إسلام ويب

فقه العبادات - الصلاة [6]للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أهم شروط الصلاة: دخول الوقت، وله تفريعات وأحكام، منها: أنه إذا أدرك المكلف وقت الصلاة بعد زوال عذره بما يكفي أداؤها فيه فيجب عليه أداؤها بلا خلاف، وأما إذا أدرك جزءاً منه بحيث لا يكفي أداؤها فيه كاملة فاختلف العلماء في ذلك، وكذلك اختلفوا في الصلاة الأولى مع الثانية مما يجمع معها إذا أدركها المكلف أو طرأ عليه العذر في وقت الصلاة قبل أدائها هل عليه قضاؤها أو أداء الأولى مع الثانية؟

    1.   

    أحكام صلاة ذوي الأعذار عند زوال أعذارهم

    الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، وبعد:

    فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته إخوتي المشاهدين والمشاهدات!وأسعد الله مساءكم بكل خيرات، ورضي ربي عني وعنكم، وأعطانا من الباقيات الصالحات.

    أيها الإخوة والأخوات! كنا قد توقفنا في آخر درسٍ قد شرحناه في هذه الأكاديمية الإسلامية المفتوحة في مادة الفقه إلى شروط الصلاة، وذكرنا أن شروط الصلاة عند جمهور أهل العلم ستة وقلنا: أولها: دخول الوقت، والثاني: الطهارة من الحدث، الثالث: الطهارة من الخبث، وهو ما يعبر عنه بعض الفقهاء: بإزالة النجاسة، وذكرنا الخلاف فيها، وقلنا إن الراجح أنها واجبة تسقط مع النسيان، وليست بشرط كما هو مذهب مالك في أحد قوليه، الشرط في الرابع: استقبال القبلة، الخامس: ستر العورة، السادس: النية.

    وقد بدأنا شرط دخول الوقت وذكرنا فيه مواقيت الصلاة، فلما انتهينا من مواقيت الصلاة الخمسة، بقي ثمة مسائل في الوقت، لعلنا نكملها في هذه الحلقة المباركة.

    زوال المانع من الصلاة في آخر وقتها

    الشيخ: المسألة الأولى: بمَ تدرك الصلاة؟ بمعنى: أن الإنسان المعذور إذا زال عنه المانع من أداء الصلاة قبل خروج وقتها بيسير، فهل تجب عليه الصلاة، أم لا؟

    أولاً: لابد من مسألة ما يسمى: بتحرير محل النزاع، وهو أنه إذا زال المانع -كمجنون أفاق أو صبي بلغ، أو حائض ونفساء طهرتا- قبل خروج الوقت في مدة تكفي لأداء الصلاة، والوقت طويل، مثل: أن يكون قد أفاق المجنون في أول العصر، أو طهرت الحائض أو النفساء في أول العصر، فقد اتفق الفقهاء رحمهم الله على أنه يجب عليها أن تصلي الصلاة التي دخل وقتها، وهي صلاة العصر أو صلاة العشاء، هذا محل إجماع عند أهل العلم.

    المسألة التي اختلفوا فيها: لو أنها طهرت قبل غروب الشمس بقدر تكبيرة الإحرام، أو بقدر ركعة، أو بقدر أربع ركعات، فهل الواجب عليها أداء الصلاة بإدراك جزء من الركعة، أو بإدراك ركعة، أو بإدراك مقدار الصلاة وهي أربع؟

    اختلف العلماء في ذلك على قولين:

    القول الأول: ذهب جماهير الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن من أدرك جزءاً من الصلاة ولو بمقدار سجدة قبل أن يخرج وقتها، فإنه يجب عليه أن يصلي هذه الصلاة.

    بل قال بعض فقهاء الحنابلة: إن هذا محل إجماع ولا نعلم في ذلك خلافاً.

    والصحيح أن المسألة فيها خلاف، وإن كان هذا القول هو مذهب أكثر الفقهاء، بل هو مذهب الفقهاء السبعة، وهو: أن من أدرك جزءاً من الصلاة فإنه يجب عليه أن يؤديها، ولو لم يدرك إلا مقدار تكبيرة الإحرام.

    مثاله: لو أن امرأة حائضاً طهرت قبل غروب الشمس بلحظة، فإن هؤلاء يقولون: يجب عليها أن تصلي العصر، ولو أنها طهرت قبل خروج وقت العشاء بلحظة، قالوا: يجب عليها أن تصلي العشاء، هذا مذهب جماهير أهل العلم.

    واستدلوا على ذلك بما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدرك سجدةً من صلاة العصر قبل غروب الشمس فقد أدرك الصلاة، ومن أدرك سجدةً من صلاة الصبح قبل طلوع الشمس فقد أدرك الصبح ).

    ورواه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدرك سجدةً من صلاة العصر فقد أدرك الصلاة، ومن أدرك سجدةً من صلاة الصبح فقد أدرك الصلاة ).

    وجه الدلالة: قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم -في الحديث الأول- (من قال: أدرك سجدة من العصر)، وفي حديث آخر: ( من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل طلوع الشمس فقد أدرك الصلاة )؛ فدل على أن المقصود هو جزء من الصلاة، ولو كان أقل من ركعة بركوعها وسجودها.

    وقالوا: ولأنه لما أدرك جزءاً من الصلاة فإنه يكون قد أدرك الصلاة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة )، والمقصود بالركعة هي الركعة ذات الركوع، هذه أدلة القول الأول.

    القول الثاني في المسألة: ذهب مالك رحمه الله، ورواية عند أبي حنيفة رواها عنه زفر ، وهو أحد قولي الشافعي ورواية عند الإمام أحمد ذكرها الحلواني وغيره، وهو: أن من أدرك ركعة من الصلاة بركوعها وسجودها قبل أن يخرج الوقت وجب عليه أن يصليها، وأما من أدرك أقل من ركعة كما لو أدرك مقدار تكبيرة الإحرام، أو كما لو أدرك مقدار سجدة، فإنه لا يجب عليه أن يصليها.

    فلو افترضنا أن حائضاً طهرت قبل أذان المغرب بدقيقة، فإنهم يقولون: إن الدقيقة أو الدقيقتين ليست بمقدار الركعة ذات الركوع والسجود والرفع من الركوع والرفع من السجود والجلوس بين السجدتين، قالوا: فهذا يدل على أنه لا يجب عليها أن تصلي.

    قالوا: دليلنا هو: ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة )، قالوا: فإن كلمة (ركعة) في لسان الشارع يقصد بها: ذات الركوع والسجود، وأما الركعة التي يقصد بها الركوع، فهذا ركوع وليس بركعة على لسان الشارع.

    قالوا: ومما يدل على ذلك ما رواه الطبراني من حديث عبد الحميد بن عبد الرحمن بن الأزهر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة )، وقد قال ابن رجب في فتح الباري: إسناده جيد، ورواه أبو داود بإسنادٍ ضعيف من طريق آخر، والأقرب أن هذ الإسناد لا بأس به.

    وجه الدلالة قالوا: إن حديث: (من أدرك ركعة)، يقصد بها: الركعة ذات الركوع والسجود، ومما يدل على ذلك رواية الطبراني ، وهي (من أدرك الركعة)، والركعة هي ذات الركوع والسجود والرفع من الركوع والرفع من السجود، وغير ذلك مما هو من مكملات الركعة، وهذا القول كما تراه قول قوي.

    وهذا هو اختيار أبي العباس بن تيمية رحمه الله، وهو الراجح، والله أعلم.

    صلاة من طرأ عليه المانع بعد دخول جزء من الوقت

    الشيخ: المسألة الثانية: هي مسألة لو وجد المانع في أول الوقت، فهل يجب على المرأة أو على المكلف إذا زال المانع أن يقضي الصلاة التي أدرك أول وقتها قبل حدوث المانع؟

    مثاله: امرأة طاهرة، فأذن الظهر مثلاً فلم تبادر بالصلاة، فلما كانت الساعة الواحدة تقريباً، أي: بعد الأذان بنصف ساعة أو بربع ساعة حاضت، فهل يجب عليها إذا طهرت من حيضها أن تقضي صلاة الظهر التي أدركها جزء من الوقت وهي طاهرة، أم لا يجب عليها؟

    اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:

    القول الأول: قالوا: من أدرك جزءاً من الصلاة ولو بمقدار تكبيرة الإحرام، ثم وجد المانع فإنه إذا زال المانع وجب عليه أن يؤدي الصلاة التي أدرك جزءاً منها، هذا هو مذهب الحنابلة في المشهور عندهم، وهو أحد قولي الشافعي .

    ودليلهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة )، وقال كما في حديث عائشة عند مسلم : ( من أدرك سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)، وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة : ( من أدرك سجدة من صلاة الصبح ).

    قالوا: فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن من أدرك جزءاً من الصلاة في أول الوقت أو في آخره فقد أدرك الصلاة، فدل ذلك على أن المرأة إذا حاضت أول الوقت فإنه يجب عليها أن تقضي؛ لأنها استقرت في ذمتها.

    والقول الثاني في المسألة: لا يجب على المكلف الذي وجد المانع، كصاحٍ جُن، ثم أفاق، أو امرأة حاضت، إلا إذا لم يبق من الوقت إلا مقدار أربع ركعات، وذلك في صلاة الظهر، أو العصر، أو العشاء، أو ثلاث ركعات في صلاة المغرب، أو ركعتين في صلاة الصبح، أي بمقدار عدد الركعات التي استقرت في ذمته، وهذا هو مذهب الإمام مالك ورواية زفر عن أبي حنيفة.

    والفرق بين القولين: أن الأول يقول: لو أدرك جزءاً من أول الوقت، فقد وجب عليه أن يقضيها إذا زال المانع، والقول الثاني يقول: إن المرأة إذا كانت طاهرة ثم حاضت وسط الوقت، ولو بعد مضي ساعة لا يجب عليها، وإنما يجب عليها إذا ضاق الوقت، ولم يبق على خروجه إلا مقدار أربع ركعات أو ثلاث ركعات إذا كانت المغرب، أو ركعتين إذا كانت الفجر، وهذا -كما قلت- هو مذهب أبي حنيفة ، كما رواه عن زفر ، وهو قول مالك رحمه الله، واختاره أبو العباس بن تيمية رحمه الله.

    واستدلوا على ذلك بأن قالوا: لأن القضاء لا يجب إلا بدليل، ولا دليل على القضاء؛ لأن القضاء يحكي الأداء، ولم يأت دليل على أنه يجب عليها، قالوا: وفرق كبير بين قولنا: يجب عليها لو أدركت جزءاً من الوقت؛ لأنه يقتضي أنها كانت آثمة في تأخيرها عن أول الوقت، فلما لم تأثم بالإجماع دل ذلك على أنه لم يستقر في ذمتها.

    وقالوا أيضاً: ولأنه يجوز لها أن تؤدي الصلاة في آخر الوقت؛ لأنه واجب موسع، هذا هو دليلهم، وأنت ترى أن دليلهم أكثره عقلي.

    القول الثالث في المسألة هو المشهور في مذهب الشافعي رحمه الله، قال الشافعي: إن المكلف إذا وجد المانع أول الوقت، فإن كان بإمكانه أن يدرك مقدار الصلاة التي وجبت عليه، فإنه يجب أن يقضيها إذا زال المانع، وأما إذا لم يدرك إلا مقدار أقل مما وجبت عليه تلك الصلاة فإنه لا يجب عليه إذا زال المانع.

    صورتها: قالوا: لو أن امرأة طاهرة أرادت أن تصلي أول الوقت، ثم حاضت، قالوا: فإنها هنا أدركت جزءاً من الوقت، لكنها لم تدرك مقدار أربع ركعات لو أرادت أن تصلي أول الوقت، قالوا: فلما لم تدرك مقدار عدد الركعات التي وجب عليها مع دخول الوقت؛ فإنه لا يجب عليها أن تقضي، وأما إن أدركت مقدار الصلاة فيجب عليها أن تقضي.

    وعلى هذا فلو دخل الوقت، ثم تأخرت مقدار نصف ساعة فيجب عليها أن تقضي على مذهب الشافعي و أحمد ، ولا يجب عليها أن تقضي على مذهب أبي حنيفة في رواية زفر عنه ومذهب مالك، ولو أدركت جزءاً بسيطاً من الصلاة مقدار ركعتين أو ثلاث في صلاة الظهر فإنه يجب عليها على مذهب أحمد ، ولا يجب عليها في مذهب الشافعي ومذهب مالك .

    وهذا القول فيه قوة، ودليله: قالوا: لأنا اتفقنا أن هذه المرأة، أو هذا المكلف لو أخر الصلاة بعد دخول وقتها إلى قريب من خروج الوقت فقد أداها في وقتها، فهو لم يأثم بالتأخير فلما لم يأثم بالتأخير، دل على أن ذلك من الواجب الموسع.

    قالوا: والقاعدة في الواجب الموسع: أنه من أدرك وقتاً يمكن أداء فعل العبادة فيه، ولو لم يفعلها وجب عليه قضاؤها، وإن لم يأثم في التأخير، لاشتغال ذمته بها.

    قالوا: ولنا دليل: أرأيت الرجل الذي وجب عليه قضاء رمضان بسبب عذر، فلما زال العذر وأمكنه أن يقضيه فلم يقضه لطول الواجب الموسع، ثم مات، فإنه لا يأثم بتأخيره؛ لأنه مدرك للوقت الموسع في حقه فلا يأثم، ومع ذلك وجب أن يطعم عنه، أو يصام عنه على الخلاف في ذلك.

    وهذا القول أقوى، وهو مذهب الشافعي رحمه الله.

    وعلى هذا فالمرأة التي دخل وقت العصر أو وقت الظهر في حقها، ثم بقيت بعد دخول الوقت مدة يمكن أن تؤدي الصلاة فيه فلم تؤد، وكان مقدار ما تؤديه في العادة هي سبع دقائق، أو عشر دقائق مع الطهارة تقريباً، فإنه يجب عليها أن تقضيها بعد زوال المانع.

    وأما إذا لم تدرك إلا مقدار أقل مما وجب عليها من الوقت الذي دخل، وهو أقل من أربع إذا كانت الظهر أو العصر، أو أقل من ثلاث إذا كانت المغرب، فإنه لا يجب عليها القضاء؛ لأنه لم يستقر في ذمتها، وهذا القول أظهر، والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.

    من زال عذره في وقت الثانية من العصرين أو العشاءين

    الشيخ: المسألة الأخرى: نحن قلنا: إذا زال المانع فإنه يجب قضاء الصلاة إذا كان قد أدرك أربع ركعات فأكثر، وأما إذا أدرك أقل فقد وقع خلاف، وقلنا: أنه إن أدرك مقدار ركعة بركوعها وسجودها فإن الراجح أنه يجب عليه أن يقضي، وأما إن أدرك أقل من ركعة فلا يجب عليه القضاء خلافاً للحنابلة.

    لما وجب عليه أن يؤدي هذه الصلاة التي هو في وقتها، فهل يجب عليه أن يؤدي الصلاة الأولى إذا كانت مما يجمع معها؟

    يعني الآن قبل غروب الشمس طهرت حائض، وأدركت أربع ركعات أو ركعة، فهل يجب عليها أن تؤدي الظهر مع العصر، وكذلك المغرب مع العشاء إذا طهرت قبل طلوع الفجر؟

    اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:

    القول الأول: ذهب عامة أهل العلم وهو قول بعض الصحابة، وذهب إليه الشافعية والحنابلة، وهو مروي عن ابن عباس ، و عبد الرحمن بن عوف ، و أبي هريرة ، أنه يجب عليها أداء الصلاة الثانية مع الأول، فلو طهرت قبل غروب الشمس وجب عليها أن تصلي الظهر والعصر، ولو طهرت قبل طلوع الفجر فيجب عليها أن تصلي العشاء والمغرب، هذا قول جمهور أهل العلم.

    واستدلوا على ذلك بأدلة، فقالوا: إن وقت الثانية هو وقت للأولى حال العذر، فصار وقتهما وقتاً واحداً حال العذر، فكما أن المسلم لو كان عنده عذر للجمع، فإن وقت الثانية يكون هو وقت الأولى حال العذر، فكذلك وقت الأولى هو وقت الثانية.

    قالوا: ولأنه روي عن عبد الرحمن بن عوف ، كما روى ذلك مولاه في مصنفي عبد الرزاق ، و ابن أبي شيبة ، وهو مروي عن ابن عباس ، كما رواه الدارمي .

    أنهما قالا: (الحائض إذا طهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر جميعاً، وإذا طهرت قبل طلوع الفجر، صلت المغرب والعشاء جميعاً).

    وهذا كما قلت هو قول جمهور أهل العلم، قال ابن خزيمة رحمه الله: ولا أعلم أحداً من الصحابة خالفهما، يعني: عبد الرحمن بن عوف و ابن عباس .

    ولكن الأقرب -والله أعلم- أن الآثار الواردة عن عبد الرحمن بن عوف في سندها ضعف؛ وذلك لأن مولى عبد الرحمن بن عوف مجهول كما قال الإمام أحمد ، والمجهول له حكم الضعف، وكذلك ما رواه الدارمي عن ابن عباس رضي الله عنه الذي يظهر أن في سنده أيضاً ضعف، فإنه يرويه يزيد بن أبي زياد عن ليث بن أبي سليم وهما ضعيفان.

    وأما حديث أبي هريرة فقد رواه حرب الكرماني في مسائله، وليس له إسناد، والذي يظهر أن ذلك لم يأتنا بإسناد صحيح عنهم، وأحسن شيءٍ في الباب هو أثر عبد الرحمن بن عوف ، فإن مولاه مجهول، ولكنه قد روى عنه الثقاة، فهو قابل للتحسين، لكنه ليس بذاك في القوة، هذا القول الأول.

    القول الثاني: مذهب مالك ، يقول مالك : إن أدركت الحائض خمس ركعات من وقت صلاة العصر إذا كانت مقيمة، أو ثلاث ركعات من صلاة العصر إذا كانت مسافرة، فيجب عليها أن تصلي الثانية مع الأولى، قال: لأن من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، وهذه المرأة إن أدركت ركعة زائدة على ما وجب عليها من العصر، فيجب عليها أن تصلي الظهر، وإذا كانت مقيمة فيجب أن تدرك قدر خمس ركعات، أربع للعصر وركعة للظهر، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ).

    هذا القول بناءً على تقعيد مذهب مالك في مسألة من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة.

    القول الثالث في المسألة هو مذهب أبي حنيفة و ابن حزم ، وهو اختيار شيخنا محمد بن عثيمين أنه لا يجب عليها أن تصلي الصلاة الأولى، لما جاء في الصحيحين من حديث معاذة العدوية أنها قالت لـعائشة : ( ما بال الحائض تؤمر بقضاء الصوم ولا تؤمر بقضاء الصلاة؟ قالت عائشة : أحرورية أنت؟ قالت: لست بحرورية ولكني أسأل قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة ).

    وجه الدلالة: أن الحائض يأتي عليها العذر قطعاً في وقت الصلاة، ولم تؤمر بالقضاء إذا فات الوقت، قالوا: فلا فرق حينما لم تؤمر بقضاء ما فاتها، بين أن تكون مما يجمع لها أو مما لا يجمع لها.

    أي: أنهم يقولون: إذا وجب عليها العصر فلأنها طهرت وقت العصر، قالو: وأما الظهر فإنه عندما دخل الوقت وخرج ما زال العذر قائماً، قالوا: إذا كان العذر قائماً فلا فرق بين أن تكون الصلاة مما يجمع لها، أو مما لا يجمع لها؛ لأنها داخلة في عموم قول عائشة رضي الله عنها: ( كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة )، وهذا القول قوي كما ترى، وقوته أن عائشة قالت: كان يصيبنا ذلك ولا نؤمر بقضاء الصلاة، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فالحاجة مقتضية أن يفصل في هذا، وهو أنه يجب عليك أن تقضي الصلاة إذا كان مما يجمع لها وقد طهرت، فلما لم يبين النبي صلى الله عليه وسلم مع دواعي الحاجة للتفصيل، فيقال: ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، فيقال: إن الصلاة الأولى سواء كانت مما يجمع لها أو مما لا يجمع لها لا يجب عليها القضاء، وهذا القول قوي من حيث الدليل.

    إلا أني أقول: إن القول الأول وهو أن تصلي معها ما يجمع لها كما روي عن الصحابة، ونسبه ابن تيمية رحمه الله كما في القواعد النورانية إلى جمهور أهل العلم، هو القول أحوط، ولعل ما روي عن ابن عباس و عبد الرحمن بن عوف أن ذلك على سبيل الاحتياط، والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.

    وعلى هذا فإذا طهرت الحائض قبل غروب الشمس، فإنها تصلي العصر إن أدركت ركعة فأكثر، وإن أرادت أن تصلي معها الظهر فهو أحوط، والله تبارك وتعالى أعلم.

    وإذا طهرت بعد العشاء الواجب عليها أن تصلي العشاء، فإن صلت معه المغرب فهذا أفضل وأحوط. والخروج من عهدة الطلب كما يقول الفقهاء مطلب.

    1.   

    صلاة من شك في دخول الوقت

    الشيخ: المسألة الأخرى: أجمع أهل العلم على أنه يجب أداء العبادة في وقتها، فلو أداها قبل وقتها لم تصح الصلاة منه إجماعاً.

    وفرع العلماء على هذه القاعدة مسائل: قالوا: لو شك في دخول الوقت هل يجب عليه أن يصلي؟ ولو صلى هل تصح منه أم لا؟

    مثاله: شخص قام من النوم وليس عنده ساعة، وكان قد نام بعد صلاة الفجر، قال: أنا لا أدري هل أذن الظهر أو لا؟ ما عنده شيء يثبت، لكن يستطيع أن يدرك ذلك بالسؤال، لكنه لا يريد أن يخرج من البيت، فخمن الوقت وقال: أظن أن الوقت قد دخل.

    إذاً: هو شاك في دخول الوقت فصلى، فهل تصح صلاته أم لا؟

    قال أهل العلم: لا يجوز أن يصلي الإنسان الصلاة إلا بعد اليقين أو غلبة الظن بدخول الوقت، فلو صلى وهو شاك لم تصح الصلاة منه.

    قالوا: لأنه يصلي وفي اعتقاده أن الوقت لم يدخل، ومن شروط الصلاة: اليقين في دخول الوقت، والأصل عدم دخول الوقت؛ لأن دخول الوقت طارئ.

    أما لو صلى بناء على غلبة ظنه بدخول الوقت فإنها تصح صلاته، شريطة أن يتيقن أو يغلب على ظنه أو -وهو مهم جداً- إذا لم يتبين له خطؤه بعد، وإلا وجب عليه أن يعيد.

    مثاله: لو كان هذا الشخص مأسوراً وليس عنده أحد يبين له الوقت، فتحين دخول وقت الظهر، فصلى بناءً على غلبة ظنه، فلما صلى وانتهى جاءه السجان وقال له: صلاتك غير صحيحة؛ لأن الوقت لم يدخل. هل نقول: تصح صلاته لأنه أداها باجتهاد؟

    الجواب: لا تصح صلاته بإجماع العلماء، لأنه لم يدخل الوقت.

    1.   

    تقليد الثقة في دخول الوقت

    الشيخ: المسألة الثانية: لو أخبره ثقة بدخول الوقت، فهل يجب عليه أن يتابعه ويصلي أم لا؟

    الجواب على ذلك أن نقول: لا يخلو من أحوال:

    الحال الأولى: أن يخبره ثقة بدخول الوقت وعنده يقين بخلاف قول الثقة، مثل لو أن حمد ثقة عندي، فقال لي: يا عبد الله الوقت قد دخل، وأنا أرى أن الوقت لم يدخل. فهل يصح متابعة حمد لي أو متابعتي لحمد؟

    أما متابعتي لحمد فلا تصح؛ لكن متابعة حمد لي ستجعله يؤخر الصلاة، فصلاته صحيحة. لكن لا يجوز لي أنا أن أتابع حمد في ذلك؛ لأنني سوف أصلي وفي يقيني أن صلاتي لم يدخل وقتها، ولهذا لا يجوز أن أصلي مع حمد على اعتبار أن ذلك فرض في حقي، وهذا بإجماع أهل العلم.

    الحال الثانية: أن يخبره ثقة بدخول الوقت، وهو يعلم ثقته، وليس عنده يقين ولا غلبة ظن، فإن أهل العلم قالوا: إذا أخبره ثقة بدخول الوقت، فإنه يجوز له أن يتابعه على ذلك.

    واستدلوا على ذلك بما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر : ( كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنان: بلال ، و ابن أم مكتوم الأعمى )، وجه الدلالة: أن ابن مكتوم وهو أعمى لا يدرك الأوقات إلا بإخبار ثقة بدخول الوقت، ومما يدل عليه ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر : ( وكان لا ينادي حتى يقال له: أصبحت )، وجه الدلالة: أن ابن أم مكتوم إنما كان يؤذن بخبر الثقة، فلما جاز لـابن أم مكتوم أن يؤذن بناءً على خبر الثقة، وكان ذلك بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا يدل على السنة التقريرية كما يقول علماء الأصول، وهذا قول واضح ولا إشكال فيه.

    الحال الثالثة: أن يخبره ثقة بدخول الوقت وليس عنده يقين بحاله، لكنه يشك في خبر ذلك الثقة، فليس هو خالي الوفاض كما في الحال الثانية، بل عنده شك في قوله؛ فهل يصح متابعة ذلك الشاك لخبر الثقة وليس عنده يقين؟

    بعض أهل العلم قالوا: إن ذلك لا يصح؛ لأنه لا يصح دخول وقت الصلاة إلا بيقين أو غلبة ظن، وهذا المخبر مشكوك في حق المكلف.

    والقول الثاني: قالوا: لا بأس بالصلاة خلفه؛ لأن شكه في ذلك مع يقين غيره يقويه فلا بأس بذلك؛ لأنه متابع وليس عنده يقين؛ فيجوز أن يقلد.

    والذي يظهر لنا -والله أعلم- هو القول الأول؛ لأننا نقول: إنه لو صلى شاكاً في دخول الوقت لم تصح الصلاة كما هو مذهب الحنابلة، فلا فرق بين أن يشك بدخول الوقت، أو يشك بخبر هذا الرجل، إلا إذا كان في سفر وأخبره ثقة من أهل البلد، وحاله أنه لا يدرك الوقت، فشكه حينئذ عن غير يقين وعلم، فإن كان شكه عن غير علم فلا بأس أن يتابع الثقة في ذلك؛ لأن الشك أحياناً يكون وسوسة من غير علم، وأما إذا كان هذا الشك مبنياً على علم؛ فإنّا نقول: لا يتابعه حتى يتيقن، والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.

    1.   

    تأخير الصلاة لوجود عذر

    الشيخ: المسألة الأخيرة في مسألة دخول الوقت.

    ذكرنا أن أفضل أوقات الصلاة أولها، هذا هو مذهب عامة أهل العلم، إلا صلاة العشاء فإن الأفضل التأخير إذا لم يشق ذلك على الجماعة، وكذلك الإبراد بالظهر وقت شدة الحر.

    وهنا مسألة: قالوا: ولا يستحب تأخير أداء الصلاة إلا لمتيمم يغلب على ظنه وجود الماء في آخر الوقت، أو حاقن، فيستحب للحاقن أن يصلي ولو آخر الوقت؛ لأجل ألا يصلي وهو حاقن، فلو افترضنا أن حاقناً دخل عليه الوقت، فيريد أن يبحث عن مكان لقضاء الحاجة، فأيهما أفضل في حقه: أن يصلي وهو حاقن، أم يؤخر الصلاة لأجل أن يصليها بخشوع؟

    قالوا: إن الصلاة بخشوع ولو كان آخر الوقت أفضل، من الصلاة أول الوقت بغير خشوع وهو حاقن، لأدلة، منها:

    الدليل الأول: لأن الصلاة وهو حاقن منهي عنها؛ لما جاء في الصحيحين من حديث عائشة : ( لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان )، فالصلاة مكروهة، وهذا قول عامة أهل العلم.

    وبالغ ابن حزم فقال: إن من صلى وهو حاقن فإن صلاته باطلة.

    والراجح مذهب الجمهور، وهو أن الصلاة صحيحة مع الكراهة.

    الدليل الثاني، قالوا: ولأن الفضيلة المتعلقة بذات العبادة أولى من الفضيلة المتعلقة بزمانها ومكانها.

    فإننا نقول: إن الصلاة أول الوقت أفضل؛ لأجل فضل الزمان، والصلاة وهو حاقن مدعاة إلى أن الصلاة وهي ذات العبادة تكون بغير خشوع، فمراعاة الفضيلة في ذات العبادة أفضل من مراعاتها في وقتها، فعلى هذا فالأفضل أن يؤخرها ليؤديها من غير احتقان.

    1.   

    تأخير الصلاة للمتيمم يرجو الماء إلى آخر الوقت

    الشيخ: ومن المسائل أيضاً مسألة المتيمم: فإن جمهور أهل العلم قالوا: إن الأفضل في حق عادم الماء إذا غلب على ظنه وجود الماء في آخر الوقت أن يصلي آخر الوقت؛ لأن الصلاة بالوضوء أفضل من الصلاة بالتيمم، وهذا مبني على مسألة التيمم هل هو رافع أم مبيح؟ فمن قال: إنه مبيح قال: إن الأفضل أن يصلي بما هو رافع وهو الماء.

    وعلى القول الثاني: أن التيمم رافع، وأنه مثل الماء حال العدم، فإن الأفضل أن يصلي أول الوقت ولو غلب على ظنه وجود الماء آخر الوقت؛ لقوله صلى الله عليه وسلم -كما في حديث أبي ذر و أبي هريرة : ( الصعيد الطيب طهور المؤمن، وإن لم يجد الماء، فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسّه بشرته، فإن ذلك خير)، والخيرية في الماء كالخيرية في التيمم، هذا هو الراجح؛ خلافاً لجمهور أهل العلم.

    ولعل في هذا كفاية، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وإلى لقاء جديد إن شاء الله، نستودعكم الله على أمل اللقاء بكم.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.