟ فأخذت خبزة فقلت: هذا الخبز، فليس معنى ذلك أنك تزعم أنك ترفع له ما في أيدي الناس من الخبز، وإنما معنى ذلك: أنك تبين له ما يفيده مدلول هذه الكلمة في لغة العرب، فكذلك ضرب المثل بالخيل هو ضرب مثال للمال كله، فالمال كله على ثلاثة أنواع:

    هو النوع الأول: من له أجر، وهو: من لم يأخذه إلا من حله، ولم يضعه إلا في محله، وابتغى به وجه الله سبحانه وتعالى، وأعده لما كلفه الله به، فكان في يده ولم يكن في قلبه، لا يحزن على ما فاته منه، ولا يفرح بما ناله منه، وما كان منه تحت يده فهو في يده فحسب، ولا يدخله داخل قلبه، فالمال محله اليد، وليس محله القلب.

    الثاني: من هو له ستر: وهو من أراد به التعفف عما في أيدي الناس والاستغناء عنهم، والحرية والاستقلال في الرأي، ولم يأخذه إلا من حله، وأراد أن يأخذ ما أحله الله له منه؛ لقول الله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ[الأعراف:32] ، فهذا النوع يستره من الزلل، فلا يذمه الناس بألسنتهم؛ لأنه جعله وقاية دون عرضه.

    النوع الثالث: من هو عليه وزر، وهو ما حصل عليه من غير حله، أو بعد أن جمعه -ولو من حله كمن ورثه- صرفه فيما لا يرضي الله سبحانه وتعالى، فجعله إرصاداً لمن حارب الله ورسوله، وتجبر به على عباد الله، وطغى وبغى: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى[العلق:6-7]، فهذا المال يكون عليه وزراً، يأتي ويحمله يوم القيامة: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ[العنكبوت:13] ، فسيأتي يحمله جميعاً؛ لأنه أخذه من غير حله، وهذا ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم في ذكره الغلول، فعظم من شأنه، والغلول: أخذ المال العام قبل القسمة أي: قبل أن يأخذ الإنسان نصيبه من الغنيمة، فعظم من شأنه، فقال: (لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته فرس لها حمحمة، يقول: يا محمد! أغثني. لست له بمغيث. ألا لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته بعير له رغاء، يقول: يا محمد! أغثني. لست له بمغيث!! ألا لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته بقرة لها خوار، يقول: يا محمد! أغثني. لست له بمغيث!! ألا لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته شاة تيعر، يقول: يا محمد! أغثني. لست له بمغيث!! ألا لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته صامت يقول: يا محمد! أغثني. لست له بمغيث!! ألا لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته رقاع تلوح، يقول: يا محمد! أغثني. لست له بمغيث!! ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟).

    إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذر من هذا الخطر الداهم، الذي يتكالب عليه أقوام جهلوا أو تجاهلوا المصير الوارد، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كذلك خطراً في بعض أنواع المال خصوصاً، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من اغتصب شبراً من الأرض طوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين).

    طوقه: أي: جعل قلادة في عنقه يوم القيامة من سبع أرضين، فيقطع له من كل الأرض المغصوبة، فيجعل في عنقه يوم القيامة.

    إن هذا المال ذو خطر جسيم، وأمر عظيم، وهو مع ذلك وقاية للإنسان، ويمكن أن يفتدي به في الدنيا؛ فإن كل إنسان يوم القيامة يستظل بظل صدقته، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والله سبحانه وتعالى بسط يده بالخير إلى عباده، وقال: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ[البقرة:245] .

    إن الله سبحانه وتعالى: هو القابض الباسط الرزاق الوهاب، وهو الذي دعا عباده إلى أن يقرضوه قرضاً حسناً، مع غناه عما في أيديهم، وما قدموه إنما يقدمونه لأنفسهم، قال الله تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها. فمن وجد خيراً فليحمد لله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) هنا بين سبحانه وتعالى: أن من قدم له شيئاً فإنه يضاعفه له أضعافاً كثيرة، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك على وجه التقريب، فصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وما تصدق عبد بصدقة طيبة إلا أخذها الله بيمينه، فلا يزال ينميها له كما ينمي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون كالجبل) والفلو: هو ولد الفرس، والفصيل: ولد الناقة، وتنميته: تربيته والإنفاق عليه حتى يتم ويصل إلى غاية الثمن.

    إن الثقل والضخامة التي في الجبال تحصل بما هو دونها من الإنفاق إذا تقبله الله؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه: (لا تسبوا أصحابي؛ فلو أن أحدكم أنفق مثل جبل أحد ذهباً ما بلغ مُد أحدهم، ولا نصيفه) لو أن أحدكم أنفق مثل جبل أحد ذهباً، ما بلغ مد أحدهم أي: مد شعير تصدق به أحدهم، ولا نصيفه أي: نصفه، أو النصيف الذي تجعله المرأة على رأسها، وهو ثوب صغير.

    الإنفاق في وقت الرخاء وفي وقت الشدة

    إن الإنسان الذي أنفق في وقت الرخاء، لا يقاس بالذي أنفق في وقت الشدة؛ ولهذا قال الله تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى[الحديد:10] ، إن الذين أنفقوا في وقت الشدة يصدق فيهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (سبق درهم مائة ألف درهم), جاء قوم من الأعراب مجتابي النمار، عامتهم من مضر، فرآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم -وكان أرحم بالمؤمنين من أنفسهم- فتمعر وجهه رحمة بهم بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (أنفق رجل من صاع تمره، من صاع بره، من صاع شعيره، من درهمه، من ديناره).

    جاء رجل من الأنصار وقدم درهماً واحداً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سبق درهم مائة ألف درهم) إن درهم ذلك الأنصاري عند الله أكبر وأربح من مائة ألف درهم ينفقها من سواه، لأنه كان من السابقين الذين يقتدى بهم، فكل من اقتفى أثره يكتب له من حسناته دون أن ينقص ذلك من أجر المنفق شيئاً.

    فوائد الإنفاق

    إن الإنفاق له فوائد أخرى غير الجوائز الأخروية التي فيها ثقل كفة الحسنات: فبه كذلك رفع الدرجات في الدنيا، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اليد العليا خير من اليد السفلى)، فالمنفق خير من المنفَق عليه؛ وكذلك هو مدعاة للغنى، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يقول الله تعالى: يا ابن آدم! أنفق أُنفق عليك)، وقال صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وملكان ينزلان، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: أعط ممسكاً تلفاً) هذا في كل يوم تطلع فيه الشمس، ملكان ينزلان يرسلهما الله سبحانه وتعالى، ولا يمكن أن يدعو الملك إلا بما عين له كالشفاعة لا تكون إلا بإذنه: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ[الأنبياء:28] ، فلا يمكن أن يدعو الملك إلا لمن أذن الله بالدعاء له. ثم إن من فوائد الإنفاق الدنيوية أنه يرد الله به البلاء، فإن الصدقة تصطرع مع البلاء في السماء، وترده عن أهل البيت؛ ولهذا رتب الله على ابن آدم ثلاثمائة وستين صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس، مقابل ما فيه من المفاصل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس .. .)، وفي صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله خلق ابن آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، وجعل على كل مفصل صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس)، في كل مفصل من المفاصل، سواء كانت مما يعرفه الأطباء، ومما يدرك بالتشريح، أو كانت من المخفيات التي لا تعرف بالعين المجردة، فإن كل تلك المفاصل -عظيمها ودقيقها- رتب الله عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس، ويجزئ من ذلك أن يصلي المؤمن ركعتين وقت الضحى، فركعتان وقت الضحى تقومان مقام ثلاثمائة وستين صدقة؛ لكن لا شك أن هذا الترتيب هو إرشاد للعبد، ونفع له، وتقوية لهذه الجوارح، وسعي لتمتيعه بها، ودفع للضرر عنها، فما أحوجنا إلى مثل هذه الصدقات التي ترفع البلاء عن أهله في الدنيا، وترفع المنازل وتطفئ غضب الرب سبحانه وتعالى، وهي مع ذلك تضمن للإنسان الزيادة؛ فالصدقة لا تنقص المال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما نقصت صدقة من مال)، فالصدقة لا تنقص المال، بل تزيده، وما يبذل الإنسان من المال؛ ابتغاء مرضات الله سبحانه وتعالى مخلوف عليه قطعاً، لا بد أن يناله في هذه الحياة الدنيا، فضلاً عن أجره يوم القيامة، والله سبحانه وتعالى غني عن دراهم الناس ودنانيرهم، وأعطياتهم وإمدادهم، وإنما امتحنهم ليعلم الذين يؤثرون الآخرة على الأولى، ويتقربون إليه بما آتاهم.

    وجوه الإنفاق في الخير

    مفهوم الصدقة

    الصدقة لها مفهومان: مفهوم عام واسع شامل لكل خير: (.. تعين الرجل على دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وتبسمك في وجه أخيك صدقة)، فهذا من مفهوم الصدقة العامة الشاملة، وللصدقة نوع آخر أخص من سابقه، وهي الصدقة الجارية، التي لها أجر بالغ في إزالة الشح والبخل عن الإنسان، وهذا الأثر التربوي هو الذي نحتاج إليه؛ فإن كثيراً من الناس لا يشعر بأنه بخيل، بل يظن نفسه كريماً، لكنه إذا راجع نفسه لن يذكره الشيطان بما أنفق من ماله إلا ما كان في سبيل الله ليستكثره، ومن هنا لا يستشعر أنه بخيل في التعامل مع ربه الكريم الذي أنعم عليه بأنواع النعم، ولطف به بأنواع الألطاف، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[الحشر:9] .

    اشتراك جمع في الأجر على عمل واحد

    الصدقة الواحدة يدخل الله بها الجنة عدداً من الناس، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على أهمية التعاون في الخير، فكل عمل جماعي يشترك فيه الناس يثابون فيه الثواب الجزيل العظيم، والصدقة التي تخرجها المرأة من بيت زوجها، يشترك معها في الأجر، لأنه هو الذي اكتسبها، والمرأة هي التي أنفقتها، وكذا الرسول الذي بلغها، والخازن الذي كان يحفظها، فكل هؤلاء شركاء في الأجر، ومثل هذا قوله صلى الله عليه وسلم في شأن السهم: (إن السهم الواحد يدخل الله به الجنة ثلاثة: الذي اقتطعه، والذي براه، والذي رمى به) هؤلاء جميعاً يدخلون الجنة بالسهم الواحد الذي يرمى به في سبيل الله، وهذا يدلنا على غنى الله عن خلقه.

    الله لا يريد منكم شيئاً، وإنما يريد منكم أن تقدموا لأنفسكم؛ لذلك بين أن الاشتراك في الأجر يحصل بمجرد المساعدة على الخير، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الدال على الخير كفاعله)، وقال: (من سن في الإسلام سنة حسنة، كان له أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً).

    وساوس الشيطان لسد باب الإنفاق

    إن المنفق إذا تذكر أنه عندما يدخل يده في جيبه، أو يأخذ قلمه ليوقع العطية التي سينفقها؛ أن الكريم الوهاب الرحيم الرزاق ينظر إليه في تلك الساعة، وأنه مطلع على ما في قلبه، فإن ذلك يقتضي منه الإسراع والمبادرة قبل أن يحول الشيطان بينه وبين ذلك، فالشيطان لا يعد الناس إلا الفقر، كما قال الله تعالى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ[البقرة:268] ، وهذا عكس ما أمر الله به: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[النحل:90] ، فإذا علم الإنسان عداوة الشيطان له، حاول أن يبادر كيده الضعيف، حتى يفوته بما ينفق؛ ولهذا فإن كتمانه لذلك عن نفسه مما يضاعف الأجر: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ[البقرة:271] ، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة أنه قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمامٌ عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجلان تحابا في الله: اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)، هؤلاء يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فالصدقة من الأمور التي يفوّت بها الإنسان على الشيطان كيده، فالشيطان يحاول منع الإنسان من التصدق من ماله، ولو بالتأخير؛ ومن حيلة الشيطان على بعض الصالحين أنه يقول: لا تخرج هذا المال على غير أولادك؛ فهم بحاجة إليه. فينازعه، ويقول: لا بد أن نقدم شيئاً للآخرة. فيقول: افعله وصية بعد موتك، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك ما هو إلا من البخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فيقول عندما يغرغر: كذا لفلان، وكذا لفلان، وقد كان لفلان) وقد كتب له ذلك بالقدر؛ لكن (خير الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فإنك لن تتغلب على محاولة الشيطان إلا عندما تكون صحيحاً شحيحاً، وتخرج من مالك الذي تعبت في استخراجه، وأنفقت فيه الأوقات، ثم أنفقته ابتغاء مرضات الله سبحانه وتعالى.

    ثم إن من مكائد الشيطان ومجاهدته مع الإنسان أنه إذا أراد الإنفاق، وغلبه فلا ينفق إلا شرار ماله، فلا ينفق خيار ماله، وكرائم أمواله، بل يحاول أن يدخر الكرائم، وأن يستخرج المعيب، وهذا ما حذر الله منه في الصدقة الواجبة فقال: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ[البقرة:267] أي: لا تقصدوا السيئ من المال المعيب منه؛ لتنفقوه في سبيل الله: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ[البقرة:267] أي: لو كنتم تطالبون أحداً بدين، فقضاه بذلك الخبيث لم تكونوا تأخذوه، إلا أن تغمضوا فيه، فتتغاضوا عن بعض حقكم!!

    ومع هذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـمعاذ : (إياك وكرائم أموال الناس! واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)، لكن هذا في حق الذي سيأخذ من الناس صدقات أموالهم، وهذا لا ينبغي له؛ لأنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيبة نفس منه، لكن عليه هو أن تطيب نفسه بما يقدمه لنفسه.

    إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ذات يوم: (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، فقال: فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر).

    وكذلك قال صلى الله عليه وسلم: (يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟!) إن مالك هو الذي سيصحبك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم تبعه أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع ماله وأهله، ويبقى عمله).

    إن الذين ينفقون هذه الأموال التي هي من حلال يتحدون الشيطان، ويخالفونه ويتغلبون عليه، ويفعلون ما أمروا به من عداوته، فإن الله جمع الخبر والأمر فيما يتعلق بالشيطان في آية واحدة فقال: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ[فاطر:6] ، هذا الخبر وهو صدق: فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا[فاطر:6] ، وهذا هو الأمر، فعلينا تصديق الخبر وامتثال الأمر؛ لكن لا يمكن أن نتخذ الشيطان عدواً إلا إذا جاهدناه، والذي يطيعه فيما يأمره به ليس ولياً لله قطعاً، بل هو صديق وولي من أولياء الشيطان، والذي يفوت الشيطان بالخير، ويجاهده، ويراغمه، فينفق دون أن يحول الشيطان بينه وبين ذلك، ليس هو من أولياء الشيطان قطعاً، بل هو من أعدائه ومن أولياء الله؛ ولهذا فإن المنفق المخلص هو الذي يوفقه الله سبحانه وتعالى، بخلاف المنفق غير المخلص، وقد ضرب الله له مثلاً عجيباً بالصخرة التي يجتمع فوقها التراب، فيأتي المطر فيذهب به؛ فتبقى صلداً ليس فوقها شيء؛ فكذلك غير المخلص يجتمع حوله المال كالتراب الذي يجتمع على الصخرة، ثم يأتي المطر فيذهب به فتبقى الصخرة وليس عليها ما يرد ويدفع عنها عوامل النحت والتعرية.

    الزكاة حق واجب

    إن الإنسان المخلص الصادق يعلم أن الله امتحنه بما جعل تحت يده، وأن عليه أن يقوم لله بالحق الذي فيه، فإن لله حقاً في هذا المال، وهذا الحق لا بد أن يعرفه الإنسان في ماله، وأن يؤديه، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ[المعارج:24-25] ، وقال الله تعالى: وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ[الذاريات:19] ، لا بد أن يعلم الإنسان هذا الحق أولاً ثم يؤديه بعد ذلك.

    فقوله تعالى: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ[المعارج:24] أي: يقدرونه في أنفسهم، ويعلمون الحق الذي عليهم؛ فلذلك يقوم الأغنياء بمسئوليتهم تجاه الفقراء، ولا يعفى الفقراء أيضاً من الإنفاق، بل الإنفاق خطاب عام يستوي فيه الغني والفقير، الجميع مخاطب، لكن كل ينفق على حسب طاقته، فالله عز وجل يقول: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا[الطلاق:7] ، وقد بين أنس رضي الله عنه كما في الصحيح: أن الفقراء القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يذهبون إلى الجبل فيحتطبون، فيبيعون الحطب، فيتصدقون بثمنه على الفقراء، وكانوا يقومون الليل، ويعلمون الناس القرآن، فيأخذ أحدهم حبله في الصباح ويذهب إلى الجبل، فيأتي بالحطب، فيبيعه، فينفق به على أسرة فقيرة، فيكون قد زكى نفسه وماله: زكى نفسه بإعمالها في مرضات الله، وتحركها في عمل الخير، والنفوس التي لا تتحرك ستبقى جامدة، ويركبها الشيطان عند ذلك، لكن الحركة في الخير بركة؛ فلذلك يتحرك هؤلاء للزكاة التي قال الله فيها: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ[الأعراف:156] .

    وقد قال تعالى عن الكافرين: الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ[فصلت:7] ، فبين أن المرحومين هم المؤمنون الذين يؤتون الزكاة، وأن المشركين -المسخوط عليهم، الذين لهم الويل- هم الذين لا يؤتون الزكاة، وهذه الزكاة تشمل الصدقة الواجبة وغيرها، وهي شاملة لزكاة البدن، وزكاة المال، وزكاة الوقت، وزكاة الجاه، وزكاة العلم، كل ذلك داخل فيما تجب زكاته.

    وصول المال إلى غير المستحقين

    إن الإنسان الذي ينفق ابتغاء مرضاة الله، ينفق ولو وصلت نفقته إلى من لا يستحقها، فإنه يثاب عليها، ويتقبلها الله منه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن رجلاً من بني إسرائيل، قال: لأتصدقن الليلة بصدقة -عاهد الله أن يتصدق بصدقة يخلص فيها- فجمع تلك الصدقة من ماله، والناس نيام فخرج بها، فوضعها في يد بغي، فأصبح الناس يتحدثون: تصدق الليلة على بغي! فقال: لك الحمد، على بغي. ثم قال: لأتصدقن الليلة بصدقة، فأخذ صدقته والناس نيام فخرج بها فوضعها في يد غني، فأصبح الناس يتحدثون: تصدق الليلة على غني! فقال: لك الحمد، على غني. ثم قال: لأتصدقن الليلة بصدقة، فأخذ صدقته، فجعلها في يد سارق، فأصبح الناس يتحدثون: تصدق الليلة على سارق، فقال: لك الحمد على سارق، فأتاه ملك في النوم فقال: إن الله تقبل صدقتك؛ فالبغي ما حملها على البغاء والزنا إلا الجوع، فقد أغنيتها عن ذلك، والغني: لم يكن يستشعر أن عليه حقاً، فلما تصدقت عليه عرف أنه ينبغي أن يتصدق، والسارق ما حمله على السرقة إلا الجوع، فقد أغنيته عن ذلك)، فتقبل الله سبحانه وتعالى منه هذا العمل الذي ظاهره أنه وقع في غير محله، ولكن صاحبه كان مخلصاً لله، فأثابه الله على ذلك.

    والإنفاق إذا وقع في محله كانت له فوائد عظيمة على المجتمع كافة، تخيل -يا أخي- عندما تأخذ المال الذي اكتسبته من حلال، وأخفيته عن نفسك، وعن حوائجك، وآثرت به الآخرة على الأولى، وجعلته في كمك، وخرجت به تلتمس الفقراء والمحرومين، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله، فوجدت أسرة لا ترى فيها مواقد النار، وليس بها غنى، أهلها متعففون لا يتكففون الناس، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس الفقير الذي يتردد على الأبواب، وترده اللقمة واللقمتان، والطعمة والطعمتان، إنما الفقير المتعفف)، فالفقير المتعفف إذا وصله خيرك -وهو في داره- كتب الله لك أجر ذلك، ووجدته أمامك يوم القيامة.

    1.   

    من قصص وأخبار المنفقين والمتصدقين

    إنفاق النبي صلى الله عليه وسلم

    لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق فيعطي عطاء من لا يخشى الفقر، كان الأعرابي إذا جاء أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيرجع إلى قومه فيرفع عقيرته فيقول: يا قوم! أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.

    ولذلك حين ألجأه الأعراب يوم أوطاس إلى شجرة فأمسكت رداءه قال: (ردوا عليّ ردائي، فلو كان عندي مثل شجر تهامة نعماً؛ لقسمته بينكم، ثم لن تجدوني جباناً، ولا بخيلاً، ولا كذاباً) وقال للأنصار حين أتوه وتوافدوا عليه في صلاة الفجر: (لعله بلغكم أن أبا عبيدة قدم من البحرين بمال، فما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس في منصرفه من تبوك: (إنه ليس لي من هذا المال إلا الخمس، وهو مردود عليكم).

    كان صلى الله عليه وسلم من أجود الناس وأسخاهم؛ ولذلك قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، ما سئل شيئاً قط فقال: لا) إن كان عنده أعطى، وإلا رد بميسور من القول.

    وهذا الأدب أدبه الله به في قوله: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا * وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا * وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ[الإسراء:26-29] ، هذا تأديب الله له، وقد تأدب به صلى الله عليه وسلم، كما قال: (أدبني ربي فأحسن تأديبي).

    وقد أخرج البخاري و مسلم في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان يدارسه القرآن في كل ليلة من ليالي رمضان، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة).

    إنفاق عائشة رضي الله عنها

    كان الإنفاق من هدي الصحابة، وقد تعلموا ذلك منه صلى الله عليه وسلم، فهذه عائشة رضي الله عنها تعلمت من إنفاق النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: (ذبح في بيتي شاة ذات يوم، فدخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما بقي عندكم من الشاة؟ قلت: كتفها، فقال: بقيت كلها إلا كتفها)؛ لأنها كلها أنفقت في سبيل الله، تقول مولاة عائشة رضي الله عنها: جاء إلى عائشة عطاء وهي صائمة في شدة الحر، وكان العطاء عشرة آلاف درهم، فوزعته في مجلسها، فلم تمسك منه أي شيء، فلما انتهى قلت: رحمك الله! لو أمسكت لنا ما نفطر عليه، فقالت: لو ذكرتيني لفعلت! لم تتذكر أنها بحاجة إلى ما تفطر عليه فقط!!

    إنفاق أبي بكر رضي الله عنه

    أبو بكر رضي الله عنه أتى بماله كله مرتين في سبيل الله، يحمله فيجعله بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيدخل عليه السرور، حتى تبرق أسارير وجهه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما تركت لأهلك؟ قال: الله ورسوله)، وهو الذي عندما ارتد العرب عن دين الله، وبلغه الخبر، سل قراب سيفه، وقال: أينقص هذا الدين وأنا حي؟!، لا يتحمل أن يلحق هذا الدين أي نقص وهو حيّ؛ لأنه قائد للدين، وهو محام عنه ومدافع؛ فلذلك أنفق ماله كله في الدفاع عن دين الله.

    إنفاق عمر وعثمان رضي الله عنهما

    كان عمر رضي الله عنه ينفق كثيراً وقد سابق أبا بكر فأنفق نصف ماله، فأتى به؛ فإذا أبو بكر قد جاء بماله كله!! وكذلك عثمان بن عفان رضي الله عنه عندما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يحض على الإنفاق في تجهيز جيش العسرة، فجاء بتسعمائة بعير برواحلها، ومراكبها، ونفقاتها، وسلاحها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يضر عثمان ما فعل بعد اليوم)؛ فقد حل عليه رضوان الله الأكبر، الذي لا سخط بعده.

    وكانت بئر رومة تستعذب في المدينة أي: ماؤها عذب، وقال صلى الله عليه وسلم: (من يشتري بئر رومة -وكانت ليتيمين-، فيجعل دلوه فيها مع دلاء المسلمين وله الجنة؟ فقال: عثمان : أنا لها. فاشتراها، فلما ساوم أصحابها فيها، أغلوا عليه بالثمن فأعطاهم ضعف ذلك، وجعلها في سبيل الله، وجعل دلوه فيها مع دلاء المسلمين).

    إنفاق علي رضي الله عنه

    كان علي رضي الله عنه ينفق ولا يبقي لنفسه درهماً ولا ديناراً، وكان يقول: (مالي وللدنيا، إنني لست من أهلها، مالي وللدنيا؛ إنني لست من أهلها).

    فقد باع نفسه لله، وخرج من مكة وليس معه إلا ثوبه، وعندما تزوج سيدة نساء العالمين -بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاطمة رضي الله عنها- لم يكن له إلا شارفان من الإبل، منحهما إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يخرج بهما إلى الفلاة؛ ليأتي بإذخر؛ فيبيعه، فيجهز أهله من ذلك، فلما أناخهما بعرصة الدار، وعقلهما، شرب حمزة إذ ذاك خمراً مع فتية من الأنصار، فغنته جارية، فحثت حمزة على نحر الناقتين، فقام إليهما، فنحرهما، فحرمت الخمر بعد ذلك، وكان رضي الله عنه من أشد الناس تعاهداً لقرابته، وصلة رحمه، وكان رضي الله عنه ينفق على كثير من أصحاب البيوت، وهم لا يعلمون أن النفقة من عنده. وكان قبل موته -وهو خليفة يقسم كل ما في بيت المال على المسلمين، ويقمه بردائه، وينضح فيه الماء، ويصلي فيه ركعتين، ويشهد فيه على المسلمين.

    ولم يترك إلا أربعين درهماً، كان ميراث علي جميعه أربعين درهماً، وله أربعة وعشرون من الأولاد، وله عدد من الزوجات، ومع ذلك لم يترك إلا أربعين درهماً، كان يريد بها رقبة يعتقها في سبيل الله.

    وعندما غنم المسلمون كنوز كسرى وقيصر، جيء ببنات كسرى إلى عمر بن الخطاب ، فتردد عمر في شأنهن: هل يعتقهن، أو يستعبدهن ليكون ذلك نكاية في الفرس، أو ماذا يعمل بهن؟ فجمع أهل الشورى من المهاجرين والأنصار، فقال له عبد الرحمن بن عوف : بعهن، واجعل ثمنهن في تجهيز الجيوش؛ فإننا بحاجة إلى ذلك. فعرضهن عمر للبيع، فاشتراهن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بكل ماله، ووزعهن بين أولاد الصحابة، فأعطى إحداهن الحسين بن علي فكانت أم علي بن الحسين ، وأعطى الأخرى لـعبد الله بن عمر ، فكانت أم سالم بن عبد الله ، وأعطى أخرى لرجل آخر أظنه عبد الله بن الزبير بن العوام ، فكانت أم بعض أولاده.

    هكذا كان علي رضي الله عنه، فقد كان الذين يعرفونه يقولون: (والله! لهو أجود مما هو أشجع، ولكن شجاعته أذكر في الناس) أي: أشهر في الناس، فهو أجود مما هو أشجع.

    إنفاق عبد الرحمن بن عوف

    عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه كان تاجراً يضرب في الأرض، أتته عير في (عام المجاعة) تحمل أنواع الأرزاق والبضائع، فأتاه تجار المدينة يساومونه بالعير، فقالوا: نجعل لك على الدينار ديناراً، وعلى الدرهم درهماً، فقال: أعطيت أكثر من ذلك. فقالوا: نجعل لك على الدرهم درهمين، وعلى الدينار دينارين، فقال: أعطيت أكثر من ذلك. فقالوا: نحن تجار المدينة وليس فيها من سوانا، فمن أعطاك أكثر من ذلك؟ فقال: ربي أعطاني عشرة أضعاف ما قلتم، فأنفقها بأحلاسها، وأقتابها، وما كانت تحمله في سبيل الله.

    إنفاق السلف

    جاء بعد الصحابة من اتبعوا آثارهم، وهم كثير في هذه الأمة في كل العصور، فهم الذين يتولون الإنفاق على المحتاجين، فكم من نساء هذه الأمة تقتدي بـزينب بنت جحش التي كانت تكنى بـأم المساكين !! وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً)، وكانت أطولهن يداً في الإنفاق، ولم تكن أطولهن يداً في الواقع، فكانت أول من التحق بالنبي صلى الله عليه وسلم من أزواجه.

    وكان علي بن الحسين رضي الله عنهما ينفق على مائة بيت من فقراء المدينة، وكانوا لا يعلمون أنه الذي ينفق عليهم، كان يأتي في آخر الليل، وقد نام أهله، فيحمل الدنانير والدراهم، ويتسور تلك البيوت؛ فيجعلها فيها، فيصبح أهلها والدنانير عند رءوسهم، ولا يدرون من أين أتت!!

    وكان الحسن بن علي رضي الله عنه مطلاقاً، وكان ينفق على مائة مطلقة: فيتولى كل مصاريفها، وكل ما تحتاج إليه من نفقة وسكنى.

    وهكذا كان عدد كبير منهم وليسوا معدودين في الأغنياء، لكنهم معدودون في الكرماء، كان عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما ينفق على فقراء المدينة وفقراء مكة، ثم ازداد ماله فأنفق على فقراء الحجيج، ثم أنفق على فقراء أهل الشام، وكان يقول: لو بقي لي عمر لازداد مالي؛ فأنفقت على غيرهم من الفقراء؛ لأنه يعلم أن القضية فقط هي قضية العمر، فهذا المال الذي تعتني به هو إنفاق من الله عليك، فإذا كنت أميناً في توزيعه استمر الإنفاق عليك، فما هو إلا بمثابة الحنفية إذا فتحت استمر الماء، وإذا أغلقت توقف.

    هكذا كان إنفاق أولئك القوم ومن بعدهم: فـمحمد بن مسلم بن شهاب الزهري رحمه الله كان من الأجواد المشاهير، وكان يكثر من النفقة على طلاب العلم فكان يقول: (إن هؤلاء قد شغلهم العلم، عن اكتساب المال، وإنهم لا يسألون الناس؛ فهم أحق بهذه النفقة) فكان ينفق عليهم، وكان إذا أتى المدينة اجتمع عليه طلاب الحديث من أصقاع الأرض، فيقضي عنهم كل ديونهم، وكذلك: عبد الله بن المبارك سيد أهل مرو وعالمهم، فإنه رحمه الله كان غنياً؛ لأنه كان مجاهداً في سبيل الله -والجهاد كفيل لصاحبه بالغنى- فكان إذا رجع من غزوة، أتى بالغنائم ليقسمها بين الذين يتأهبون للجهاد، فيقول: (هذا المال مال الجهاد، أخذناه منه وسنعيده إليه) فأخذه للجهاد حين غنمه، ثم يعيده على الجهاد بتجهيز الجيوش، وكان إذا خرج إلى الحج أخذ من رفقته الحجاج أموالهم، فقال: (هي أمانة عندي أنفق بها عليكم)، فإذا رجعوا من الحج، وظنوا أنه قد أنفق عليهم من مالهم، رد عليهم أموالهم كلها، فإذا به كان ينفق عليهم من ماله الخاص!!

    إن الإنفاق يحتاج إليه هذا الدين في كل مشروع؛ لأنه لا يمكن لمشروع أن يقوم إلا بتموين، وأعظم المشاريع وأكرمها مشروع إقامة دين الله عز وجل، فلا يمكن أن يقام دين إلا بمال؛ لأن كثيراً من الأمور لا يتوصل إليها إلا به، ولا يمكن سدادها إلا به.

    على المسلمين أن يدركوا خطر هذا المال، وامتحانهم به، وأن يقدموا منه اليوم لأنفسهم، وما زال -ولله الحمد- كثير من الذين يؤثرون الآخرة على الأولى، ويتصدقون بفضول أموالهم، وينفقون، وهم بمثابة الأودية في الأرض، يأتي المطر فينزل على مكان ناءٍ، فتذهب به الأودية، فتسقي به مواقع لم يسقها المطر؛ فكذلك هؤلاء الأجواد في الأرض: يأتي المال، فيجتمع في مكان، فينقلونه إلى مكان آخر لم يصل إليه، فهم مثل الأودية تجود في أرض الله عز وجل!!

    من أسخياء القرن العشرين

    إن كثيراً من المتصدقين لهم في هذا الميدان باع واسع، ولهم آثار طيبة في الدفاع عن الإسلام، وإعلاء كلمة الله، أذكر أن تاجراً من التجار أتاه قوم من المجاهدين ذات يوم، فذكروا له ما يعانون من بطش (الروس)، وراجماتهم بعيدة المدى، وأنهم لا يمكن أن يقارعوهم إلا بصواريخ (سنجر)، وهي غالية ليس لديهم ما يشترونها به، فتمعر وجه الرجل، وقال: ليس بينكم وبين أن تقاتلوا الروس في سبيل الله إلا شراء هذه الصواريخ؟! قالوا: نعم، فقال: هي عليّ في سبيل الله! فتهلل المجاهدون لذلك، واستبشروا في الصفوف، وسمع التكبير في صفوفهم، وفعل الرجل ما وعد، فكان لذلك الأثر البالغ في هزيمة الروس النكراء.

    ومثل ذلك: ذات يوم كنا في وقت الظهيرة في شدة الحر مع رجل من قادة المجاهدين الأفغان، وهو عبد رب الرسول سياف ، وكان يتحدث عن الضائقة التي يعانيها المجاهدون في قمم الجبال من بطش الروس، فبينما هو يتحدث ذلك الحديث -والناس صائمون في وقت الظهيرة- إذ بشاب يطرق الباب، فاستقبله أحد الحاضرين، فقال: إن معه أمه، وإنها تريد الشيخ لحاجة ضرورية، فتعجب الناس من هذه العجوز التي تأتي في وقت الظهيرة، وتريد الشيخ؛ ليخرج إليها وهو في وقت شرح حال المجاهدين وبيان حالهم!! فما كان من الشيخ إلا أن خرج إليها، فإذا هي جالسة عند الباب، فقالت: إنها عجوز كبيرة السن، وقد ورثت مالاً حلالاً، وتريد أن تقدمه لآخرتها، وقد جاءت به تحمله، وتريد رسولاً أميناً يحمله لها إلى الدار الآخرة، فسلمته ليد الشيخ، فجاء الشيخ يبكي وقد ابتلت لحيته بدموعه، وما ذلك إلا لأنه كان يحب أن يكون هو الذي أنفق هذه النفقة، كحال الأشعريين الذين كانوا يحبون الغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن لهم مالٌ يفعلون ذلك به، فأنزل الله فيهم: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ[التوبة:92] .

    كذلك أعرف تاجراً من تجار المسلمين ليس بأغناهم، ولا بأطولهم يداً، خرج ذات يوم إلى جامعة أهلية من الجامعات الإسلامية، فرأى فيها الطلاب من مختلف الجنسيات يدرسون العلم، وهذه الجامعة تسعى للتكوين التربوي؛ فتلزم طلابها بصيام الإثنين والخميس وقيام الليل، بالإضافة إلى دراسة العلم، وحضر معهم الإفطار، ورأى ضآلة طعامهم وضعف إمكانات الجامعة، فقطرت دموعه، فعرفت أنه مستعد لأن يبذل شيئاً للجامعة، فسألته: هل تريد أن تتبرع للجامعة بشيء؟ قال: نعم، فقلت: إن أحوج ما تحتاج إليه هذه الجامعة أن تشتري لها مطبخاً كبيراً، فاشترى لها مطبخاً كبيراً من اليابان، ووصل إليها بالفعل، وكان هذا المطبخ فتحاً عظيماً للجامعة، سد حاجة الطلاب جميعاً، وما هو إلا من لحظة واحدة تأثر بها الرجل عندما رأى الناس يجتمعون على الإفطار بوسائلهم الضعيفة المتواضعة.

    1.   

    الإنفاق على المجاهدين واجب ديني على المستطيعين

    إن الذين يجاهدون في سبيل الله، ويقارعون أعداء الله سبحانه وتعالى، أغلبهم شباب لا يملكون نفقة، ولا سلاحاً؛ ولذلك هم يحتاجون إلى من يوصلهم أولاً إلى أرض العدو، ثم يشتري لهم السلاح بعد ذلك، فالذين يجاهدون الآن في (الشيشان) أغلبهم من الشباب الفقراء الذين ليسوا بموظفين ولا تجار، ولا يقاتلون إلا بأموال تجار المسلمين في مختلف الأنحاء، فليس هناك دولة من الدول الإسلامية تدعمهم مع استحقاقهم للدعم على الجميع، ومع أن منظمة المؤتمر الإسلامي، ومنظمة رابطة العالم الإسلامي، والمجمع الفقهي، كل هذه الهيئات قد أصدرت فتوى لجميع المسلمين -وبالأخص لحكومات المسلمين- بوجوب مساعدة هؤلاء، وحرمة خذلانهم، وحرمة إسلامهم للعدو، لكن -مع ذلك- لم ينالوا دعماً من الدول الإسلامية، وإنما ينالون دعماً من تجار المسلمين، وحتى في بعض الأحيان من فقراء المسلمين. أعرف بعض الفقراء يجمع في حيه التبرعات العينية: يأخذ بعض حلي النساء، وساعات الرجال والثياب وغيرها، فيبيعها بما يزيد فيها من الثمن، ويحل بذلك مشكلات كثيرة، مثل مشكلة عطش قرية من القرى النائية، أو علاج وباء منتشر في بلد، أو جوع يشمل طائفة من المسلمين.

    1.   

    حاجة المسلمين اليوم إلى المال

    المسلمون اليوم يحتاجون إلى هذا الإنفاق غاية الاحتياج، فقد تكالب عليهم أعداؤهم، وصدق عليهم الوعد، وأنا أعرف في جنوب فرنسا وحدها مخيمات كبيرة أقيمت لأولاد المسلمين في البوسنة، ينصرون فيها وهم من أولاد المسلمين، وتنفق عليهم الكنيسة الأموال الطائلة، فهؤلاء من المسلمين، ولا يستشعر التجار حقوقهم عليهم، ولا يستشعرون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين)، إنه من العيب علينا أن نطلب المساعدات الخارجية، وأن نبحث عمن يكفلون أيتامنا من خارج بلادنا، فأين الذين يكفلون الأيتام، ويتبرعون للفقراء، والمساكين؟! وأين الذين يقومون بالحقوق في كل بلد، ويعرفون الحاجة الماسة إليها؟!

    أنتم تعرفون في العام الماضي ما حصل في (تشير) وغيرها من القرى التي جاءها المطر الذي هدم البيوت، وأفسد أملاك الناس، وبقي الناس بلا مأوى تحت رحمة المنظمات التنصيرية، فهل هذا يسوغ عند المسلمين؟!

    هل يسوغ أن يكون بعض الناس ينعم في غاية ما يمكن أن يناله، ويتبع هواه في كل ما يبتغيه، وإخوانه المسلمون في أشد الحاجة وأمسها؟! إن هذا مخالف لقيم الإسلام بالكلية، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)، وقال صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً).

    فلذلك لا يحل للمسلم أن يخذل المسلم، ولا أن يسلمه، والنبي صلى الله عليه وسلم بين هذا فقال: (المسلم أخو المسلم: لا يخذله، ولا يحقره، ولا يكذبه. التقوى ها هنا -ويشير إلى صدره ثلاثاً- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه).

    إن كثيراً من المسلمين اليوم يحتاجون إلى نفقاتكم، وهذه النفقات سواء كانت مباشرة، كحال الفقراء، أو كانت في مقابل ما يحتاجون إليه من الخدمات، فأنتم تعرفون كثيراً من الأحياء الريفية البدوية التي تحتاج إلى تفريغ معلم بعلمهم، أو إمام يصلي بهم، ومن لم يكن يعرف ذلك منكم فليأتني فأنا أعرف كثيراً من الأحياء التي ليس بها من يستطيع القيام بحقوق الله عز وجل.

    ذات يوم أتينا حياً من الأحياء البدوية، فأعجبني ما قاله عجوز من أهل ذلك الحي حين قام إلينا فقال: يا إخواني! نحن إخوانكم في الله، أرسلوا إلينا رسولاً واحداً يعلمنا حظنا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وجهلناه.

    ونحن عاجزون عن الاستقرار في ذلك المكان، لكن لو وجدنا حينئذٍ من يتبرع بالجلوس معهم ولو شهراً أو أقل؛ ليعلمهم فقط الفاتحة وقصار السور، ويعلمهم أركان الإيمان الستة، وأركان الإسلام الخمسة، ويعلمهم إقامة الصلاة جماعة، ويعلمهم تجهيز جنائزهم، وإقامة أنكحتهم، وبيوعهم؛ لكان هذا فضلاً عظيماً نحن بحاجة إليه.

    التفرغ لتعليم المسلمين

    من التعاون على البر والتقوى: أن يوجد من يفرغ الذين يستطيعون الجلوس في تلك الأحياء للتعليم، قديماً في صدر الإسلام كان الرجل إذا غزى يجهزه غيره، فيشركه في الأجر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من جهز غازياً فقد غزا)، فالذي يفرغ داعية أو إماماً أو معلماً -حتى ولو كان معلماً للقرآن فقط، وليس لديه من العلم ما يحمله كثيرٌ منكم- فإنه يشركه في الأجر، وأجرهما واحد عند الله سبحانه وتعالى، ومن الفضل العظيم أن تبقى في مكانك تزاول أعمالك ولا يتعطل شيء منها، ويكتب لك أجر ذلك الذي يقطع المسافات الشاسعة، ويغامر، ويقطع السيول، ويجلس في المستنقعات، وفي البيئات الموبوءة؛ ليعلم الناس الخير، وأنت شريك له في الأجر.

    كذلك فإن كثيراً من بلاد المسلمين بحاجة إلى الرحلات الدعوية النافعة التي ترد -على الأقل- بعض كيد المنصرين الذين يجوسون خلال الديار، وهذه الرحلات لا يمكن أن تتم إلا بتبرع غالباً، فليس لديها جهات رسمية تتبناها وتقوم بأمرها، فأين الذين يسارعون إلى فعل الخير، ويقرضون الله قرضاً حسناً، ويريدون مثل هذا الخير في ميزان حسناتهم؟

    بناء المساجد

    الأجر العظيم يمكن الوصول إليه بالعمل اليسير، والمشاركة اليسيرة، فمن شارك في عمل الخير ولو بالشيء اليسير، كتب له الأجر كاملاً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من بنى لله مسجداً -ولو كمفحص قطاة- بنى الله له بيتاً في الجنة).

    ومفحص القطاة: المكان الذي تستقر فيه وهذا مبالغة، ولا يقصد به أن يكون المسجد على قدر مفحص قطاة، وإنما يقصد به المشاركة، فالمشاركة مطلوبة في بناء المسجد ولو بطوبة واحدة، قدر مفحص قطاة- تكون سبباً في أن يبنى لك بها بيت في الجنة. وتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (والله! لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها)، وعندما جاء خالد بن الوليد بأكيدر دومة، عجب المسلمون من حسن ملابسه، وكان يلبس الديباج الأبيض، فجعلوا يلمسون ملابسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من ملابس هذا).

    1.   

    النية الصالحة ترفع صاحبها درجات في الجنة

    على الإنسان أن يعلم أن بيوت الجنة يمكن أن تبنى بالعمل اليسير، وما أحوجنا إلى أن تكثر بيوتنا في الجنة، ما أحوجنا إلى أن تكون لنا القصور الشاهقة في الجنة: في الفردوس الأعلى، تحت عرش الرحمن، وإن الأمر لميسور سهل، وبالإمكان أن نصل إليه إذا قدمنا الشيء اليسير، فمن كان لديه مال فإنه ينال ذلك بماله، ومن لم يكن لديه مال، فإنه ينال ذلك بنيته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدنيا لأربعة: رجل آتاه الله مالاً، وآتاه علماً، فهو ينفق المال فيما أمر بإنفاقه فيه، فهو بأعلى المنازل، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فهو يقول: لو كان لي مال لفعلت فيه مثل ما يفعل هذا، فهو مثله في الأجر، ورجل آتاه الله مالاً: ولم يعطه علماً، فهو ينفق المال في غير حله، فهذا بشر المنازل، ورجل لم يعطه الله مالاً ولا علماً، فهو يقول: لو أن لي مالاً لفعلت فيه مثل ما يفعل هذا، فهو شريك له في الوزر)، نسأل الله السلامة والعافية.

    ولذلك فإن النية الصادقة يبلغ بها الإنسان المبالغ العالية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن رجلاً من بني إسرائيل خرج ذات يوم فمر بكثيب أهيل من الرمل، فقال: لو أن لي مثله سويقاً؛ فأنفقه في سبيل الله، فلما مات عرض الله عليه صحيفة عمله، فإذا فيها كثيب أهيل من السويق متقبل عند الله، فقال: يا رب! من أين لي هذا وما رأته عيناي قط؟ قال: إنك مررت ذات يوم بكثيب رمل، فقلت: لو أن لي مثله سويقاً فأنفقه في سبيل الله فقد قبلته منك) فنية المؤمن أبلغ من عمله، ومن لم يكن لديه ما ينفقه فلينو إذا حصل على مال أن يتصدق به، وينفقه، وعليه ألا يخلف الوعد، وأن يتذكر حال المنافقين الذين قال الله فيهم: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ[التوبة:75-77].

    إن على الإنسان -إذا عاهد الله مثل هذا العهد- أن يفي لله بعهده؛ حتى لا يكون منافقاً مسخوطاً عليه، لا يتقبل الله منه عملاً، وعلى الإنسان الغني إذا رأى حاجة الناس أن يعلم أنها فرصة عرضت له، فإما أن يبادر إليها فينجح، وإما أن تفوته الفرصة.

    واذكر فضيلة صنع إذ جعلت إليك لا لك عند الناس حاجات

    من جعل الله حاجات الناس إليه، فهذه نعمة ابتلاه الله بها، واختبار اختبره به، وكان بالإمكان أن يجعل له الله حاجات لدى الناس، ولكن الله شرفه فجعل الناس يحتاجون إليه، ولا يحتاج إليهم، وهي نعمة عظيمة، بالإمكان أن يتذكرها الإنسان إذا كان يركب سيارته في الطريق، وهو يرى الواقفين على الطريق الذين لا يجدون ما يوصلهم إلى حاجاتهم، فيتذكر نعمة الله عليه، ويتذكر قول الله تعالى: كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ[النساء:94] ، فيبادر لحمل أولئك، وإذا كان في بيت يكنه من الحر والبرد، ويجد فيه الهدوء والراحة، عليه أن يتذكر حال آخرين في خيام تحطهم الرياح حيث شاءت، فيرحمهم، ويعلم أن حاله كان كذلك من قبل، وإذا وجد ما يكفيه، ويسد خلته، ويجنبه ما كان يخشاه من الجوع، فليذكر حال آخرين هم في أمس الحاجة إلى ذلك، وهم جميعاً عباد لله، وقد امتحن بهم: هل سيؤدي إليهم حقهم أم لا؟!

    قصة الأعمى والأقرع والأبرص

    اذكروا حديث الأعمى والأقرع والأبرص، وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله امتحنهم بالملك الذي أرسل إليهم، فاللذان أنكرا النعمة، ولم يعرفاها، سخط الله عليهما فردهما إلى حالهما السابق، والذي عرف النعمة، وأدى حقها، أدام الله عليه نعمته، وتقبل منه.

    1.   

    شكر النعم

    يجب أن نتعرف على نعمة الله علينا، وألا ننكر هذه النعم، ولنتذكر حال المشركين الذين قال الله فيهم: يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ[النحل:83] ، إن علينا أن نشكر هذه النعمة وأن نقيدها، ولا يكون قيدها إلا بشكر الله، وقد تعهد الله بالزيادة لمن شكر فقال: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ[إبراهيم:7] ، فعلينا أن نذكر نعم الله ونشكرها، وأن نؤدي الحقوق التي علينا، وأن نعلم أن ما ننفقه منها، وما نقدمه منها لن يضع، وإنما هو محسوب مكتوب نجده: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ[آل عمران:30] .

    إن من فضل الله علينا -حين سلط علينا الشهوات، وجعلنا عرضة لاستخفاف الشيطان، ولم يجعلنا معصومين- أن يسر لنا ما نفتدي به، ونتصدق به؛ حتى تكفر عنا سيئاتنا، وتحط عنا خطايانا، فما منا أحد إلا وهو مقصر مفرط في جنب الله، يتذكر ذلك كثيراً، وإذا نسيه فإن الله لم ينسه، ومع ذلك فإن الله قد آتاه ما يكفر به ما مضى، ويغسله به، ويزيله، وما ذلك إلا بصدقة يخلص فيها لله، فإنها مزيلة لآثار تلك الآثام التي قد ذهبت لذاتها، وبقيت تبعاتها، وهي شر الذنوب، فشر الذنوب ذنوب ذهبت ملذاتها، وبقيت تبعاتها، فهي مقيدة في الصحائف يجدها الإنسان يوم القيامة، وإنما تكفر بمثل هذا العمل الصالح الذي يقدمه الإنسان: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ[هود:114] ، (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن).

    1.   

    وضع القبول للمنفقين في الأرض

    إن الله يضع للمنفقين القبول في الأرض؛ وما ذلك إلا بسبب القبول في السماء، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض الله عبداً نادى جبريل: إني أبغض فلاناً فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً، فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء، ثم يوضع عليه البغض في الأرض)، نسأل الله السلامة والعافية.

    فأصحاب الجود والسخاء قد وضع الله لهم القبول والمحبة في الدنيا، وهذا يدل على محبتهم في السماء، وقبولهم، فلذلك علينا أن نحاول اللحاق بهؤلاء، فتخلقوا بهم إن لم تكونوا مثلهم.

    فيحاول كل إنسان منا أن يجعل نفسه في هذا المساء من المنفقين، والأمر ميسور؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لـسعد رضي الله عنه: (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في فيّ امرأتك)؛ فلذلك على الإنسان أن يحاول أن يكتب في مساء هذا اليوم الذي ستغرب فيه الشمس، وترفع الأعمال فيه إلى الله من المنفقين المتصدقين، وأن يحرص على الصدقة في كل يوم، وألا يسقط اسمه من لائحة المتصدقين المنفقين، وأن نتذكر آيات سورة الحديد، وما ذكر الله فيها من الترغيب في الإنفاق في سبيله.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يأخذ بنواصينا إلى البر والتقوى، وأن يجعلنا أجمعين هداة مهديين، غير ضالين ولا مضلين، وأن يلهمنا رشدنا، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا، وأن يجنبنا الشيطان وخطواته، وأن يعيننا على البر والتقوى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.