إسلام ويب

شرح قسم الكتاب من الأدلة الشرعية [11]للشيخ : مساعد الطيار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تفسير القرآن من أجل العلوم؛ لأنه بيان لمعاني كلام الله عز وجل، ولذلك حث العلماء على التوسط والاعتدال في التفسير، وعلى اقتفاء السلف في معرفة معاني كتاب الله، وحذروا من الإفراط والتفريط فيه، فحثوا على تعلم اللغة العربية، وحذروا من التعمق فيها بحيث تكون حائلة عن مقصود الخطاب الشرعي، ويفهم النص القرآني بأمرين لا انفكاك لأحدهما عن الآخر؛ فالأول معرفة العربية، والثاني ملاحظة السياقات وأسباب النزول، وكذلك الأحوال والقرائن المصاحبة للنص.

    1.   

    أخذ السلف للتفسير بين الإفراط والتفريط

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ المسألة الثانية عشرة: ربما أخذ تفسير القرآن على التوسط والاعتدال، وعليه أكثر السلف المتقدمين، بل ذلك شأنهم، وبه كانوا أفقه الناس فيه، وأعلم العلماء بمقاصده وبواطنه، وربما أخذ على أحد الطرفين الخارجين عن الاعتدال، إما على الإفراط، وإما على التفريط، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم.

    فالذين أخذوه على التفريط قصروا في فهم اللسان الذي به جاء وهو العربية، فما قاموا في تفهم معانيه ولا قعدوا كما تقدم عن الباطنية وغيرها، ولا إشكال في اطراح التعويل على هؤلاء.

    والذين أخذوه على الإفراط أيضاً قصروا في فهم معانيه من جهة أخرى، وقد تقدم في كتاب المقاصد بيان أن الشريعة أمية، وأن ما لم يكن معهوداً عند العرب فلا يعتبر فيها، ومر فيه أنها لا تقصد التدقيقات في كلامها، ولا تعتبر ألفاظها كل الاعتبار إلا من جهة ما تؤدي المعاني المركبة، فما وراء ذلك إن كان مقصوداً لها فبالقصد الثاني، ومن جهة ما هو معين على إدراك المعنى المقصود؛ كالمجازي والاستعارة والكناية، وإذا كان كذلك فربما لا يحتاج فيه إلى فكر، فإن احتاج الناظر فيه إلى فكر خرج عن نمط الحسن إلى نمط القبح والتكلف، وذلك ليس من كلام العرب، فكذلك لا يليق بالقرآن من باب أولى.

    وأيضاً فإنه حائل بين الإنسان وبين المقصود من الخطاب من التفهم لمعناه، ثم التعبد بمقتضاه، وذلك أنه إعذار وإنذار وتبشير وتحذير، ورد إلى الصراط المستقيم، فكم بين من فهم معناه ورأى أنه مقصود العبارة، فداخلة من خوف الوعيد ورجاء الموعود ما صار به مشمراً عن ساعد الجد والاجتهاد، باذلاً غاية الطاقة في الموافقات، هارباً بالكلية عن المخالفات، وبين من أخذ في تحسين الإيراد والاشتغال بمآخذ العبارة ومدارجها، ولما اختلفت مع مرادفتها، مع أن المعنى واحد، وتفريع التجنيس ومحاسن الألفاظ.

    والمعنى المقصود في الخطاب بمعزل عن النظر فيه، كل عاقل يعلم أن مقصود الخطاب ليس هو التفقه في العبارة، بل التفقه في المعبر عنه والمراد به، هذا لا يرتاب فيه عاقل].

    هذه المسألة الثانية عشرة بناها على المسألة السابقة، وذكر فيها قضية جملية في أخذ التفسير عند الأقوام، فذكر أن تفسير القرآن على التوسط والاعتدال هو منهج السلف في أخذ التفسير، ثم ذكر أنه ربما أخذ على أحد الطرفين الخارجين عن الاعتدال، إما على الافراط، والمراد به تجاوز الحد أو على التفريط الذي هو التقصير في فهم المراد.

    المراد من إنزال القرآن الكريم

    ومن خلال الكلام الذي طرحه الشاطبي رحمه الله تعالى يحسن قراءة المقدمات التي تقدم بها الكتاب، فعنده نظر للعلم الذي يحسن أن يُتعلم، وهو ما يكون فيه أثر علمي على المتعلم، وأن أي علمٍ يراد به القضايا الذهنية، ولا يكون له أثر عملي فإنه لا يعده من العلوم المستحسنة؛ لأن المراد الأول من كتاب الله سبحانه وتعالى هو أن يُفهم وهذه مرحلة التفسير، والمراد الثاني: أن يستنبط منه ما يُحتاج إليه في التكليف، والمرحلة الثالثة: هي التطبيق، يعني: تطبيق هذا القرآن.

    إذاً عندنا المراحل الثلاث: فهم المعنى، والتدبر الذي يدخل فيه الاستنباط والتطبيق.

    والمصنف أشار إلى هذه المرحلة التي هي مرحلة التطبيق فقال: [وأيضاً فإنه حائلٌ- يعني: الإفراط- بين الإنسان وبين المقصود من الخطاب من التفهم لمعناه، ثم التعبد بمقتضاه].

    حال المفرطين في تفسير كتاب الله عز وجل

    هذه القضية فيها تداخل، ومثل هذه القضايا مشكل، فإذا نظرنا إلى الصنف الأول الذي ذمه، قال: [الذين أخذوه على التفريط قصروا في فهم اللسان الذي جاء به].

    فإذاً: عندنا كل من قصر في فهم اللسان في أي طائفة من الطوائف، وإن كان يظهر -كما قال المصنف- عند الباطنية أكثر، فإنهم يعتبرون ممن قد أخل بفهم هذا الكتاب، إذاً هذا هو القسم الأول.

    ولو تأملنا الزمن الذي نعيشه، وبعض التفسيرات للقرآن التي تخرج، ولو كانت تفسيرات جزئية، سنجد بالفعل أن هناك خللاً من هذه الجهة، وأن بعض من يتعاطى تفسير الآيات يكون عنده خلل من جهة اللسان الذي نزل به، فكل من حمل القرآن على ما لم تدل عليه اللغة فإنه مقصرٌ فيه من هذه الجهة؛ لأن الله سبحانه وتعالى أنزله قرآناً عربياً، فلا يمكن أن يُفهم القرآن بلغة غير لغة العرب، فتفسيره بالمصطلحات الحادثة يعتبر من باب التقصير باللسان.

    والباطنية عندما نتأمل تفسيراتهم والأمثلة في اشتراط الكبيرة، سنجد بالفعل أنها خارجة عن اللسان، ولا يدل عليه اللسان بحال، مثلما يفسر بعضهم قوله سبحانه وتعالى: وَالشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ [الإسراء:60]، يقول: إن الشجرة الملعونة في القرآن هي عائشة ! -عليه من الله ما يستحق-، وهذا إذا جئنا إليه من جهة اللسان لا يستقيم، فهذا تقصير من هذه الجهة.

    الآخرون الذين أخذوه من جهة الإفراط، بمعنى أنهم تجاوزوا الحد في فهم اللسان العربي المراد في القرآن.

    دلالة اللغة العربية على المعاني

    وقد ذكر المصنف جملة مسائل في هذا، وأول مسألة ذكرها قال: (ومر فيها أنها لا تقصد التدقيقات في كلامها، ولا تعتبر ألفاظها كل الاعتبار إلا من جهة ما تؤدي المعاني المركبة، فما رأى ذلك إن كان مقصوداً لها فبالقصد الثاني)، ومراده بالقصد الثاني؛ ننقل كلامه في ذلك المكان؛ لكي يتضح مراده في هذه المسألة.

    يقول هناك: في المسألة الثانية من موضوع بيان قصد الشارع بوضع الشريعة للإفهام، ويتضمن مسائل، ثم ذكر المسألة الأولى ثم الثانية، قال: (للغة العربية من حيث هي ألفاظ دالة على معاني القرآن نظران: أحدهما: من جهة كونها ألفاظاً وعبارات مطلقة دالة على معاني مطلقة وهي الدلالة الأصلية، والثاني: من جهة كونها ألفاظاً وعبارات مقيدة دالة على معاني خادمة وهي الدلالة التابعة).

    الجهة الأولى هي التي يشترك فيها جميع الألسنة، وإليها تنتهي مقاصد المتكلمين ولا تختص بأمة دون أخرى، فإنه إذا حصل في الوجود فعل لزيد مثلاً كالقيام، ثم أراد كل صاحب لسان الإخبار عن زيدٍ بالقيام فإنه تأتى له ما أراد من غير تكلف، ومن هذه الجهة يمكن في اللسان العربي الإخبار عن أقوال الأولين ممن ليسوا من أهل اللغة العربية، وحكاية كلامهم، ويتأتى بلسان الأعاجم حكاية أقوال العربي والإخبار عنها، وهذا لا إشكال فيه.

    إذاً: هذا الدلالة الأصلية.

    وأما القصد الثاني الذي هو الجهة الثانية، فهي التي يختص بها لسان العربي في تلك الحكاية وذلك الإخبار، فإن كل خبر يقتضي في هذه الجهة أموراً خادمة لذلك الإخبار بحسب الخبر والمخبر.. والمُخبر والمخبر عنه والمخبر به، ونفس الإخبار في الحال والمساق ونوع الأسلوب من الإيضاح والإخفاء والإيجاز والإطناب وغير ذلك، وذلك أنك تقول في ابتداء الإخبار: قام زيد، إذا لم تكن ثمة عناية بالمخبر عنه بل بالخبر، فإن كانت العناية بالمخبر عنه قلت: إن زيداً قام.. إلى آخر كلامه.

    إذاً عندنا الآن الدلالة الأصلية، وهذه التي يمكن أن يتفاهم بها جميع الخلق، حتى من طريق الترجمة، فإذا أراد -كما قال- أن نخبر عن فعل قام في زيد فالصيني يستطيع أن يعبر عن زيد بلغته، والعربي يستطيع أن يفهم هذا المعنى المترجم، لكن المعاني التابعة والدلالات التابعة في اللغة تختص بدلالاتها الخاصة، لكن أوسع هذه اللغات بالقصد الثاني أو الدلالات التابعة، أو ما يسمى الآن بالمعاني الثانوية هي اللغة العربية، وهذا ليس بشهادة العرب، بل بشهادة من خالطهم من الأمم وسمع كلامهم، وهذه الدلالة التابعة قد لا يستطاع ترجمتها، والمصنف وهو يتكلم عنها قال: إن كان مقصوداً لها فبالقصد الثاني من جهة ما هو معين على إدراك المعنى المقصود، كالمجازي والاستعارة والكناية، وإذا كان كذلك فربما لا يحتاج فيه إلى فكر.

    قال: فإن احتاج الناظر فيه إلى فكرٍ خرج عن نمط الحسن إلى نمط القبح والتكلف، وذلك ليس من كلام العرب، فكذلك لا يليق بالقرآن من باب أولى.

    علم البلاغة وعلاقته بالمعاني

    وكلام الشاطبي رحمه الله تعالى سيتوجه إلى ما نسميه الآن بعلم البلاغة، وسيخص أحد أنواع علم البلاغة بالحديث من خلال كلامه، وعلم البلاغة استقر من حيث المصطلحات إلى ثلاثة أنواع:

    النوع الأول: علم المعاني.

    والنوع الثاني: علم البيان.

    والنوع الثالث: علم البديع.

    وهو الآن سيوجه نقده بالذات إلى أحد هذه الأنواع الثلاثة، وهو علم البديع؛ لأنه سيأتي كلامه كله الذي هو تفريع التجنيس ومحاسن الألفاظ، هذا كله في علم البديع، وستأتي أمثلة لذلك.

    يحتاج أهل الحقيقة في مثل هذا الأمر إلى توازن في الطرح، قلنا: إن النظر إلى القرآن يحتاج إلى ثلاثة أمور، أول قضية: تفهم المعنى للتفسير، والثاني: الاستنباط، ويمكن أن نقول: إن أغلبه قائم على التدبر، والثالث: التطبيق، تطبيق الأوامر والنواهي.

    إذا جئنا الآن إلى التفسير، فإن علم البلاغة لا يعتبر من الأصول التي يمكن أن يستفاد منها في التفسير وفي بيان المعاني، بل يمكن الاستغناء عن كثير مما في علم البلاغة في فهم المعاني، وإنما الذي يحتاج علم البلاغة أمر آخر ألا وهو الإعجاز، فمن أراد أن يتكلم في الإعجاز فإنه محتاج إلى الكلام في البلاغة، قال في المسائل البيانية والمنازع البلاغية: (فقد حصل فهم الظاهر -ظاهر القرآن- ومن هنا حصل إعجاز القرآن عند القائلين: بأن إعجازه بالفصاحة)، وأقصد من ذلك أن عبارته هذه تدل على أن من أراد أن يتحدث عن إعجاز القرآن وفصاحته يحتاج إلى الحديث عن هذه العلوم، يعني من أراد أن يتحدث عن فصاحة القرآن وإعجازه من جهة الفصاحة فلا بد له من علم البلاغة، لكن من أراد أن يبين المعاني فإنه لا يلزم أن يحتاج إلى علم البلاغة.

    التدقيق في اللغة العربية بين النفي والإثبات

    الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى لما أدخل هذه العلوم بعضها ببعض في التفسير اضطر إلى أن ينتقد هذا الانتقاد الذي ذكره، ولكن هل صحيح أن العرب لا تقصد التدقيقات في كلامها؟ يعني: من جهة النظر في كلامها، أو لا تنظر إلى عباراتها ولا تختارها، ولا تترك بعض العبارات؟

    هذا الكلام فيه نظر، لأن من قرأ مثلاً المعلقات وجد أن الشاعر يختار من الألفاظ ما يتناسب مع الحال أو المقال الذي يريده، وكون بعض المتأخرين يقول: إن هذه الكلمة غريبة، أو إنها من حواشي الألفاظ، هذا فيه نظر، هي من حواشي الألفاظ بالنسبة لك أنت؛ أما لما كان يقولها في وقته فإنها لم تكن من غريب الألفاظ ولا من حواشيه، فلا يمكن أن تقيس غرابة اللفظة، أو أنها من الحواشي التي لا تستعمل إلا قليلاً بالنظر إلى ما وصلك أنت، ولكن إذا رجعت إلى كلامهم ستجد أنه كان معروفاً بينهم، لكن بسبب جهلك بهذا تقول: إنها كلمة غريبة، والواقع الذي نعيشه اليوم يدل على ذلك، فلو جلست مع بعض كبار السن، وهو يتكلم بكلام قد يخرج بعض المفردات التي لا تفهمها، وتقول: هذه غريبة، لكن لما يأتي من هم في طبقته ويتكلمون بهذا، كل واحد يفهم عن الآخر.

    فإذاً: لا يصلح قياس الغرابة أو الحكم على لفظة بأنها من الحواشي.

    القضية الثانية: قضية التدقيقات في كلام العرب، فالذي يقرأ في المعلقات ويقرأ في خطبهم يعرف أنهم كانوا يقصدون هذه الدقائق، وبهذا برعوا وتميزوا، فكلام الشاطبي رحمه الله تعالى في أنهم ما كانوا يقصدون هذه التدقيقات، ولا كانت العرب تعتبر ألفاظها! هذا الكلام فيه نظر.

    وأشار الدكتور عبد الله دراز في تعليقه على هذا الكلام، إلى القصة المشهورة في قصة الخنساء ، ونقدها لـحسان النقد المشهور الذي في قوله: (لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى)، وهذا من أوائل ما يعتبر من نقد، فإذا ثبت أن النابغة كان يجلس للشعراء ويسمع منهم، ويقوم الشعراء، فإذا ثبت أصل هذه القصة فهذا لا شك أنه من أكبر الأدلة على عناية هذه الأمة بألفاظها.

    نأتي الآن إلى القضية الأخرى التي طرحها وهي مهمة جداً عند قوله: (وذلك ليس من كلام العرب، فكذلك لا يليق بالقرآن من باب أولى)، وهذا كلام منتقد؛ لأن العرب كان لها عناية بهذه الأمور.

    علوم الآلة وأهميتها

    ثم قضية أخرى وهي: هل هذه العلوم والتعمق فيها يحول بين الإنسان وبين المقصود من الخطاب أو لا؟ هذه مسألة مهمة، وأيضاً يجب أن يكون عندنا توازن واعتدال، ويكون عندنا احتمال للنقد في ذلك.

    فإذا نظرنا إلى هذه العلوم سواء علوم البلاغة أو علم النحو، أن ينينونحن نقرأ علوم البلاغة أو علم النحو، ونحاول أن نطبقها في القرآن، فهل التطبيقات ذهنية فقط أو ذهنية موصلة إلى أن الإنسان يمكن أن يترجم هذه التطبيقات إلى تطبيقات عملية؟ أي إلى ما يتعلق بالتكليف الذي تكلم عنه؛ لأنه قال: (ثم التعبد بمقتضاه، وذلك أنه إعذار وإنذار وتبشير وتحذير، ورد إلى الصراط المستقيم).

    هل هذه العلوم توصل إلى التعبد بمقتضاه أو لا توصل التعبد بمقتضاه؟

    هذا سؤال يحتاج منّا إلى تأمل، ولا يلزم أن نحكم عليه الآن، ولكن يحتاج منّا إلى تأمل.

    فإن لم تكن موصلة-هذا على سبيل الافتراض فلا نقل: هي مرفوضة، بل هي من العلوم المهمة، وهي العلوم التي سموها بعلوم الآلة وهي علوم مساعدة، والإغراق فيها قد يبعد عن الاهتداء بهدي القرآن، لكن الأخذ منها بقدر يوصل إلى تفهم المعاني، وإلى إدراك جلالة هذا القرآن وإعجازه، فهذا لا شك أنه يعمق اليقين والإيمان.

    فإذاً: المقصد من ذلك أنا ننظر نظرة تكاملية وشمولية لهذه العلوم وعلاقتها بقضية الاهتداء.

    لأن الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى ضبطها بقضية التعبد، أما لو كنا خارج قضية التعبد في قضية العلم، فنقول: لا شك أنها من العلوم المهمة التي يحتاجها قارئ القرآن، وأن على من أراد أن يفسر القرآن، وأن يتبحر فيه وأن يوصل رسالته إلى الناس، عليه أن يكون عارفاً بهذه العلوم؛ لأنها علوم أساسية وأدوات إذا هو استلهمها واستفاد منها استطاع أن يوصل القرآن إلى الناس.

    ما ذكره الآن من قضية التجنيس والتفريع لعله سيشير إليها.

    التعمق في علوم الآلة والاشتغال بها

    قال المصنف رحمه الله: [ ولا يصح أن يقال: إن التمكن في التفقه في الألفاظ والعبارات وسيلة إلى التفقه في المعاني بإجماع العلماء، فكيف يصح إنكار ما لا يمكن إنكاره؛ ولأن الاشتغال بالوسيلة والقيام بالفرض الواجب فيها دون الاشتغال بالمعنى المقصود لا ينكر في الجملة، وإلا لزم ذم علم العربية بجميع أصنافه، وليس كذلك باتفاق العلماء؛ لأنا نقول ما ذكرته في السؤال لا ينكر بإطلاق، كيف وبالعربية فهمنا عن الله تعالى مراده من كتابه؟ وإنما المنكر الخروج في ذلك إلى حد الإفراط الذي يشك في كونه مراد المتكلم، أو يظن أنه غير مراد، أو يقطع به فيه؛ لأن العرب لم يفهم منها قصد مثله في كلامها، ولم يشتغل بالتفقه فيه سلف هذه الأمة، فما يؤمننا من سؤال الله تعالى لنا يوم القيامة؟ من أين فهمتم عني أني قصدت التجنيس الفلاني بما أنزلت من قولي: وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف:104] نأ، أو قولي: قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ [الشعراء:168]؟!

    فإن دعوى مثل هذا على القرآن، وأنه مقصود للمتكلم به خطراً، بل هو راجع إلى معنى قوله تعالى: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ [النور:15]، وإلى أنه قولٌ في كتاب الله بالرأي، وذلك بخلاف الكناية في قوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43]، وقوله: كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ [المائدة:75]، وما أشبه ذلك، فإنه شائع في كلام العرب مفهوم من مساق الكلام، معلومٌ اعتباره عند أهل اللسان ضرورة، والتجنيس ونحوه ليس كذلك، وفرق ما بينهما خدمة المعنى المراد وعدمه، إذ ليس في التجنيس ذلك، والشاهد على ذلك ندوره من العرب الأجلاف البوالين على أعقابهم، كما قال أبو عبيدة ومن كان نحوهم، وشهرة الكناية وغيرها، ولا تكاد تجد ما هو نحو التجنيس إلا في كلام المولدين ومن لا يحتج به.

    فالحاصل أن لكل علم عدلاً وطرفا إفراط وتفريط، والطرفان هما المذمومان، والوسط هو المحمود].

    الآن في هذا السؤال والجواب ركز على جانب المحسنات اللفظية، وأشار إلى أنه لا ينكر بإطلاق هذه المسألة، وكأنه يقول: إن الإيغال في هذا الجانب هو المذموم، أما الأخذ منه بطرف فهو محمود.

    وذكر في كونه منكراً وخارجاً عن الحد أمرين:

    الأمر الأول: قال: لأن العرب لم يفهم منها قصد مثله في كلامها.

    والأمر الثاني: قال: لم يشتغل بالتفقه فيه سلف هذه الأمة، ثم قال: (فما يؤمننا من سؤال الله تعالى لنا يوم القيامة، من أين فهمتم عني أني قصدت التجنيس الفلاني في قوله: وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف:104]، أو في قوله: قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ [الشعراء:168]؟! فالتجنيس في يحسبون ويحسنون، وقال: والقالين، يعني هذا الذي هو التجنيس.

    والسؤال الذي يرد هذين الشرطين أو التنبيهين اللذين ذكرهما: أن العرب لم يفهم منها قصد مثله في كلامها، هذا كلام مجمل، هل يمكن إدراك ما قصدته العرب من كلامها دون ما لم تقصده؟

    هذا سؤال، وإذا كان يمكن أن يعرف ما قصدته العرب من كلامها دون ما لم تقصده فإن اعتراض الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في هذا المقام اعتراضٌ وجيه.

    حكم العلوم التي تركها السلف ولم يشتغلوا بها

    كذلك عندنا القضية الأخرى: هل كل علم لم يشتغل بالتفقه فيه سلف الأمة لا يكون أيضاً علماً صحيحاً مراداً؟ وهذا مشكل آخر، وقد كرر هذا الموضوع الذي هو عدم اشتغال السلف به في أكثر من موضع، وهو مشكل؛ لأننا إذا جئنا إلى علم البلاغة برمته، هل هو مما اعتنى به الصحابة والتابعون؟ وعلم النحو هل هو مما اعتنى به الصحابة والتابعون؟

    فإذاً: يورد هذا الكلام إشكالاً في مثل هذا الأمر، وليس مراده هذا.

    وقد يقول قائل: إن هذه العلوم أصلاً من سجيتهم، كقضية علم البلاعة وعلم النحو، فنقول: ليس كل ما هو من سجيتهم تركوه، فلماذا لا يقال: إن من سجيتهم معرفة معاني القرآن، ولماذا أبانوا عن معانيه اللغوية وهم يعرفونها، فهذا ليس صحيحاً على الإطلاق.

    هذه مسألة شائكة، وتحتاج إلى من يفك قضية العلوم نفسها وهي العلوم الإسلامية، وما مدى حاجة طالب العلم منها؟ وما هو الزائد الذي يكون من باب حد الإفراط، أو الزائد الذي يمكن يطلبه طالب العلم، لكنه يكون من القدر الزائد، هذه قضية.

    القضية الثانية: ما هو القدر الذي يحتاجه من هذه العلوم عند كلامه في التفسير؟ ولكي يكون الكلام واضحاً نأتي بمثال لعلم النحو، لما نأتي إلى تفسير الصحابة والتابعين وأتباع التابعين المنقول، لا نجد فيه مسائل النحو، وهذا باتفاق؛ لأن تفسيرهم موجود ومبثوث، من قرأ الدر المنثور من أوله إلى آخره لا يكاد يجد مسألة نحوية.

    بيان المراد من اشتراط النحو للمفسر للقرآن

    لكن إذا جئت إلى تفسير الطبري تجد فيه مسائل نحوية، وكذلك تفسير القرطبي ، وتفسير الزمخشري ، وتفسير ابن عطية ، وتفسير أبي حيان ، وكل تفاسير المتأخرين قل أن تخلو من النحو، إذا رجعنا إلى شروط بعض العلماء وجدنا أنهم يشترطون علم النحو من شروط المفسر، ويجعلونه من العلوم التي يحتاجها المفسر.

    ولو جئنا إلى تفسير الشيخ السعدي مثلاً من المتأخرين، فليس فيه مسائل نحوية، والآن المشكلة أننا إذا نظرنا إلى كتب السلف وجدنا أنها تخلو من المسائل النحوية، وإذا نظرنا إلى بعض كتب المتأخرين نجد أنها أيضاً تخلو من المسائل النحوية، فهذه التي خلت من المسائل النحوية هل أخلت بشرطٍ من شروط المفسر أو بعلم من العلوم التي يحتاجها المفسر أو هي كاملة؟

    والذي أدخل النحو في كتب التفسير، هل إدخاله صحيح أو غير صحيح؟

    صحيح من جهة، وفيه إشكال من جهة أخرى، فهو صحيح من جهة أنه يبين عن بعض المعاني التي لا تدرك إلا بمعرفة النحو. وهنا نقول: إن من أخلى كتابه من النحو خصوصاً المتأخرين لا يعني أنه أغفل الأداة النحوية في تفسيره، بل وهو يفسر فإنه يفسر على مقتضى النحو العربي، وإن لم يذكر مسائل النحو، فالشيخ السعدي رحمه الله تعالى كمثال لما ننظر إلى تفسيره لا نجد فيه مسائل نحوية، هل معنى ذلك أن تفسيره يخالف قواعد النحو؟ نقول: لا، لكن الإشكالية هنا أن بعض من تعرض للتفسير أدخل الخلاف النحوي في التفسير، فبعض من يقرأ في التفسير يفهم أن هذا الخلاف النحوي هو المراد بقولهم: أن يكون عارفاً بالنحو، نقول: لا، الخلاف النحوي الذي دخل في كتب التفسير هذه ليس من علم التفسير، وإنما محله كتب النحو، وإنما يؤخذ من علم النحو بقدر ما يُفهم به الخطاب العربي الموجود في القرآن، أما ما زاد على ذلك من التشقيقات والتدقيقات في علم النحو فمحلها كتب النحو.

    مراد الشاطبي رحمه الله في كون علوم الآلة قد تكون حائلة عن مقصود الخطاب القرآني

    وهنا نقول: ما ذكره الشاطبي لما قال: (فإنه حائل بين الإنسان وبين المقصود من الخطاب): مثل هذه المسائل وإيرادها في كتب التفسير قد تكون حائلة عن المقصود، بحيث أن الإنسان ينشغل بالقضايا النظرية المرتبطة بالنحو القرآني، ويترك المقصد الأسمى وهو الاهتداء بالقرآن.

    وقس على ذلك غيره من العلوم، مثل: علم البلاغة، فالإغراق في البلاغة قد يكون مبعداً عن تفهم وتطبيق القرآن الذي أشار إليه الشاطبي لما قال: (ثم التعبد بمقتضاه).

    إذاً: هذه العلوم أخذها بحظ مناسب هو الصحيح، وأما الإغراق فيها فقد يكون مبعداً عن التعبد بمقتضى القرآن، ونحن ندرس هذه العلوم؛ لكي ننطلق من الخلاف النحوي إلى فهم المعنى، والوااأولون من الصحابة والتابعون وأتباع التابعين، ومن فسر القرآن من المتقدمين ينطلقون من المعنى إلى القضية النحوية، فنحن نشترط معرفة مبادئ النحو لأننا لا نستطيع أن نفهم كل شيء إلا من هذا الطريق، ولكن إذا رجعت مثلاً إلى كتاب أبي حيان أو الدر المصون، في الخلاف النحوي وجدت أنها تتركب من هذا الخلاف النحوي، وهي معانٍ غير مرادة من هذا الكتاب العزيز، قد نبه على هذا بعض العلماء، ومنهم أبو حيان رحمه الله تعالى، مع أنه نبه على أنه سيترك كثيراً من الإعرابات الشاذة وغيرها من الإعرابات، إلا أنه مع ذلك قد يذكر من الإعرابات ما يكون المعنى فيه مخالفاً للمعنى الأول.

    فإذاً تكثير هذه الخلافات يخرجنا عن المعاني الأولى إلى المعاني التي هي أقل من ذلك، فالمشكلة ما زالت باقية في مثل هذه، وهذه للمجرب الذي قد جرب أو دخل في خلافات النحو، وربطها بالمعاني سيتضح له ذلك.

    ولعلنا نرجع إلى قوله سبحانه وتعالى: وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ [البقرة:217]، في تفسير ابن جرير الطبري ، وقد أطال الكلام في ذلك، وذكر خلافات النحويين فيها، ثم نبه على أن أصح هذه الإعرابات ما كان موافقاً لقول السلف.

    فانظر ما هي المعاني التي ستتركب من خلال الخلاف النحوي؟

    وما هو المعنى الأول الذي هو موافق لمعنى السلف؟ فهذا الإشكال الذي أريد أن ننتبه له.

    مراتب العلوم بالنظر إلى اهتمام السلف بها

    وعندنا مسألة أيضاً مفيدة في قضية العلم، لما قال: (ولم يشتغل بالتفقه فيه سلف هذه الأمة). هل من شرط العلم أن يكون متفقهاً فيه عند سلف الأمة؟

    يعني: من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين أم لا؟

    نقول: من ناحية ترتيب العلوم، فإذا كان مما اعتنى به سلف الأمة فلا شك أن هذا في المقام الأول، وهذا لا خلاف في كونه مراداً لذاته، ولكن لما نأتي إلى علم المبهمات مثلاً أي: مبهمات القرآن، ما اعتنى به سلف الأمة، ولكن في آثارهم إشارة إلى هذا العلم تدل على أنهم تكلموا في المبهمات.

    مثال المبهمات: ابن عباس يقول: (مكثت سنة أريد أن أسأل عمر عن المتظاهرتين من هما) حتى تحين فرصة وهو ذاهب مع عمر إلى الحج، وطلب منه أن يحظر له وضوءاً؛ فسأله في ذلك الموقف، وهذا فيه إشارة إلى عناية السلف، فإن لم تظهر العناية؛ فأقل ما يمكن أن نقول: إنه يكون له أصل في كلام السلف، وهذا في المرتبة الثانية.

    تأتي المرتبة الثالثة وهي: إذا لم نجد للسلف فيه كلاماً؛ فكيف نعرف أنه من العلوم الحسنة أو من العلوم غير الحسنة؟ أي ما هو الميزان في ذلك؟ مثلاً علم البلاغة؛ هل نجد له في آثار السلف شيئاً؟ قد نجد لهم كلاماً يحيله العلماء على معنى البلاغة، ولكن إن لم نجد لهم كلاماً؛ فنسأل عن علم البلاغة، هل له أثر حسن أو ليس له أثر حسن؟ أي: ما هو أثره الحسن فيما يتعلق بالقرآن؟

    نقول: إن أثره الحسن هو إظهار إعجاز القرآن البلاغي، فلو قيل: إن علم البلاغة لم يتكلم فيه السلف؛ نقول: لكنه مطلب؛ لكني يتبين به إعجاز القرآن، ولكن علم الفلسفة أو علم المنطق، الأصل أنه لا يحتاج إليه في العلوم الإسلامية، وبهذا لو فقد عالم مسلم علم الفلسفة أو علم المنطق فلا تنقص مادته العلمية أو طريقته في أداء العلم.

    فإذاً نقول: إن علم الفلسفة أو علم المنطق لا يلزم تعلمه، بخلاف علم البلاغة.

    فالمقصد من ذلك أننا نقول: إنه لا يلزم أن يكون كل علم تكلم فيه المتأخرون أن يكون مما اعتنى به السلف، فإن كانوا اعتنوا به فلا شك أن فيه دلالة واضحة وظاهرة على أهميته، فإن وجدنا له أصلاً في كلامهم - وإن لم يكن كثيراً - دل على صحة تعلمه، فإن وجدنا له أثراً حميداً في فهم القرآن أو ما يتعلق به فإنه يدل أيضاً على أهميته، وأنه يكون من العلوم التي يحسن تعلمها؛ لأن الشاطبي رحمه الله تعالى كثيراً ما يعول على هذه القضية، وهو كون العلوم مما اشتغل بها السلف.

    أثر الكنايات في فهم معاني الآيات

    واستثنى من ذلك قوله سبحانه وتعالى، فقال: (وذلك بخلاف كناية في قوله: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43]، أو قوله: كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ [المائدة:75] وهذا من الكناية والاستعارة، وهو يرى أنها من العلوم التي اعتنت بها العرب، فما المراد بقوله: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43]؟ كأنه يقول: ليس المراد اللمس المعروف، وإنما المراد به المباشرة بالجماع.

    كذلك قوله: كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ [المائدة:75]، هل المراد الإخبار عن أكلهما للطعام فقط، أو عن لازم هذا الأكل؟ الجواب: هو إخبار عن أكلهما وعن لازم هذا الأكل؛ فكأن هذا فيه نوع من العفة في ذكر بعض القضايا التي لا يحسن ذكرها.

    فيرى الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى أن هذا وما أشبهه شائع في كلام العرب مفهوم من مساق الكلام، معلوم اعتباره عند أهل اللسان ضرورة.

    أما التجنيس ونحوه، فهل التجنيس أو الترصيع أو الطباق أو غيره يخدم المعنى أو لا يخدمه؟ هو يرى أنها لا تخدم المعنى، بخلاف الكناية أو الاستعارة فإنها تخدم المعنى.

    فإذاً: الضابط في علم البلاغة عنده أن ما خدم المعنى فإنه محمود مطلوب، وما لم يخدم المعنى فإنه بخلاف ذلك.

    قال: (إذ ليس في التجنيس ذلك والشاهد عليه..) قال: (ندور عن العرب الأجلاف البوالين على أعقابهم كما قال أبو عبيدة .. ).

    بيان هذا هو أنه أخذ من كلام أبي عبيدة (البوالين على أعقابهم)، والعبارة التي ذكرت في ترجمة أبي عبيدة لما كتب مجاز القرآن أتى إليه أبو عمر الجرمي ، وقال: من أين جئت بهذا فإنه خلاف تفسير الفقهاء؟ قال: هذا أخذته عن العرب الأجلاف البوالين على أعقابهم، يقصد بذلك أنه أخذه من شواهد الشعر العربي، فإذاً: نحن أخذناه بهذه المعاني من كلام العرب مباشرة.

    1.   

    كيفية الوصول إلى الفهم الصحيح للقرآن الكريم

    قال المصنف رحمه الله: [ المسألة الثالثة عشرة: مبنية على ما قبلها؛ فإنه إذا تعين أن العدل في الوسط؛ فمأخذ الوسط ربما كان مجهولاً، والإحالة على مجهول لا فائدة فيه، فلا بد من ضابط يعول عليه في مأخذ الفهم، والقول في ذلك -والله المستعان- أن المساقات تختلف باختلاف الأحوال والأوقات والنوازل، وهذا معلوم في علم المعاني والبيان، فالذي يكون على بال من المستمع والمتفهم والالتفات إلى أول الكلام وآخره، بحسب القضية وما اقتضاه الحال فيها لا ينظر في أولها دون آخرها، ولا في آخرها دون أولها؛ فإن القضية وإن اشتملت على جمل فبعضها متعلق بالبعض؛ لأنها قضية واحدة نازلة في شيء واحد؛ فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله وأوله على آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف؛ فإن فرق النظر في أجزائه فلا يتوصل به إلى مراده، فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض إلا في موطن واحد، وهو النظر في فهم الظاهر بحسب اللسان العربي وما يقتضيه، لا بحسب مقصود المتكلم؛ فإذا صح له الظاهر على العربية رجع إلى نفس الكلام، فعما قريب يبدو له منه المعنى المراد، فعليه بالتعبد به، وقد يعينه على هذا المقصد النظر في أسباب التنزيل؛ فإنها تبين كثيراً من المواضع التي يختلف مغزاها على الناظر، غير أن الكلام المنظور فيه تارة يكون واحداً بكل اعتبار، بمعنى أنه أنزل في قضية واحدة].

    تعليق الدكتور دراز على مسألة كيفية فهم كتاب الله

    قال الدكتور عبد الله دراز : (محصول المسألة قبلها أن بعض الناس يفرط في تفهمه للقرآن، ويحمله على غير ما تقتضيه اللغة العربية، كالباطنية وأشباههم، وبعضهم يفرط في جلب مباحث اللغة حوله؛ فيحمله زيادة عما يقصده العرب في مخاطباتهم بمثله، مما لم ينظر بمثله السلف فيه، كالمحسنات اللفظية، وادعاء أنه ذكر لفظ كذا دون مرادفه بقصد كذا، وهذا تقول على الله؛ فلا بد من طريق وسط، أما هذه المسألة فمحصلها إرشاد إلى طريقة فهم الكتاب من ناحية ربط بعض جمله المشتركة في قضية واحدة، وأنه بمعاضدة بعضها لبعض يتبين مقصود الخطاب، ويتبين فقه الكلام، وأنه لا تُؤخذ جملة منقطعة عن سابقها ولاحقها، وأن السور النازلة في قضية واحدة أمرها في ذلك ظاهر، كما مثل، أما السور المشتملة على قضايا كثيرة؛ فهل ينظر فيها إلى ترتيب السورة كلها ككلام واحد؟ قال: نعم؛ إن ذلك يفيد من وجهة الإعجاز، وإدراك انفراد الكتاب بمرتبة في البلاغة لا تنال.

    ثم ذكر الفصل بعدها: أنه هل يفيد النظر في ما بين السور بعضها مع بعض؟ هذه خلاصة المسألتين، فأين بناء هذه المسألة على ما قبلها؟ وكل منهما في ناحية، نقول: نعم؛ إن النظر في الجملة الواحدة والجمل المشتركة في القضية وفي ما بين السورة كلها ولو كانت متعددة القضايا، إنما يكون بوسيلة اللغة العربية وقواعدها المعروفة في فنونها، فكأنه يقول: إنما نحتاج إليه من ذلك ما يكون معيناً على فهم الجمل منفردة ومنضمة إلى أخواتها في قضية أو قضايا، وما زاد أو نقص عنه فإفراط أو تفريط، فهذا هو الضابط الذي نأخذ به من مباحث اللغة، وكلامه لا ينافي أنه لا بد أيضاً من الوسائل الستة المتقدمة له من أسباب النزول والناسخ والمنسوخ، والمكي والمدني وعلم القراءات وعلم الأصول، وقد أشار إلى بعض ذلك بقوله: وقد يعينه على هذا المقصد النظر في أسباب التنزيل، وعليك بالتأمل في المقام لتعرف هل لا بد للفهم الوسط من ملاحظة غير هذين الأمرين من الأمور الستة المشار إليها، وإذا تذكرت ما سبق له من بناء المدني بعضه على بعض، والمكي كذلك؟ وبناء المدني على المكي، لاح لك وجه الحاجة في هذا المقام أيضاً إلى معرفة المكي والمدني؛ فاستمد المعلومة منه تعالى لتصل إلى علم نافع).

    هذا الشرح هو التلخيص من الدكتور رحمه الله تعالى وهو مهم جداً؛ لبيان علاقة هذه المسائل ببعضها، وما سيطرحه في هذه المسألة، وهو أحالها على ما قبلها، وهي المسألة الثانية عشرة في أنها مبنية على ما قبلها.

    أثر السياق والمعنى العربي في فهم المعاني

    يتكلم الشاطبي رحمه الله عن قضية ضابط يعول عليه بمأخذ الفهم فقال: (التي يختلف مغزاها عن الناظر)، ولو تأملناها سنجد أنها مرتبطة بقضية الكلام نفسه، الذي هو النظم ومساقاته والمتكلم به، والمخاطب به، بمعنى أنه كلما احتف بالنص من أحوال وقرائن، وأن النظر فيها له وجهان:

    الوجه الأول: النظر العربي الذي قد يفهم منه معنىً قد لا يكون مراداً، وقد يفهم منه معنىً يكون هو المراد، وهو الموصل إلى التعبد الذي يشير إليه الشاطبي .

    لنأخذ مثالاً في ذلك: في قوله سبحانه وتعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا [البقرة:189]، لو نظرنا إلى هذا المساق، وأخذناه بأحد الأوجه العربية في فهم الخطاب، قال: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة:189]، كما قيل: إنهم كانوا يسألون عن الهلال: لماذا يبدو دقيقاً إلى أن يكون بدراً؟ فأخبرهم الله سبحانه وتعالى أن الله وضع الأهلة؛ لتكون مواقيت للناس، وأيضاً ربطها بالحج، الذي هو أحد الشعائر الكبرى التي ترتبط بها قضية الأهلة.

    قال: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا [البقرة:189]، أبو عبيدة معمر بن المثنى يقول: لا تسألوا الكفار الجهال، واسألوا أهل العلم، فهو فهم عند قوله سبحانه وتعالى: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا [البقرة:189]، بناء على مقتضى العربية، هل يخالف المقتضى العربي أو لا يخالفه؟ ومعنى كلامه أنه مجاز في أن تأتي العلم من بابه ولا تسأل الجهال؛ بناءً على أن المسألة مرتبطة بالسؤال عن الأهلة وغيره، هو هكذا فهم الخطاب، وفهمه هذا من جهة العربية صحيح وليس فيه إشكال، وإنما الإشكال فيه من جهة أخرى، وهي قضية السياق، والذي نريد أن نصل إليه بأنه ذكر الكلام هذا بناءً على فهم الظاهر بحسب اللسان العربي وما يقتضيه، واللسان العربي وما يقتضيه قد يحتمل أكثر من معنى، فهذه الآية احتملت باللسان العربي أكثر من معنى، وتحديد أحد المعاني إنما يكون بالنظر إلى السياق، وغيره مما يحتك به من قرائن، فإذا كان الأمر كذلك فاللغة مهمة من جانب، والنظر في هذه الأحوال المحتفة بالنص مهمة من جانب آخر؛ فاعتماد أحدهما دون الآخر لا شك أنه يوقع في الخلل.

    وسبب النزول حال من الأحوال التي تعين المراد وتحدد المعنى، فلو رجعنا إلى أسباب النزول في قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ [البقرة:189]، لما قال: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا [البقرة:189]، هذه نزلت على سبب، وفهم السبب هو حال خارجي عن النص، ويحدد المدلول العربي، إذاً عندنا سياق الآية، وسبب النزول في تحديد المدلول العربي، وهو الذي أشار إليه القرطبي ، وقبله الغزالي لما تكلما على أن فهم الظاهر العربي قد يكون خطأً من هذه الجهة.

    1.   

    الأسئلة

    تقسيم التفسير إلى مقارن وإجمالي تحليلي والرد على ذلك

    السؤال: ألا يمكن القول بأن من أدخل المسائل النحوية في تفسيره أن تلك التفاسير من نوع التفسير المقارن مثلاً، وأن الذين لم يدخلوها في تفاسيرهم من نوع التفسير الإجمالي، كتفسير السعدي وتفسير السلف من نوع التفسير التحليلي؟

    الجواب: هذا السؤال أولاً نأخذه من الشق الأول:

    أولاً: هل يصح تقسيم التفاسير إلى هذه الأقسام؟ فهو جعل تفسير السلف تفسيراً تحليلياً، هل يصح أن نجعل تفسير السلف تفسيراً تحليلياً؟ ثم ما المراد بالتحليلي؟ وما المراد بالإجمالي؟ وما المراد بالتفسير المقارن؟ ثم نحكم عليه كذلك، هذه قضية.

    القضية الثانية: هل عندما جاء يفسر المفسر في أوجه المصطلحات قال: أنا سأفسر تفسيراً مقارناً، والثاني قال: أنا أفسر تفسيراً إجمالياً؟ أو نحن نظرنا في هذه التفاسير، ثم نحن الذين قسمنا ونحن الذين وزعنا، وفي الحقيقة نحن المتأخرون ذكرنا هذه الأقسام ونحن وزعنا هذه التفاسير، مع أن بعض التفاسير إجمالية ومقارنة وتحليلية، مثل تفسير الطبري فهو يشمل جميع هذه التقسيمات الثلاثة؛ فالسؤال إذاً كونه يدخل علم النحو أو لا يدخله، ليس له علاقة بكونه تفسيراً تحليلياً أو إجمالياً أو مقارناً.

    وهنا يجب أن ينتبه إلى فائدة مهمة من خلال السؤال: وهي قضية المصطلحات، وأنا أكرر هذا كثيراً لأهميته، في رأيي أننا قد نصطلح على مصطلحات، وندخل في هذه المصطلحات ما شئنا ونخرج منها ما شئنا، حتى يظن أن هذا المصطلح عليها إجماع الأمة كلها؛ فإذا جاء واحد وذكر خللاً في المصطلح لا نقبله، وهذا ليس بصحيح؛ لأن المصطلحات عرضة أن لا تكون جامعة مانعة؛ فبعض المصطلحات نصطلح عليها ونفتعلها ثم نقسم الكتب أو الموضوعات عليها، ثم تمشي بين الناس؛ فيأتي من ينتقدها، ويكون انتقاده صحيحاً، لكن لأننا سرنا عليها ومضيت زمناً ونحن نعامل معها نستغرب، كيف هذا ينتقدها؟! ومن اللطائف التي أذكرها قضية كون التفسير بالمأثور أربعة أقسام مثلاً: تفسير القرآن بالقرآن وبالسنة وبأقوال الصحابة وبأقوال التابعين.

    مرة تناقشت مع أحدهم عنها، فقلت: هذا التقسيم غلط وليس بصواب، قال لي: هذا عليه إجماع، قلت: إجماع من؟ هو متصور أن فيه إجماعاً، قلت له: هذا التقسيم الرباعي، وتسمية هذه القضايا الأربعة بمصطلح التفسير بالمأثور هذا معاصر، وما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين التفسير بالمأثور؛ هذا ما فيه إشكال، وهذا متقدم ومعروف من قبل السيوطي ، لكن إدخال القرآن وجعله من التفسير بالمأثورات هذا ليس بصحيح، فهو يظن أنه إجماع؛ لأن هذا الكلام كثيراً ما يتكرر، ولم يعترض عليه أحد، وقلت له: أول من ذكره من المعاصرين هو فلان، ثم تبعه فلان، أو قال بقوله مواطأة من غير اتفاق، ثم سار في كتب علوم القرآن المعاصرة.

    إظهار معاني للقرآن لم تكن في عهد السلف

    السؤال: هل يجوز لأحد أن يفهم تفسير القرآن خلاف ما كان عليه السلف الصالح بأن يهبه الله فهماً واستنباطاً دقيقاً لمعاني القرآن، ولا يتعارض مع فهم السلف؛ ففي تفسير الشيخ الشعراوي والأستاذ سيد قطب رحمهم الله بياناً لمعاني دقيقة لم توجد عن السلف، فهل يقبل؟

    الجواب: هذه ترجع إلى قضية مهمة، ويجب أن نعلم يقيناً أن كل المعاني التي وردت عن السلف لا يمكن أن يخرج منها القول الصحيح، بمعنى: أنه لا يمكن أن تكون هناك آية فهمها جميع السلف فهماً وقد أخطئوا في فهمها، فيأتي معاصر ويقول: ما فهمه السلف ليس بصواب، وإنما الصواب كذا، هذا غير ممكن.

    القضية الثانية: أنه لا تكاد توجد آية إلا وقد تكلم فيها السلف بمعنى، وقل أن توجد جملة من الآيات ولا يوجد للسلف فيها كلام، وغالب ما تركوهم مما يعلم ويعرف من ظاهره، وهذه القواعد يجب أن تقرر في الذهن.

    نأتي الآن إلى القضية الثالثة: وهي إذا جاء إنسان بفهم جديد؛ ننظر في هذا الفهم الجديد، فإن كان ينقض كلام السلف؛ فأنا أقول: نجزم يقيناً أن الكلام الحادث هو الخطأ وهو قول باطل، وبدلالة ما ذكره الشاطبي رحمه الله تعالى من أن فهم السلف أسلم وأعلم وأحكم، وإذا كان لا ينقضه وإنما هو يضيف معنى جديداً، فهذه الإضافة يجب أن نعلم أنها بدأت تسري من عهد الصحابة، ثم تزيد في عهد التابعين، وفي عهد تابعي التابعين، ثم فيمن جاء بعدهم، فإن كانت هذه الإضافة لا تبطل قول السلف وهو معنى صحيح تحتمله الآية، واللغة تدل عليه؛ فيمكن قبوله، أما إذا اختل فيه أحد هذه الضوابط؛ فإنه لا يقبل، يعني: لم تدل عليه اللغة، أو لم تحتمله الآية، أو كان يبطل كلام السلف؛ فإنه لا يمكن قبوله، هذا باختصار ما ذكرته، وقد فصلت هذا في كتابي "التفسير اللغوي" وأشرت إلى هذه الضوابط، وأشرت إلى كل ضابط بمثال لما ينقض هذا الضابط.

    أما إذا كان من باب الاستنباط فلم يقل أحد من العلماء: إن الاستنباط قد أغلق، لا من الكتاب ولا من السنة، لكن لا بد أن يزيد عندنا ضابطاً في هذا الثلاثة المذكورة: وهو ألا يخالف الاستنباط ما تقرر في الشريعة، بمعنى أنه لا يمكن أن يستنبط من الشريعة ما يخالف الشريعة، فإذا خالف ما تقررت به الشريعة دل على أنه استنباط باطل، وما دام أنه لا يخالف فإنه يكون استنباطاً صحيحاً، وغالب ما في كتاب سيد قطب من هذا الباب، الذي هو باب الاستنباط، والشيخ الشعراوي رحمه الله عنده من جانب الاستنباط شيء وعنده من جانب المعاني شيء آخر.

    ضوابط التفسير الإشاري

    السؤال: هل التفسير الإشاري من طرق تفسير أهل السنة؛ لأن الرافضة مثلاً يقولون: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ [الرحمن:22]، الحسن و الحسين ، وقد يحتجون على أهل السنة بأن هذا موجود في تفسيرهم، في قول سهل: اخلع نعليك.. إلخ؟.

    الجواب: التفسير الإشاري سواء ورد عن الرافضة أو ورد عن الباطنية الغلاة،

    أو ورد عن المتصوفة.. أياً كان، لنا فيه ضوابط محددة، إذا دخل في هذه الضوابط فإنه صحيح، وإذا اختلت فيه شيء من هذه الضوابط فإنه غير صحيح، وقد سبقت الإشارة إلى هذه الضوابط؛ فالمسألة هنا عندنا ليست في قضية كون الرافضي يحتج على السني بأنه يوجد في تفسيرهم، أما الذي عن سهل - رحمه الله تعالى - فإذا كان مخالفاً لهذه الضوابط فليس بصحيح، والذي عندكم إذا كان مخالفاً لهذه الضوابط فليس بصحيح، وقد يكون عند الرافضة من الاستنباط أو من التفسير الإشاري شيء من الحق، لكن أغلب ما ورد في هذا الباب هو من الباطل، والذي لا يمكن أن يكون داخلاً ضمن اللغة، ولا تدل عليه اللغة بحال.

    العلوم التي يحتاجها المفسر

    السؤال: بعض الناس يشترطون في تفسير القرآن العلوم السبعة، ويقول: تفسير القرآن بدون معرفة هذه العلوم ممنوع محرم؟ ومن هذا القبيل يمنعون الناس عن سماع ترجمة معاني القرآن؟

    الجواب: من خلال نظري فيما ذكره بعض العلماء من العلوم التي يحتاجها المفسر، وأول من ذكرها فيما رأيت الراغب الأصفهاني في مقدمة جامع التفاسير، ثم ذكرها بعده العماد الأصفهاني في مقدمات تفسيره، ثم ذكرها السيوطي في الإتقان، وعنه انتشرت هذه العلوم الخمسة عشر علماً.

    هذه العلوم لو تأملناها بدقة إن كان مراد من قالها.. مع أن الراغب نبه على أن من لم يحصل فيه علم من هذه العلوم فإنه ينقل عن أهل هذا العلم.

    نقول: إن هذه العلوم لا يمكن أن تتحقق إلا للمجتهد المطلق، لكن من خلال معاملة التفسير، فعلم التفسير يحتاج إلى علوم معينة، وليس إلى كل هذه العلوم التي ذكروها، وبعض هذه العلوم التي ذكروها يحتاجها المستنبط من القرآن ولا يحتاجها المفسر للقرآن، فالذي يريد أن يبين المعاني غير الذي يريد أن يستنبط من القرآن، والذي يريد أن يبين إعجاز القرآن غير الذي يريد أن يبين المعاني.

    فإذاً: يجب أن نفرق بين هذه الأمور، وهذا من القضايا التي تدل على أهمية معرفة حد التفسير وما هو.

    وبناءً عليه الجواب على السؤال الثاني نقول: لا، هذا ليس بصحيح؛ لأن المراد - كما ذكر الشاطبي - القصد الأول، وهو كيف نوصل معاني القرآن لمن ليس عربياً؟ نحن نوصل إليه المعاني الأولية: وهي أن الله سبحانه وتعالى خلق الناس، وأنه هو ربهم، وأنه طلب منهم عبادته، وأنه أرسل الرسل لذلك، وأنه رتب على ذلك جنة وناراً، وأن جنته رحمته، وأن ناره عقابه.. وهذا لا بد منه، وإلا لم تبلغ الشريعة؛ فهذا ليس بصواب.

    وهو ذكر: هل نقول: ترجمة القرآن أو ترجمة معاني القرآن؟

    الجواب الأصوب ترجمة معاني القرآن، وإن كان بعضهم يخالف في هذه، لكن لا شك أن ترجمة المعاني ممكنة، لكنها كما قلنا بالقصد الأول، أما بالقصد الثاني؛ فلا يمكن.

    ولهذا من اللطائف من المتشددين في قضية ترجمة المعاني، وهم الذين لا يرون جواز ترجمة المعاني يستدل بقضية لطيفة، يقول: لو جئنا بنص عربي وترجمناه إلى اللغة الإنجليزية، قلنا: عبد الله ترجم هذا إلى اللغة الإنجليزية؛ ترجمه، جئنا قلنا: يا عبد العزيز أعد ترجمة هذا النص الإنجليزي إلى العربية؛ قال: فإنه سيختلف تماماً على النص الأول، فكرة لطيفة أو لا؟! ولكنه حفظه الله وعفا عنه أغفل الجانب الذي ذكره الشاطبي وهو مهم جداً القصد الأول والقصد الثاني لا يمكن قطعاً، نتفق جميعاً أنه لا يمكن بيان القصد الثاني، ولكن القصد الأول يحصل فإذاً نحن في الحقيقة عندما نترجم نترجم بالقصد الأول، وهو بيان المعاني العامة، أما الدقائق التي تكون في القصد الثاني فهذه بل الأكثر منها لا يمكن ترجمته، وإن كان يمكن إيصال بعضها لكن كثير منها لا يمكن إيصاله، فإذاً: ترجمة المعاني ممكنة على ما قال الشاطبي .

    بيان العرب الذين تؤخذ منهم اللغة العربية الفصيحة

    السؤال: هل الحجة في كلام العرب الذين وصفهم المؤلف العرب الأجلاف البوالين على أعقابهم؟

    الجواب: لا، هذا مثال.. وهذا من المماحكة والجدل، وما ذكره أبو عبيدة إلا من باب المماحكة في الجدل، وإلا فاللغة تؤخذ عن العرب المعروفين، فالرسول صلى الله عليه وسلم وقومه والعرب الذين كانوا من حوله كلهم كانت تؤخذ منهم اللغة، إلا ما حكي عن بعضهم من شواذ اللغة أو منكراتها المعروفة التي كتب فيها علماء العربية، فهذه قضيتها قضية أخرى.

    اعتبار كتب إعراب القرآن من كتب التفسير

    السؤال: هل يمكن أن تعتبر كتب إعراب القرآن مثل جدول في إعراب القرآن تفاسير؟

    الجواب: لا، لا أحد يعد كتب إعراب القرآن ضمن التفاسير، وإنما يستفيد منها المفسر لبيان المعاني.

    إنزال قوله تعالى: (وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا ...) على من يضل المؤمنين ولو كان صالحاً

    السؤال: هل يصح إنزال الآية التالية: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا [فصلت:29]، أن من أضل أحداً من المؤمنين فإنه يكون تحت الأقدام يوم القيامة حتى ولو كان صالحاً؟

    الجواب: الله أعلم؛ هل يقع عليه هذا العقاب أو لا، ويحتمل أن يكون تحت الأقدام، فهم يريدونه تحت القدم، ولكن هل يتحقق لهم أن يكون تحت القدم أو لا؟ ما ندري، الله أعلم بذلك، لكن لا شك أن كل من أضل قوماً حتى لو كان صالحاً أو كان يسمى عالماً أو شيخاً؛ فإنه سيواجه مثل هذا الموقف.

    الفرق بين الشاطبي والشاطبية

    السؤال: هل مصنف الشاطبي نفس مصنف الشاطبية؟

    الجواب: طبعاً ليس هو، صاحب الشاطبية في القراءات السبع غير هذا.

    مسألة المجاز في القرآن الكريم

    السؤال: يقول: تفسير القرآن بعلم البلاغة يدخلنا في مسألة المجاز في القرآن، ما هو موقف معلم التفسير ومعلم اللغة من هذه القضية؟

    الجواب: قضية المجاز طويلة الذيل، ودائماً أجيب وأقول: من احتج للمجاز فله وجه، ومن كان ضد المجاز فله وجه، فلو قرأت في حجج الفريقين تجد أن كل واحد منهما له وجه قوي، لكن الذي أريد أن يفهم أن من قال بالمجاز من أهل السنة، سواء كان من المعاصرين أو من المتقدمين لا يعني أنه يقبل المجاز فيما يتعلق بأسماء الله أو صفاته، أو غيرها من الغيبيات، هذه قاعدة يجب أن تعلم؛ لأن القاعدة في المجاز أنه لا يوصل إلى المجاز إلا إذا تعذرت الحقيقة، ومن يذهب إلى المجاز من أهل السنة والجماعة يثبتون الحقيقة، فلا يلحقهم ذم من هذه الجهة.

    وهذا يجعلنا ننتبه إلى قضية مهمة، وهي: أننا لو تأملنا في الخلاف بين من يرى المجاز ومن لا يرى المجاز، هل الخلاف في قضية المصطلح أو في قضية تأتي بعد المصطلح؟ في الحقيقة في قضية تأتي بعد المصطلح لو أثبتنا المجاز، وهي قضية القرينة، بمعنى: أنني لما أثبت المجاز وأثبت أسماء الله وصفاته على الحقيقة، ويأتينا آخر ويثبت المجاز ويذهب في أسماء الله وصفاته على التأويل المجازي، هو لا يستطيع أن يلزمني بتأويله، لأنني أقول له: إن القرينة التي اعتمدتها سواء كانت قرينة عقلية أو لفظية في بعض الأحيان؛ هي قرينة غير معتبرة عندي.

    فالخلاف ليس في كوني أثبت المجاز أو لا أثبته، الخلاف في كوني أقتنع بالقرينة التي ذكرها أو لا أقتنع، ولهذا القائلون بالمجاز أنفسهم قد يختلفون في نص من النصوص؛ هل هو مجاز أو ليس بمجاز وهو خارج عن قضية أسماء الله وصفاته، فيخطئ بعضهم بعضاً في أن القرينة التي حمل عليها لتكون مجازاً ليست صحيحة.

    فإذاً: المشكلة الكبرى يمكن نقول: إنها في القرينة عند إثبات المجاز، أما قبل إثبات المجاز ففيه مشكلات كثيرة جداً مرتبطة بالحقيقة والمجاز والموضوع يطول فيه.

    ومن أشد الأمور التي يمكن أن يتكلم فيها في قضية إثبات المجاز هي قضية الوضع الأول، فمن الذي قال لنا: إن أول وضع لهذا اللفظ في هذا المعنى، ثم بدأت تتولد منه هذه المعاني؟ فهذه القضية مرتبطة بتاريخ اللفظة، أو بتاريخ هذا السياق، أو بتاريخ هذه الجملة، وهذه قضية في نظري يمكن أن تحل وليس كلياً وإنما أغلبي، فكثرة الاستعمال دليل على الوضع، وأصل الاشتقاق قد يدل على الوضع، واتفاق مجموعة من علماء اللغة على معنى معين قد يدل على الوضع، بمعنى أن قضية الوضع ليست مشكلة دائماً، وإن كانت في الحقيقة قد تؤرق من يقول بالمجاز.

    فنقول: إن الواقع الذي نعيشه الآن - وهو الكلام الدارج بيننا - يدل على وجود معنى، ثم انتقاله إلى معنى آخر، نحن نسميه مجازاً، فتسميتنا له مجازاً في النظر إلى أصله؛ على سبيل المثال لو قلنا: الثلاجة، فأين يتجه الذهن لما نقول: الثلاجة؟ الجواب: يتجه إلى تلك الآلة التي تبرد الشراب والطعام، لكن عندما تقول: إن فلاناً ثلاجة مثلاً، هل تريد أنه تلك الآلة أو نقلت معنى في هذه الثلاجة إلى هذا الشخص؟ فهذا الذي يقوله أهل المجاز.

    فأنت هل توافق على هذه القرينة؟ فبرود هذا الشخص وعدم تحمسه، أو عدم مجيئه بسرعة أو غيره، تصفه بهذا الوصف، هل هو صحيح أو غير صحيح؟ فالإشكال سيأتي غالباً في القرينة، وإلا فحمل بعض الألفاظ على بعض هذا يوجد في كل لغة.

    لكن من يقول بالحقيقة؛ يقول: لا، ما دام أن فهم الكلام على هذا الشخص فنعتبره حقيقة فيه، وهذا فيه نوع من التمحل، لأنك لو ذهبت وتأملت؛ ستجد أن بعضهم يقول: إن هذا أسلوب من أساليب العرب، ما الإشكال في ذلك؟ هل المشكلة في المصطلح أو في قضية أخرى؟ إن كانت المشكلة في المصطلح؛ فيمكن أن نصطلح عليه ولا نقول بالتأويل في أسماء الله وصفاته، ونناقش في قضية القرينة بالذات؛ هل أنا أقبلها أو لا أقبلها؟

    وفي الغالب أن القضية مرتبطة بالقرينة؛ وعدم قبول القرينة التي يبعدون فيها هذا عن حقيقته إلى مجازه، هذا باختصار ما يتعلق بهذه القضية.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.